مقالات د .محمد المهدى

أنماط التدين

د0 محمد المهدي

استشاري الطب النفسي

واحة النفس المطمئنة

الدين الحق هو اسم لكل شيء يعبد الله به ، وهو واحد لأنه نزل من عند الإله الواحد ، ولكن عند تناول البشر ، لهذا الدين وتطبيقه في حياتهم يختلف مأخذ كل منهم له وطريقة تطبيقه ويرجع هذا الاختلاف الى ثلاثة عوامل :

(1)العامل الأول:

ان الدين رغم وحدته ألا أنه يتفرع الى عناصر متعددة ، ففيه الجانب الاعتقادى والعبادات والمعاملات والأخلاق وكل شخص يأخذ من هذه الجوانب بقدر يختلف عن الشخص الآخر0

(2) العامل الثاني :-

ان الانسان رغم فرديته الظاهرة ألا أنه يتكون من عناصر ونشاطات متعددة اختلف وصفها وتطبيقها الصحيح حسب الاتجاهات والمدارس النفسية ففيه اللاشعوري ، وما تحت الشعور والشعور وفيه ألهو والانا الأعلى ( في نظر مذهب التحليل النفسي) وفيه ذات الطفل وذات اليافع وذات الوالد ( في نظر مذهب التحليل التفاعلات لاريك بارن) وفيه الذات المثالية والذات الواقعية والاذات الحقيقية( حسب رؤية كارين هورني) وحتى في النظرة الدينية نجد ان الانسان فيه النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة والنفس المطمئنة 0

(3)العامل الثالث:

يتميز الدين الإسلامي بتعدد مستوياته والتي يرقي فيها الانسان من مستوى الى آخر في خط تصاعدي كلما اجتهد في فهم وتطبيق هذا الدين ، وهذه المستويات هي الاسلام والأيمان والإحسان ( كما ورد في الحديث الذي رواه عمر رضي الله عنه) 00 أذن فنحن أمام إنسان متعدد العناصر(رغم وحدته الظاهرة) يتفاعل مع دين متعدد الفروع والمستويات(رغم وحدته الحقيقية أساسا ومصدرا " ومن هنا ينشأ الاختلاف في الخبرات الدينية من شخص لآخر ، وهو ما نراه في اختلاف درجة ونوعية تدين الأشخاص والجماعات ولكي نفهم أكثر مصدر هذا التنوع فلا بد أن نعرف ان نشاطات الانسان النفسية يمكن حصرها في ثلاث دوائر : دائرة المعرفة ودائرة العاطفة (الانفعال أو الشعور) ودائرة السلوك (الإرادة والفعل ) ومن هذا التعدد نورد النماذج التالية من الخبرة الدينية (التدين ) التي نراها في حياتنا اليومية 0

  1. التدين المعرفي :الفكري

    وهنا ينحصر التدين في دائرة المعرفة حيث نجد الشخص يعرف الكثير من أحكام الدين ومفاهيمه ولكن هذه المعرفة تتوقف عند الجانب العقلاني الفكري ولا تتعداه الى دائرة العاطفة أو السلوك فهي مجرد معرفة عقلية وبعض هؤلاء الأشخاص ربما يكونون بارعين في الحديث عن الدين أو الكتابة فيه وهم مع هذا لا يلتزمون بتعاليمه في حياتهم اليومية 0

  2. التدين العاطفي ( الحماسي)

    وفي هذه الحالة نجد أن الشخص يبدي عاطفة جارفة وحماسا كبيرا نحو الدين، ولكن هذا لا يواكبه معرفة جيدة بأحكام الدين ولا سلوكا ملتزما بقواعده، وهذا النوع ينتشر في الشباب خاصة حديثي التدين 0 وهي مرحلة يجب إكمالها بالجانب المعرفي والجانب السلوكي حتى لا تطيش أو تتطرف أو تنمحي 0

  3. التدين السلوكي (تدين العبادة ):

