( الجدل والدفاعات النفسية )

 

" وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً "

 

د.محمد المهدى

  استشارى الطب النفسى

 

 

واضح من ظاهر لفظ الآية أن الجدل صفة من أكثر صفات الإنسان لزوماً ، يدل على هذا استخدام صفة التفضيل " أكثر " ، وبما أن اختيار الألفاظ في القرآن يتم بدقة تتناسب مع علم الله سبحانه وتعالى خالق هذا الإنسان فإننا لابد أن نكون قد حصلنا من هذه الآية على أهم مفتاح من مفاتيح النفس البشرية ألا وهو ميل هذه النفس إلى الجدل .

والجدل في اللغة يعني " المفاوضة على سبيل المنازعة والغلبة " ، مأخوذ من "جدلت الحبل"  إذا فتلته وأحكمت فتله ، فإن كل واحد من المتجادلين يحاول أن يفتل صاحبه ويجدله بقوة وإحكام على رأيه الذي يراه ( يراجع مفتاح السعادة 2 / 599 طبعة دار الكتب الحديثة بمصر ، والتعريفات للجرجاني 66 طبعة الحلبي ) . فإذا اشتد احتداد أحد المخالفين أو كليهما بما هو عليه من قول أو رأي أو موقف ، وحاول الدفاع عنه ، وإقناع الآخرين به ، أو حملهم عليه سميت تلك المحاولة بالجدل .

وقد ورد لفظ الجدل باشتقاقات مختلفة في القرآن سبعة عشر مرة ، وهناك سورة كاملة تسمى سورة المجادلة ، ومن استعراض معاني الآيات ومن مشاهدة السلوك البشري في الحياة يمكن أن نرى الجدل في مستويات مختلفة .

 

مستويات الجدل :

1-  الجدل داخل النفس : اجتمعت أغلب النظريات النفسية على أن النفس البشرية رغم وحدتها الظاهرة إلا أنها في الحقيقة تتكون من كيانات مختلفة ، فطبقاً لمدرسة التحليل النفسي لفرويد هناك الهو والأنا والأنا الأعلى ، وهناك الشعور وما تحت الشعور واللاشعور ، وطبقاً لمدرسة التحليلي التفاعلاتي لإريك برن هناك ذات الطفل وذات الراشد وذات البالغ ، وطبقاً لعلم النفس التحليلي ليونج هناك القناع والظل والأنيما والأنيموس ، وحسب رؤية كارين هورني هناك الذات الإجتماعية والذات المثالية والذات الواقعية . وهذه الكيانات أو الذوات داخل النفس في حالة جدل مستمر فيما بينها وما السلوك الظاهر إلا نتاج لهذا الجدل الداخلي .

ويمكننا القول بأن الدفاعات النفسية ما هي إلا نوع من الجدل الداخلي على مستوى اللاوعي مثل التبرير والإنكار والإزاحة والإسقاط والعقلنة والتسامي والعزل والاستدماج وتكوين رد الفعل وغيرها .

ويلحظ المشتغلون بالعلوم النفسية التأثير الهائل للدفاعات النفسية في سلوك الإنسان فما من سلوك إلا ويمكنك رؤية أحد الدفاعات قريبة منه ، وهذا لا يعني أن الدفاعات دائماً سلبية ( وإن كان بعضها كذلك ) ، وإنما هي تؤدي – في حالة اعتدالها – وظيفة المحافظة على التوازن المعرفي والوجداني والسلوكي ، أما في حالة الإفراط فيها فهي تبعد صاحبها عن الرؤية الحقيقية لنفسه ولغيره وتحدث تشوها في التصورات ينبني عليه تشوهاً في السلوك .

2-  الجدل مع الناس : هو سلوك شائع في الحياة اليومية بعضه بالحق وبعضه بالباطل وهو يهدف إلى الوصول إلى حالة من التوازن الاجتماعي والحفاظ على مكانة الشخص داخل المجتمع . وهذا المستوى متأثر إلى حد كبير بالمستوى السابق له ( الجدل داخل النفس ) والمستويين اللاحقين ( الجدل في الله ) و( الجدل مع الله ) .

