المكتئب النعّاب

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى  

 

الحالة الأولى : جاء صوت زوجته عبر  الهاتف قويا , صارما , قادرا ومؤكدا , تطلب موعدا قريبا جدا لإحضار زوجها المريض إلى العيادة  , وحين حل الموعد دخلت الزوجة قبل زوجها المريض وظلت تتحدث عن مرضه بالنيابة عنه لأكثر من نصف ساعة , وكلما حاولت مقاطعتها أو إيقافها لإعطائى فرصة  لمشاهدة المريض قاومت هى ذلك بشدة ................... وبعد وقت  طويل خرجت من الغرفة لتحضره من صالة الإنتظار فهالنى الفارق الجسمانى بينهما فبيما تمتلك  هى تكوينا جسمانيا ممتدا طولا وعرضا كان هو قصيرا منحنيا ذو وجه طفولى وقد جلس جلسة  مدرسية منكسرة وهو يردد : " تعبان يادكتور ......تعبان ........تعبان جدا .......تعبت خلاص وزهقت ..... ماعنتش قادر أتحمل ..... أرجوك يادكتور ساعدنى ........ أنا كشفت كتير وأخدت علاج كتير .........أنا حاسس إن مفيش فايده .......... إنت إيه رأيك يادكتور .....هو الإكتئاب له علاج ولابس مسكنات ومنومات .........أنا شايف إنه مالوش علاج ......يظهر إنى هافضل كده طول عمرى .........قل  لى يادكتور إن ماكانش لى علاج أمرى لله .........أنا نفسى أبقى كويس وارجع شغلى واشوف مصالحى بس مش قادر ...... صدقنى يادكتور ..........إنت طبعا عارف قد إيه الإكتئاب صعب ..... هما ساعات فى البيت مايبقوش مصدقيننى  فاكرنى باتدلع .........فهمهم يادكتور إنى مش باتدلع ......أنا فعلا تعبان ومفيش أى  علاج بيجيب معايا  نتيجه .... حتى فكرت إن ده يكون مس من الجن ورحت لشيخ قرأ على ولكن برضه مفيش فايده .........تعرف  يادكتور لولا الخوف من ربنا أنا كنت انتحرت .......أنا تعبان جدا يادكتور وشغلى كده هايفصلونى , هما صبروا علىّ كتير لكن مفيش فايده ..........." ,  وما كاد  هو أن ينتهى من كلامه حتى ألقت الزوجة ملفا كبيرا مليئا بالوصفات الطبية ونتائج الأشعات والتحاليل , ألقته أمامى  على المكتب بشكل غاضب وكأننى مسئول عما حدث ( رغم  أننى أرى هذا المريض لأول مرة ) , ولم تترك لى فرصة للكلام أو مطالعة الملف المتضخم الذى ألقته أمامى بل  راحت تشرح لى بتفصيل ممل رحلة  المرض والعلاج التى استمرت لأكثر من سنتين بلا  جدوى , ثم تنهدت تنهيدة عميقة وقالت فى أسى مشوب بالغضب ( من زوجها ومن الأطباء وربما منى ومن كل الرجال  ) : أنا تعبت يادكتور .... ساعات ييبقى كويس ومفيش فيه أى حاجه ونقول  خلاص هايصبح يروح شغله وأول مايصحى الصبح نلاقيه تعب تانى مع إنه كان فرحان بالليل إنه هايروح الشغل ...... فكرت إنه معمول له عمل بالصد عن الشغل ......... مع إنه كان موظف ملتزم جدا فى الشغل وعمر ماحد اشتكى منه ولا كان حد يسمع له حس ....... " , وبينما كانت هى تتكلم كان ينظر إليها كطفل ينظر إلى أمه , وبعد لحظات وجدته يقاطعها بلا  مناسبة ليقول لى : " ياريت ماتكتبليش حقن يادكتور ....أنا ماباحبش الحقن طول  عمرى  .........أنا  تعبان .....شوف لى حل ضرورى يادكتور  " . وحين راجعت التحاليل والأشعات لم أجد فيها شيئا ,  ووجدت أنه قد زار كبار الأطباء النفسيين ووصفوا له أفضل  أدوية الإكتئاب حتى تلك التى تعطى للحالات المقاومة للعلاج , وبعضهم عالجه  بجلسات تنظيم إيقاع المخ ( الكهرباء ) , ومع هذا كانت حالته لاتتحسن  . 

