نحو موسوعة نفسية إسلامية

 

 

نحو موسوعة نفسية إسلامية

البناء النفسى للمسلم المعاصر

دكتور / محمد المهدى

دكتوراه الطب النفسى-جامعة الأزهر الشريف

استشارى الطب النفسى

إهــــــــداء

إلى أخى الحبيب وأستاذى الفاضل الدكتور / محمود جمال ماضى ابو العزائم الذى اقترح عنوان هذا الموضوع لمحاضرة فى الموسم الثقافى للجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية فوجدتنى استغرق فى تفاصيله حتى كان هذا الكتيب بفضل من الله وتوفيقه .

فهرس الموضوعــــات

التخليـــــة

أولا : التدين المرضى :

أ- التدين النفعى (المصلحى) .

ب – التدين الانسحابى (الهروبى) .

ج- التدين الذهانى .

د – التطرف .

ثانيا : التفكير الخرافى .

ثالثا : الآفات الفكرية الأخرى .

رابعا : شوائب التراث المتراكمة عبر العصور .

خامساً : العنصرية .

سادساً : العشوائية .

التحليـــــة :

1- الغاية .

2- المنهج .

3- مفتاح الشخصية .

4- الاطار المرجعى .

5- المخطط النفسى .

6- مراحل التكوين .

7- الوسائل .

خصائص البناء النفسى للمسلم المعاصر :

1- الشمولية والتكامل :

· شمولية الدوائر الافقية للنفس .

· شمولية المستويات الراسية للنفس .

· شمولية الزمان .

· شمولية المكان .

· شمولية صنوف المعرفة .

2- الجانب الاخلاقى .

3- الذوق والجمال .

4- الوسطية والاعتدال .

5- احترام البعد الزمنى (المسارعة والمسابقة) .

6- الترقى فى مستويات الدين والحياة .

7- الابداع .

8- الانطلاقة الكونية .

9- العمل الجماعى (روح الفريق) .

10-المرابطة .

                     11- العلاقة بالآخر .

خاتمة .

مقدمــــة :

حين نتحدث عن البناء النفسى للمسلم المعاصر فنحن فى الحقيقة نتحدث عن الإنسان فى أعلى مراحل تطوره كإنسان حيث أن الدين الإسلامى هو جماع الأديان السماوية وقمة تطورها المواكب لتطور الإنسان ، والشخصية الإسلامية مأمورة بحمل هذا المنهج الشامل الراسخ والمتطور فى آن ومأمورة باحترام عنصرى الزمان والمكان المتمثلين فى التراكم الحضارى والإبداع البشرى المتواصل .

إذن فنحن أمام معادلة أركانها المنهج الربانى مضروب فى الإنسان مضروب فى الزمان مضروب فى المكان ، وناتج هذه المعادلة خليفة الله فى الأرض الذى أوكلت إليه مهمة عمارة الحياة . إذن فعلى هذا المستوى نتحدث ولذلك نتوقع أن لا يستغرب القارئ تطلعاتنا نحو البناء الشاهق والمتكامل والمتوازن لشخصية المسلم المعاصر لأنه نموذج (أو يجب أن يكون نموذجاً) للإنسان الأرقى ليس بسبب جنسه أو لونه أو عرقه وإنما بسبب استيعابه لأبعاد المنهج الربانى وأبعاد الزمان والمكان وتجاوزه عن النزعات العنصرية والطائفية وقدرته على التعايش المتواضع والمتسامح مع الآخر المختلف ، فهو يقيس كرمه بتقواه " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " (الحجرات13) ، ويحترم سنة الله فى اختلاف مشارب البشر " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " (هود 118 ، 119)

وحين نتحدث عن البناء النفسى للمسلم المعاصر فنحن ندرك أننا لن نبنى فى أرض فضاء وإنما نبنى فى أرض بها تراكيب وأبنية بعضها صالح وبعضها غير ذلك ، لذلك يصبح الحديث عن البناء متضمناً لإزالة الركام غير النافع لكى يقوم البناء الأحدث والأنفع مكانه ، وهذه العملية يجب أن تتم كل يوم فى البناء النفسى للإنسان (وهى التى أطلق عليها العلماء التخلية ثم التحليه) لأن هناك بالتوازى عمليات هدم وبناء دائمة فى خلايا الجسم لضمان بقائه وصحته ونموه وتطوره ، والنفس أولى بذلك من الجسم لأنها - فى حال صحتها – أكثر سعياً نحو الإحلال والتجديد والارتقاء سعياً نحو وجه الله .

التخليه :

ما الذى نريد أن نخلى موقع البناء من آثاره؟

أولاً : التدين المرضى بمظاهره المختلفة والتى نوجزها فى النقاط التالية:

1- تضخيم قيمة اللفظ على حساب المعنى .

2- إعلاء قيمة المظاهر الخارجية للدين على حساب المعنى الروحى العميق .

3- إعاقة النمو النفسى والاجتماعى والروحى .

4- إعاقة التكامل الشخصى .

5- الانشقاق بين ما يبديه الشخص من مظهر دينى وبين ما يضمره من أفكار ومشاعر .

6- الميل للاغتراب بعيداً عن حقيقة الذات .

7- التعصب والتشدد خارج الحدود المقبولة شرعاً .

8- تضخيم ذات الشخص وتعظيمها والرغبة فى السيطرة القهرية على فكر ومشاعر وسلوك الآخرين ،9- ثم الرفض الصلب والعنيد لأى رأى آخر ،10- مع عدم القدرة على تحمل المناقشة الموضوعية .

11- تحقير الذات وما يستتبع ذلك من الميل إلى السلبية والهروب من مواجهة الواقع .

