• المشرف على الواحة
  • د/ محمود ابو العزايم

الأمراض النفسية وعلاجها الروحي في الإسلام

الأمراض النفسية وعلاجها الروحي في الإسلام

الدراسات النفسية في التراث :-

إن من حق التراث علينا أن يكون هو النواة لكل دراسة يراد لها أن تجمع بين الطرف والتليد ،  وتربط  بين الحاضر والماضي المجيد. ويتأكد هذا في المجالات التي تقتصر معظم الدراسات فيها على ترسم خطى النتاج الحديث مع إغماض الطرف عن الجذور التي تساعد على تحقيق الانتماء إلى هذه الأمة في دينها وعلومها وتطبيقاتها على مدى العصور.. حتى سيطرت الهجانة على معظم مقولات العلوم وبلغ الأمر أن يزعم البعض أنه ليس في التراث مواقف تاريخية مدونة تجاه الأمراض النفسية ، وقد أتى هؤلاء من تغاير الأسماء ، وهولا يؤثر على حقيقة المسميات ، كما غفلوا عن أن علوما معروفة قد استضافت  حقائق هذا العلم ، فضلا عن شواهد التاريخ التي تدحض هذه الدعوى ، وأحدها تلك البيمارستانات التي أسست لرعاية المرضى عموما، وبخاصة من جهلت علته أو استعصت على الشفاء أو استطال زمنها. وبعضها يرجع إلى عشرة قرون خلت، وفي صكوك وقفها وسجلات إدارتها نمط عجيب من الرعاية والاهتمام، ولا مجال للتوسع في ذلك بل هي لفتة للموازنة بما هو معروف من أن علم النفس الحديث لا يزيد عمره عن مائتي عام..

هذا وإن الدراسات النفسية كانت تعتبر جزءا من علم الفلسفة عند اليونان، جريا على تفريع العلوم كلها عن شجرة الفلسفة، وهو ما مشى عليه ابن سينا ومن جاء بعده. على أنه طرأ فيما بعد مزج لطيف بين مقومات كل من علم النفوس والأخلاق والدين ، وكان التصوف هو المحضن الملائم بعد أن جمع مختارات دينية وأخلاقية ونفسية وفلسفية، وظهر هذا في مؤلفات الغزالي المختلفة كإحياء علوم الدين ، وكتاب الأربعين، وميزان العمل.. حتى اعتبر بحق : أول مؤسس لعلم النفس الإسلامي .

أما قبل ذلك فقد اشتملت على بعض المقولات رسائل إخوان الصفا كتطوير لما جاء عند الفلاسفة. وللغزالي نظرة حادة على انتماء علم النفس للفلسفة وهو يعتبر الريادة فيه للمتصوفة على مدى العصور إذ يقول في كتابه " المنقذ من الضلال "  وهو يستعرض معارف الفلاسفة وعلومهم:-

القدرة على مواجهة  في الأزمات النفسية العادية التي تطرأ على الإنسان ، ويرافقها الإحساس الإيجابي بالسعادة والكفاية، ويكون ذلك عادة بإشباع أكبر قدر من حاجاته الأساسية للأمن والحب وإثبات الذات والإنجاز والنجاح.

ومن المعايير الظاهرة لذلك أن تكون حياة الشخص النفسية خالية من الصراعات النفسية بين النوازع والرغبات أو الاتجاهات في مجال، ما من مجالات حياته، وخالية من العقد النفسية (أو الصراعات اللاشعورية) التي تعوق أداء النفس وكفايتها التفاعلية. وأصل مفهوم الصحة النفسية منبثق عما يسميه علماء الحياة : " تكيف الكائن الحي للبيئة المحيطة به " لكنه هنا (تكيف نفسي) يحكم على من لا يراعيه بأن هناك شكا في صحة حالته النفسية. وقد ازداد الاهتمام بالصحة النفسية حتى غدت علما شبه مستقل موضوعه الاهتمام برفاهية الإنسان وسعادته في جميع نواحي حياته وعلاقاته.

ومن هذا يتبين أن الصحة النفسية ليست هي مجرد الخلو من المرض، فإن هذا الخلو لا يستلزم قدرة الفرد على مواجهة الأزمات العادية، ولا يتبعه الشعور الإيجابي بالسعادة. كذلك ليست هي النتائج الفردية التي هي غاية للسعادة (الفردية) والكفاية ، لأنها لابد أن تصطدم برغبات الآخرين ما لم تكن مشروطة بالسعادة الاجتماعية فإن مراعاة التعامل الاجتماعي واجبة بحيث تتحقق النتائج الفردية إلى جانب الأهداف الاجتماعية.