 

 

الحالة الثانية : حضرت إلى العيادة مع ابنتها  الصغرى وقبل أن تجلس  بدأت  الشكوى ( وكأنها  تعرفنى من قبل:   "  أرجوك يادكتور ساعدنى , مابانامش وماباكلش وماليش نفس من حاجه فى الدنيا , وبنتى دى مفروض كان فرحها من سنه أجلناه  علشان تعبى وهى  صعبانه علىّ بس هاعمل ايه ........... بقى لى 3  سنين تعبانه وزهقت لف على الدكاتره ماخليتش دكتور مارحتلوش وكله زى عدمه ,  والعلاج تعب معدتى ..... قالولى يمكن سحر ولا عين رحت  للمشايخ  وفكينا  العمل وبرضه مفيش راحه ....... لامرتاحه فى أكل ولاشرب ولانوم .......وكل  حته  فى جسمى بتوجعنى وماخليتش دكاترة باطنه ودكاترة عظام وعملت  عمليتين وبرضه مفيش راحه ...... الآخر  قالولى  ماعندكيش حاجه كل التحاليل والأشعات سليمه !!!!!! ....... أمال التعب  دا كله إيه ...........!!!!! " . ثم أكملت ابنتها : " ماما يادكتور  عايزانه حواليها على طول , وانت عارف كل حد مننا وراه مشاغله ..... حتى اتصلت بأخويا رجع من الخارج وساب  شغله ومش عايزاه يسافر ... ودايما حزينه وتشتكى بكل حته فى جسمها , وكل مانعالج حاجه يطلع لنا حاجه تانيه مش عارفين نعمل معاها إيه ... وعلى فكره هى أخدت كل علاجات الإكتئاب وكانت تتحسن شويه ونحاول نبدأ نرجع لحياتنا الطبيعيه نلاقيها بتتصل بينا تانى تعالوا أنا تعبانه ..........!!!!!!!! " .

 

 

الحالة الثالثة :     رجل  أعمال فى أواخر الأربعينيات من عمره تخرج فى كلية الهندسة ولكنه فضل العمل التجارى فأنشأ مكتبا للتصدير والإستيراد  وحقق بعض النجاحات ولكن حدثت له كثير من التعثرات والمشكلات فى السنوات الأخيرة وأصبح غير قادر  على الوفاء بمستحقات البنوك وأصيب بنوبة اكتئاب منذ عام وسافر إلى أمريكا للعلاج فى أحد المصحات المعروفة ووصلوا معه لأعلى مستوى من جرعات مضادات الإكتئاب الحديثة والقديمة , ودخل فى برنامج للعلاج النفسى التدعيمى , وعالجوه بجلسات تنظيم ايقاع المخ بالكهرباء , وكان يتحسن قليلا ثم تعاوده الأعراض مرة أخرى بمجرد خروجه من المصحة , وهو يقضى الآن أغلب وقته فى بيته يئن ويتوجع طول الوقت ويريد زوجته بجواره ويبكى

( كالطفل ) إذا أصرت على الذهاب لعملها ..... وقد جاءت زوجته قبله وهى تتعجب  كيف انقلب زوجها الطموح النشيط إلى هذه الحالة الضعيفة المستسلمة الشاكية ليل  نهار بلا كلل أو ملل , وعندما قابلته كان صوته ضعيفا وصورته باهتة ويكرر باستمرار : " أنا تعبان ..... شوفوا لى حل ......مش قادر ..... نفسى أرجع زى زمان ......أنا علىّ التزامات كتيره عايز أخف علشان أوفى بيها ........أرجوكوا ساعدونى .......أنا تعبان ......تعبان .......تعبان " .

 

الدلالات اللغوية :

هذه نماذج لما يسمى الإكتئاب  النعّاب ( Nagging  Depression )  , ولنرجع إلى المعانى اللغوية لإسم هذا المرض لكى نفهم دلالاتها الهامة , فكلمة Nagging  فى اللغة الإنجليزية تعنى الفرس الهرم أو الضعيف , وتعنى التذمر أو الشكوى باستمرار أو النقّ  والإزعاج المتصل أو المضايقة والنكد  ( قاموس المورد : إنجليزى عربى -   منير البعلبكى -  الطبعة السابعة عشرة 1983 – دار العلم للملايين , بيروت , ص 263 ) , وكلمة نعّاب  مأخوذة من نعب الغراب – نعيبا , ونعابا , وتنعابا : أى صاح وصوّت . والنّعاب : الذى ينعب  كثيرا ( المعجم الوجيز – مجمع اللغة العربية , مصر , 1423 ه – 2002 م , ص 623 ) .