ونخص بالذكر هذه الانواع التالية من التدين المرضى :

أ- التدين النفعى (المصلحى) : حيث يلتزم الشخص بالكثير من مظاهر الدين الخارجية للوصول إلى مكانة اجتماعية خاصة أو تحقيق أهداف دنيوية شخصية . وهذا الشخص يستغل احترام الناس للدين ورموزه فيحاول كسب ثقتهم ومودتهم بالتظاهر بالتدين ويسخر الدين لخدمته ، وتجده دائماً حيث توجد المكاسب والمصالح ، وتفتقده فى المحن والشدائد .

ب- التدين الانسحابى (الهروبى) : وهو يحدث فى الأشخاص الذين يشعرون بالعجز فى مواجهة متطلبات وضغوط الواقع فيلجأون إلى الدين احتماءاً من مواجهة الصعوبات التى عجزوا عن مواجهتها ، وإيثارً للراحة فى ظل بعض المفاهيم شبه الدينية ، فتجد الشخص من هؤلاء قد أهمل دراسته أو عمله أو مسئولياته وتفرغ لممارسة بعض الشعائر الدينية التى لا تتطلب جهداً أو مشقة ، وهدفه – غير المعلن – من ذلك هو تغطية قصوره وعجزه والهرب من المواجهة الحقيقية والشريفة مع الواقع .

جـ- التدين الذهانى: ويظهر فى بعض المرضى النفسيين حيث يصطبغ المرض ببعض المفاهيم شبه الدينية الخاطئة فيعتقد المريض ويعلن أنه ولى من أولياء الله ، أو أنه نبى بعث لهداية الناس ، أو أنه المهدى المنتظر ، ويتصرف على هذا الأساس وهذه الحالات تحتاج إلى العلاج الدوائى والنفسى.

د- التطرف : وهو المبالغة الشديدة فى جانب أو أكثر من جوانب الدين بما يخرج الشخص عن الحدود المقبولة شرعاً . وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

· التطرف الفكرى : حيث يصعب النقاش مع هذا الشخص حول ما توصل إليه من أفكار ، وينغلق على فكره فلا يقبل فكر أو رأى آخر .

· التطرف العاطفى : حيث تصبح عواطف الشخص كلها متركزة على عاطفته الدينية ، ويصبح شديد الحساسية من هذه الناحية ، شديد المبالغة فى الانفعال بها .

· التطرف السلوكى : وهنا نجد الشخص يبالغ مبالغة شديدة فى أداء الشعائر الدينية الظاهرية بما يخرجه عن الحدود المقبولة شرعاً وكأن هذه الشعائر هدف فى حد ذاتها ، لذلك نجدها تخلو من معناها الروحى . وهو لا يكتفى بذلك بل يقوم باجبار الآخرين على أن يحذو حذوه وإذا خالفوه ربما يعتدى عليهم .

ثانيا : التفكير الخرافى : والذى كان يتمثل قديماً فى الضرب بالأقداح عند هبل ( أحد الأصنام الآلهة) لتأكيد الخيارات بعيداً عن الحسابات المنطقية والعقول ، أما حديثاً فهو يتمثل فى تفسير الظواهر الكونية والنفسية تفسيرات ظنية مرسلة بعيداً عن العقول والعلوم اليقينية المبنية على التجارب والخبرات . والتفكير الخرافى تكمن خطورته فى أنه كثيراً ما يكتسى

بأثواب دينية تعطيه حصانة تجعله عصياً على النقد

فضلاً عن الاقتلاع .

ثالثا : الآفات الفكرية الأخرى : كالتعميم والاختزال والاستنباط الاعتباطى والتهويل والتهوين …إلخ

رابعاً : شوائب التراث المتراكمة عبر العصور خاصة فى مراحل التدهور الحضارى ، والتى ربما تكون قد اكتسبت قدسية لا تستحقها ، وأصبحت تشكل عبئاً على حركة العقل المسلم وتشويشاً لصفائه وتكبيلاً لحركته

خامساً : العنصرية : فالدين رحمة وتسامح وتعايش وخير لكل البشر ، وهو دعوة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية وتتجاوز الألوان والأعراف والأجناس والخيرية فيه يحددها الله وحده بناءاً على التقوى " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " " لا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى " وهذه الدعوة الدينية ليس فيها إكراه لأحد " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " " إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " وهى تقوم على قاعدة " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " وتعزز فكرة التعايش والتعارف والتواصل مع الآخر المختلف " وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا " ، وحتى فى حال الصراع مع الآخر المعتدى فإن لذلك الصراع قواعد أخلاقية تقوم على دفع الضرر ولا تقوم على الإبادة أو التطهير العرقى أو الحمية العنصرية أو إلغاء الآخر ، والسلام غاية تُقبل عند أول فرصة سانحة تحقق العدل المطلوب " وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ " والاعتداء منهى عنه " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ "

سادساً : العشوائية : فالكون قائم على النظام ، وأى سلوك عشوائى يصبح تشويها لذلك النظام وتشويها لفطرة الإنسان .

التحليـــة:

وهى العملية الايجابية فى البناء ، وتبدأ بتحديد الغاية من ذلك البناء ثم تحديد المنهج الذى يقوم عليه البناء ثم تحديد مدخل البناء وضمان وجود جهة مرجعية للتخطيط والمتابعة وهذه الجهة تضع مخططاً أساسياً للبناء وتحدد عوامل الثبات فيه . ثم يبدأ العمل فى مراحل منظمة ومتتابعة مستخدماً أفضل الوسائل المتاحة واضعاً فى الاعتبار عوامل الزمان والمكان .

