الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأة والطب النفسى

 



مواقع مفيدة



احوال الطقس
اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



 

 
 

الجنس الثالث

دكتور \ محمد المهدي

رئيس قسم الطب النفسي

جامعة الأزهر – فرع دمياط


تعبير الجنس الثالث ليس تعبيرا علميا دقيقا وإنما هو لفظ دارج يضع الناس فيه من لاينتمون إلى الذكورة التقليدية المعروفة أو إلى الأنوثة التقليدية المعروفة , فكل من لديه غرابة أو شذوذا فى مظهره أو هويته الجنسية أو سلوكه الجنسى يوضع فى سلة " الجنس الثالث " لأنه ببساطة ليس رجلا بالمعنى السائد وليس أيضا امرأة بهذا المعنى فهو رجل فى جسد امرأة أو امرأة فى جسد رجل أو رجل أو امرأة لديهما ميول لنفس الجنس ...... الخ .
والآن نرجع إلى الرؤية العلمية الدقيقة لتعريف الإضطرابات والشذوذات التى تندرج تحت مظلة " الجنس الثالث":
 


أولا : الخنثى Intersex (Hermaphrodite) :
هو مولود لديه أعضاء ذكورة وأعضاء أنوثة فى نفس الوقت , ويحتار فيه أهله , أيعاملونه كذكر أم كأنثى , وهنا يأخذونه إلى الطبيب الجراح ليرى أهو أقرب للتركيب الأنثوى أم الذكرى , ثم يقوم بإجراء عملية جراحية لتعديل تركيبة الجهاز التناسلى المميز لأقرب جنس له . أما إذا لم تتم هذه العملية فإن الشخص " الخنثى " وأهله يكونون فى حالة حيرة حيال " الهوية الجنسية " والدور الإجتماعى الذى يلعبه " الخنثى " , وينتج عن هذا مشكلات نفسية واجتماعية وأخلاقية كثيرة لو لم يحسم هذا الأمر طبيا . والعمليات الجراحية التي تتم في هذه الحالة تسمى "عملية تصحيح الجنس" وليست تغييرا للجنس .
ولقد استطلعت شبكة "إسلام أون لاين.نت" بعض الجوانب المهمة في مثل هذه العمليات وانتشارها وأسبابها، حيث أوضح الدكتور/ ياسر صالح جمال أستاذ واستشاري جراحة الأطفال والتجميل، ورئيس الفريق الطبي الذي أنجز العديد من جراحات تصحيح الجنس بأن هذه العمليات ضرورة لتصحيح  الجنس، مشددا على وجوب التفريق بين التصحيح وتغيير الجنس من الناحية الشرعية.
ويوضح د.جمال أن ظهور هذه الحالات على السطح في الآونة الأخيرة، راجع لزواج الأقارب , حيث قال: "ينبغي تجنب زواج الأقارب؛ لأن ذلك يزيد من فرصة حدوث مثل هذه المشاكل، وينبغي عدم تناول الهرمونات وغيرها من الأدوية التي قد يكون لها تأثير هرموني على الجنين، وتؤدي إلى خلل في تكوين الأجهزة التناسلية"، كما طالب بعدم التزاوج بين الأسر التي لديها تاريخ مرضي بمثل هذه المشكلة.
وحول السن العمرية المناسبة لإجراء تلك العمليات , أوضح د.جمال أن مرحلة الطفولة المبكرة هي أفضل المراحل من الناحية النفسية والاجتماعية وحتى الجراحية , وأكد أن التصحيح له ركائز ومحددات أساسية هي الكروموسومات والغدد الجنسية، فالشخص يكون ذكرا إذا كان حاملا لكروموسومات XY ولديه خصيتان، بينما الأنثى تحمل كروموسومات XX ولديها مبيضان، أما إذا حدث خلل في الكروموسومات أو الغدد الجنسية كوجود أنسجة مبيض وخصية في نفس الشخص، فعندها يلجأ الأطباء إلى المحددات والركائز الثانوية وتشمل الأجهزة التناسلية الخارجية والداخلية والقدرة على ممارسة العلاقة الحميمة، ومستقبل الإنجاب ورغبة الشخص ومشاعره نحو الذكورة والأنوثة ورغبة الوالدين في حالة الأطفال، وعمر الشخص عند تشخيص الحالة، فتتم دراسة هذه المعطيات بشكل دقيق
ثم يُتخذ قرار تحديد الجنس إلى الجنس الأقرب لقدرات ورغبات الشخص بعيدا عن المعاناة المعيشية والنفسية.
والأجهزة التناسلية الخارجية من أكثر وسائل تحديد الجنس بالنسبة للعامة، وكذلك أكثر المؤشرات بالنسبة للأطباء، والتي تثير الشك لدى الأطباء في حالة عدم وضوح الذكورة أو الأنوثة وتسمى حالة الخلل هذه بالجهاز التناسلي الغامض، وفيها يكون الجهاز التناسلي وسطا بين الرجولة والأنوثة، وتستوجب هذه الحالات إجراء فحوصات كاملة للوصول إلى جنس المولود الصحيح، فإذا وجد أي تناقض بين أحد هذه المستويات والمستويات الأخرى تسمى هذه الحالة بتداخل الجنس أو (الخنثى)".
 


