أريد القصاص

إعداد

د.محمود جمال أبو العزائم

مستشار الطب النفسى

هل صحيح أن الأقارب عقـارب ؟

إذا كان هذا ما تقوله الأمثال الشعبية ... وهى خلاصة حكمة الناس البسطاء عبر قرون من الخبرة والمعاناة والصراع مع الحيـاة ...إن هذا القول ليس صحيحاً تماماً ... ولكنه صحيح أحيانا ... فليس كل الأقارب عقارب يلدغ بعضهم بعضاً ... ولكن المثل الشعبى يحذر فقط من لدغة الأقـارب التى تكون فى مقتل ... لأنه لا أحد يتصور أن تأتى الطعنة من أقرب الناس إلينا ... الأب أو الأخ أو العم أو الخـال.

والطعنة هنا ليست مجرد طعنة من الخلف لنهب مال أو أرض أو سكن ولكنها تسرق شرفاً وتهدد كرامة البيت المصرى كله ... وهل هناك شئ أغلى من الشرف .

والأهل عادة لا يصدقون ولا يخطر على بالهم - ولو للحظة واحدة - أن تكسر أو تهدم صله الدم وأن تجرح صله الرحم فى لحظة ضعف شيطانية يسفك فيها شرف البنات اللاتى لا يعرفن أنهن يجلسن مع شيطان أو من يتخفى فى صورة الأب أو الأخ أو العم أو الخال والذى لا تصدقه ولا تتصوره يحدث أحياناً ... يحدث ويقع ويصبح حقيقة لا وهما ولا خيالاً ويؤدى إلى تحطم الكثير من الأسر وتكون الضحية الأساسية فيه بنات فى سن الزهور ويترك وصمة عار لا تمحى وقد تكون النتيجة النهائية شرخ أو كسر بالشخصية قد تؤدى أن لم تعالج بحكمة ومهارة شديدة إلى اضطراب نفسى أو عقلى مزمن أو إلى اضطراب شديد بالشخصية.

وفى العيادات النفسية نلاحظ مثل هذه الحالات التى قد تبدوا للبعض منا شئ خيالى وغير حقيقى أو من نسج الخيال ولكنه فى أحيانا كثيرة واقع مؤلم يتعرض له البعض منا.

******

وقد حضرت إحدى الأسر للاستشارة عن كيفية التعامل مع مشكلة من تلك المشاكل ... وعند بدأ الكشف طلبت الأم من الأب أن يظل خارج حجرة الكشف حتى تستطيع أن تشرح المشكلة بوضوح وبدون حرج وبدأت الأم فى الكلام وقد ارتسم على وجهها علامات التوتر.

bullet

يا دكتور الموضوع اللى إحنا جايين في موضوع محرج ... أنا مش عارفة أتصرف فيه ازاى ... إحنا أسرة متوسطة الحال ... زوجى يعمل مدرس إعدادى ... هو راجل ناجح فى حياته ... تصرفاته طبيعية مع الناس والناس تحترمه ... لكنه عصبى معى ومع الأولاد ... أحيانا يكون قاسى وعنيف ولكن بعد شويه يهدى ويرجع لهدوئه ... هو رجل مستقيم فى المعاملة ولكنه لا يؤدى الصلوات المفروضة…

وهنا قاطعتها الابنة بشدة وعنف

bullet

ادخلى فى الموضوع المهم.

واستطردت الأم فى الحديث وقد بدأ على وجهها علامات التوتر والقلق الشديد.

bullet

يا دكتور ابنتى تتهم أباها بأنه يعمل معها أعمال غير لائقة أخلاقيا.

ومرة أخرى قاطعت الابنة الكلام وأخذت زمام المبادرة

bullet

يا دكتور الموضوع مش اتهام .. ده حقيقة

وانتابتها نوبة من البكاء الهستيرى لمدة عدة دقائق … وأخذت الأم تهدئ من روعها حتى استطاعت التماسك مرة أخرى واسترسلت فى الكلام.

bullet

أبى دائما يعاملنى بقسوة شديدة … حياته كلها أوامر من بداية اليوم حتى آخره … الاستيقاظ من النوم أوامر … الإفطار أوامر … المذاكرة أوامر … حتى اللبس والنوم أوامر … يحب يتدخل فى كل شئ فى حياتى حتى فى أدق أمورى الشخصية … وعلى العكس من ذلك تماماً … أمى شخصية سلبية … دائما تستسلم لكل الأوامر … حتى لو كانت غلط … ولا تحاول حماية الأبناء من بطش أبى وجبروته.

bullet

يعنى بالعربى أبوك شخصية شديدة متسلطة.

bullet

يا ريت الموضوع كده وبس … هو شخص متقلب المزاج … لا تستطيع التنبوء بما يريده … أحياناً قاسى وشديد … وأحياناً أخرى يحب الضحك والهرج الشديد ويعبر عن ذلك بتصرفات غريبة وشاذة … أحيانا كان يعبر عن حبه لى بأن يجلسنى على رجله ويظل يقبلنى مدد طويلة … كانت تلك القبل تضايقنى أثناء الطفولة بدون أن أفهم السبب … وكانت أحيانا أمى تنهره عن ذلك ولكن فى أغلب الأحيان كانت تتركه.