كذلك (أخيرا) لا يمكن اعتبار الصحة النفسية مجرد العمل لسعادة المجتمع، لأن هذا بدوره لا يحتم سعادة الفرد وكفايته إلا إذا لاحظنا التلازم  بين نقص سعادة الأفراد ونقص السعادة للمجتمع بأسره.. وهذه الملاحظة شديدة الشبه بالتصوير للأثر الفردي والجماعي في القيام بفرائض الكفاية من حيث انبثاث النفع للجميع ، أو شمول الإثم لهم كلهم، في حيز ينفرد المبادر للقيام به بالأجر وحسن الذكر..

وقد حان الآن أن نستحضر من التراث المقابل لاصطلاح ( الصحة النفسية) لدى المعنيين بذلك من القدماء ، ولعلنا نجده في إحدى كلمتين هما (الرضا) و (الاعتدال) وهما كلمتان رددهما الغزالي كثيرا في دراساته النفسية ، وهما متصلتان ببعضهما اتصالا وثيقا، أما (الرضا) فهو الانعكاس الداخلي للشخص السوي، وأما (الاعتدال) فهو المظهر الخارجي لسلوكه. وقد قرر الغزالي أن منشأ أكثر الفضائل والرذائل هو من ثلاث قوى: قوة التخيل، وقوة الشهوة، وقوة الغضب، وشرح ما في كل منها من عون للنفس أو تثبيط لها. وبعد بيان طويل مليء بالتدليل والتمثيل والنظائر دعا إلى سلوك الاعتدال قائلا: والمحمود أن تكون معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انبساطها وانقباضها، ومهما أفرطت إحدى هذه القوى فكسرها بوسائل منها شغل النفس بالعلوم واكتساب الفضائل .

أما الرضا فهو نهاية المطاف لمراحل متدرجة تبدأ عند الغزالي بالابتهاج، فالاستبشار، فالارتياح، فالفرح، فالشرح، فالسرور، وأخيرا الرضا. ويفسر ابن تيمية المراد بالرضا بأنه شيئان: الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ، والرضا بالمصائب التي تحل به. وليس من ذلك الرضا بالكفر والفسوق والعصيان مهما سيق ذلك مساق الحرص على التكيف مع  البيئة والظروف المحيطة بالشخص (التوافق) بلغة علم النفس الحديث .

ومن الحقائق الإسلامية التي لا تدع مجالا لاتهام الإنسان واستزراعه في الشر والانحراف أن كل مولود يولد على الفطرة ".. وفي الحديث القدسي " إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا..، وأن الإنسان مأمور بتزكية النفس ومحذر من تدنيسها (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (3).

وهذه الأمراض النفسية لها مضاعفاتها المحققة في التصرف والسلوك السلبي والضار.. ولذا كان لابد من المبادرة إلى علاجها بشتى الوسائل.. وعن طبيعة المرض النفسي وحقيقته يقول ابن تيمية: مرض القلب نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته. فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار فلهذا يفسر المرض تارة بالشك والريب وتارة بالشهوة المحظورة.. ولهذا صنف (الخرائطي) كتاب " اعتلال القلوب " أي مرضها وأراد به مرضها بالشهوة.. و (مرض القلب) ألم يحصل في القلب كالغيظ من عدو استولى عليك، وكذلك الشك والجهل يؤلم القلب. ثم يقول عن (الاعتدال) مرض الجسم يكون بخروج الشهوة والنفرة الطبيعية عن الاعتدال ، كذلك مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال وهي الأهواء التي قال الله فيها (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم له (4) .

وعن (الرضا) نجد لدى عدد من الباحثين المعاصرين شبيه ما قرره الغزالي،  إذ  يربطون ربطا وثيقا بين (الرضا) وبين كل من الميل والاتجاه والتكيف والروح المعنوية العالية، وبعبارة أخرى: إن استجابة الشخص الأولى نتيجة الميل، وهذا الميل يولد الاتجاه الذي يؤدي بدوره إلى الرضا، والرضا يتفاعل مع البيئة فيستقر الفرد ويتكيف فإذا ما انتشر هذا التكيف أدى إلى ارتفاع الروح المعنوية في الجماعة والتجمع.

وبعد فإنه لا يختلف الأمر قديما أو حديثا ، في أن المرض هو ضد الصحة، وقد تميز الآن بالمفهوم المقابل لمفهوم الصحة النفسية بأية عبارة كانت..

