مقالات د .محمد المهدى

 

كيف نمحو أميتنا التربوية  ؟

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

 

سؤال يردده الكثير من الآباء والأمهات : كيف نربى  أبناءنا وبناتنا؟

والسؤال ليس جديداً وإنما زادت حدته وزاد إلحاحه فى السنوات الأخيرة خاصة بعد التحولات السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية الحادة التى صاحبت فكرة العولمة , فقد أصبحت خصوصيات المجتمعات المحلية مهددة تحت تأثير البث الإعلامى الهائل والمتعدد والمتناقض فى آن , ولم يصبح زمام التربية فى أيدى الآباء و الأمهات والمدرسين  والمدرسات وأئمة المساجد ووعاظ الكنائس فحسب وإنما تعددت الأيدي الممسكة بهذا الزمام فشملت التليفزيون ( كأداة تربوية أساسية فى الوقت الحالى شئنا أم أبينا وبصرف النظر عن إيجابياتها وسلبياتها ) والإذاعة والصحف والمجلات والكمبيوتر والإنترنت ...وغيرها من وسائل الاتصالات الحديثة والمتعددة .

وهنا وقف المربون التقليديون فى حيرة شديدة فهم لا يعرفون كيف يواجهون هذه « التعددية التربوية » من ناحية , وبعضهم ( إن لم يكن أغلبهم ) لم يكن من البداية يعرف حدود النموذج التربوي الأمثل لأبنائه وبناته , فنحن فى المجتمعات العربية والإسلامية نعانى مما يمكن تسميته « الأمية التربوية » وهى جزء من أميات كثيرة مازلنا نعانى منها كالأمية النفسية والأمية السياسية والأمية الأخلاقية . ونتج عن هذه الحيرة مضاعفات كثيرة فبعضهم بالغ فى إغلاق النوافذ على أبنائه وبناته بغية حمايتهم مما يعتقد أنه تلوث ثقافى ودينى وتربوي , وبعضهم تساهل فى فتح كل النوافذ عملاً بمبادئ الحرية والإختيار والمسئولية , والبعض الآخر ظل مذبذباً لا يعرف ماذا يفعل . ويمكننا أن نرصد بعض النماذج التربوية السائدة فى مجتمعاتنا مبينين بعض إيجابياتها وسلبياتها أملاً فى توسيع رؤية قاعدة الإختيار للنموذج التربوى الأكثر ملاءمة والأكثر توازناً :

1-  التربية العفوية ( الفطرية ) : ويميل إليها سكان القرى والمستويات الاجتماعية البسيطة وهى تعنى غياب تصور مسبق للتربية لذلك يعتمد الوالدان على ردود أفعالهما الفطرية العفوية فى المواقف المختلفة , فهم كآباء وأمهات يحبون أبناءهم وبناتهم ويعملون بشكل طبيعي وتلقائي من أجل مصلحتهم , وهذا يكفى (فى نظرهم) , خاصة وأنهم - أى الآباء والأمهات – قد تربوا بهذه الطريقة البسيطة وهم يرون أنها صالحة لأبنائهم .

ويستشهد المتحمسون لهذه الطريقة التربوية بآباء وأمهات بسطاء جداً لم يحصلوا على أى قدر من التعليم وقد ربوا أبناءاً وبناتاً تقلدوا أرفع المناصب ووصلوا إلى أعلى الدرجات العلمية والثقافية.

وتتميز هذه الطريقة بالبساطة والعفوية كما تتميز بوجود قدر كبير من المشاعر التلقائية بين الآباء و الأبناء , وتتميز أيضاً بالمرونة فى المواقف المختلفة , ولكن يعيبها عدم ثبات نتائجها فهى أحيانا ًُتنجح نجاحاً واضحاً والنماذج على ذلك موجودة فعلا , وأحياناً أخرى تفشل فشلاً ذريعاً , وحيثما لا توجد قواعد واضحة يصعب بالتالى التنبؤ بالنتائج .