    وهنا تنحصر مظاهر التدين في دائرة السلوك ، حيث نجد أن الشخص يقوم بأداء العبادات والطقوس الدينية ولكن بدون معرفة كافية بحكمتها وأحكامها وبدون عاطفة دينية تعطي لهذه العبادات معناها الروحي ، ولكن فقط يؤدي هذه العبادات كعادة اجتماعية تعودها وهذا النوع يمكن أن يكتمل ويرشد بإضافة الجانب المعرفي وأيقاظ الجانب الروحي 0

  4. التدين النفعي (المصلحي):

    في هذه الحالة نجد أن الشخص يلتزم بالكثير من مظاهر الدين الخارجية للوصول الى مكانة اجتماعية خاصة أو تحقيق أهداف دينوية شخصية وهؤلاء الناس أصحاب هذا النوع من التدين (أو التظاهر بالتدين) يستغلون احترام الناس للدين ورموزه فيحاولون كسب ثقتهم ومودتهم بالتظاهر بالتدين والشخص في هذه الحالة يسخر الدين لخدمته وليس العكس ، وتجده دائما حيث توجد المكاسب والمصالح الدنيوية الشخصية وتفتقده في المحن والشدائد0

  5. التدين التفاعلي ( تدين رد الفعل ) : نجد هذا النوع من التدين في الأشخاص الذين قضوا حياتهم بعيدا عن الدين يلهون ويمرحون ويأخذون من متع الدنيا وملذاتها بصرف النظر عن الحلال والحرام ،، وفجأة نتيجة تعرض شخص من هؤلاء لموقف معين أو حادث معين ، نجده قد تغير من النقيض الى النقيض ،فيبدأ في الالتزام بالكثير من مظاهر الدين ، ويتسم تدينه بالعاطفة القوية والحماس الزائد ، ولكن مع هذا يبقي تدينه سطحيا تنقصه الجوانب المعرفية والروحية العميقة: وفي بعض الأحيان يتطرف هذا الشخص في التمسك بمظاهر الدين حفاظا على توازنه النفسي والاجتماعي وتخفيفا للشعور بالذنب الذي يلهب ظهره وهذا النوع لا بأس به إذا وجد المجتمع المتقبل والمرشد لهذا الشخص التائب المتحمس ليكمل طريقة ويصعد مدارج السالكين برفق ورؤية 0

  6. التدين الدفاعي (العصابي)

    قد يكون الدين دفاعا ضد الخوف أو القلق أو الشعور بالذنب أو تأنيب الضمير أو دفاعا ضد القهر والإحباط ، وفي هذه الحالة يلجأ الفرد الى التدين ليخفف من هذه المشاعر ويتخلص منها 00 وكلما زادت هذه المشاعر قوة كلما كان اتجاهه للدين أقوى ، ولا باس في ذلك ألا أن هذا التدين تنقصه الجوانب الروحية وجوانب المعاملات والنواحي الأخلاقية في الدين 0 ويحدث هذا النوع أيضا في بعض الأشخاص الذين يشعرون بالعجز في مواجهة متطلبات اختماءا به في مواجه الصعوبات التي عجزوا عن مواجهتها وإيثارا للراحة في سبيل بعض المفاهيم شبه الدينية ، فنجد الشخص من هؤلاء قد أهمل دراسته أو عمله أو مسئولياته وتفرغ لممارسة بعض الشعائر الدينية التي لا تتطلب جهدا أو مشقة وهدفه (غير المعلن) من ذلك هو تغطية قصوره وعجزه والهرب ن المواجهة الحقيقية مع الواقع 0

  7. التدين المرضى(الذهاني)

    نواجه هذا النوع أثناء عملنا في العيادات والمستشفيات النفسية في بعض المرضى مع بدايات الذهان (المرض العقلي) حيث يلجأ المريض الى التدين في محاولة منه لتخفيف حدة التدهور والتناثر المرضى ولكن الوقت يكون قد الوقت قد فات فتظهر أعراض المرض العقلي مصطبغة ببعض المفاهيم شبه الدينية الخاطئة ، فيعتقد المريض ويعلن أنه ولى من أولياء الله أو أنه نبي بعث لهداية الناس ، أو أنه المهدي المنتظر ويتصرف على هذا الأساس وعلى الرغم من فشل هذه المحاولة المرضية ألا أنها دليل على دور الدين في المحافظة على الشخصية في مواجهة التدهور والتناثر وبمعني آخر نقول : ان التدين دفاع نفسي صحي ولكن بشرط أن يكون في الوقت المناسب وبطريقة منهجية مناسبة 0