والخنثى تنقسم إلى ثلاثة أنواع هي:
- الخنثى الكاذب الذكري: وفي هذه الحالة تكون الأجهزة التناسلية الخارجية شاذة في طفل ذكر، وتبدو أقرب إلى الجهاز الأنثوي، إلا أنه يملك خصيتين
وكروموسومات xy وفي هذه الحالة ينشأ الطفل كولد ذكر مع تصحيح أجهزته التناسلية الخارجية.
- الخنثى الكاذب الأنثوي: وفي هذه الحالة تكون الأنثى بجهاز تناسلي خارجي شاذ، إذ يظهر لها جهاز أشبه بجهاز الذكور ولكنها تملك مبايض ورحما وقنوات، وفي هذه الحالة ينشأ الطفل كأنثى وتصحح أجهزته التناسلية الخارجية كجهاز الأنثى.
- الخنثى الحقيقي: وفي هذه الحالة يملك الشخص جهازاً شاذًّا، إلا أن لديه مبيضا وخصية في نفس الوقت،
وهنا يصحح جنس الشخص بعد النظر في باقي مستويات تحديد الجنس، وينشأ في الجنس الأقرب إلى واقع باقي المستويات وتصحح أجهزته التناسلية طبقاً لذلك، وينطبق الشيء نفسه على حالات خلل تكون الغدد الجنسية.
والعمليات التي تجرى مبكراً تكون نتائجها أفضل فالشخص يمكن أن يعطى بعض العلاج بالهرمونات مبكراً، والتي تحسن نتائج العملية الجراحية، أما من الناحية الاجتماعية فإن الحالات التي تشخص مبكراً، لا تمر عادة بصعوبات التحول من جنس لآخر كما يحدث في الحالات التي تشخص في سن متأخر، إذ تعاني تلك الحالات من بعض المصاعب في تعاملها واندماجها مع المجتمع المحيط بها، والذي لم يتفهم بشكل واعٍ الفرق بين التصحيح والتغيير.
لذلك يجب المسارعة بتصحيح الجنس قبل أن يتشكل الدور الإجتماعي ويصبح من الصعب تعديله , أو يحتاج وقت كبير وجهد شاق لتعديله .
والرأي الفقهي في الخنثى استنادا إلى مجامع فقهية كثيرة في العالم الإسلامي وخاصة مجمع الفقه الإسلامي في مكة المكرمة الذي انعقد عام 1989 م نوجزه فيما يلي : من اجتمع في اعضائه علامات النساء والرجال فينظر الى الغالب من حاله فإن غلبت عليه الذكورة جاز علاجه طبياً، بما يزيل الاشتباه بذكورته ومن غلبت عليه علامات الانوثة جاز علاجه طبياً بما يزيل الاشتباه في انوثته سواء اكان العلاج بالجراحة أم بالهرمونات، لإن هذا يعتبر مرضاً والعلاج هنا يقصد به الشفاء من هذا المرض وليس تغييراً لخلق الله عز وجل.‏
ويقول فضيلة الشيخ فيصل مولي (من علماء لبنان) في هذا الأمر :
مرض (الانترسكس) أيّ الجنس الداخلي، وصاحبه يسمّى عند الفقهاء (الخنثى) وهو الانسان الذي يمتلك بعض الأعضاء الجنسيّة للذكر، وبعض الأعضاء الجنسيّة للأنثى. لقد تكلّم الفقهاء في العصور الغابرة عن هذه الظاهرة من حيث تأثيرها على الأحكام الشرعيّة المتعلّقة باختلاف الجنسين، ولم يتكلّموا عن حكم معالجتها باعتبارها مَرضاً. لكن تقدّم العلوم الطبيّة اليوم أدّى إلى إجراء عمليّات جراحيّة للمصابين بهذا المرض من أجل تحويلهم إلى الجنس الغالب، وهو الجنس الحقيقي لهم. ولم أسمع أنّ أحداً من العلماء المعاصرين أفتى بتحريم هذا النّوع من العمليّات، ومقاصد الشريعة وأحكامها العامّة تؤكّد إباحته، لأنّه مرض ناشئ عن تشوّه خَلقي، ورسول الله ? أمرنا بمعالجة المرض: (يا عباد الله تداووا، فإنّ الله جعل لكلّ داء دواء…)، وهو بالتالي لا يدخل في (تغيير خلق الله) الذي نهينا عنه، بل هو من باب معالجة المرض الذي أمرنا به.

