قاتل أمه

إعداد

د.محمود جمال أبو العزائم

مستشار الطب النفسى

يتساوى عند الكثير من العامة لفظ الجنون مع الأمراض العقلية ، وهذا خطأ واضح ، لأن كلمة الجنون ليس لها دلالة طبية واضحة ، ولا يوجد أي مرض في الطب النفسي والعقلي يسمي بالجنون . والجنون كلمة عامة لا تعني سوي اضطـراب في السلوك والتفكير بعيداً عن مألوف تقاليد المجتمع ، فيعتبر البعض الجنون قريباً من العبقرية ... وتطلق بعض المجتمعات هذا اللفظ علي الشواذ منهم ، ويختلف كل مجتمع في نظرته للجنون ، فبعض المجتمعات البدائية تحمي هؤلاء الأفراد وتعتبرهم ذوي لمسة مقدسة تستحق الاحترام - مثل ما يحدث في الريف المصري حيث يعتبر مرضي التخلف العقلي اشخاص مبروكين - وفي البعض الآخر يعالجون في المستشفيات ، ولذا وجب علينا التخلص من هذه الكلمة عند المناقشة العلمية للأمراض الذهانية .

ومرض الفصام هو أكثر الأمراض الذهانية شيوعاً وأهمية ... والفصام هو مرض ذهاني يتميز بمجموعة من الأعراض النفسية والعقلية التي تؤدي أن لم تعالـج في بدء الأمر إلي اضطراب وتدهور الشخصية والسلوك . وأهم هذه الأعراض هي اضطرابات التفكير و الوجدان و الإدراك والإرادة والسلوك .

وأول من سمى المرض بالفصام او السكيزوفرنيا هو العالم "بلويلر" عام 1911 ، أما معنى الكلمة الحرفي فمشتق من كلمتين : سكيز (Schiz ) ومعناها الانقسام أو الانفصام و كلمة فرنيا (Phrenia) و معناها العقل .... أى انقسام العقل أو انفصام العقل و ليست الشخصية كما يعتقد الكثيرون .

و يصيب مرض الفصام حوالى 85, ـ 3% من المجموع العام للشعب و هى نسبة خطيرة خاصة إذا أخذنا فى الاعتبار أن هذا المرض يصيب الفرد في سـن الشباب والنضوج أى فترة العمل و الدراسة والازدهار الفكرى مما يجعل الفصام ليس بظاهرة مرضية فقط . بل ظاهرة تؤثر على الناحية الاقتصادية والاجتماعية حيث انه يؤثر على ساعات العمل و ارتباط العائلة فضلا عن تفكك الأسرة ، ويؤدى إلى الانطواء وأحيانا إلى سلوك إجرامى مضاد للمجتمع ، و يمثل مرض الفصام حوالى 6. - 7.% من مرضى المستشفيات العقلية .

****

و أعراض مرض الفصام عديدة و تختلف من مريض إلى آخر حسب شدة ومدة المرض واهم هذه الأعراض :-

1- اضطراب التفكير .

2- اضطراب الوجدان .

3- اضطراب الإرادة .

4- الأعراض الكتاتونيه .

5- الضلالات .

6- الهلاوس .

7- اضطرابات السلوك .

وغالباً ما يبدأ المرض أثناء فترة المراهقة أو في بداية مرحلة البلوغ بأعراض خفيفة تتصاعد في شدتها بحيث أن عائلة المريض قد لا يلاحظون بداية المرض ... وفي الغالب تبدأ الأعراض بتوتر عصبي وقلة بالتركيز والنوم مصاحبة بانطواء وميل للعزلة عن المجتمع ... وبتقدم المرض تبدأ الأعراض في الظهور بصورة أشد فنجد أن المريض يسلك مسلكاً خاصاً فهو يبدأ في التحدث عن أشياء وهمية وبلا معني ويتلقى أحاسيس غير موجودة ... وهذه هي بداية الاضطراب العقلي ويستطيع الطبيب النفسي تشخيص المرض عند استمرار الأعراض لمـدة أكثر من 6 أشهر علي أن تستمر هذه الأعراض طوال فترة الاضطراب العقلي .