  8. التطرف : وهو يعني الغلو في جانب أكثر من جوانب الدين بما يخرج الشخص عن الحدود المقبولة التي يقرها الشرع ويجمع عليها علماء الدين

 ويمكن تقسيم التطرف الى أنواع :-

التطرف الفكري :حيث يصعب النقاش مع هذا الشخص حول ما توصل أليه من أفكار وينغلق على فكرة فلا يقبل فكر أو رأيا آخر( أسامة الشربيني 1989)00

  1. التطرف العاطفي: وقد يكون التطرف في مجال العاطفة حيث تصبح عواطف الشخص كلها متركزة على الجوانب الدينية ويصبح شديد الحساسية من هذه الناحية شديد المبالغة في الانفعال بها0

  1. التطرف السلوكي : وهنا نجد الشخص يبالغ مبالغة شديدة في أداء الشعائر الدينية الظاهرية بما يخرجه عن الحدود المقبولة شرعا وكأن هذه الشعائر هدف في حد ذاتها لذلك نجد أن هذه الشعائر تخلو من معناها الروحي بل ان التطرف في مجال الفعل قد لا ينتهي عند حدود تصرفاته الشخصية ، بل يتجاور ذلك الى مجتمعه ، فيقوم بإلزام الآخرين لكي يسلكوا مثله وإذا أبو ذلك ربما يقوم بالاعتداء عليهم 0

(9) التصوف: وهو تجربة ذاتية شديدة الخصوصية يمر بها قليل من الناس لهم تركيب اجتماعي وروحي خاص ولذلك فليس من السهل التعبير عنها بالألفاظ المعتادة لأنها تحدث خارج حدود الألفاظ ولكننا نستطيع أن نقول على وجه التقريب أنه في هذه الخبرة التصوفية يمر الشخص بفترة معاناة شديدة بين كثير من المتناقضات ثم فجأة يحس أن هناك شيئا هائلا قد حدث وكأنه ولد من جديد فاصبح يرى نفسه ويرى الكون بشكل مختلف تماما ويحس ان كثيرا من صراعاته قد هدأ وأن كثيرا من الحجب والأقنعة قد كشفت وأنه قد توحد مع الكون وعلى الرغم من عمق هذه التجربة وسحرها ألا أنه تبقى خبرة شخصية غير صالحة للتعميم وهي فوق ذلك خبرة خطرة غير مأمونا حيث تختلط فيها الإلهامات بالوساوس فيرى بعضهم أشياء يعتقدها الهامات روحانية في حين أنها ربما تكون وساوس شيطانية أذن فهي منطقة تيه وخطر 0

  1. التدين الأصيل :

وهذا هو النوع الأمثل من الخبرة الدينية حيث يتغلغل الدين الصحيح في دائرة المعرفة ودائرة العاطفة ودائرة السلوك فنجد الشخص يملك معرفة دينية كافية وعميقة وعاطفة دينية تجعله يحب دينه ويخلص له مع سلوك يوافق كل هذا وهنا يكون الدين هو الفكرة المركزي المحركة والموجهة لكل نشاطات هذا الشخص (الخارجية والداخلية) ونجد قوله متفقا مع عمله وظاهرة متفقا مع باطنه في انسجام تام وهذا الشخص المتدين تدينا نجده يسخر نفسه لخدمة دينه وليس العكس وإذا وصل الانسان لهذا المستوى من التدين الأصيل شعر بالآمن والطمأنينة والسكينة ووصل الى درجة من التوازن النفسي تجعله يقابل المحن والشدائد بصبر ورضى وإذا قابلت هذا الشخص وجدته هادئا سمحا راضيا متزنا في أقواله وافعاله ووجدت نفسك تتواصل معه في سهولة ويسر وأمان 0