 

الصورة الإكلينيكية  :

والمكتئب النعّاب يشكو من أعراض الإكتئاب المعتادة مثل المزاج الحزين وفقد القدرة على الإستمتاع بأى شئ واضطراب النوم والإحساس بالدونية وفقد الأمل وقلة الحيلة والنظرة المتشائمة للمستقبل وفقد الشهية للطعام ( وأحيانا زيادتها ) , وفقد الوزن ( وأحيانا زيادته) , والإحساس بالذنب , والرغبة فى الخلاص من الحياة  ,  ويزيد على هذه  الأعراض فى نوع الإكتئاب النعّاب حالة من القلق الزائد والخوف المجهول وتعلق المريض بمن حوله بطريقة زائدة ومزعجة بحيث يريدهم حوله طول الوقت وكأنه طفل يخشى أن  يتركه أبواه , وسلبية بالغة تجاه المرض وتجاه الأحداث , والعرض الأهم هو الشكوى المستمرة ليل نهار من أعراض نفسية أو جسمانية غير محددة . وعلى الرغم من شكوى المريض ( أو المريضة ) فإنه لا ينتظم فى تعاطى العلاجات الموصوفة ويتذرع بأنها أتعبته أو سببت له أعراضا جانبية . ونحن نعرف هذا المريض من كل ماسبق ومن عبارات مهمة يقولها عند حضوره للمتابعات , فما أن يدخل غرفة الكشف حتى يقول : " أنا ماارتحتش يادكتور أنا حالتى ساءت بالعلاج .... أنا حالتى أوحش بكتير من الأول .... أنا زى الزفت الأيام دى ....... أنا حاسس إنى مش هاخف يادكتور  ....... أنا مرضى ده مالوش علاج ...... تفتكر ممكن أخف يادكتور .....؟؟؟؟؟. " .

 

هذه أمثله حية لنوع من أنواع الإكتئاب المزعج ، ينزعج منه أهل المريض نتيجة للشكوى المستمرة (الزن والنق) من المريض (أو المريضة) ونتيجة للإعتمادية الطفلية اللزجة منه عليهم , تلك الاعتمادية التى تكاد تخنقهم فضلاً عن إثارة غضبهم وحيرتهم وكثير من المشاعر المتناقضة الأخرى نحو المريض ، كما أنه يزعج الطبيب أيضاً لأن هذا المريض يقاوم كل أنواع العلاجات وفى كل مرة يحضر إلى الطبيب يبادر بالقول : « أنا ما ارتحتش يادكتور ..الدوا ده ماجابش أى نتيجه ..أنا حالتى بتسوء لما باخذه » , وينظر المريض من طرف خفى إلى الطبيب ليرى علامات الإحباط واليأس على وجهه وربما أيضاً علامات الغضب ، والمهم لدى المريض هو إعلان الفشل من جانب الطبيب حتى يظل الوضع على ما هو عليه .

 