ومع مرور الوقت كان أبى يعاقبنى بشده على أى خطأ حتى ولو كان خطأ بسيط … وكانت العقوبة دائماً بالضرب المبرح لمدد طويلة ولم تكن أمى تتدخل لمنع الإيذاء عنى خوفا من قسوته عليها… وبعد أن يهدأ أبى كان يحاول مصالحتى بالأحضان الشديدة … كان يضمنى إلى صدره بشده وكنت لا أتتكلم ولا اعترض حتى لا يعود للقسوة والضرب مرة أخرى … وكان ذلك يضايقنى بشدة وذهبت إلى أمى لاشتكى لها ولكنها قالت أن أبوك يحبك ويحاول مصالحتك على عصبيته الزائدة معك

وفى أحد الليالى استيقظت من النوم فزعه بعد أن أحسست أن هناك من يتلمس جسدى بطريقة شاذة … وكانت مفاجأة إذ وجدت أبى يقف بجوار السرير . وقد بدأت عليه علامات الاضطراب والإحراج … وأنصرف من الحجرة مسرعاً.

وبعدها بأسبوع تكرر هذا العمل … وعندما اشتكيت إلى أمى قالت لى أن أبوك لا يقصد شيئاً وانك أسأت فهم الموضوع … وأنه كان فقط يطمئن عليك وعلى غطاء السرير حتى لا تصابى بالبرد أثناء الليل.

وبعدها بدأت لا أستطيع النوم وأحسست بالقلق الشديد من هذه التصرفات المفزعة … أننى لا أحس بالأمان فى المنزل … لقد أصبت بالأرق والخوف من المجهول الذى سوف يحدث لى.

ولما تكرر هذا الموضوع عدة مرات بدأت أعانى من الاكتئاب والضيق وسرعة الانفعال …وقررت مواجهة أبى … وكان الرد قاسياً … لقد ثائر ثورة شديدة واتهمنى بالجنون وأنى أتخيل أشياء لا تحدث … وقرر طردى من البيت لولا تدخل أمى لتهدئه الموقف وظللت أعانى من الاكتئاب عدة أسابيع … وتأخر تحصيلى الدراسى وكنت فى عذاب مستمر بين تأنيب أمى لى وقسوة أبى على حتى أدركت أمى حقيقة الموقف حين لاحظت أبعاد المشكلة حيث شاهدت أبى وهو يقوم بإعماله الشاذة أثناء نومى وحينئذ تحولت من إنسانة متهمة بالجنون والتخيل إلى انسانه ضحية.

وذهبت أمى إلى شيخ الجامع المجاور لنا لتسأله ماذا تفعل فى هذا الموضوع هل تنفصل عن أبى حفاظا على ابنتها ؟ أم تستمر معه على أن يتوب من أفعاله الشاذة.

وكان رد الشيخ هو رفض فكرة الطلاق والانفصال … وطلب منا أن تترك له فرصه لعل الله يهديه … وطلب منا أن ندعو له بالهداية لعل الله يجعل لنا مخرجاً.

وأخيراً وبعد تكرار المشكلة عدة مرات لجأت إلى قسم الشرطة … وقدمت بلاغاً عن المشكلة … وتم استدعاء والدى الذى رفض التهمه … وادعى أنى أتخيل أشياء وهمية لا تحدث … بل وطلب من القسم عرضى على الطبيب الشرعى لبيان هل هناك أى أذى جسدى حدث لى أم لا …

وطبعا رفضت الكشف الطبى لأنى والحمد لله سليمة ولم يحدث لى أذى جسدى … ولكنى أليس الأذى النفسى يساوى تماماً الأذى الجسدى ؟ …

وأنا الآن أعرض مشكلتى عليك يا دكتور … أرجوك أن تساعدنى … أنا بدأت أشعر بأننى سوف أنهار نفسيا وافقد عقلى وساعتها سوف يفرح أبى ويُبّرأ نفسه من التهمه وأكون أنا المجرمة والضحية فى نفس الوقت … لقد فكرت أن أهرب من الحياة وأقتل نفسى … أو انتقم من الدنيا وأقتل أسرتى لولا خوفى من الله ……… أرجوك يا دكتور ساعدنى …أنا أريد الحماية …. وفى نفس الوقت أريد القصاص العادل.