2-  التربية العقلانية ( السيكولوجية ) : ويصف الدكتور عبد المنعم الحفنى هذا النموذج التربوى فى الموسوعة النفسية الجنسية ( الطبعة الأولى 1992 – مكتبة مدبولى ) بقوله : « وليس أجدى فى التربية مما يسمى بالطرق السيكولوجية فهى أفضل فى نتائجها من الضرب والتهديد والتقريع وكم من طفل استقام أمره بحثه على التعقل واستنفار قواه الذاتية , نتيجة ما يستشعره من تأنيب ضمير أو ذنب . وإنه لمن المفيد ألف مرة أن يظهر الأب أنه مستاء أو غير راض دون أن يضرب ابنه أو يهدده أو يقرعه . ولا يفعل العقاب سوى أن يزيد الطفل العدواني عدوانية ويملأ قلبه بالكراهية لأبويه »

وهذا الأسلوب التربوي يميل إليه المتعلمون والمثقفون والمنتمون الى الطبقات الاجتماعية الأعلى وذلك بحسب تركيبتها العقلانية الراشدة وبحسب ما يتاح لهم من قراءات نفسية توضح لهم قيمة الحرية والاختيار والمسئولية لهم ولأبنائهم على السواء , كما أن هذه الطبقات بطبعها لا تميل إلى العقاب البدنى أو حتى اللفظى . وربما يميل إلي هذا النموذج أيضاً الآباء والأمهات فاقدى أو ناقصى المشاعر الوالدية الطبيعية وخاصة النساء المسترجلات اللاتى لا تسعفهن مشاعر الأمومة الفياضة فتجد الواحدة منهن تهرع إلى الكتب النفسية أو إلى المتخصصين فى التربية تبحث عن إجابة لكل صغيرة وكبيرة فى حياة طفلها , وبالتالى تكون استجاباتها كلها ( أو معظمها ) مبنية على توجيهات علمية خارجية وبالتالى ينقصها التلقائية وينقصها الجانب الوجدانى, ولهذا تجد فى عيون أبنائها آثار حرمان عاطفى لا تخطئة العين الخبيرة .

ويشير الدكتور الحفنى إلى الوجه الآخر للتربية العقلانية ( السيكولوجية ) بقوله :
" ومن ناحية أخرى فقد يؤدى الغلو فى اللجوء إلى الطرق السيكولوجية فى التربية الى أن ينمو الطفل عقلانيا وشديد الإنتماء فيسلبه ذلك قدرته على المبادرة والتصرف بعفوية , حيث تقتضى العقلانية أن يكثر التفكير فى الأمور ويتردد قبل أن يقوم بعمل ما , ويقتضى انتماؤه أن يفكر فى إرضاء الناس فيعمل وفق هواهم "

وهكذا نجد أنه على الرغم من أن النمط العقلانى ( السيكولوجى ) يرتكز على قواعد تربوية علمية وبالتالى يمكن التنبؤ بنتائجه إلا أن المبالغة فيه تأتى على حساب نمو الجوانب الوجدانية التلقائية والطبيعية , فيكون الطفل أشبه بنبات ( الصوبات ) شكله جذاب لكن طعمه مائع .

3-    الإهمال : هو أسلوب تربوى ينشأ عن انشغال الوالدين أو غيابهما عن الابن
( أو البنت) فينشأ ولديه شعور بانعدام القيمة وانعدام الحب
, ويجد صعوبة بعد ذلك فى إقامة علاقة سوية مع الناس , فهو لا يستطيع أن يحب أحداً أو يحبه أحد , وهو فاقد القدرة على الأخذ والعطاء على المستوى الإنساني , لذلك ينشأ ذاتوياً منكمشاً , وإذا حدث وتزوج فهو غير قادر على الاهتمام الوجدانى بزوجته وأبنائه , لأن مستقبلات الحب و الاهتمام والرعاية لديه لم تتعود على العمل قبل ذلك فى أسرته الأصلية . وهذا الطفل المهمل ربما يميل الى جذب الإنتباه بأعمال إيجابية أو سلبية فيمكن أن يتفوق دراسياً , أو يتميز فى بعض الأعمال لكى ينال رضا وحب الآخرين ويمكن أيضاً أن يكذب أو يسرق أو يعتدي لمجرد جذب الاهتمام وأحياناً نجد هذا الشخص الذى عانى الإهمال فى حياته المبكرة يستغرق كثيراً فى عمله وينشغل به طوال الوقت ويجد فيه بديلاً وعزاءاً عن التعامل الإنساني الذى لا يجيده ولا يستمتع به ,
فالأشياء لديه أهم من البشر .