تقسيم الأمراض النفسية :- 
إن ما يطلق عليه (الأمراض النفسية) ليس هو الوحيد في ميدان الأحوال الطارئة على فطرة الإنسان ووضعه السوي، فهناك زمر أخرى مشابهة في الدور من حيث إحداث الاختلال وإعدام التوافق أو التكيف.. ومن هنا يؤثر أكثر الكاتبين في دراساتهم أن يتطرقوا إلى (الأمراض العقلية) جنبا إلى جنب مع الأمراض النفسية، بل يضيفون إليهما ما يشكل (نقصا أو تخلفا عقليا) أو ما هو من قبيل الأمراض (السيكوسوماتية أي النفسجسمية) وهي أمراض ذات أعراض تنتج عزل حالات نفسية في حين تأخذ أشكالا بدنية، والاهتمام بها لتلافي تنازع الاختصاص بها لازدواج طبيعتها، وهذا فضلا عن زمرة أخرى لم يتناولها الطب النفسي وحده، بل كانت الغلبة في معالجتها للأخلاق والقانون أحيانا من مثل (انحرافات سمات الشخصية) كالجبن والغضب والخجل، أو (اضطرابات السلوك) كالكذب والسرقة، أو (اضطرابات العادات) لدى الناشئة، وهذا التوسع له ما يسوغه في ظل ما يلحظ من غموض وحيرة في حصر هذه الشرائح ، توزيعها. كما أن بينها قاسما مشتركا يجمعها هو أن موضوعها هو النفس (التي سبق تعريفها بما يميزها عن كل من الروح والجسم) ، كما أنها كلها تجانب الفطرة والحالة السوية الغالبة في الإنسان.

على أن الأجدر بالحديث عنه كمرض يراد علاجه ويؤمل شفاؤه عن قرب، وفقا للأصول ذات الطبيعة النفسية هو ما يطلق عليه (العصاب) وهو كل خلل وظيفي في السلوك لا يكون- بالرغم من إزعاجه- سببا كافيا لإدخال المصاب به إلى مستشفى الأمراض العقلية، وذلك كالقلق والاكتئاب والوسواس والهستيريا.

وقد أنصف عدد من الكاتبين في مشكلات الصحة النفسية حين تحاشوا رسم إطار عام لها أو مبادىء عامة مطلقة تصلح للتطبيق في النواحي الإيجابية للصحة النفسية. وأقاموا عذرهم في ذلك على أن المعلومات عن كثير من تلك المشكلات لا تزال غير كافية ، وهو ما جعلهم يقنعون بالتوجيهات المبدئية إلى أن يحظى هذا العلم الحديث بطابع الحصر والتحديد.. كما أشاروا- للتأكيد على موانع الإقدام على تلك المحاولة- إلى التعقيد الذي تتسم به مشكلات الصحة النفسية (إذا أريد تتبعها في الميادين التطبيقية المختلفة) بل إن قاموس أكسفورد  لعام 1970 يقول إن مفهوم الأمراض النفسية والعقلية قد اتسع في العقود الأخيرة ليشمل أكثر من حالات التعاسة العادية التي تصاحب حياة الإنسان. كما ذكر أن هناك اتجاها في بعض المجتمعات (التي تحاول التخلص من السمات الأولية للفقر) إلى إلحاق بعض مشاكل الحياة بمصطلح الأمراض النفسية.

ولا حاجة للتنويه في ضوء ما سبق إلى الدور الذي يقوم به العلاج الروحي قاطعا جهيزة هذا الغموض والتردد ، والذي لا يزداد مع الأيام إلا شدة وإمعانا في الاختلاف.
وفيما يلي تسليط بعض الأضواء على أشهر الأمراض النفسية:-

1 - القلق (ANXIETY)  
ويسمى في لغة التراث النفسي ويعرف بأنه هو الشعور بالخوف الزائد من شر متوقع، والإحساس بالعجز عن مواجهته. وهذه الحالة النفسية المرضية تتميز بعدم الرضا وعدم التأكد وبالاضطراب، وتنجم عن الخوف لكنه خوف مما يمكن أن يقع غالبا، أو مما كان قد وقع، أكثر منه خوفا من أوضاع مخيفة واضحة.

