الزلزال : ظاهرة طبيعية ....أم رسالة إلهية ؟

 

 دكتور / محمد المهدى

  استشارى الطب النفسى 

 

نظرا لشدة زلزال " تسانومى  الأخير فى جنوب شرق آسيا (  قتل فى لحظات قصيرة ما يزيد على 160 ألف نسمة وشرد الملايين ) , فقد صاحبه زلزال آخر داخل نفوس البشر فى كل أنحاء العالم فقد ثبت عمليا وبصورة مفزعة أن استقرار الأرض التى نحيا فوقها استقرار مؤقت أو خادع , وبالتالى يصبح أمان الإنسان  واستقراره على ظهرها مشكوك فى دوامه , ومن هنا ثارت تساؤلات عديدة وملحة : لماذا ...... ؟  وكيف ....... ؟ ومتى .....؟ وماذا نفعل إذن ؟ خاصة وأنه لاتوجد وسيلة علمية للتنبؤ بالزلازل ناهيك عن من  ع وقوعها .... ونشط الخطباء والوعاظ فى دور العبادة يذكرون الناس بما نسوه ويحذرونهم ويرهبونهم مستشهدين فى ذلك بمظاهر الفساد  والعصيان والغفلة فى الأماكن التى وقع فيها الزلزال واتى طالما حذروا منها فلم يستمع إليهم أحد ولم يصدقهم أحد ..... فى حين وقف الد نيويون على الجانب الآخر يؤكدون أن الزلزال ظاهرة طبيعية مقطوعة الصلة بسلوك  الإنسان وأن الربط الدينى هنا ربطا تعسفيا يفتقد للدليل العلمى الموضوعى  .

 

فحين يحدث زلزال فى أى مكان فى العالم يصدر تقرير من مراكز الإرصاد يحدد شدة هذا الزلزال ( على مقياس رختر ) ومركزه ليطير هذا التقرير إلى وكالات الأنباء كى تبثه عبر وسائل الإعلام مضافا إليه تقرير آخر بالخسائر التى نجمت عنه , وليس مطلوبا من هذه الجهات أكثر من ذلك فهى جهات علمية محايدة ( أو يفترض أن تكون كذلك ) تهتم بالجانب الوصفى وليست معنية بما وراء ذلك . وعلى الجانب الآخر – كم ذكرنا - ينشط الخطباء فى المساجد والوعاظ فى الكنائس والمعابد محذرين الناس من غضب الله الذى جاء فى صورة زلزال والذى يستوجب الإستغفار والتوبة والرجوع عن طريق المعاصى والذنوب وإلا فسيزداد سخط الله وتتوالى الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية . أما فرق الإنقاذ والإغاثة فلا يشغلها هذا التصور أو ذاك وإنما تهرع لإغاثة المنكوبين بكل ما تملك من وسائل .

 

 

ويظل السؤال يلح : هل الزلزال مجرد ظاهرة طبيعية جيولوجية متصلة بحركة طبقات الأرض ومنقطعة الصلة عن سلوك البشر المقيمين على ظهرها .. أم أن أفعال البشر تستجلب هذه الظاهرة المدمرة ؟ وإذا كان الإحتمال الأخير صحيحا فما هى الآلية التى يحدث بها ذلك وما الوسيلة لدفعه ؟ .... وإجابة السؤال ( أو محاولة معرفة الإجابة ) ليست ترفا خاصة أنه لاتوجد وسيلة حتى الآن للتنبؤ بوقوع الزلزال رغم تقدم أجهزة الرصد وعلوم الجيولوجيا , وبالتالى فإذا كان لسلوك البشر دخلا فى حدوثه فلربما يتوجه الإهتمام نحو تعديل هذا ا لسلوك تجنبا لحدوث الزلازل . وتعديل السلوك هنا لن يتوقف عند تجنب المعاصى والذنوب وإنما يمتد لسلوكيات تبدو خارجة عن هذه الدائرة ( ظاهريا ) مثل التفجيرات النووية والعبث بجغرافية الأرض وجيولوجيتها بتغيير مجرى الأنهار  وإقامة السد ود وتشكل البحيرات الصناعية أو حفر الأنفاق أو قطع الجبال أو تلويث الغلاف الجوى بمخلفات الصناعة ومخلفات الحروب بما يؤدى إلى ظاهرة الإحتباس الحرارى التى يحذر العلماء من آثارها على المدى الطويل .