4-    النبذ ( الرفض ) : وقد يبدو غريباً للوهلة الأولى أن ينبذ الأب أو الأم طفليهما , ولكن هذا يحدث فعلاً فى الواقع ولنضرب لذلك بعض الأمثلة : الأم التي تزوجت رجلاً لا تحبه ولا ترغب في استمرار العلاقة به ربما ترفض ابنها أو ابنتها منه
( بوعى أو بدون وعى ) ..... والأب  الذى يشك فى سلوك زوجته كثيراً ما يرفض أبناءه منها لأنه يشك فى انتسابهم إليه ... والأم التى أنجبت عدداً كبيراً من البنات ثم رزقت ببنت أخرى وهى لم تكن ترغب فى ذلك .. أو الأبوين المشغولين اللذين رزقا طفلاً لم يستعدا- حسب رأيهما - لاستقباله
.....الخ , كل هذه نماذج لحالات يمكن أن يعانى فيها الطفل من الرفض ( الواعى أو غير الواعى لا فرق ) , وهذا الرفض يصل إليه فى صورة معاملة قاسية وعدوان لفظى أو جسمانى أو حرمان مادى أو عاطفى متعمد أو حتى تهديد لحياته , لذلك فهو يعيش فى جو غير آمن ولا يستطيع أن يثق فى أبويه وبالتالى لا يثق فى أحد أبداً وينشأ قاسياً عدوانياً متسلطاً ويعتبر الرحمة ضعفاً ويحاول جاهداً أن يعلو على الآ
خرين ويتملكهم بالقوة والسيطرة لا بالحب الذى لا يعرفه .

والكثيرين من الطغاة والجبارين والمستبدين فى التاريخ الإنساني كانوا إنتاجاً لهذا النمط التربوى ودفعت الإنسانية كلها ثمناً غالياً لهذا الانحراف التربوي الخطير .

5-    التدليل : ويحدث كثيراً من الطفل الأوحد , أو الولد الوحيد وسط أخوات ، أو البنت الوحيدة وسط ذكور , أو المولود الذى جاء بعد فترة عقم أو بعد وفاة عدد من الأطفال قبله , أو الطفل الأول أو الأخير ... وهكذا .

والطفل المدلل يتعود على درجة عالية من الاهتمام من كل من حوله فهو مركز الأسرة ومحور اهتمامها , وكل طلباته مجابة , وهو يأخذ كل شئ ولا يعطى أى شئ فليس مطلوباً منه أن يعطى يكفى فقط وجوده لسعادة الأسرة , ولهذا ينشأ أنانياً محباً لذاته ومولعاً بها الى درجة النرجسية , وهو بالتالى غير قادر على تحمل مسئولية الدراسة أو العمل أو الزواج .

وهو حين يتزوج يميل الى اختيار زوجة تقوم بدور الأم البديلة لكى ترعاه وتلبى كل احتياجاته ويكون غير قادر على العطاء المادى أو الوجدانى لها ولأولاده منها فمراكز العطاء عنده لا تعمل لأنها لم تتعود على العمل قبل ذلك , وفى المقابل فإن مراكز الأخذ لديه نشطة طوال الوقت .

وقد قرر علماء النفس أن تلبية مطالب الطفل بنسبة أكثر من 70% يفسده , فكما أن درجة من الإشباع مطلوبة للتربية السليمة فإن درجة من الحرمان أيضاً مطلوبة .

6-    الحماية الزائدة : وغالباً ما تتورط الأم فى هذا النمط التربوي خاصة فى غياب الأب
أو نتيجة لعوامل شخصية فيها مثل الوحدة وعدم الإحساس بالأمان فتسقط هذه المشاعر على طفلها فتحوطه برعاية زائدة وحب خانق وتراقبه فى كل حركاته وسكناته ولا تسمح له بالخروج إلا للضرورة القصوى ثم تقف فى النافذة تنتظر عودته على أحر من الجمر , ولا تسمح له بالاختلاط بغيره من الأطفال أو النزول إلى الشارع وتسوق لذلك حججاً كثيرة منها أنه يتعلم ألفاظاً نابية من الأطفال أو أنه ضعيف البنية أو أن المنطقة التى يعيشون فيها غير آمنة .....إلخ .

وهذا الطفل ينشأ مسلوب الإرادة فاقد للمهارات الاجتماعية اللازمة للحياة , ويعيش فى تبعية لأمه ثم لزوجته بعد ذلك فهو يختار زوجة متسلطة ( مسترجله ) تقوده وتحميه كما كانت تفعل الأم , وهو لا ينضج أبداً بل يظل طفلاً ضعيفاً غير مسئول ولا يستطيع القيام بواجباته المدرسية إلا فى وجود الأم بجانبه و أحياناً يظل ينام بجانبها فى سرير واحد حتى بعد أن يتجاوز العشرين أو أكثر من عمره . وربما تأتى الأم لتشكو من سلبية ابنها واعتماديته عليها ولكنها بدون وعى تريده أن يبقى هكذا لكى تضمن بقاءه فى حضنها مهما كانت النتائج .