وبعد هذا الاستعراض لتلك الأنواع من الخبرة الدينية ربما يسأل سائل كيف نفرق الأنواع المرضية من الأنواع الصحية في الخبرة الدينية ؟ وللإجابة على هذا التساؤل نقول :

ان هذا الأمر ليس سهلا في كل الحيان ولكن هناك صفات عامة تميز التدين المرضي (أو المنقوص) نذكرها فيما يلي :-

تضخيم قيمة اللفظ على حساب المعنى ، واعلاء قيمة المظاهر الخارجية للدين على حساب المعني الروحي العميق للدين ، واعاقة النمو النفسي والاجتماعي والروحي ، واعاقة التكامل الشخصي والانشقاق بين ما يبديه الشخص من مظهر ديني وبين ما يضمره من أفكار وأحاسيس والميل للاغتراب بعيدا عن حقيقة الذات والتعصب والتشدد خارج الحدود المقبولة شرعا ، وتضخيم ذات الشخص وتعظيمها والرغبة في السيطرة القهرة على فكر ومشاعر وسلوك الآخرين ثم الرفض الصلب والعنيد لأي رأي آخر مع القدرة على تحمل المناقشة الموضوعية ، وأخيرا تحقير الذات وما يستتبع ذلك من الميل الى السلبية والهروب من مواجهة الواقع 0

الادمان والضرورة الزائفة :

عندما نتحدث عن الادمان فنحن نتحدث عن حالة يعاني فيها بعض الأفراد من وجود رغبة ملحة في تعاطي مادة ما بصورة متصلة أو دورية بحيث يكمن وراء هذا التعاطي رغبة في الشعور آثار نفسية معينة أو لتجنب آثار مزعجة ضاغطة تحدث عند عدم استعمال هذه المادة وهنا تظهر الضرورة الزائفة حيث يقنع المدمن نفسه بأن الأمر ضروري ولا فكاك منه ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍000 ويعد الادمان مفتاحا لكل الشرور يحرق أعصاب صاحبه وينتزعه من حضن أسرته ومجتمعه ويدفع صاحبه الى الاستدانة والاختلاس والتزوير والعدوان على الآخرين 0 والمدمن يؤكد ذاته من خلال الهزيمة والتهرب من الواقع وعدم القدرة على مواجهته بصدق وارادة وهو ثائر ومنتقم يتأثر من أعدائه الوهميين والحقيقتين فيتحداهم بإصراره على الادمان فنراه في غالب الأحيان يضمر العداء للزوجة إذا كان زوجا ويضمر الكره للأولاد إذا كان أبا وهو يدمن ويتعاطى ما يتعاطاه من مواد سامة تحديا لهم وتشفيا فيهم وإذلالا لمعنوياتهم ‍‍‍‍00 ويعد هذا الشعور المخجل من الأمراض النفسية الخطيرة التي تعبر عن الجوع النفسي تجعل صاحبها مصابا بجنون السيطرة والعناد لكل من يقف في سبيله أو يحاول ان يمنع هذا السلوك المخجل 0والغريب في أمر المدمن انه يستأنس بالأذى والألم فهو لا يتعظ بما يحدث له فالجوع العضوي والمعنوي والمادي يجعله لا يدرك أي شيء فهو لا يعرف قيمة الزمن ولا يعترف بمرور الأيام،وما تتطلبه من إنجازات ومهام وأفعال تحتاج أليها أسرته ويتطلع أليها أولاده ، وترقبها بعين الأمل للإنسانية كلها0 وتتميز شخصية المدمن ببعض الملامح المعبرة عن الجوع النفسي وسوء التوافق الشخصي والاجتماعي وهذه الملامح توضح لنا كيف يدمر الادمان شخصية الفرد وكيف يمثل الادمان عائقا خلقيا ينبغي ان نتنبه له ونعمل على محاربته وهذه الملامح هي :-

  1. الاتكالية وعدم النضج الانفعالي :-

    الشخص المدمن يكون دائما غير قادر على الاعتماد على نفسه فهو يصبح عاجزا عن الاستقلال عن والديه ولا يستطيع لفرط توتره وشدة حساسيته ان يكون علاقات ثابتة وهادفة مع الآخرين وتتميز عواطفه بالتقلب وعدم الاستقرار واختلال الاتزان العاطي والوجداني 0