ويراعى فى ذلك البناء صفات الشمولية والتكامل والذوق والجمال والوسطية والاعتدال والنواحى الأخلاقية الرفيعة وجودة الاتصالات الأفقية (بعالم البشر) والاتصالات الرأسية (بعالم الملكوت) . وكأى عمل كبير لابد من التحلى بروح الفريق واستيعاب الأبنية والمنظومات الحضارية المتراكمة عبر الابداع البشرى حتى اللحظة الراهنة . وفيما يلى تفصيل لكل ما ذكرنا :

[1] الغاية :

هى السعى نحو الله ، فالمسلم المعاصر (كما كان القديم) لا يبغى علواً فى الأرض ولا فساداً وليس هدفه النهائى تحقيق ذاته وتضخيمها (كما هو الحال فى الاتجاهات الإنسانية والوجودية والمدارس الوضعية عموماً ) ، وليس هدفه السيطرة على الآخرين واذلالهم واستنزاف ثرواتهم ، وانما هدفه رضا الله تعالى من خلال عبادته وعمرانه للأرض وخلافته فيها ، ودليله فى ذلك قول الله

تعالى : " تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فساداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص (83). "

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً "

البقرة (30) .

"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا " (هود 61) .

" وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ " الذاريات (56) .

[2] المنهج :

نقطة الانطلاق فى المنهج النفسى الإسلامى هى الوعى بالكتاب المقروء (الوحى) والكتاب المنظور (الكون) ، ذلك الوعى الذى يوقظ العقل والوجدان ويوسع دائرة نشاطهما ويحميهما فى ذات الوقت من الشطط .

ثم ينبنى على ذلك منهجية فى التفكير تحترم القوانين الكونية (الأسباب) وفى نفس الوقت تؤمن بصانع هذه القوانين (مسبب الأسباب)

[3] مفتاح الشخصية :

حب الله هو مفتاح هذه الشخصية ، وهذا يستتبع حب الرسل جميعاً وما حملوه من رسائل هداية للبشرية وحب خاتم الرسل الذى جاء بالرسالة الجامعة .

[4] الإطار المرجعى :

القرآن والسنة

[5] المخطط النفسى :

ففكرة التوحيد هى مركز الشخصية الإسلامية والتى يبنى عليها الإيمان بالرسل وبالملائكة واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، وكل هذا يكون نواة الشخصية الإسلامية وهو ما نسميه "الإيمان الصادق" . فتوحيد المعبود يوحد مصدر التلقى ومصدر التوجيه فتكون المحصلة تضافر ملكات النفس وتكون الثمرة نمواً ايجابيا مضطرداً مع سلام داخلى وتصالح بين مكونات النفس ، بل وتصالح أيضاً بين مكونات النفس ومكونات الكون التى تتجه جميعها فى نفس الاتجاه ، وهنا يحدث التناسق النفسى الداخلى والتناسق النفسى الكونى . وعلى العكس فإن اتخاذ أرباب وآلهة مختلفة يشتت قوى النفس ويهدد استقرارها ويعوق نموها الصحيح .

يلى ذلك العلم النافع سواء كان لعمارة الدنيا أو لعمارة الآخرة ، ويتحلى هذا المؤمن الصادق العالم بأخلاق فاضلة يتواصل بها بسلام ومحبة مع سائر البشر ثم تكون ثمرة كل هذا عمل صالح يجسد كل ما سبق فى سلوك حياتى ملموس تعمر به الحياة .

[6] مراحل التكوين :

الشخصية الإسلامية هى نتاج تفاعل كيان نفسى بشرى مع منهج ربانى ، وهذا التفاعل يمر بالمراحل التالية :

1- المعرفة الدينية : وهى عبارة عن المصادر التى يتلقى منها الشخص معلوماته الدينية ،2- وكلما كانت هذه المصادر المعرفية نقية وصحيحة ومتكاملة كلما كانت الشخصية أقرب لهذه الصفات . وعلى العكس إذا كانت المصادر مختلطة ومغلوطة وغير متوازنة كلما كانت الشخصية مضطربة ومشوهة .

3- الفقه الدينى : وهو مرحلة أعلى من المعرفة حيث يتميز بالفهم العميق للمعلومات المتاحة ،4- وإعادة ترتيبها حسب أهميتها واستخلاص الاحكام من النصوص حسب ما تقتضيه متغيرات الظروف والأحوال .

5- صياغة المشروع السلوكى الدينى : فبعد أن نعرف ثم نفقه نحتاج أن نضع كل ذلك فى صورة مشروع للسلوك فى الحياة وهذا المشروع يجب أن يوائم بين متطلبات الدين وظروف الحياة الراهنة دون الاخلال بالاصول والثوابت

6- تنزيل المشروع السلوكى على الواقع : وهذه هى مرحلة التطبيق الفعلى لكل ما سبق فى الحياة اليومية بكل صعوباتها وتعقيداتها ولذلك تتطلب حكمة ومهارة لضبط ايقاع هذه الحياة بالمنهج الربانى وهذا التنزيل يتطلب معرفة صحيحة بالدين وفقها عميقا لجوانبه وأولوياته وصياغة محكمة وواقعية ومرنة للمشروع السلوكى الدينى بالاضافة لالمام كامل بظروف المجتمع . وقد يصبح الالمام بالعلوم الاجتماعية والنفسية واجبا فى هذه المرحلة لأنه المام بالبيئة التى يتم تنزيل المشروع السلوكى الدينى فيه لكى يثمر فى النهاية تدينا أصيلا تعمر به الحياة بشقيها الدنيوى والاخروى .

[7] الوسائل :

نظام تربوى اسلامى فى البيت والمدرسة والمسجد والاعلام يراعى اكتمال الجوانب التالية:-

1) الجانب الايمانى :

2) الجانب الاخلاقى .

3) الجانب الوجدانى .

4) الجانب العلمى (الموضوعى الحيادى) .