والاكتئاب فى هذه الحالة يخلو غالباً من الإضطراب الوجدانى الأصيل فلا تشعر بحزن عميق أو أصيل لدى المريض ، وإنما تلاحظ شكاوى وأعراض أغلبها على المستوى العقلانى الجاف ، وتزداد الأعراض حدة فى وجود بعض الأشخاص خاصة الذين يطمع المريض فى الحصول على رعايتهم وجذب اهتمامهم نحوه مثل الزوجة (أو الزوج) أو الأبناء أو الطبيب وتزداد أيضاً كلما لاحت فى الأفق بوادر تحمل مسئولية فى الأسرة أو فى العمل أو فى الحياة .... عندئذ تشتد الأعراض وتزيد الشكوى . وربما يكون هناك تداخل فى هذه الحالة بين اضطراب الاكتئاب وبين ما يسمى الاضطراب المصطنع Factitious Disorder وفيه يميل الشخص إلى لعب دور المرض Sick Role  ولا يريد شيئاً غير ذلك ,وهو يسعى دائما لأن يكون فى أحضان المستشفيات أو العيادات ولا يشعر بالأمان إلا إذا كان تحت رعاية طبية . وغالباً ما تبدأ حالة الإكتئاب النعّاب بإكتئاب حقيقى يستوفى كل شروط الإكتئاب ، ولكنه يتحول بعد فترة تبعاً لشخصية المريض واحتياجاته والظروف المحيطة به إلى هذا النوع من الإكتئاب اللزج الطفيلى الإعتمادى . وتبدو على المريض بهذا النوع من الإكتئاب الكثير من أعراض القلق فهو يشعر بالتوتر (Tension) والتوجس (Apprehension) ويتوقع حدوث شيء سيئ ويشعر بالتهديد باستمرار ولا يستقر فى مكان ويعانى من الأرق والشعور بالإختناق أو قصر النفس , وسرعة ضربات القلب وكثرة التعرق , ورعشة وبردوة بالأطراف وقلة الشهية للطعام .ويميل المريض إلى القول والإعتقاد بأنه لا فائدة من أى شيء ولامعنى لأى شيء ولا ضرورة لأى شيء ... , ومع هذا لا ينسحب أويسكت , وإنما يلقى بكل هذا على من حوله ويريدهم أن يجدوا له حلاً , ويعلن وذلك طول الوقت بشكل مباشر أو غير مباشر . وقد وصف الدكتور الرخاوى هذا النوع من الإكتئاب بقوله:» هذا النوع من الإكتئاب هو المكافئ للوجود الإنفصامى (وليس الفصام)وهو أقرب ما يكون إلى ما وصف مؤخراً فى التقسيم الأمريكى الثالث للأمراض النفسية (DSM III 1978  )  عن الشخصية فصامية النوع (Schizoytpal personality)  , وفيه يبدو الشخص طفيلياً معتمداًُ كثير الشكوى نقاقاً نعابا ناعياً حظه متحوصلاً على ذاته وهو بهذه الحال يقوم بتفعيل ميوله الإعتمادية الرضيعية (Acting out his infantile dependency) , و يبلغ تأصل هذا النوع درجة تكافئ الوجود الفصامى المزمن . كما أن وظيفته الإعتمادية التحوصلية تؤدى نفس الهددف التوقفى ( الرخاوى 1979 , دراسة فى علم السيكوباثولوجى , دار عطوه للطباعة , القاهرة , ص155-156) .

 والربط بين الإكتئاب النعاب وبين الشخصية فصامية النوع خاصة بعد إتضاح معالمها فى التقسيم الأمريكى الرابع للامراض النفسية  DSM IV 1994 ( يبدو ضعيفاً من الناحية الوصفية الإكلينيكية , فالإضطراب الأخير يعنى غرابة فى المعتقدات وأفكار سحرية وغرابة فى التفكير ومظهر شاذ اوغير معتاد مع إنحسار فى المشاعر والعلاقات الإجتماعية , والشخص المضطرب هنا لا يهمه أن يشكو ولا يهمه أن يسمعه أحد بل هو بعيد عن كل الناس أو يريد ويتمنى أن يكون بعيداً وأن يتركه الآخرون فى حاله . وهذا يختلف كثيراً عن المكتئب النعاب الذى يلتصق بالآخرين ويعتمد ويتطفل عليهم ويريد جذب  إهتمامهم ويتسول مشاعرهم  وهو لا يتصف بأي من الصفات سالفة الذكر والتى إتصف بها إضراب الشخصية فصامية النوع . وربما يكون وجه التشابه فى المآل حيث يتوقف النمو فى الحالتين , ولكن هذا الوجه من التشابه يبدو أضعف من أن يربط بين هذين النوعين من الإضطراب .

 

التفسيرات  الدينامية :

هناك العديد من التفسيرات لاضطراب الإكتئاب النعاب نذكر منها على سبيل المثال :

1-  مصاحبة القلق للإكتئاب : فوجود أعراض القلق مع الإكتئاب  بدرجات متفاوتة ( وهذا ثابت إحصائياً ويصل إلى 60% من الحالات )  يؤدى إلى وجود الكثير من أعراض هذا النوع من الإكتئاب , حيث أن شعور المريض بالتوتر وعدم الأمان يجعله فى حاجة دائمة إلى الإلتصاق بمن حوله أو إستدعائهم لطمأنينته وكلما زادت شكواه زادت وتنوعت محاولاتهم لطمأنينته , وهذا  ما يريده أو يحتاجه فى النهاية .