ومثل الأمراض الأخرى فإن الفصام له علامات وأعراض ... والأعراض ليست متطابقة من فرد لآخر ... البعض يعاني من نوبة مرضيه واحدة خلال حياته ... والبعض الآخر يعاني من نوبات متكررة ... ولكن يكون ما بين النوبات طبيعيـاً ... وهنـاك آخرون يعانون من أعراض شديدة للمرض تظل طوال حياتهم .

****

والفصام أنواع تختلف حسب نوع الأعراض التي يعاني منها المريض وسوف نعرض حالة مريض بالفصام البارانوى (الضلالي) :-

أنا أشتغل محامي ...وعمري حوالي 35 سنة وترتيبي بين أخواتي الوسط ... والـدي الله يرحمه كان يحبني جداً وكان يصحبني من صغري معه في كل مكان وكنت ذراعه اليمين دوناً عن أخواتي . والدي توفي سنة 95 ...وأنا متزوج قبل وفـاة والدي زواج تقليدي .. هي حاصلة علي دبلوم تجاري .

بعد وفاة والدي حزنت حزن شديد جداً وحسيت أني تغيرت عن طبيعتي وهي النشاط والحماس للشغل وحب الناس والاختلاط بهم ... انعزلت شويه وسبت ذقني بدون حلاقة حوالي شهرين ... وفي أثناء هذه الفترة بدأت زوجتي وأبوها ومعهم حماتي يراقبوني وسلطوا عليّ واحد ضابط معرفة علشان يراقبني ... فعلاً بدأت مراقبتـي من مباحث أمن الدولة والمخابرات العامة ... واتحجزت في القسم كذا مره وبدأوا يمشوا ورائى في كل مكان واعتبروني إرهابى وخطر علي الدولة والنظـام وطبعاً بلغوا الراجل الكبير بان أنا عايز اقتله وخطر عليه وبقول عليه كلام وحش جداً هو وأولاده.

وفي يوم من الأيام بعد ما خرجت من قسم الشرطة وأنا نائم في البيت أتفاجأ أنهم واقفين في وشي جوه حجرة نومي ..الراجل الكبير (الرئيس) ومعاه أربعة من الحرس ...وقالي علي فكرة انت أنبه واحد ...بس الكلام اللي أنت بتقوله عليّ غلط وعيب وقام داس برجله علي رقبتي في الأرض حوالي خمس دقائق .... وعلي فكرة الزيارة تكررت مرتين ثاني في البيت... طبعاً كانت كل زيارات الراجل الكبير تحصل فى ساعة متأخرة بالليل أو في الفجر عشان الشارع والجيران ما يعرفوش ...علي فكرة الريس أنا بأحبه وأؤيده لأنه ناجح وخصوصاً في علاقاتـه الخارجية وكمان داخلياً . طبعاً انت وناس كتير مش مصدقين زيارة الراجل الكبير لى في بيتي ثلاث مرات .... مرة كان معه ياسر عرفات لأنه كان استقبله فى سفره وحب أن هو يعرفه بي علي أساس تهمتي الخطيرة وعلشان يبين له إن كل شئ تحت السيطرة والعلم .... تعرف أنا كان نفسي اشتغل فى المخابرات أو اشتغل ضابط في أمن الدولة ... علي فكرة أنا تقدمت سنة حاجة وسبعين لكلية الشرطة ولكن فشلت عشان مفيش واسطة.

طبعاً المخابرات دخلت بيتي عن طريق زوجتى لأنهم جندوها لحسابهم ومعهـا حماتي ودي أساليبهم ..وبدأت تحط السيانيد في الأكل والشرب ... ده طبعـاً مخدر شديد وكمان يعتبر سم قاتل.. لكن الحمد لله لأن أنا إيماني بالله قوي واللي مع الله لا يخاف ولا ينضر ولازم ينتصر ... علي فكرة نسيت أقول ان الراجل الكبير عشان يرضيني ويعوضني قال لي: أنا أكتب لك شيك بمبلغ 7. ألف جنيه مني لك بس الشيك يطلع باسم حماك ..وهو طبعاً ذكي جداً لأنه مش عاوز اني أنـا أقدمه للمحكمة وأدينه بهذا الشيك وأخذه حماية ... حماى صرف الشيك واشتري أرض وبني .... كل ده بفلوسي اللي أعطاها لى الراجل الكبير.