 

وقبل الدخول فى تفاصيل الإجابة عن هذا السؤال نحذر من خلل فكرى يصيب الإنسان على وجه العموم والإنسان العربى على وجه خاص وبدرجة تثير القلق , هذا الخلل هو مانسميه

 " التفكير الإستقطابى " أو " التفكير الإختزالى " , حيث يميل العقل إلى طريقة " إما .... أو"  ( Either ...or )  وهذا النوع من التفكير يستبعد منطقية العوامل المتعددة والرؤى المتراكبة والمتداخلة , وربما يميل العقل البدائى أو المستسهل أو غير الناضج إلى التفكير أحادى البعد حتى ولو كان هذا التفكير قاصر عن الإحاطة بظاهرة ما . فنحن هنا فى موضوع الزلزال نسمع إلى التساؤل الإستقطابى الإختزالى التالى : أهو ظاهرة طبيعية من اختصاص هيئة الإرصاد أم ظاهرة دينية من اختصاص أئمة المساجد ووعاظ الكنائس وكهنة المعابد ؟ ... والإجابة الإستقطابية أو الإختزالية تنبع من رؤية أنبوبية وإدراك ضيق للأحداث ومعانيها والحكمة منها , فإذا سلمنا بأن الزلزال مجرد حدث أرضى جيولوجى منفصل عن السياق العام للكون ولحياة الإنسان وسلوكه فإننا هنا سنتورط فى رؤى تجزيئية تجعلنا عاجزين عن الإدراك الكونى الشامل والمتكامل فضلا عن أن ذلك سيدعنا بعيدين عن إدراك مشيئة الله وإدارته لهذا الكون بكل ما فيه من قوى بناء أو هدم , وهذه الرؤية لن تكون مشكلة دينية أو روحية فحسب وإنما ستكون أيضا مشكلة نفسية إدراكية خطيرة .  وعلى الجانب الآخر إذا سلمنا بأن الزلزال مجرد انتقام إلهى أو ابتلاء إلهى , وأهملنا دراسة البعد الأرضى الجيولوجى وما يتصل به من عوامل فإننا نكون قد عطلنا جهدنا البشرى فى فهم الظواهر وتحليلها تحليلا علميا ومحاولة الإستفادة منها أو تجنبها . ولكى نفهم هذه الإشكالية أكثر سنحاول نقلها إلى دائرة أقرب فى حياتنا وهى دائرة المرض , حيث أننا إذا نظرنا إلى المرض من جانبه الغيبى فقط ( الإنتقامى أو الإبتلائى ) مع إهمال الجانب العضوى السببى فإننا كنا سنكتفى عبر مراحل التاريخ الإنسانى بالرقى والتعاويذ دون البحث عن علاج لأى مرض , وإذا نظرنا إلى المرض من جانبه العضوى فقط فإننا نستغرق طول الوقت فى رحلة العلاج العضوى المادى ونفقد القدرات الشفائية للصلاة والدعاء وهى قدرات هائلة ليس فقط على المستوى الدينى وإنما أيضا على مستوى جهاز المناعة الذى يتحسن كثيرا فى أحضان الإعتقاد الدينى الإيجابى . من هنا تبرز الحاجة إلى رؤى أكثر تعددية وعلى مستويات متعددة , رؤى لها صفة الإدراك الكونى والنضج المعرفى المتصاعد . ونقصد بالإدراك الكونى : إدراك الزمان بكل أبعاده (إدراك اللحظة الحاضرة بكل تفاصيلها مع إدراك الزمن الماضى الممتد إلى التاريخ السحيق وإدراك الزمن المستقبل بما يحويه من حياتنا الدنيا ثم حياة البرزخ ثم البعث ثم القيامة وما يليها من نعيم أو عذاب ) , وإدراك المكان بكل أبعاده ( الغرفة التى أجلس فيها والبلد الذى أعيش فيه والأرض التى أعيش فوقها ثم المجموعة ا لشمسية التى تضم كوكبى ثم المجرة التى أنتمى إليها ثم بقية المجرات ثم السماء الدنيا ثم بقية السماوات ثم العرش ثم الكرسى , وكل ما تضمه هذه الكينونات من مخلوقات أراها أو لا أراها ) . أما النضج المعرفى فهو يعنى الإنتقال من مرحلة جمع البيانات إلى مرحلة تكوين المعلومات إلى مرحلة بناء المنظومة المعرفية وأخيرا إلى مرحلة الحكمة التى ترى الأشياء بمنظور كونى واسع وتعطى الأشياء المدركة من المستويات السابقة