خصائص البناء النفسى للمسلم المعاصر :

· الشمولية والتكامل :

1) شمولية الدوائر الافقية للنفس : يتلخص نشاط النفس البشرية فى ثلاث دوائر رئيسية هى المعرفة والوجدان والسلوك . والشخصية السوية يجب أن يتوازن فيها ويتناغم نشاط تلك الدوائر الثلاث .

2) شمولية المستويات الرأسية (التصاعدية) للنفس :

وهى المستوى الجسدى للنفس ثم المستوى العقلى ثم المستوى القلبى وأخيراً المستوى الروحى

3) شمولية الزمان : الوعى الممتد من الماضى السحيق إلى اللحظة الراهنة .

4) شمولية المكان : الوعى الممتد من البيت إلى المسجد إلى المدرسة إلى العمل إلى المجتمع إلى العالم إلى الكون المرئى وغير المرئى إلى عالم الملكوت .

5) شمولية صنوف المعرفة : النقلية والعقلية والقلبية .

· الجانب الأخلاقى :

يسود العالم الآن نوع من الأخلاق النفعية وهى نظام من السلوك يتبعه الفرد ليس إيماناً بحسنه أو قبحه ، وإنما لمعرفته بأنه يحقق المصلحة ، وهذا النوع من الأخلاق منتشر فى الغرب بوجه خاص ، فتجد مثلاً التاجر صادقاً وأمينا ولطيفاً ، وتجد الصانع دقيقاً ومخلصاً ، ولكن مشكلة هذا النوع من الأخلاق هى عدم ثباتها ، فإن صاحبها يكون مستعداً للانقضاض عليها واستبدالها بنقيضها أحياناً إذا وجد مصلحة فى ذلك ، وربما نعرف جميعاً كيف أن الإنسان الغربى الذى يتميز بالعدل والأمانة والصدق فى بلده كان يتحول إلى الظلم والكذب والخداع فى تعامله مع الآخرين خارج حدوده خاصة أيام الاحتلال .

وعلى العكس فإن الأخلاق المطلقة مصدرها الأساسى هو الدين ، وهى تتميز بالثبات والأصالة فهى موجودة فى كل الأحوال

والظروف ، ولقد جسدها المسلمون الأوائل فكانت أخلاقهم اسلامية مطلقة داخل حدود وطنهم وخارجه ، وكانت هذه الأخلاق هى مفتاح قلوب البشر فى كل مكان خاصة وأن البلاد التى فتحها المسلمون كانت تعانى من الظلم والخداع وسوء الأخلاق من حكامها فإذا دخل عليهم المسلمون فاتحين وجدوا فيهم العدل والانصاف وحسن الخلق .

وللاسف فإن نسبة غير قليلة من المسلمين المعاصرين قد أهملوا البعد الأخلاقى ، فهم لم يلتزموا بالأخلاق الإسلامية المطلقة وفشلوا حتى فى الالتزام بالأخلاق النفعية ، وقد نشأ عن هذا نوع من عدم التناسق فى الشخصية والذى يصل فى بعض الأحيان إلى التناقض الشديد بين الاهتمام بالعقيدة والعبادات وبين المعاملات والأخلاق وكأنها أقسام مختلفة لارباط بينها فى وعى هؤلاء الناس فتجد الواحد منهم يصلى ويصوم ولكنه فى نفس الوقت يكذب ويغش ويظلم وكأن هذا شئ وذاك شئ آخر .

لذلك فالمسلم المعاصر يحتاج أن يعيد لوعيه قول الله تعالى ممتدحاً أخلاق رسوله " وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ " (القلم 4) وأن يعيد لوعيه قوله تعالى ممتدحا أخلاق المؤمنين " وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ " (العمران 134) . وقوله تعالى آمراً إياهم : " وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" (النساء 58) .

وأن يعيد إلى وعيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من شئ أثقل فى ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق ، وأن الله يبغض الفاحشين البزئ " (رواه الترمذى) .

وحين نقول بأن الخلق الحسن هو مفتاح القلوب ورسول السلام إلى البشر جميعاً فإننا نقر سنة كونية صرح بها الله تعالى فى كتابه الكريم مادحاً وموجهاً لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكل من يحمل رسالة الخير للناس من بعده : "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ "

(آل عمران 159) .

فقد ثبت فى كل مراحل التاريخ وفى كل المجتمعات البشرية أن الناس تنفض عن كل قاسٍ خشن غليظ القلب ، وتنفض عن كل حاقد مستبد ، وتلتف بعقولها وقلوبها حول كل رحيم لين طيب رقيق عفو يحترم عقولهم وآراءهم .

وللأخلاق جمال أخاذ ربما يفوق جمال الطبيعة وجمال الوجوه فللكلمة الطيبة سحر لا ينس وللموقف النبيل أثر رائع يزداد توهجاً مع الأيام . فتظل تلك الكلمة أو ذلك الموقف يجلجلان فى صفحات التاريخ على مدى آلاف السنين تتناقلهما الأجيال بكل الإعجاب والانبهار .

· الذوق والجمال :

صفات الذوق الرفيع والجمال الراقى فى بناء المسلم المعاصر ليست صفات كمالية أو ثانوية وإنما هى صفات أساسية مرتبطة بالإيمان حيث أن الله الذى نؤمن به يتحلى بصفات جلال وصفات جمال ، وهذه الصفات حين تنشر ظلالها على حياة المؤمن بها فلابد وأن تكون النتيجة مستوى عالٍ من الذوق والجمال .

والمتأمل لمخلوقات الله جميعها يلحظ من أول وهلة صفات الجمال والابداع الراقى ، فلا يصح بعد ذلك أن يكون المؤمن بمظهره وسلوكه خارقاً لقانون الجمال الربانى بل مؤيداً له ومظهراً إياه .