انت عارف أنا جاى هنا في مستشفي أمراض نفسية ليه..رغم اني أعقل وأزكي واحد بشهادة الراجل الكبير ... أنا دخلت هنا إرضاء لأخواتي ... انت عارف اني جاى من المحكمة علي هنا علي طول وكان زماني في السجن لأن أنا ذبحت أمي بس هى ما ماتتش لأنهم أنقذوها والجرح كان إلي حد ما مش كبير في الرقبة ..لكن أنا كان في نيتي اني أقتلها . علشان اللي عملوه معي لأن الزن علي الودان أمرّ من السحر ... وأجبروني علي قتل أمي وشككوني في سلوكها مع إن هي عندها 62 سنة ... حتى ولو كانت سيئة السير والسلوك والسمعة وهي صغيرة أنـا مالي ... المفروض والدي يحاسبها لكن ظلوا ورائى أنا بالذات دونا عن أخواتي لغاية ما ذبحتها ... علي فكرة رئيس النيابة سألنى :هل أنت نادم علي اعتدائك علـي والدتك قلت له: لا علشان هي ان كانت كده يبقي ده قصاص.. وإذا ما كنش كده يبقي مش ذنبي لأن هم السبب.. عايزين أمي تبقي شماعة أو ذريعة يتخلصوا منـي بها ... علي فكرة لولا إن أمي تنازلت علي الدعوى كنت أتسجنت بتهمة قتل الأم ولكن اعتبروها قضية عقوق ... انت شفت صورتي والقضية والحادثة اتنشرت ونزلت في الأخبار والمساء لكن للأسف الصحفيين غيروها وقالوا : ابن يحاول قتل أمه لأنها اكتشف انه مدمن ورفضت إعطاءه نقود.. وطبعاً الحقيقة غير كده ... وأنا أعتقد ان المخابرات أو أمن الدولة هي اللي قالت كده في الجرايد وأخفت الحقيقة .

انت عارف ان الدكتور سيد طنطاوى أيام لما كان مفتي ومعاه الشيخ متولي الشعراوى والدكتور عبد الرشيد سالم جم زاروني عندي في البيت ...طبعاً بتوجيه من الرياسة عشان يشوفوا إيه الموضوع وإيه فكري وأي جماعة انتمي إليها .

علي فكرة أنا بخاف من الدم عشان كده أنا ذبحت أمي وأنا من وراها وبسرعة قمت ورحت علي طول سلمت نفسي في المديرية .. علي فكرة أخواتـي اختاروا لي المكان ده لأنه مناسب .... بعد كل اللي حصلي والضغوط دى كلهـا أنا تعبت جداً وطبعاً كثرة الضغط يولد الانفجار .

أنا يمكن لو استمريت اليومين اللي فاتوا بعد خروجي من المحكمة وهم مازالوا- مراتي وحماتي -ورايا يمكن ارتكب جريمة ثانية.. اقتل مراتي لأنها عبيطة سمحت لهم يجندوها وحطت لي السيانيد في الأكل والشرب وبتسمع كلامهم ... مش زي مرات أخويا الكبير.. حاولوا يجندوها كمان لكن طلعت ناصحـة ورفضت لأن هـم بـدأوا يشتغلـوا علي أخواتي بعد ما ضروني ودمروني وبعدوني .

علي فكرة أنا أخذت إجازة بدون مرتب من شغلي بعد ما زاد الضغط عليّ ومشاكلهم كترت معايا ... أنا علي العموم هادي بطبعي وأعاشر الناس واحب الناس وأحسن إليهم ...وعلاقتي بأخوتي كويسه ولا أوجه أي إساءة لأحد .

****

من الحالة السابقة نلاحظ أن الفصام البارانوي يتميز بوجود ضلالات (والضلال هو اعتقاد خاطئ مرتب ومنسق يؤمن به المريض إيماناً راسخاً لا يحيد عنه مع استحالة إقناعه منطقياً بعدم صحته) كذلك يتميز الفصام بوجود هلاوس سمعية ويشعر المريض أن الناس تتعقبه وأن أجهزة الأمن تطارده .