2-  الشعور بالوحدة : وربما يكون هذا الشعور قديماً وكامناً , ولكنه مع الإصابة بالإكتئاب يكون قد إكتشف وسيلة للتخلص من هذا الشعور وإجتذاب الآخرين بالشكوى المرضية , وربما يكون فى ذلك نوع من العقاب للآخرين الذين تركوا المريض ( أو المريضة ) وحيداً طوال هذه السنين .

3-  الشخصية الإعتمادية ( الطفيلية اللزجة ) : وربما تكون هذه السمات موجودة من قبل فى المريض ( أو المريضة ) ولكن الظروف السابقة لم تسمح بظهورها وتبلورها إلى هذه الدرجة الموجودة بعد الإصابة بالإكتئاب ,  فالأخير قد أعطى شرعية لظهور هذه السمات السلبية وخاصة إذا أبدى أحد المحيطين بالمريض (أوكلهم) إستعداداً لتقبل إعتمادية المريض وتطفله وإلتصاقه , هنا يحدث إتفاق غير مكتوب (وغير شريف) بين الطرفين فيتنازل المريض (المكتئب النعاب) عن الكثير من حقوقه (وربما كرامته) فى مقابل أن يعفى من مسئولياته وأن يتحمل الآخرون إعتمادية وسلبيته .

4-  العدوان : فالمريض يقوم بالعدوان على من حوله (الأسرة والأطباء) بإظهارعجزهم وقلة حيلتهم عن مساعدته وإخراجه من أزمته فهو يخرج لسانه للجميع ويقول لهم بلسان الحال «ورينى هاتعمل إيه يا فالح» . وهذا العدوان قد يصل إلى درجة ما يسمى فى علم النفس ب«الإخصاء» وهو تعبير يعنى نزع رجولة من حوله بإخصائهم سواء كان من حوله رجلاً فعلاً أو إمرأة مسترجلة متسلطة نزعت رجولته من قبل بتسلطها وإستبدادها . والمريض إذ  يشعر من حوله بالعجز عن مساعدته يشعرهم أيضاً بأهمية دوره الذى كان يقوم به وهو الآن متوقف عنه بسبب المرض , وكأنه يقول لهم بلسان الحال «شوفوا من غيرى بقى هاتعملوا إيه ؟» .

5-  التوقف عن النمو : أى أن المريض كانت لديه رغبة ( شعوريه أو لا شعورية ) بالراحة والتوقف عن النمو , فهو (فى رأيه) قد تعب كثيراً وأعطى كثيراً وقد آن الأوان له ليستريح وعلى الآخرين أن يتحملوا مسئولياتهم نحوه كما تحمل هو مسئولياته نحوهم سنوات طويلة . وعلى الرغم من أن المريض يعلن كثيراً رغبته  فى الشفاء والعودة لعمله وحياته إلا أن هذه الرغبة تبدو لفظية باهته خالية من أى روح أصيلة , بالإضافة إلى أن سلوكه ينبئ بخوفه من الشفاء وتفاديه له ورغبته الدائمة فى إستمرار المرض ( أو بالأدق مظاهر المرض) كحماية له من   مطالب النمو والمسئولية .