وقد كانوا يعرفون قديماً أن الشخص قد أسلم إذا حسن مظهره وطابت رائحته وعذب حديثه وارتقى ذوقه .

فالنظافة من الايمان والله جميل يحب الجمال والحضارة فى معناها الصحيح هى نتاج عقول امتلأت بمعانى التوحيد والخلود ووجدانات امتلأت بمشاعر القداسة ، وصدور انشرحت لتلك المعانى والمشاعر فتلقت الجمال الكونى وصاغته فناً خالداً .

وحين يعمل الإنسان لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فإنه يرضى بالأدنى لأنه يعمر حياة قصيرة ومنتهية لا محالة ، أما حين يعمل ساعياً لوجه الله فقد ارتبط بالخلود وعندئذ لن ترضيه لذة عابرة بل سيسعى نحو الأرقى والأدوم .

والمعابد والمساجد بنظافتها وصفوها منابت لمشاعر القداسة حيث روعة الوحدة الكامنة خلف الظاهر المتعدد وحيث تتلاشى ضوضاء النفس وضرورات الجسد فيقوى جوهر الروح التى تجوب فى رحاب المقدس وتعود محملة بأشواق العلو وحنين العودة إلى الجمال والصفاء والمحبة ، ويعود الانسان صاحب هذه الروح فيبدع فى عمارة المعابد والمساجد ما يدعم هذه المعانى ويعززها فنجد العلو فى البناء بما يفوق ضرورات استخدام المكان ، وارتفاع المآذن والقباب التى تقوم على قواعد أكثر اتساعاً ثم تلملم أطرافها كلما اتجهت نحو الذروة وكأنها تلتقى قرب السماء عند نقطة واحدة تأكيداً لمعنى التوحيد ومعنى التلاقى والقبلة كامنة فى حضن الجدار تنتهى فى أعلاها بقبوٍ حانٍ .

وكأنها تحتضن فى رفق كل من قصد المحراب . والايوانات المقوسة أو نصف الدائرية تواصل عملية الحنو على السائرين والقائمين والركع السجود ووحدات الارابيسك (العاشق والمعشوق) فى الشبابيك والشرفات والمشربيات توحى بالترابط والتماسك والنظام والتناغم الهادئ البسيط ووحدات الفن الاسلامى البسيط (المربعات – المستطيلات – المثلثات) تتشابك لتكون منظومات غاية فى الدقة والنظام والجمال وهذه المنظومات الفنية توحى بالالتزام وتوحى باحترام القوانين الكونية المنضبطة وهى على الرغم من بساطة وحداتها إلا أنها حين تتشابك تشكل تراكيب متعددة توحى بالتراكم والثراء والتعدد فى غير ازدحام أو تعقيد أو اشتباك .

ونلحظ ثبات هذه القواعد المعمارية والفنية عبر المراحل التاريخية المختلفة على الرغم من تطور المفاهيم والاساليب المعمارية ولا يفسر هذا الثبات إلا انها انعكاسات للتراكيب المعرفية والمشاعر الدينية يستقبلها الانسان من المقدس السامى والحانى ويعيد اسقاطها على عمارة دور العبادة ليراها رأى العين فتتعزز مرة أخرى داخل نفسه .

والإيمان وعى أعمق والعمل الصالح التزام واتقان وفى فترات الصعود الحضارى كانت تتسع دوائر الايمان وتتعمق مستويات الوعى ويتبع ذلك عملا صالحا ومؤيدا بعقيدة الاتقان والاحسان فتظهر التراكيب المعمارية والفنية رحبة شامخة متقنة أما فى عصور الاضمحلال فقد كان الايمان يتسطح والوعى يتقلص ويتكلس والهمم تضعف والطموحات تدنو فتقترب من الحضيض ويظهر العمل واطئا قميئاً مشوهاً عشوائياً قذراً هشاً … وكذلك يصبح الانسان .

· الوسطية والاعتدال

إذا أردنا أن نعبر عن الصحة النفسية لشخص ما باستخدام كلمة واحدة فإننا لا نجد أفضل من كلمة (التوازن) وهو فى اللغة الدينية الشائعة يعنى (الوسط العدل) ، ولذلك يجب أن تتميز الشخصية الاسلامية فى العصر الحديث (كما تميزت قديما) بعدم الغلو أو التطرف ، فهى دائما وسط فى صفاتها والوسط هنا لا يعنى التميع أو الوقوف فى منتصف الطريق وإنما يعنى الاعتدال فى كل شئ .

يقول تعالى : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً " البقرة (143)

فالشخصية الوسطية هنا تكون أشبه بالميزان الذى يوزن به الناس أو أشبه بوحدة القياس التى يقاس بها السلوك البشرى فيوصف باعتداله أو جنوحه .

والأمة الوسط تأخذ بالوسط العدل اعتقاداً وسلوكاً ، باطناً وظاهراً بالقدر الموزون الذى يجمع بين عالم الشهادة وعالم الشهود ، بين الآخرة والدنيا ، بين القوة والرحمة ، بين الغنى والزهد ، بين الفردية والجماعية ، بين المثالية والواقعية ، بين العبادة

وعمارة الأرض .

· احترام البعد الزمنى (المسارعة والمسابقة) :

لقد فرضت تقنيات الحضارة الحديثة إيقاعاً سريعاً للزمن وللتطور ولهذا لم يعد مقبولاً ولا محتملاً أن يمارس المسلم المعاصر التثاؤب التاريخى على المقاهى أو أمام شاشات التليفزيون أو فى ثرثرة فارغة ، بل أصبح لزاماً عليه احترام قيمة الوقت لتعويض ما فات ولتحصيل ما هو آت ، وان لم يفعل ذلك فسوف يتجاوزه التاريخ .