والتسمية بالحصار تذكر بالحالة النفسية التي تتصف بها بعض الفئات الضعيفة التي تلوذ بالحياد بدلا من الانتماء واختيار جبهة معينة  فتعيش في قلق بسبب هذا الموقف المضطرب. قال الله تعالى في شأن من لم تتح لهم ظروفهم أن يهاجروا ليعيشوا حياة دار الإسلام (أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ) (5) ويسمى هذا النوع (الحزن) بفتح الزاي ، إذا كان خوفا لشر متوقع وله حقيقة. أي يخشى وقوعه، فإن كان الشر قد وقع في السابق فإن أثره يسمى (الهم) ولذا جاءت الاستعاذة النبوية تجمع بينهما في جملة واحدة (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن)..أي من قلق ينشأ عن أمور ماضية لا يزال المرء يجش في ظل مخاوفها كالمصائب، أو ما ينشأ من أمور مستقبلية  كالوعيد والتهديد أو الخطر المتوهم.

ولعل مما يوجه الأبصار صوب العلاج الروحي ما لهذا المرض النفسي من جوانب متباينة بعضها منشؤه شعوري كالخوف أو الإحساس بالذنب أو مشاعر التهديد وبعضها لا شعوري ينشأ عن عمليات معقدة تعمل دون وعي، فلا سبيل إلى إدراك العوامل الباعثة، وإذا كان بعضه موضوعيا يمكن وضع اليد عليه لأنه منوط بخطر خارجي أو أذى متوقع فإن البعض الآخر عام غامض لا يرتبط بأي موضوع محدد، ولهذا يعبر عنه المختصون بأنه حالة من التوتر الشامل الذي ينشأ خلال صراعات الدوافع ومحاولات الفرد للتكيف، وهو مظهر للعمليات الانفعالية المتداخلة التي تحدث خلال الصراع أو الإحباط.

2- الاكتئاب  (DEPRESSION):- 
وهي حالة انفعالية تكون فيها الفاعلية النفسية الجسدية منخفضة وغير سارة، وقد تكون سوية أو مرضية وتشير المرضية منها إلى اليأس والشعور الساحق بالتفاهة. وبعبارة أخرى هو: فقد الاهتمام بالأشياء والعجز عن التركيز وإن بعض الحالات، المبالغ فيها قد تتميز بالشعور بالعجز والميل إلى التخلص من الحياة.. والاكتئاب إذا زاد تحول إلى اضطراب عقاب والاكتئاب كثيرا ما يصاحب القلق.

هذا وإن الاكتئاب في الدراسات التراثية لا يخرج عما يطلق عليه الهم والغم والكرب والحزن، لأنها هي الأعراض التي يطلق عليها في الطب النفسي الحديث " الاكتئاب النفسي".

3- الخور، وهو يدعى الآن: )النوراستينيا (NEURASTHENIA 
ويقصد به تقليد شكوى الغير، أو كما يقول الشاعر المهجري أبو ماضي:- 
أيها الشاكي وما بك داء  كيف تبدو إذا غدوت عليلا

وهو خلل وظيفي في السلوك يتصف صاحبه بالتعب غير السوي، والشكايات الجسدية غير المستندة لواقع، وهو نوع من العصاب، ووجه ما في التراث من تسميته بالخور أنه عبارة عن الجبن إزاء أمور لا يجبن عنها الآخرون الأسوياء، فهو ينبع من شعور ذاتي فردي يستروح إليه صاحبه دون أن يكون له حقيقة أو مسوغ .

ولا يخفى أن علاج هذا المرض يكمن في التسلي عن المصائب والتذرع بالصبر، وإدراك النعم الأخرى السابغة على الإنسان مهما ألحقت به من آلام، وسيأتي مزيد بيان لهذا الإجمال.

4- الوسواس القهري (OPSESSION):- 
وهر وجود فكرة أو انفعال أو إلحاح مستحوذ بصورة مرضية على فرد ما. وبعبارة أخرى: الانشغال بفكرة تافهة ظاهرا لكنها مسئولية على صاحبها بحيث يعجز عن مقاومتها أو إبعادها، وهي تقتحم تفكيره حتى تعطل اهتمامه بغيرها. وعليه يشعر الفرد) أنه ملزم بأداء عمل معين بدون قناعة، لكنه يقع تحت سيطرة هذا الشعور إلى حد العجز عن فالواقع أن الدين السماوي هو نظام إلهي متكامل واجب التطبيق باعتباره معيارا للحق الثابت، وهو هدف أساسي يتبعه كل ما عداه  لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).

ثم إن هذا لا ينطبق إلا على الدين الحق ، أي الدين السماوي قبل النسخ أو التحريف، فإن الأديان المحرفة، أو الأديان المخترعة من البشر ما هي إلا مجلبة لأضرار لأحد لها على الصحة النفسية للإنسان، بعد ضررها على الدين والعقل.