6-  التسول العاطفى : والذى يظهر فى صورة صرخات الإستغاثة ونداءات القرب ومحاولات جذب الإنتباه من أم إنصرف عنها أبناؤها أو أب تركوه وحيدأً وإنشغلوا بأمور  حياتهم , هنا لا تجد المريضة (أو المريض) وسيلة للحياة الأسرية والعاطفية إلا باستجداء العطف وتسول المشاعر من الأبناء أو الأقارب الذين لاتتحرك قلوبهم ولا تسعى أقدامهم إلا صوب مريضه تشكو أو مريض يحتضر , فمشاعر الذنب التى يوقظها مرض الأم أو الأب هى المحرك الوحيد لهم للإقتراب منها أو منه ورعايتهما . وكشأن أى متسول يبدأ الأمر باستجداء ما هو ضرورى لإستمرار الحياة , ولكن ما يلبث المتسول أن يزداد  طمعاً ويحترف المهنة فيتسول حتى فى  غير وقت الحاجة , وهكذا يفعل مرضى الإكتئاب النعاب , فهم لا يكفون عن الشكوى ليل نهار ولا يشبعون من رعاية وقرب أبنائهم وبناتهم حتى ولو تركوا حياتهم كلها وجلسوا بجانبهم , وهذا الموقف يفعله كثيرمن الآباء والأمهات غير الناضجين لأنهم لا يستطيعون الإعتماد على أنفسهم وليست لهم حياة مستقلة بعيداً عن ابنائهم وبناتهم , لذلك يميلون للتطفل عليهم وإستجدائهم وربما إبتزازهم العاطفى طول الوقت .

7-  إعلان التمرد السلبى ( الإضراب عن الحياة ) : فحين يفشل المريض فى التكيف أو التوافق مع ظروف حياته ويفشل فى المواجهة الصريحة مع الظروف الصعبة التى تواجهه , هنا يعلن تمرده السلبى من خلال إستمرار المرض ( مثل محاولات الإضراب عن الطعام والتى يقوم بها من أعيته الحيلة لتوصيل صوته إلى من  يهمه الأمر )  , فنحن هنا أمام عملية «إضراب عن الحياة» يعبر بها المريض عن غضبه وفى نفس الوقت عن قلة حيلته ووجوب فعل شيء ما ممن حوله للخروج من هذا المأزق ,ووسيلته هنا هى التأثير فيمن حوله وجدانياً لكى ينصتوا له ويعطوه الإهتمام الذى يستحقه والرعاية التى حرم منها .

8-  الإتجاه العدمى التعجيزى : حيث يعلن المريض أنه لا فائدة من اى شيء ولا معنى لأى شيء ولا ضرورة لأى شيء , فكل شيء مثل لا شيء , وتصبح هذه فلسفته فى الحياة , وهو يريد أن يقنع الآخرين بهذه الفلسفة فيشكوا دائماً ويعجزون هم دائماً عن مساعدته فيقول لهم بلسان الحال : « أما قلت لكم انه لا فائدة» .

  

المسار والمآل :

غالباً ما يأخذ المرض مساراً مزمناً تدهوريا أو يثبت فى شكل عادات إكتئابية إعتمادية سلبية متكلسه بحيث تصبح هذه العادات جزءا من تكوين المريض وطباعة بعد ذلك فيعيش على مستوى أدنى من ناحية العمل والعلاقات الإجتماعية والهوايات والاهتمامات . وكثير ما يتردد المريض ومعه أسرته على العيادات والمستشفيات أملاً فى الوصول إلى علاج حاسم لهذا المرض المزمن المعاند ، ويغير المريض طبيبه كل فترة ولا يستمر على أى علاج فترة كافية . ولا يتغير هذا المسار وهذا المآل إلا بمعرفة ديناميات هذه الحالة والتعامل معها من خلال برنامج علاج نفسى وسلوكى خاص .

 

 

العلاج :

بمجرد الوصول لتشخيص هذه الحالة فإن الأمر يستلزم عدة إجراءات ضرورية نذكر منها:

1- العقد العلاجى : فبما أن المريض اعتاد تغيير طبيبه وعلاجه على فترات قصيرة وبما أن هذا كان يجهض كل المحاولات العلاجية السابقة ، لذلك يلزم تنبيه المريض وأسرته لذلك وعمل عقد علاجى يلزم المريض بالاستمرار فى خطوات البرنامج العلاجى الدوائى والنفسى والسلوكى والعائلى بشكل متدرج ومنتظم حتى لا تتكرر الأخطاء السابقة .