 


ثانيا : المخنث أو الخنيث Transsexual :
هو شخص يتصرف بعكس جنسه , فمثلا يكون من الناحية الجسمية رجلا مكتمل الرجولة ولكنه من الناحية النفسية يتصرف كأنثى أو العكس , أى أن هناك صراعا بين التركيب البيولوجى والميول النفسية الجنسية , ومن هنا نرى هذا الشخص المخنث يرفض ويكره تركيبته ( أو تركيبتها ) الجسمية ويسعى جاهدا إلى تغييره إن أمكنه ذلك فنراه يذهب إلى جراحى التجميل يطلب منهم تحويله إلى الجنس الآخر من خلال عملية جراحية يتخلص بها من مظاهر الجنس الذى هو عليه ليكتسب مظاهر الجنس الآخر الذى يتمنى أن يتحول إليه وربما يستخدم هرمونات لتغير شكل الجسم وتركيبه فإذا كان بيولوجيا رجلا فإنه يستخدم هرمونات أنثوية تؤدى إلى نعومة الصوت ونعومة البشرة وبروز الثديين ويأخذ هيئة الأنثى فى ملبسه وكلامه وحركاته . وهذا الشخص يتصرف منذ طفولته طبقا لميوله النفسية والجنسية بصرف النظر عن تركيبته الجسدية فمثلا إذا كان ولدا نجده يميل إلى اللعب مع البنات والجلوس مع النساء والإهتمام بأشيائهن , وحين يصل إلى سن المراهقة يميل عاطفيا وجنسيا إلى الرجال , وهنا تحدث المشكلة ويحدث الصراع , وهو يحاول أن يحسم هذا الصراع ويؤكد هويته من خلال عملية جراحية يتحول بها إلى الجنس الذى يريده

ولكن هناك مشكلات ومحاذير قانونية وأخلاقية واجتماعية تحول دون إتمام هذا الأمر , وحتى المجتمعات المتحررة من الضوابط الدينية لديها ضوابط مهنية تشترط تحويل هذا الشخص ( الذى يريد أن يتحول إلى جنس آخر من خلال عملية جراحية ) إلى طبيب نفسى يتأكد من خلوه من الإضطرابات النفسية الجسيمة ( كأن تكون لديه ضلالات أو هلاوس أو أى حالات ذهانية تحتاج لعلاج طبى نفسى ) , وإذا تأكد خلوه من ذلك فإنه يعطى فرصة لمدة سنة كاملة يعيش فيها دور الأنثى ( أو دور الجنس الآخر عموما ) ويمكن أن يعطى فى هذه الفترة هرمونات أنثوية , وبعد مرور فترة الإختبار هذه يحول هذا الشخص إلى جراح التجميل ليرى إمكانية تحويله إلى الجنس الآخر من الناحية الطبية الجراحية مراعيا فى ذلك كل الضوابط القانونية فى المجتمع الذى يعيش فيه .
وقد تم وتحويل بعض الحالات فعلا فى بعض المجتمعات العربية وقد أثار ذلك جدلا هائلا على مستويات مختلفة وما زال هذا الأمر شديد الحساسية خاصة على المستوى الإجتماعى والأخلاقى والدينى , وسنتحدث عن ذلك بالتفصيل في الفصل الخاص بالتحول الجنسي .