إن هناك كلمة وفيرة من المفاهيم الأساسية في التربية وعلم النفس في مجال العلاج، والقدر الأكبر منها مشترك في التعويل عليه، وتتميز إسلامية علاج ما بالربط الوثيق بين جوهره وبين التطبيقات الأصيلة في القرآن والحديث والتراث الإسلامي الذي نشأ في ظلهما. وكثيرا ما تتبين الريادة والسبق الإسلامي في أساليب نحسبها عصرية وذلك كلما تم الكشف عن مزيد من الثروة العلمية والعملية مما لا يفتقر إلا لبعض الروابط ليفهم بموازين العصر و طببقا لأساليب المعرفة الحديثة.

وقد اهتم الغزالي بالمعالجة النفسية بشكل لم يضاهه فيه غيره، وأودع ذلك في أكثر من كتاب في هذا المجال، ومن أهمها في موضوعنا ، كتابه " ميزان العمل " وكتابه " معارج النفس " فضلا عما في كتابه " إحياء علوم الدين لا من أبواب تحت اسم: كتاب شرح عجائب القلب، وكتاب رياضة النفس ومعالجة أمراض القلب وكتب عن التوبة، والصبر والشكر، والخوف والرجاء. ومما قاله في ميزان العمل: " القسم الثاني- من أقسام العلوم النافعة- العلم العملي وهو ثلاثة علوم (1) علم النفس بصفاتها وأخلاقها، وهو الرياضة ومجاهدة الهوى (وهو أكبر مقصود هذا الكتاب) 0 (2) وعلمها بكيفية المعيشة مع الأهل والولد والخدم والعبيد، فإنهم خدمك أيضا كأطرافك وأبعاضك وقواك. وكما لا بد من سياسة قوى بدنك من الشهوة والغضب وغيرهما فلابد من سياسة هؤلاء. (3) وعلم سياسة أهل البلد والناحية وضبطهم... وأهم هذه الثلاثة تهذيب النفس وسياسة البدن ورعاية العدل (الاعتدال) من هذه الصفات، حتى إذا اعتدلت تعدت عدالتها إلى الرعية البعيدة من الأهل والولد ثم إلى أهل البلد، " فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" .

إلا أنه يبقى الفرق واضحا بين العلاج النفسي والعلاج الروحي، وربما يتعين لإبداء الفرق الإلمام بأحدهما على الأقل وهو العلاج النفسي للانتقال إلى تفصيل الآخر.

صور العلاج النفسي معروفة للمختصين، ولغيرهم إلمام كاف بها، وهي المتبادرة كلما ذكر المرض النفسي ، والطابع المميز لها أنها قابلة للتجريب وخاضعة لأصول ومعايير ذات مرونة. ونحن في غنى عن التوسع فيها، ولا سيما مع اشتمال المؤتمر، على قدر كبير من التعريف بها، فهناك العلاج التحليلي، والعلاج السلوكي، ولكل منهما طرائقه، ومن الوسائل التي تذكر، ولها سندها من عموميات المباديء الإسلامية المتداولة في تراث علماء النفس والتربية والأخلاق

أ - التوجيه، ويعتبر أول الطرق الوقائية، وقوامه تقديم المشورة الهادفة إلى جعل تأثيرات المجال الذي يعايشه الشخص متلائما مع الاستعدادات المختلفة لديه سواء كانت استعدادات عقلية كالذكاء، أو انفعالية كالميول ، ويتصف التوجيه بالاستمرارية ولو حصل التدرج إلى إجراءات أخرى .

ب- الإرشاد: وهو أيضا طريقة وقائية تسلط الأضواء على أحسن سبل التعامل مع البيئة لحل بعض المشكلات التي لم تتصف بالتعقيد وذلك بهدف التعايش مع المجال الخاص بالشخص دون الإخلال بالتوازن بين الجوانب النفسية السوية.

ج - العلاج: بتقويم الانحراف في أنماط السلوك لدى الشخص، ويكون عادة بعد فوات فرص الوقاية. ولعل هذه إحدى الفوارق عن العلاج الروحي فإنه ليست هناك فرص تفوت بحيث تتوقف الإجراءات الوقائية، فإن تلك الإجراءات معظمها محل خطاب تكليفي من الشرع بدرجات متفاوتة من الفرضية العينية أو الكفائية أو الندب. 