( البيانات ثم المعلومات ثم المعارف ) معنى يتجاوز المجموع الحسابى لها وروحا تتجاوز العالم المنظور إلى الكون الأوسع  , ولذلك قال الله تعالى : " ومن يؤتى الحكمة فقدأوتى خيرا كثيرا " , فالحكمة هنا رؤية كلية شاملة بعيدة عن التجزى والإستقطاب , وبالتالى تمكن صاحبها من رؤية الظاهرة وما وراء الظاهرة من معانى . والزلزال ( من الناحية الإدراكية ) كظاهرة جبارة وهائلة لا يمكن إد راك أبعادها برؤية ميكروسكوبية كما لا يمكن إدراكها حتى بالرؤية العادية ( بالعين المجردة ) وإنما تحتاج لرؤية تلسكوبية كونية شاملة . والزلزال ( من الناحية المعرفية ) كظاهرة متعددة المستويات والتأثيرات  لايمكن قراءتها على مستوى البيانات أو مستوى المعلومات أو مستوى المعارف , وإنما تحتاج لمستوى الحكمة ( المتعدد الأبعاد والمستويات والقادر على قراءة الملفات الظاهرة والمخفية , والقادر على الإستنباط التجريدى , والقادر على الربط بين عالمى الشهاد ة والشهود ) .

 