ثالثا : التشبه الجنسى Transvestism :
حيث يتخذ الرجال هيئة النساء أو العكس وأكثر ما يكون ذلك فى الملابس , فنجد الشاب يميل إلى أشكال الملابس النسائية وتسريحات الشعر النسائية أو نرى الفتاة تلبس ملابس الرجال وتقص شعرها مثلهم وكلا منهما يجد متعة وراحة فى ذلك ولا يريد أكثر من ذلك , فهما يعيشان حياتهما بشكل طبيعى ولكنهما فقط يريدان أخذ هيئة ا لجنس الآخر ويستمتعان بالتعليقات على هذه الهيئة حتى لو كانت جارحة .وبعض المتشبهين ربما لاتكون لديهم الجرأة لفعل ذلك علنا فيكتفون بارتداء ملابس الجنس الآخر فى حجراتهم المغلقة ويجدون متعة فى ذلك , وبعضهم يكتفى بأن يلبس الملابس الداخلية للجنس الآخر تحت ملابسه العادية .
أما عن الموقف الديني من هذا التشبه فقد ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال :
( لعن رسول الله - صلى الله عليه وسم - المشتبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال ) رواه البخاري (5546)
قال ابن حجر : وتشبه النساء بالرجال ، والرجال بالنساء من قاصد مختار ، حرام اتفاقاً .
وقال أيضاً : " أما ذم الكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك ... فتركه ، بغير عذر ، لحقه اللوم".
قال العلماء :
(ظاهر اللفظ النهي عن التشبّه في كلّ شيء، لكن عرف من الأدلّة الأخرى أنّ المراد التشبّه في اللباس والزينة والكلام والمشي). ومع ذلك يقول النووي: (إنّ المخنّث الخلقي لا يتّجه عليه اللوم) ويعقّب ابن حجر على ذلك بأنّه (محمول على إذا لم يقدر على ترك التثنّي والتكسّر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة) (راجع فتح الباري .(
 


رابعا : الجنسية المثلية Homosexuality :

 وهؤلاء الأشخاص لديهم ميول جنسية إلى نفس الجنس أحيانا يمارسونها وأحيانا تظل فقط فى نطاق الرغبة والميل , يمنعهم عنها عوامل دينية أوأخلاقية أو اجتماعية . وهم ليست لديهم الرغبة فى التحول إلى الجنس الآخر وإنما يرغبون فقط فى القيام بدوره العاطفى أوالجنسى , وبعضهم يستمتع بهذه الرغبة وبعضهم يتصارع معها ويبحث عن العلاج منها . وبعض أصحاب الجنسية المثلية يكون لديهم ميول أيضا نحو الجنس الآخر وهؤلاء يكونون قادرين على الزواج والإنجاب بشكل طبيعى رغم ميولهم الجنسية المثلية , ولذلك نطلق عليهم مزدوجى الجنسية Bisexuality
 