2- العلاج الدوائى : يستخدم فى حدود بسيطة حيث أن الإكتئاب هنا ليس أصيلاً ولا عميقاً (على الرغم من الإزمان والإزعاج) ولا يعول عليه كثيراً فدوره محدود بالضرورة فى هذه الحالة ، ويستحسن تثبيت أحد أنواع مضادات الاكتئاب لفترة طويلة على أن يراعى فى إختيارها تأثيرها المزدوج فى الإكتئاب والقلق معاً ، أو يتم إضافة مضادات القلق على مضادات الإكتئاب . وكثير من مركبات الماسا (SSRI) لها خصائص مضادة للإكتئاب والقلق معاً وأعراضها الجانبية محتملة بحيث لا تترك للمريض فرصة التهرب من استمرار العلاج بدعوى الأعراض الجانبية , ولا يجب تغيير العلاج كل فترة قصيرة بناءاً على طلب المريض وإنما نشرح له أن هذه الأدوية تحتاج لوقت كافٍ حتى يظهر مفعولها كما أنها ليست وحدها القادرة على شفاء المرض .

3- العلاج النفسى : من خلال تقييم التركيبة النفسية الدينامية والتركيبة الأسرية والاجتماعية يتم تحديد الأسباب والدوافع التى أدت إلى استمرار حالة الإكتئاب والتعامل معها من خلال العلاج النفسى الاستبصارى أو العلاج المعرفى السلوكى .

وهناك نقطة هامة فى العلاج النفسى لهذه الحالات ، فعلى الرغم من ضرورة المساندة والتدعيم (الطبطبه) لمرضى الإكتئاب عموماً إلا أن الإكتئاب النعاب بوجه خاص يختلف عن ذلك لأننا كلما ساندناه ودعمناه استجابة لشكواه فإننا نعزز عادات الشكوى لديه ، والموقف الصحيح هو أن نكف عن ذلك فيكتشف المريض أن الشكوى (الزن) لا يؤثران فى الطبيب ولا فى أفراد الأسرة وعندئذ ربما يلجأ إلى الابتزاز والتهديد بالإنتحار أو يرفع وتيرة الشكوى ، وهنا يجب أيضاً عدم الاستجابة الانفعالية لكل هذا . وعلى العكس نعطى اهتماماً ووداً للمريض حين يكف عن الشكوى وحين تظهر منه أى بوادر إيجابية .

والنقطة الهامة الأخرى هى محاولة تفجير غضب المريض وإطلاقه إلى الخارج ولا مانع فى هذه الأحوال من ممارسة بعض الضغوط المحسوبة على المريض والتى يستقبلها أحياناً على أنها عدوان من المعالج أو من الأسرة ، وهنا تستيقظ دوافع حب الذات لدى المريض فيهب مدافعاً عن نفسه ويغير توجيه عدوانه إلى الخارج ( بعد أن كان موجهاً كلياً أو جزئياً إلى الداخل ) دفاعاً عن نفسه وعن وجوده . وهذا التغير يصحبه تغير فى الرؤية فالآخرين ليسوا وسائل ترفيه واعتماد له ، وصبرهم له حدود ، وهم مستائين من سلبيته واعتماده . وأولى مراحل التغيير فى هذه الحالة أن يظهر غضب المريض (أو المريضه) وعدوانه نحو المعالج ونحو أفراد أسرته ، وربما رفض العلاج الدوائى أو النفسى ، ولكن الصبر والمثابرة على الطريق مع دعمه فى حالة توقفه عن الشكوى ، كل ذلك يساعد على تغيير السلوك الشكاء .

ومن الوسائل البسيطة التى تساعد فى هذا الاتجاه جعل المريض يستبصر بقبح سلوك الشكوى فمثلاً كنا نطلب من زوجة أحد المرضى (وبالاتفاق مع المريض ذاته) حين تسمع المريض يقول "أنا تعبان" أن تقول هى العبارة بهذا الشكل "أنا زنان" وكان المريض يغضب من هذه السخرية من شكواه ولكنه بعد فترة يضطر لمراجعتها والتوقف عنها حيث لم تعد تؤدى وظيفتها .

 ونحن لا نهمل المريض بالكلية لأن هذا يؤذية من جوانب أخرى وإنما نهمل شكواه المستمره (زنه ونقع ونعابه) فلا نعطيه وجهنا أو إهتمامنا حين يعاود هذا السلوك وإنما نعطيه كل هذا حين يسلك سلوكاً إيجابياً مسئولاً ناضجاً وبهذا نصحح عملية الإرتباط الشرطى الخاطئة التى حدثت فى مراحل سابقة من المرض حيث ارتبطت الشكوى بالاهتمام والرعاية وارتبطت الصحة بالهجر والإهمال .

أعلى الصفحة