وفى بعض الأحيان يتمرد هذا الطفل على أمه أو أبيه فى سن المراهقة ويكسر حاجز الحماية الذى نصباه حوله ويصبح عدوانياً وقحاً كرد فعل للحماية الزائدة التى فرضت عليه وربما يبالغ فى الدخول الى كل مجالات الانحراف التى كان يخشاها أحد الوالدين أو كليهما .

7-    التربية المتدينه :- وفيها يلجأ الوالدان الى اتباع القواعد الدينية فى العملية التربوية , وهما فى هذه الحالة يشعران بالأمان التربوى حيث أنهما يعتقدان أنهما ينفذان التعاليم الربانية العليا فى تربية طفلهما , وهما يربطان التعليمات التربوية بالتعاليم الدينية وبذلك يتجنبان الصراعات الشخصية مع أبنائهم فالأمر كله لله , وهو الخبير بعباده وبما يصلحهم أو يضرهم لأنه هو خالقهم ونظامه التربوى سبحانه وتعالى هو أفضل النظم على الإطلاق .

ومع كل هذه الاعتبارات السابقة نرى فى الأسر المتدينة مشاكل عديدة ليس سببها المنهج التربوي الإلهي وإنما سببها طريقة فهم الآباء والأمهات لهذا المنهج وطريقة تطبيقه فى الحياة اليومية لأبنائهم , فكل أب وكل أم يختار من النصوص الدينية ما يتلاءم مع طبيعة شخصيته و يفسرها حسب ميوله واتجاهاته ويطبقها أيضاً طبقاً لهذه الاعتبارات , وربما يبدو هذا منطقياً ومتوقعاً فالتدين فى النهاية سلوك بشرى يمكن أن يتفق أو لا يتفق مع المنهج الإلهي , ولكن المشكلة فى هذا النوع من التربية أن الآباء أو الأمهات حين يخطئون فهم غير مستعدين لتصحيح ذلك لأنهم يعتقدون أن ما يفعلونه هو الصواب المطلق وأن ماعداه خطأ ولذلك يفتقدون المرونة التربوية بل ويحاولون فرض رؤيتهم الدينية على الأبناء باعتبار أنه لا خيار لأحد أمام النصوص الدينية المطلقة , وفى هذا المناخ إما أن يخضع الأبناء لرؤية الآباء وتفسيراتهم للنصوص الدينية ويصبحون مقلدين فى الغالب وإما أن يتمردوا على تلك التفسيرات وربما يتمردوا على كل ما هو دينى لأنه يذكرهم باستبداد والديهم وتحكمهم .

أما إذا كان المنهج الديني والتعاليم الدينية تسرى فى جو الأسرة من خلال القدوة الحسنة والنماذج المتوازنة المحبوبة فى الوالدين فإن الحالة التربوية تكون فى أفضل أوضاعها حيث الإيمان بالله يفتح فى نفوس الأبناء آفاقا هائلة للحب والعطاء والرحمة والتسامح والإيثار فى جو من القداسة المفعمة بالدفء الوجدانى العميق .

8- التربية المتوازنة : وهى التى ترعى جوانب التطور والتكيف فى شخصية الطفل , وترعى الجوانب الفردية والاجتماعية , وترعى الجوانب الدينية والدنيوية , وتعطى اعتبارا لاحتياجات الطفل  فى المراحل العمرية المختلفة وتواكب هذه الاحتياجات المتغيرة بمرونة وفهم , وتهتم بالقدوة أكثر من اهتمامها بالعقاب , وتوازن بين الإشباع والحرمان , وتعطى الفرصة للطفل كى ينمو وينضج ويتطور وفى ذات الوقت يحتفظ بعلاقته الإيجابية بأسرته , وتوازن بين الجوانب العقلية والجوانب الوجدانية والجوانب الروحية . وهى تربية دينامية ( حركية ) بمعنى أنها  لا تستند الى مفاهيم ثابته وجامدة فى كل المراحل وكل الظروف وإنما تتميز بالمرونة والمواكبة وتقدير المراحل والظروف المتغيرة بالضرورة فى حياة الطفل .