وقد كان مفهوم المسارعة والمسابقة واضحاً ، ومحركاً فى عصور الازدهار الإسلامى وخاصة فى صدر الإسلام فما كادت تمر عشرون سنة على تأسيس دولة الإسلام فى المدينة حتى امتدت فتوحاتها إلى أغلب أنحاء المعمورة وهزمت أكبر امبراطوريتين فى ذلك الوقت وأحدثت تغييرات ايجابية هائلة فى حركة التاريخ الإنسانى فى وقت قصير جداً بحسابات التاريخ فالوعى الحاد بالزمن هو أحد مقومات البناء النفسى للمسلم المعاصر لأنه يعى أنه صاحب رسالة عالمية وله وقت معلوم فى هذه الدنيا هو ساعات عمره المحدودة ، وهو مخاطب فى القرآن فى أكثر من آية كانت بداياتها "وسارعوا" "وسابقوا" . .

· الترقى فى مستويات الدين والحياة :

أحد المظاهر المهمة للصحة النفسية هو سعى الشخص (وسعى الأمة) الدائم نحو الترقى ، ولا يحدث هذا إلا بتراكم الخبرات واستيعابها فى منظومات قابلة للاضافة والنمو بشكل دائم .

وفكرة الترقى ليست ترفاً بل هى فى صلب المنظومة السلوكية للمؤمن حيث يبدأ مشواره الصاعر بالإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان .

والترقى المتدرج والمتصاعد كان حاضراً فى وعى السلف فكانت كتباً قيمة تجسد هذا الحضور الحى مثل " منازل السائرين" و " مدارج السالكين" .

وإذا ارتبطت روح الترقى (سعيا نحو وجه الله) بحبل الإيمان فإن الشخص (وكذلك الأمة ) لا يرضى بالعيش بين الجحور بل يظل ساعياً نحو الكمال والتكامل فى شئون حياته فتعمر به الحياة .

· الابداع

حين نستعرض العلوم الحديثة (المادية بشكل خاص) نلاحظ غياب الأسماء والاسهامات العربية والإسلامية عنها (إلا فيما ندر) ، وحتى إذا وجدنا اسهامات فهى فى الغالب مستندة أو متطفلة على الاسهامات والأسماء الغربية ومحتمية بها وباحثة عن مصداقيتها من خلال الاستدلال بها .

ولو توقف الأمر عند العلوم المادية الحديثة لهان الأمر بعض الشىء فالغربيون قد أعطوا الدنيا والمادة كل اهتمامهم ، ولا غرابة إذا برعوا فيها ، ولكن الأمر تجاوز ذلك الحد حتى وصل إلى تفوقهم وتقهقرنا ، وابداعهم المستمر وتطفلنا المستمر فى مجال العلوم الانسانية التى كان من المفروض أن يتفوق فيها العرب والمسلمون نظراً لما لديهم من كنوز دينية وتاريخية تثرى هذا المجال كأعلى

ما يكون الثراء .

ورغم انتشار جامعاتنا ومعاهد أبحاثنا وبعثاتنا الخارجية والداخلية إلا أن بحوثنا مازالت تابعة ومقلدة فى أغلبها واصبحنا فى موقف المتلقى السلبى وليس المتلقى الايجابى (راجع رسائل الماجستير والدكتوراه وأبحاث الجامعيين الملقاة على أرفف المكتبات بجامعتنا ومعاهد أبحاثنا) . وأصبح محظوراً (أو شبه محظور) على عالم عربى أو مسلم أن يعلن رأياً أو يضع نظرية أصلية مستقلة تمثل بيئته وفكره الإسلامى وحركة تاريخه ، إلا أن يكون مستأنساً ومستنداً إلى آراء ونظريات غربية مشابهة يعتبرها جذوراً لرأيه أو نظريته .

والذين مروا بتجربة عمل رسائل جامعية (ماجستير أو دكتوراه) كانوا يحسون ميل المشرف (أو المشرفين) لأن تكون نتائجهم قريبة من نتائج الدراسات الغربية المشابهة ، وأحيانا يضطر الباحث إلى لوى عنق النتائج لتحقق هذا الغرض وتقبل الرسالة . وكانت النتيجة أننا فقدنا الكثير من أصالتنا وقدراتنا الابداعية الفطرية التى منحها الله لنا ولكل الناس فى كل زمان ومكان ، وأصبحنا مجرد متلقين سلبيين وحفاظاً للعلوم الغربية (المادية والإنسانية على حد سواء) .

وقد نشر أخيراً أنه قد تم تسجيل 640 براءة اختراع فى اسرائيل (حوالى ثلاثة ملايين نسمة) فى العام الماضى فى حين تم تسجيل 24 براءة اختراع فقط فى نفس العام فى العالم العربى كله (280 مليون نسمة) . وهذه الأرقام ربما تشير إلى حجم المشكلة (المأساة) بشكل يستدعى القلق وإعادة النظر فى طرق التربية فى بيوتنا والتدريس فى مدارسنا ، وتجعلنا نتساءل : ما الذى أدى بنا إلى هذا الوضع؟ … هل نحن نوع خاص من البشر لا يملك قدرات ابداعية ، ولذلك ليس أمامنا إلا التطفل على ابداع غيرنا ؟ …بالطبع هذا قول غير صحيح من الناحية العلمية والواقعية …حيث أن الابداع طاقة فطرية موجودة فى كل الشعوب والأجناس ولكنها تحتاج إلى وسط مناسب يفرح بكل ابداع ويرعاه ويتبناه وينميه حتى يحدث التراكم الإبداعى الذى يجدد الحياة ويجعل لها معنى ومذاق متجدد .