3-  الجدل في الله : وهو يعني الجدل حول شرائع الله ومناهجه التي جاءت لضبط فكر الإنسان وسلوكه حتى لا يشط فهي بمثابة إطار مرجعي لضبط إيقاع الحياة على الأرض ، ولكن الإنسان - تحت تأثير أطماعه الذاتية-  يجادل في صدق هذه الشرائع وفي أهميتها بل ويجادل أحياناً في وجود الله ذاته ، ويكون الدافع وراء ذلك الإفلات من ضبط الفكر والسلوك والانطلاق المطلق تحت تأثير الغرائز والرغبات والتحرر من الإطار المرجعي في العلاقات الاجتماعية بما يضمن له تحقيق أكبر المكاسب والانتصارات بعيداً عن القيود الشرعية والأخلاقية التي يراها تكبل حركته وتحد من أطماعه . وهذا يجعلنا نفهم الحركات الإلحادية مثل الماركسية على أنها ليست صراعاً جدلياً بين الطبقات الاجتماعية ( كما يقولون ) وإنما هي صراع جدلي في الأساس بين طبقات النفس ومكوناتها يتجلى في نهاية مطافه في صورة صراع بين الطبقات الاجتماعية . ولهذا نجد في التراث الديني ما ينبه إلى أهمية مجاهدة النفس بمعنى الانتصار في معركة الصراع الجدلي داخل النفس بحيث يسمح لقوى الخير والبناء أن تمسك بزمام السلوك فيتجلى ذلك في صورة اتجاهات وسلوكيات خيرة بناءة ، أما إذا حدث العكس وانتصرت قوى الشر والهدم داخل النفس فإنها تفرز صراعاً جدلياً خارجياً ينفي كل دواعي الخير ويبرر العدوان ويستبعد كل مناهج الحكمة والضبط .

4-  الجدل مع الله : ونظراً لأصالة السلوك الجدلي في الإنسان فإنه يصاحبه إلى يوم القيامة حتى لحظة الحساب أمام الله فيحاول الإنسان – رغم معرفته ويقينه بصدق الموقف – أن يجادل عن نفسه ، وهنا يأمر الله سبحانه وتعالى جوارح هذا الإنسان أن تشهد عليه بما فعلت فتشهد ومع ذلك لا يكف الإنسان عن الجدال فيتجه باللوم نحو أعضاء جسده قائلاً ومستنكراً :  " لم شهدتم علينا " فترد هذه الأعضاء " أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء " .

 

الجدل طبيعة نفسية وسنة كونية

والجدل سواء كان في أشكاله الإيجابية البناءة أو السلبية الهدامة هو من طبيعة النفس كما قال تعالى " ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من ذكاها * وقد خاب من دساها " ( الشمس 7-10 )

وهو من طبيعة الكون كما في قوله تعالى :

" قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين " (الأعراف 24 )

وقوله تعالى : " لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض "

( البقرة 251 )

وقوله تعالى : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز " ( الحج 40 )

 

آثار الجدل :

والجدل بنوعيه الإيجابي والسلبي لا تخلو منه نفس بشرية حتى الأخيار من الناس عن علي ابن أبي طالب رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال : " ألا تصليان " فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئاً ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول " وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً " ( أخرجاه في الصحيحين )

فعلى الرغم من خيرية علي وفاطمة رضى الله عنهما إلا أن العقلنة والتبرير

( أنواع من الجدل النفسي ) أقعداهما عن قيام الليل ، وهنا تذكر الرسول صلى الله عليه وسلم القاعدة النفسية القرآنية " وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً " فنطق بها ليسمعها علي وفاطمة رضي الله عنهما وليسمعها كل إنسان إلى يوم القيامة فينتبه إلى أثر الجدل ( بكل مستوياته ) في السلوك .

والجدل حين يزداد قد يحرم الإنسان من رؤية الحقيقة فالدفاعات النفسية وخاصة الإنكار والكبت والتبرير والعزل وتكوين رد الفعل يمكن أن تحدث حالة من العمى النفسى تضيع معه الرؤية الواضحة . وفى هذا يقول تعالى :

" ولقد صرفنا فى هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شئ جدلا "  ( الكهف 54 ) .

فعلى الرغم من البيان والتفصيل وضرب الأمثلة لكل شئ فى القرآن الكريم إلا أن الجدل كان دائما يحجب الحقيقة ويعوق الرؤية أو يشوهها وبالتالى يعوق السلوك أو يشوهه .

أما إذا استطاع الإنسان – فى حالة كونه صادقا أمينا – أن يستبصر بدفاعاته ويهذبها ويرشّدها فإن الأمور تنجلى له أقرب إلى حقيقتها , وينتصر فى جدله مع قوى الضلال والشر ويقتحم العقبة حين يفك رقبة غيره من العبودية للعباد ويفك رقبته هو نفسه من نزعات الإكتناز والإستحواذ والحرص والطمع , وحينئذ يتواصى ( بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس ) بالصبر والمرحمة ليصبح من أصحاب الميمنة .

 

                                                دكتور / محمد المهدى

                                                استشارى الطب النفسى