*********

كانت هذه نهاية كلمات الفتاة المغلوبة على أمرها لقد كانت مشكلتها هى نوع من أنواع التحرش الجنسى بين الأقارب الذى تنهى عنه جميع الديانات وتلفظه الفطرة الإنسانية السليمة.

وقد يصل هذا التحرش فى بعض الحالات إلى درجة الاغتصاب ويذكر الدكتور أحمد على المجدوب فى دراسته عن حوادث اغتصاب الإناث أن هذا النوع من الاغتصاب يسمى هيبيفليا Hebephilia ويقصد به النشاط الجنسى من أى نوع مع شريكه من الإناث فى مرحلة البلوغ حيث تظهر على الإناث فى تلك المرحلة علامات البلوغ الثانوية … والرجل من هذه المجموعة شبيه بالمغتصبين ويتميز باندماجه بشكل جيد فى الحياة الاجتماعية.

والسبب الرئيسى فى اتجاه هذا النوع من الرجال إلى إقامة علاقة جنسية مع المراهقات هو أصابتهم باضطراب فى التحكم فى مشاعرهم نشأ عن حالة فصام أو سوء تكييف ولذلك فإن البنات المراهقات يصبحن موضوعاً مفضلا للاتجاهات الجنسية لدى هذه المجموعة سواء فى حالة عدم وجود أنثى بالغة أو فى حين يكون قد جرى رفض للرجل من جانب شريكته الجنسية (زوجته) وقد ظهر أن 11 شخصاً من كل 22 شخصاً ارتكبوا جريمة الزنا بالمحارم كانوا من هذه المجموعة ونادراً ما يبلغ أحد أفراد الأسرة عن وقوع جريمة من هذا النوع وقد يتم الإبلاغ عن طريق طرف ثالث كأن تكون مدرسة الفصل أو الأخصائية الاجتماعية للمدرسة..

   وقد ذكر د.عبد المنعم الحفنى فى موسوعة الطب النفسى أن نسبة جرائم غشيان المحارم تتراوح بين 2.4% - 6.3% من كل الجرائم الجنسية وأن كانت فى الحقيقة أكبر من ذلك بكثير وعادة ما تكون التجربة قاسية بالنسبة للبنت ، وقد تنمو لديها بسببها مشاعر قوية وأحاسيس متضاربة تجاه الجنس ونفور جنسى من الرجال ينتهى بفشل فى الزواج عندما تكبر.

    وكثيرا ما تكون العلاقة المحرمة وخاصة بين الأب وأبنته علامة على تدهور عضوى بالمخ عند الأب بسبب الشيخوخة المبكرة أو تصلب شرايين المخ الذى يُعجل بالشيخوخة ولذلك تأثير نفسى من شأنه أن يؤدى بالشخص المصاب أن يتخفف من الضوابط والنواهى وتضطرب لديه معانى الحلال والحرام.

أن الراشد الذى يعتدى على محارمه إنسان مضطرب الشخصية حتى ولو كان له مظهر المتوافق اجتماعيا … وكثيرا ما تكون شخصيته لا اجتماعية أو يكون بناء شخصيته شبيها بالفصامين … وقد يكون متخلف عقلياً أو واقعاً تحت تأثير الإدمان وقت وقوع جريمته.

وقد بين الإسلام محارم المرء فى سورة النساء وبين أن المحارم من النسب سبع ومن الصهر سبع كما بين الرسول أهمية منع اختلاط الأولاد والبنات فى النوم حتى قبل المراهقة ونهى عن ذلك فقال " فرقوا بينهم فى المضاجع" وذلك كوقاية أساسية ضد الانحرافات الجنسية.

أن الأب هو الراعى الأساسى للأسرة وهو المسئول عنها وعن صيانة عرضها وشرفها … أما المنحرفون من الآباء فهؤلاء مجرد طابور ضال شارد خرج عن الطريق الصحيح … وهذا لا يعنى أن الأباء كلهم ضالون … لكن علينا أن تأخذ حذرنا فى أثناء تنشئتناً لأبنائنا وأن نراقبهم ونستمع إليهم ونراعيهم حتى تعطهم الأمان والطمأنينة النفسية … وحتى نعالج الانحراف إذا حدث وذلك فى الفترات الأولى من المرض قبل أن تستفحل المشكلة.