إذن فلنبحث عن الظروف التى كبتت الابداع وأحبطته فى مجتمعاتنا العربية والإسلامية ونوجزها فيما يلى :

1- الخلط بين مفهوم الابداع والابتداع : مما جعل الناس بشكل مباشر أو غير مباشر ينفرون من الابداع خوفا من الوقوع فى دائرة الابتداع . والابداع هو رؤية علاقات جديدة بين الاشياء وربطها بشكل جديد والوصول إلى أشياء جديدة تضاف إلى الرصيد البشرى فى التطور . أما الابتداع فهو محاولة اضافة شئ غير أصيل وغير ثمين إلى شئ أصيل وثمين . وهذا المفهوم (الابتداع) يستخدم على وجه الخصوص فى المجال الدينى وهو مفهوم سلبى لأن الاضافة فى هذا المجال تشويه وتلويث خاصة إذا اقتربت من الاصول المحكمة التى لا خلاف فيها ولا مجال للاجتهاد

ولقد حدث فى بعض الاوقات وفى كثير من الاذهان خلط آخر بين مفهوم الابتداع ومفهوم الاجتهاد (وخاصة فى العصور المتأخرة ) فتقلص الاجتهاد وتقوقع المجتهدون خوفاً من الوقوع فى دائرة الاتهام بالابتداع .

2- إعلاء قيمة الاتباع (والانقياد لما هو سائد) على قيمة الابداع : وليس المقصود بالاتباع هنا اتباع الأصول الدينية ،3- وإنما اتباع العرف والتقاليد وكل ما هو سائد رغم مخالفة الكثير منه لما هو صحيح . ويزيد من ضغط هذا العامل الترابط الاجتماعى والأسرى (وهو عامل ايجابى بلا شك حين يأخذه مساره الصحيح) مما يجعل خروج شخص ما بفكرة جديدة أو عمل جديد يخالف ما هو سائد – عملية تحمل مخاطر تهديد العلاقات الأسرية والاجتماعية مما يجعل الشخص يؤثر كتمان أو قتل أى فكرة ابداعية فى مهدها محافظة منه على الاستقرار السائد .

4- طريقة التربية : والتى تعلى من قيمة الطاعة العمياء والانقياد لارادة وخيارات الكبار وتعطيل إرادة وخيارات الصغار ،5- وتقديس السابقين وتحقير اللاحقين ،6- وعدم الاحتفاء بالجديد بل النظر إليه بخوف وارتياب ومعاملة من أتى به معاملة المارقين الخارجين عن الاجماع .

7- المناخ العام فى المدارس والجامعات : يسود فى كثير من مدارسنا وجامعاتنا ومعاهد أبحاثنا مناخ عام ينفر ويفزع (بشكل معلن أو غير معلن) من نبضات الابداع الجريئة وينبذ صاحب هذه النبضات فى أقرب فرصة ممكنة ،8- ولا يسمح إلا باحتضان المسالمين (والمستسلمين) والمنقادين لخط التقليد (والتطفل) العلمى السائد طلباً للسلامة والاستقرار العلمى الزائف .

9- غياب الحرية : سواء على المستوى الفردى أو الجماعى ،10- فالابداع لا ينمو إلا فى مناخ حر يسمح بتعددية الرؤى والاجتهادات والممارسات ،11- أما فى المناخ الاستبدادى حيث أحادية الرؤية والاتجاه والممارسة فإن الابداع يموت أو يتوارى خشية الاتهام بالمروق والعصيان والتآمر .

12- تقديس ما لا يجب تقديسه : فنحن كأمة نمتلك تراثاً هائلا من الأديان والفلسفات والأعراف والتقاليد ،13- وكلها تأخذ فى العق الجمعى مكانة أقرب للتقديس ،14- وهذا يجعل مناطق الحظر عديدة ومتشابكة ويشكل عبئاً تقيلاً على حركة الفكر والابداع . كذلك يجب إعادة النظر فى ذلك التراث بحيث لا نقدس منه إلا ما كان وحياً إلهياً لنبى أو رسول أما قول البشر خارج هذه الدائرة فهو قابل للأخذ والرد .

15- الاحباط وضيق الصدر : فالمبدع يحتاج أن يكون منشرح الصدر ويشعر بالأمان والاطمئنان . وقد توفرت له حاجاته الأساسية فراح يفكر فيما هو أعلى وأفضل ،16- أما إذا كان يعيش حالة من الضنك وضيق العيش وعدم الأمان والقهر والاحباط فإن جذوة الابداع ستنطفئ بداخله ويعيش عمره مقهوراً محبطاً .

17- فقد الثقة بالنفس : فكثير منا حين يسمع عن ابداع عالم عربى أو مسلم يتشكك فى جدواه ،18- وكأنه قد رسخ فى أذهاننا أنه ليس هناك ولن يكون هناك ابداع خاص بنا ،19- وأن الابداع صناعة غربية خالصة ،20- وأننا يجب أن نظل فى الصفوف الخلفية ،21- وأن نسمع ونطيع ما يصلنا شاكرين لرواد الحضارة الغربية الحديثة أفضالهم ،22- وأنهم سمحوا لنا حتى بمجرد اتباعهم الذى لا نستحقه . وهذه الدونية والهزيمة الداخلية قتلت بداخلنا دوافع الابداع وطمست جذوره الفطرية التى منحنا الله إياها .

· الانطلاقة الكونية :

إذا كان وعى الشخصية الإسلامية وعياً كونياً يشمل النفس والأرض والسماوات ، يشمل عالم الشهادة وعالم الشهود ، يشمل الماضى والحاضر والمستقبل ، فإننا نتوقع أن تكون لهذه الشخصية انطلاقة كونية ترتاد كل هذه الآفاق بكل الوسائل المتاحة لها مثل التخيل والتفكير والسير والاكتشاف وارتياد كل دوائر المجهول التى تسمح ملكات الانسان وأدوات التكنولوجيا المتراكمة بارتيادها .