    وكثيرا ما نراه لا يستطيع ان يستمر على حال واحد لمدة طويلة فهو متقلب المزاج سريع الهياج0

  2. السلوك العدواني والإسراف في حب الذات :

    يتميز سلوك المدمن بالعدوان فهو يريد أن يحقق كل ما يرغبه وفي سبيل تحقيق رغباته العارمة والمسيطرة عليه يحطم كل العوائق ويرتكب أبشع الجرائم في سبيل الحصول على ما يريد فهو يحب الإشباع الفوري ويميل الى كل ما يحقق رغبته في الحال حتى ولو على حساب الآخرين فإذا اقتضت الضرورة في سبيل الحصول على ما يحقق رغباته أن يسحق جماجم الآخرين فنراه يسحقها دون وجل أو ندم ‍‍‍‍‍‍ وهو يحب نفسه ويسرف في نرجسيته فلا يستطيع الصبر أو تقبل التأجيل ومن الصعب بطبيعة الحال إرضاؤه لأنه لا يعرف على وجه التحديد ما هي الأمور التي ترضيه ، وما التصرفات التي تشبع أنانيته ونرجسيته0

  3. الضعف والوهن وقلة الحيلة :

    ويصاب المدمن بالضعف الجسمي والوهن العضلي مما يفقده حيويته ويقضي على العوامل العضوية المنشطة فيه ، وهو بهذا الادمان يحكم على نفسه بالارتخاء العصبي الذي يصيب مكامن حيويته فيجعله في صورة شاذة لا يقوي على شيء ولا ترغب نفسيته في أي شيء شخصيته متقاعسة قليلة الحيلة لا تستطيع تحت وطأة التخير أن تبدى رأياه أو تأتي فعلا أو توظف ارادة0

  4. شخصية تعذب نفسها لشدة توترها وتبرمها :

    وتتسم شخصية المدمن بالماسوئيه (أي المحبة لتعذيب نفسها) فهي تحب أن تبدو غاضبة لأقل الأسباب وتحطم الأشياء لاتفه الأمور ، وهي تشعر بالقلق والتهديد والإحساس المستمر بالرغبة في التعبير عن الغضب ، وهو يلجأ الى" التعاطي" عند مواجه أي موقف وكأنه يضع لنفسه "شرنقة من التحذير فيظن وهما أنها تحميه من المواجهة وتدفع عنه الغضب فهو يعذب نفسه من خلال عدم المواجهة ويتفرج على خيبته عند اصطدامه لفشله في تقديم الحلول الإيجابية فيلوذ بالانسحاب ويستمر العذاب ويستسيغ التمزق والقلق الذي يشعر بهما من جراء أفعاله ومخدراته 0

  5. شخصية لا تقدر الذوق والكياسة الاجتماعية :

وتتميز شخصية المدمن بالخروج على السائد المألوف من الأعراف والقيم فهي شخصية قد " خلعت برقع الحياء وارتضت لنفسها أن تكون موضع تهكم وتهجم من جميع أفراد المجتمع ، والمدمن يميل الى أن يدعي الأدب والمسايرة السوية للجماعة لكنه غالبا ما يفضح الادمان تصرفاته والفاظة بحكم المناخ الملائم الذي يعيش بين جوانبه أثناء التعاطي واعتمادا على المعجم اللفظي الخاص بجماعة رفاق السوء وتظهر منه وتتضح عليه كل عوامل قلة الذوق وما يصاحبها من تصرفات تعبر عن عدم احترامه للتقاليد والأصول والواجبات الاجتماعية ، أو أنه لا يهمه ان يكون مهذبا ومقبولا من الجماعة لكل هذه الأمور الخطيرة التي تمثل إعاقة خلقية ينبغي أن نهتم بظاهرة الادمان على المخدرات بكل أنواعها بحيث يكون الاهتمام موجها بطريقة إرشادية وعلاجية توضح لكل من يتصور وهما من المدمنين أنه مجبر على التعاطي و أن حريته وارادته في أمر رفض الاستمرار في هذا السلوك ليست سوى وهو من اللآوهام وكأنه قد كتب عليه هذا المصير المشئوم مصير الاستمرار في تعاطي المخدرات ولا أمل في العلاج0