وفي بعض الحالات الأخرى قد يصل الأمر بالمريض إلي أن يخاف من زوجته ... فهو يعتقد أنها ستضع السم في الطعام ... ولهذا ينزعج عندمـا يلاحظ أن طعم القهوة مختلف ... وأحياناً يحس المريض بشعور زائد بالعظمة ... فهو يتوهم أشياء عجيبة ، فهو أذكي البشر ... وهو أعظم البشر ... وهو قادر علي اكتشاف ما في عقول الآخرين ... وهو مخترع جبار ... ومع هذا الشعور بالعظمة يبدأ المريض بأن يطالب بحقوقه في إدارة شئون الدولة ... ويدعي أن المخابرات تطارده ... والرئاسة تضع له المؤامرات كي تتخلص منه حتى يسلبوه حقوقه .

والأدوية المضادة للفصام هي افضل طرق العلاج المتاحة حتى الآن ولكن يجب أن نعلم أنها لا تشفي المرض أو تضمن عدم حدوث نوبات أخرى في المستقبل .ونوع الدواء المستخدم وجرعته تكون من مسئولية الطبيب المعالج، ودائما تكون الجرعة حسب كل حالة على حدة ...والهدف من ذلك هو الحصول على تأثير علاجي مفيد بدون ظهور علامات سلبية من العقار.

وتعتبر الأدوية المضادة للذهان مفيدة جدا في علاج بعض أعراض الفصام مثل الهلاوس والضلالات... ويظهر التحسن المستمر على نسبة كبيرة من المرضى ، ولكن هناك فئة قليلة من المرضى لا تفيد معهم هذه الأدوية بطريقة واضحة ونسبة نادرة لا تؤثر عليهم على الإطلاق. ومن الصعوبة التنبؤ بتأثير العلاج على المرضى والتفريق بين من سوف يتحسن مع العلاج وبين من لا يستجيب للعلاج.

وتنتاب بعض المرضى و أسرهم القلق من استخدام العقاقير المضادة للذهان بسبب الاعتقاد بأن هذه الأدوية تسبب آثار جانبية سيئة و أحيانا تؤدي للإدمان ويجب لذلك التأكيد بأن الأدوية المضادة للذهان لا تؤدي إلى الإدمان أو التعود وان عودة الأعراض مرة أخرى عند الامتناع عن العلاج يكون بسبب أن المريض مازال يحتاج للعلاج حتى تستقر حالته المرضية ، ويمكن تشبيه ذلك بعودة علامات وأعراض مرض البول السكري عندما يمتنع المريض عن العلاج قبل استقرار حالته .

وهناك اعتقاد خاطئ آخر عن الأدوية المضادة للذهان أنها تعمل كنوع من أنواع السيطرة أو التحكم في العقل. ولذلك يجب أن نعلم أن هذه العقاقير لا تتحكم في أفكار المريض ولكنها بدلا من ذلك تساعد المريض على معرفة الفرق بين الواقع وبين الأحاسيس المرضية ، حيث تعمل هذه العقاقير على تقليل الهلاوس والضلالات المرضية والحيرة والارتباك والهياج وبذلك تسمح للمريض بأن يتخذ قراراته بطريقة واقعية وعقلانية سليمة. ومن الملاحظ أن مرض الفصام يتحكم في عقل المريض وشخصيته وفي هذا المجال تساعد الأدوية المضادة للذهان في تحرير المريض من أعراض المرض وتساعده في التفكير بطريقة أوضح واتخاذ قرارات افضل بطريقة مدروسة .

وقد يعاني بعض المرضى أحيانا من الميل للنوم وعدم القدرة على التعبير أثناء استخدام العقاقير ولكن بتنظيم الجرعة المناسبة لعلاج المرضى تختفي هذه الأعراض لان هذه العقاقير يجب ألا تستخدم كنوع من القيود الكيميائية . وبالمتابعة المستمرة نستطيع تنظيم جرعة الدواء للحصول على افضل نتيجة بدون وجود أعراض غير مطلوبة

وهناك اتجاه حالي بين الأطباء لاستخدام اقل جرعة ممكنة من الأدوية لتمكين المريض من الحياة بطريقة منتجه ومريحة وبدون السماح لعودة المرض مرة أخرى .

اعلى الصفحة