وبناءا على ما سبق من تصحيح للخلل الفكرى " الإستقطابى أو " الإختزالى " نجد أننا نحتاج إلى جهد هائل على مستوى قراءة ظاهرة الزلازل فى بعديها الطبيعى الظاهر والروحى غير الظاهر . فمن الناحية الطبيعية ربما نحتاج إلى إيقاف العبث بالأرض وبالغلاف الجوى , وهذا ما دعا إليه المصلحون فى مؤتمر الأرض والذى تخلفت أمريكا عن حضوره على الرغم من أنها أكبر عابث بالطبيعة من خلال تفجيراتها النووية ومصانعها وحروبها . ومن الناحية الدينية نحتاج للتوقف كثيرا أمام أخطائنا وذنوبنا التى تزداد يوما بعد يوم حتى لتكاد تلوث الأرض ومايحيط بها . وهذه النظرة الدينية للزلزال ليست نظرة ميتافيزيقية موغلة فى التفكير السحرى وإنما هى نظرة غاية فى الواقعية والإيجابية , فمثلا إذا تصورنا ان أسرة تعيش فى شقة وأنهم جميعا يعبثون بمبانيها وأثاثاتها , ويتركون بقاياهم فى أركانها , ويتركون مواسير المياه والصرف الصحى بلا إصلاح , ويرتكبون كل الموبقات التى تلوث وعيهم وضمائرهم وتشعل العداوة والبغضاء بينهم , فماذا يكون حال هذه الشقة التى يسكنونها بعد عدة سنوات ؟ , هذا بالضبط هو حال الأرض مع انتشار المظالم والمفاسد . وقد يقول قائل : إن المفاسد تقع فى الأرض كلها فلماذا يقع الزلزال فى مكان معين دون الآخر على الرغم من أن المكان الآخر يكون أكثر فسادا ( كأمريكا وإسرائيل مثلا مقارنة بجنوب شرق آسيا ) , والإجابة هنا لا تخضع للقوانين الظاهرة بالكامل وإنما يحكمها أيضا قوانين غيبية , فلله حكمة فى اختيار مكان ما وزمان ما لإيصال رسالة للبشر توقظهم وتنبههم حتى لا يغتروا بالإستقرار الكاذب على سطح الأرض فيمعنوا فى الطغيان والفساد , وهذا بالضبط كشخص صحيح البدن قد علا وتجبر على الناس بصحته وقوته فيصيبه الله بمرض يكسر جبروته أو يوقظه من غفلته , وهذا المرض يصيب أى جزء من جسده وليس شرطا أن يكون هذا الجزء هو المتورط فى الطغيان أو الفساد وإنما هو جزء يمرض لكى تصل عن طريقه رسالة الإنتقام أو الإيقاظ . ومع هذا فلن يعدم المراقب المتأمل أن يجد فى كل مكان حدث فيه زلزال مروع مظهرا أو أكثر من مظاهر الإفساد , فعلى سبيل المثال : زلزال جنوب شرق آسيا الأخير والمروع الذى مات فيه حوالى 160 ألف نسمة , هذا الزلزال أصاب منطقة انتشر فيها ما يسمى بالسياحة الجنسية حيث هرع الأوربيون بالألاف بحثا عن المتعة الجنسية الخاصة التى ربما تمنع قوانين بلادهم ممارستها مثل : مواقعة الأطفال الذكور أو الفتيات الصغار , وقد قام بعض الآسيويون بخطف الأطفال لاستخدامهم فى هذا الغرض كما قام بعض الناس ببيع أو تأجير أطفالهم وبناتهم للقوادين لاستخدامهم فى هذه التجارة الآثمة والمخالفة للأعراف والقوانين والأخلاق كما هى مخالفة لكل الأديان السماوية . وهذا لايعنى أن كل من أصابهم الزلزال موصومين بهذا الأمر ولكن حين يحل الإنتقام أو ينزل البلاء تكون له أحيانا صفة العموم فيأخذ فى طريقه أناسا لم يشاركو فى الإفساد بشكل مباشر إما لسكوتهم عن ذلك أو لابتلائهم وتعويضهم حسب حكمة الله ومشيئته التى لا يعلمها إلا هو , وهذا لايعنى أن من أصيبوا بالزلزال هم أسوأ البشر ولا يعنى أخذ موقف سلبى شامت أو متشفى فيهم فكل هذا ضد مبادئ الرحمة والشفقة , ومن يفعله يكون أشبه بالطبيب الذى ينظر إلى المريض متشفيا لأن المريض لم يتبع نصائحه العلاجية أو لم يكن عند توقعاته من ناحية الحمية الغذائية .  كما أن الرسالة المقصودة بالزلزال ليست قاصرة على من أصابهم فقط بل هى للناس عامة . والقرآن الكريم حافل بالآيات الدالة على أن الله يعاقب عباده إذا تجبروا أو أفسدو بشتى القوى والظواهر الطبيعية ( وما يعلم جنود ربك إلا هو , وما هى إلا ذكرى للبشر ) , ونذكر من هذه الآيات على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى : " اقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر * وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر * ولقد جاءهم من الأنباء مافيه مذدجر * حكمة بالغة فما تغن النذر " ( القمر 1-5 ) , وقوله تعالى " فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية * وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية " ( الحاقة 5-8 ) , وقوله تعالى " ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم فى تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول " ( الفيل 1-5 ) . والمصيبة تقع فتكون للمؤمنين ابتلاء ( لتكفير ذنب أو رفع درجة ) وتكون للكافر انتقام على ما جنت يداه ولكى تستريح الأرض ويستريح الناس من فساده .

ثم ماذا يضير البشرية حين تعتقد بأن الزلزال – وهو ظاهرة طبيعية جيولوجية تنشأ عن حركة طبقات الأرض – له جانب آخر غيبى , خاصة أن هذا الجانب الآخر يستلزم صلاح الإنسان على وجه الأرض وأن هذا الصلاح يعتبر جهدا وقائيا يمكن أن يقلل من حدوث الزلازل خاصة وأنه لا توجد حتى الآن أى طريقة تنبؤية أو وقائية من الزلازل . وماذا يضيرنا لو أصلحنا نفوسنا وسلوكياتنا لكى تصلح معنا وبنا بيئة الأرض التى نعيش عليها سواء كان ذلك بدافع دينى

( لدى المؤمنين ) أو بدافع دنيوى ( لدى الدنيويين ) .  ولماذا نلجأ دائما إلى اختزال رؤانا للأحداث على الرغم من أن العلم الحديث قد أثبت للمؤمنين وغيرهم أن كل الظواهر تقريبا متعددة العوامل والمستويات ؟ .

أعلى الصفحة