وللعلاج النفسي خطواته من (الشكوى والتشخيص) وهي شكوى لتوصيف المرض، ثم (تفريغ الشحنة الانفعالية) للتعبير عن أسباب الاضطراب.. وهذا ما يتم عن طريق طلب النصيحة والحرص على استشارة المؤتمن.. والتعاون على البر والتقوى.

كما أن هناك (الاستبصار) المراد منه إدراك الدوافع التي كان الشخص غافلا عنها أو عاجزا عن إدراكها، وما أشبه هذا بتعريف الإنسان عيوبه في مناجاة الناصح غير المتتبع للعثرات، وفي ظل مبدأي (الحسبة) و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنح) . ومن ثم يتم (تغيير السلوك) باكتساب الاتجاهات الجديدة والعادات الفضلى ولابد مع ذلك من (المتابعة) التي  ستوثق بها من تمسك الشخص بمكتسباته .

هذا، وإن مثل هذه الإجراءات والوسائل للعلاج النفسي لا تعدو أن تكون عبارة عن قوالب لتنظيم المواقف الواجب اتباعها تجاه الحالات المرضية دون أن تتطلب- بالضرورة- الالتزام بمعطيات محددة في استحضار نوع خاص من (القيم) أو أنماط معينة من السلوك محكوم عليها من وجهة نظر خاصة بأنها سوية. فلابد لمنحها الثقة أو حجبها عنها من تحري ما تشتمل عليه هذه الوسائل وما تكون وعاء له من تصرفات ليست محل تحفظ شرعي. وإلا فما جدوى علاج يشفي عللا ثانوية ويحدث شرخا في أركان الشخصية الإسلامية.

فإذا روعيت هذه الضوابط فإن المعالج مطلق اليد في التصرف بحكمة والأخذ برصيد معرفة مسلمة لديه آثارها ومأمونة عواقبها ، وملحوظ فيها كل ما يحقق الحظوة للعليل، فإن المجال هنا مجال النفس في مشاعرها وأحاسيسها وليس الجسم في عضويته الآلية.. وللمعالج المسلم استراتيجيته في خطوات العلاج وما يسبقه من توجيه وإرشاد، وفي الإرشاد متسع ل سلوك أكثر من منحى يتناسب مع مقتضى حال المسلم الكامل، وبدون التعويل على (القيم السليمة) والسعي إلى ذيوعها واستحواذها على اهتمام الفرد والتأييد الطوعي التلقائي للمجتمع ستظل الحالة المرضية هي السائدة ، ذلك أن عدم تأصيل القيم السليمة لدى الأفراد والتناقض بين قيم الفرد وما يجده في المجتمع المحيط به هما عاملان في إيجاد أنماط الشخصية غير السوية في حين أن هدف الإرشاد النفسي هو الصحة النفسية لدى الأفراد كخطوة في سبيل صحة المجتمع .

وهناك- كما في بحث الدكتور محمد رفقي فتحي عيسى، عن علاقة الإرشاد بالقيم- منهجان: (أحدهما) يهتم (بتوضيح القيم) عند الأفراد بمساعدتهم على استجلاء ما لديهم منها عن طريق الأسلوب الحواري بمناقشات محايدة لا يتدخل فيها المرشد. و (الثاني) يهتم (بإخضاع القيم) إلى سلم ارتقائي معياره الالتزام بالواجب بمناقشات أخلاقية تهدف للمستوى الأعلى.. وهذه الدراسة ترى أن في كل منهما عيبا، يكمن في افتراض نسبية القيم وعدم الخلوص إلى حل الصراع النفس في المنهج الأول ، وفي غموض المعيار وعدم الثبات أو الشمول وعدم اتساق المراحل في المنهج الثاني.. ولذا لابد إبدال هذين المنهجين بمنهج آخر هو (تصحيح القيم) وهي عملية تحليل القيم بعد توضيح المعيار الأسمى المتمثل في البناء القيمي الديني المنبثق من الدين الجامع الخاتم (الإسلام) المتميز بالعصمة والثبات والصدق والشمولية. ولئن كانت العمليات متشابهة في كل من توضيح القيم وتصحيحها فإنها في التصحيح تتميز بتحديد القيمة السليمة فتوقظ أسمى قيمة وهي (الإيمان) ويطمئن القلب والوجدان لها كمعيار فضلا عن اتخاذ موقف من البدائل المزيفة وتكون الممارسة للقيمة باعتبارها معيارا يتم الرجوع إليه في الموقف المشكل.

اعلى الصفحة



العلاج الروحي للأمراض النفسية