وللأسف الشديد لم تحدث هذه الانطلاقة من المسلمين المعاصرين وإنما حدثت من غيرهم حين وعوا هذا المعنى فتخيلوا وتفكروا وساروا فى الأرض وغاصوا فى النفوس وفى البحار وتوغلوا فى الغابات وطاروا فى الفضاء ، ولكنهم فعلوا ذلك استعلاءاً واستغلالاً وسيطرة فأفسدوا كثيراً من سعيهم وجعلوه نقمة على البشر ومهدداً بالفناء .

وقد آن الأوان للشخصية الإسلامية أن تستعيد وعيها الكونى وتستعيد انطلاقتها الكونية الممزوجة بالنزعات الايمانية والنزعات الانسانية التى تجعل هذه الانطلاقة لخير البشر –

وقد آن الأوان أن تعود إلى الوعى الآيات الكونية التى تحض على التأمل والنظر والمسير : "

وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ " (الذاريات 20-22) " "قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ" (العنكبوت 20)

· العمل الجماعى (روح الفريق) :

لقد ابتلى المسلمون فى فترات تدهورهم بالافتتان بالبطولات الفردية فتغنوا بها وعبدوها فسقطوا وذهبت ريحهم ، على الرغم من أن ذلك لم يكن من نهجهم فأهم فرائض الدين تؤدى فى جماعة والرسول صلى الله عليه وسلم كان دائم الجلوس وسط أصحابه يفكر معهم ويشاورهم فى الأمر ويعمل معهم وبهم ، وكل الانجازات العظيمة كانت نتاج عمل الفريق الذى يؤلف القدرات الفردية فى نسيج متكامل له معنى واثر تراكمى .

وقد أثبتت الحضارة الحديثة بتراكيبها وتنظيماتها المعقدة استحالة الاعتماد على البطولات والانجازات الفردية فى الرقى مهما تكن عظمتها ، وأن العمل كفريق هو أحد أهم أسرار البناء والرقى.

والاعتماد على الانجازات الفردية المتناثرة لا يؤدى فقط إلى احباط مشروعات النمو الجماعى وإنما يكرس أيضاً للنرجسية والذاتية والأنانية والافتتان بالأفراد وتقديسهم .

· المرابطة :

هى الحفاظ على الفكرة المركزية الاسلامية (السعى نحو الله) وذلك عن طريق :

1- اخلاص النية لله وحده : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ،2- فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ،3- ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (رواه البخارى ومسلم )

4- صرف الاهتمام عما لا يفيد : " من حسن اسلام المرء ترك ما لا يعينه " (رواه أحمد)

5- معاودة الرجوع إلى الفكرة المركزية كلما ابتعد عنها : " مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس فى آخيته ،6- يجول ثم يرجع إلى آخيته ،7- وأن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان ،8- فأطعموا طعامكم الأتقياء وولوا معروفكم المؤمنين " (أورده السيوطى فى جمع الجوامع) .

العلاقة بالآخر :

1- إذا كان ذلك الآخر من أهل الحرب فالعلاقة به تتحدد بقوله تعالى " وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " (الانفال 60) .

2- أما إذا كان الآخر من أهل السلام فالعلاقة به تتحدد بقوله تعالى " لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ " (الممتحنة8) .

3- النزعة الانسانية : احترام الإنسان أياً كان لونه أو جنسه أو عقيدته والقدرة على التعايش والتواصل وتبادل المنافع بعيداً عن القبلية والطائفين والشعوبية .

4- عالمية الخطاب الدينى وتخطيه للحواجز الثقافية والحزبية والطائفية من خلال شخصية عالمية منفتحة ومتقبلة ومتسامحة .

خـــاتمة

إن البناء النفسى للمسلم المعاصر بالخطوات والخصائص التى ذكرناها يكاد يكون ضرورة انقاذ ليس للعالم الاسلامى وحده وإنما للانسانية كلها ، فهذا النموذج التى تحدثنا عنه حين يتحقق فى عالمنا المعاصر فإنه يصبح بمثابة سفينة نوح فى زمن الطوفان .

والبشرية تقترب من مواجهة طوفان هائل يكاد يعصف بالمنجزات الحضارية المتراكمة عبر العصور ومظاهر هذا الطوفان تتلخص فى الآتى :

1- حربان عالميتان يموت فى الاولى 20 مليون وفى الثانية 45 مليون نسمة أغلبهم من المدنيين .

2- السباق المحموم فى التسلح بأسلحة الدمار الشامل .

3- الهيمنة الامريكية على العالم وممارسة الاستعلاء والسيطرة بشكل مستفز لكل المشاعر .

4- اغتيال الشرعية الدولية بواسطة الثور الامريكى (كما حدث فى أفغانستان ويحدث فى فلسطين والعراق) وسيادة شريعة الغابة .

5- الخلل الاقتصادى المتمثل فى زيادة مساحة الفقر فى أغلب دول العالم وزيادة الغنى الفاحش فى عدد قليل من الدول الغربية التى تمارس الاستغلال والسيطرة .

6- التحلل الاخلاقى .

7- انتشار الادمان بشكل خطير وفشل المحاولات للسيطرة عليه .

8- ضعف الجوانب الدينية والروحية أو تشوهها .

كل هذه العوامل تنذر بالطوفان ، ولذلك أصبح العالم فى حاجة إلى نموذج إنسانى يتحلى بمنهج ربانى رحب ومتسامح وعادل لكى يحافظ على ايجابيات الحضارة القائمة من عبث الموتورين والمهووسين بالقوة والسيطرة والاستعلاء ويرسى قواعد الرحمة والتعايش سعياً لوجه الله .

 

أعلى الصفحة