والواقع ان هذه الضرورة الزائفة تتسبب في أحداث بعض الاضطرابات الانفعالية التي يصاب بها بعض المدمنين والتي تنبه الى خطورة الموقف وتظهر بجلاء الإعاقة الخلقية في صورتها الاجتماعية والشخصية فتعبر عن اضطراب هؤلاء وتظهر هذه الاضطرابات من خلال مجموعة الأعراض الآتية :

الشعور بالسعادة الزائفة :

قد يشعر المدمن بالراحة من جراء التعاطي فتظهر عليه بعض أعراض الاسترخاء، فيرى أن الأمور تسير في طريقها الطبيعي ووفق مزاجه وليس في الإمكان أفضل من ذلك 0

وبطبيعة الحال فان هذا الشعور يمثل تقييما خاصا من المدمن لما هو عليه من هوس وفصام في الشخصية فهو اعتمادا على عزلته عن الواقع يستشعر هذه السعادة وتلك الغبطة وحسن الحال وإذا كان هذا العرض يجعل المدمن يبدو منبسطا مهروسا فان هذا الانبساط يعبر عن سعادة زائفة مؤقتة ،وتسمي هذه الحالة المرضية (الشعور بالسعادة الزائفة) فهو يفقد احترام الآخرين ويحظى باستيائهم ومع ذلك يستشعر هذه السعادة الزائفة ، مما يثير الدهشة 0

جنون العظمة والتضخيم : يشعر المدمن بحالة شديدة من الشعور بالعظمة والقدرة الفائقة فيتصور وهما أنه مخترع عظيم ، وله قدرة خيالية فائقة وأنه أقوي وأذكي شخص في الوجود فيصاب بجنون العظمة فلا يستمع الى النصائح ولا يحترم رأيا ويهاجم من تسول له نفسه أن يقدم له النصيحة أو يفتش فيه عن عيوبه وتسمى هذه الحالة المرضية " بالنفخة الكذابة " 0

  1. الاستكانة والإحساس بالنشوة : وهو شعور مرضى يمتلك "المدمن" ويسطر عليه فنراه ساكنا مسالما في بعض الأحيان وقد نجده في بعض الأحيان يبدو متدينا عميق الفكر ، يثير بعض القضايا الخلقية ألا أنه يتقمص بغباء هذا الدور المزيف ويلبس دون وعى رداء لا يليق عليه فغالبا ما ينكشف أمره فيعود الى البذاءة وطول اللسان خاصة عندما تضغط عليه مواعيد التعاطي وتلح عليه الحاجة الضاغطة أليها ، وتزن في رأسه آثارها وإلحاحها ودعوتها السافرة العفنة وتسمى هذه الحالة المرضية Eectasy 0

  2. وهناك بعض الأعراض المؤذية المدمرة والمشبعة بأحاسيس غير سارة نوجزها فيما يلي :

الإحساس بالأسى والحسرة :

وهنا نجد المدمن يظهر بمظهر الذي يعاني من آلام واحزان عميقة ، وذلك الشعور بالإحباط والفشل عن مسايرة الجماعة أو أنه لا يقوي على أن يكون صاحب رأي فهو مستهجن مكتئب ويسيطر عليه الشعور بالذنب والإحساس بتأنيب الضمير ويلاحظ ان هذا لاشعور يعتبر أول خيط من خيوط العلاج النفسي للإدمان لأنه الشعور الذي ينتاب المدمن ويعبر من خلاله عن إحساسه بفظاعة هذه الإعاقة الخلقية ويعتبر أول خطوة هامة من خطوات العلاج من الادمان هذا إذا عرض المدمن نفسه آسفا متحسرا على سلوكه وعقد العزم على العلاج من هذه الآفة السلوكية الخطيرة 0

(2)الاكتئاب الحاد:

وهو الانفعال الذي يصاب به المدمن فتسيطر عليه الأفكار السوداوية فنراه مترددا موسوسا وشكاكا فهو لا يستطيع أن يتخذ أي قرارات وهو يشعر بأنه لا قيمة له وان كرامته مهدرة فيبدأ في تضخيم الأمور " يعمل من الحبة قبة " ويشكو من الرق وقلة النوم وفقدان الشهية وتوهمه لأمراض كثيرة وأحيانا تراوده أفكار ضاغطة لالحاق الأذى بنفس0

  1. القلق الزائد المتطرف :

وهو شعور ينتاب المدمن فيغلب عليه الخوف والتوتر دون ان يعرف سببا مباشرا لهذا الخوف وذلك التوتر ، ويصاحب هذا القلق أعراض شديدة في الجهاز العصبي اللاإرادي وتظهر في شكل جفاف الحق وسرعة دقات القلب وتصبب العرق البارد مع ارتعاش في الأطراف واحساس باختناق في الرقبة وهمدان في الجسم 0

التناقض العاطفي وعدم الاتزان الوجداني :-

التناقض العاطفي وعدم الاتزان الوجداني كملمح من ملامح الانفعالات المضطربة التي يصاب بها المدمن فأحيانا نراه يضحك ويبتسم دون داع أو سبب معين ، ثم لا يلبث أن ينخرط في البكاء دون أن يكون هناك مثير خارجي يستلزم ذلك ، ويستمر في الانتقال المرضي من حالة انفعالية الى أخرى يعاني من انفصام في شخصيته مما يجعله غريبا على نفسه ، وأكثر غرابة بالنسبة للآخرين 0

اختلال وتصدع الشخصية :

وهنا يشعر المدمن بأن شخصيته قد تغيرت وان البيئة التي يعيش فيها تنظر أليه على انه شخص غريب عليها وان المسايرة التي يعامل بها من الأفراد لا تعدو ان تكون " هدنة مؤقتة " لاستئناف الحرب عليه من جديد فهم يتمنون ان يقلع عن هذه العادة السلوكية الرذيلة وهو لا يري من أمره شيئا سوى الخضوع الأعمى لهذه الرغبة الملحة وبين هذا الازدراء من قبل الجماعة المحيطة به ، وبين الإحساس بعدم القدرة على مواجهة الرغبة تختل بشخصية المدمن ويشعر بالصراع النفسي الذي يجعله مهتزا ومتصدعا0

ويلاحظ ان الخطر الداهم للمخدرات لا ينعكس فقط على الشخصية التي تتعاطى المخدرات كما أوضحنا ولكن الثري نعكس على أسرة المتعاطي فيسودها التوتر والشقاق والخلاف فهو ينفق الكثير على المخدرات ولا يعطي للأسرة والأولاد ألا القليل فتحدث الخلافات وتزداد الانفعالات حدة في إطار الأسرة الى جانب أن عاداته القبيحة وتجمع رفاق السوء في بيئته من المتعاطين في المنزل والسهر لساعات متأخرة من الليل ، والخوف والجزع والقلق الذي يصاب به كل فرد من أفراد السرة وكل من ينتمي أليها وتعرضهم لطائلة القانون مما يفزعهم وينشر الخوف بينهم 0

وينعكس هذا الشر المستطير الذي برتكبه المدمن بإدمانه على الأولاد وتلك هي الخطورة الحقيقية فتتجلى هذه الإعاقة الخلقية المعبرة عن الجوع النفسي في أبشع صورها حيث يزرع المدمن في نفوس أولاده الأمور الآتية :--

bullet

الشعور بالذنب وأن الطفل يتحمل تبعة سمعة والده السيئة 0

bullet

الإحساس بالقلق والتمزق نتيجة للخلافات المستمرة بين والده ووالدته 0

bullet

صعوبة إقامة علاقات حميمة مع رفاقه لأنه يخجل من سلوك والده0

bullet

الإحساس بالاكتئاب نتيجة لاستهجان الجيران والأقارب لسلوك الوالد المدمن

bullet

الرسوب في الدراسة والهروب من المدرسة 0

bullet

ظهور الاضطرابات السلوكية بكل صورها وما يتبعها من انحرافات