وربما يسأل سائل : ولماذا كل هذه الشذوذات أو الميول الغريبة ؟ ..... وما ذنب الشخص المصاب بها ؟ ..... وما مدى مسئوليته عن أى انحراف خلقى ينتج عنها ؟ ..... وهل هو مريض فيعالج ؟.....أم مبتلى فيصبر ؟.........أم شخص طبيعى تماما وهذه هى خياراته وتفضيلاته الجنسية وعلى المجتمع أن يقبلها ؟؟؟؟؟ !!!!!!!!
والإجابة على هذه التساؤلات تختلف من ثقافة لأخرى , ونحن هنا سنتحدث من منظور ثقافتنا الإسلامية والعربية والتى تختلف بالطبع عن المنظور الغربى الذى اعتبر هذه الميول الجنسية المختلفة مجرد خيارات شخصية لها جذور بيولوجية تدخل تحت مظلة الحرية الشخصية وعلى المجتمع أن يتقبل هذه التنويعات فى الرغبات والميول الجنسية .
أما من المنظور الإسلامى فإن من حكمة الله أن يخلق تنويعات مختلفة من البشر ذوى الميول المتباينة وذوى القدرات المختلفة فى الذكاء والقوة والأخلاق وغيرها , وهذا التنوع يتيح حالة من التواصل والتفاعل الحى بين الذات والآخر المختلف قليلا أو كثيرا , وفى هذا التنوع أيضا ابتلاء وفتنة لكى يميز الخبيث من الطيب , كما قال تعالى :
"وجعلنا بعضكم لبعض فتنة , أتصبرون " ..... " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " , فمثلا يخلق الله بشرا غاية فى الذكاء يكتشفون أسرار الكون ويديرون دفة الحياة , ويخلق أيضا أناسا مصابين بتخلف عقلى يحتاجون للرحمة والرعاية والعناية من ذويهم ومن المحتمع ويستدرون هذه المعانى السامية من قلوب البشر الأصحاء , أما بالنسبة للمصابين بالتخلف العقلى فيرعاهم الله فى الدنيا ويسخر لهم من يرعاهم ويحنو عليهم ثم يعوضهم عن ابتلائهم فى الآخرة بدخولهم الجنة بغير حساب أو بحساب مخفف حسب درجة فهمهم.
إذن فحكمة الله موجودة خلف كل شئ , وما يظهر لنا على أنه شر أو ضرر يكمن وراءه خير كثير لوفقهناه بهذا المعنى وتناولناه من هذا المنظور .
وربما يسأل سائل : هل لو استبعدنا البعد الدينى وماينبنى عليه من أبعاد أخلاقية واجتماعية ... فهل يمكن قبول الميول الشاذة والتعبير عنها بحرية ؟ .... والإجابة : لا ... لأن هناك أشياء تدعم مسيرة الحياة واستمرار العمران فى الأرض وهناك أشياء أخرى تسير عكس هذا الإتجاه , فالميول الجنسية الطبيعية تؤدى إلى التزاوج والإنجاب وتكثير النسل وعمارة الحياة إضافة إلى ماتمنحه من لذة وسعادة , أما الميول الجنسية الشاذة فهى تؤدى إلى اللذة فقط دون عمارة الحياة , ولذلك لو تركنا لها الحبل على الغارب واحتفينا بها وأعطيناها قبولا شعبيا ودينيا فإنها سرعان ما تستفحل وتتمدد فى المجتمع وتستيقظ كل درجات الشذوذ لدى الآخرين ونصبح أمام كارثة إنسانية مروعة تؤدى فى النهاية إلى الهلاك العام , وهذا ماحدث لقوم لوط أو لأى حضارة استبعدت قانون الأخلاق والشرعية من حساباتها , وربما يكون انتشار الإيدذ بين الشواذ وعزوف الشباب عن الزواج فى الغرب (وبداية ذلك في مجتمعاتناالشرقية والعربية) وتصدع البناء الأسرى مجرد أمثلة لما يتهدد البشرية من كوارث فى حالة القبول بالشذوذ والإحتفاء به أو التحرر من الضوابط الأخلاقية والدينية فى هذا الشأن .
أما على المستوى الفردى فلا شك أن الشخص المصاب بالميول الشاذة يعانى معاناة هائلة خاصة إذا انحصر الشعور الجنسى لديه على المسار الشاذ , فهو يريد أن يستمتع بهذا الشعور مثل بقية البشر ويمارسه , وهو لايستطيع الحصول عليه من الطرق المألوفة لبقية الناس لذلك فهو فى مأزق حقيقى وهذا هو الإبتلاء الذى لو صبر عليه لجعل الله له مخرجا . والصبر عليه هنا بمعنى أن لاتخرج هذه الميول الشاذة إلى حيز التنفيذ على الرغم من ضغطها الشديد على الشخص لتخرج , فهو لايملك التحكم فى وجودها داخل نفسه ولكنه مطالب بالتحكم فى خروجها إلى حيز التنفيذ وا لذى يتنافى مع ثوابت دينية وأخلاقية تستحق الإحترام . وربما يرى البعض هذا تعسفا وقسوة خاصة حين يعلم بأن وراء هذه الميول الشاذة اضطرابات جينية أو اضطرابات هرمونية أو أخطاء تربوية وكلها أشياء لا ذنب للشخص فيها ولا قبل له بها , ولكن الصبر على الإبتلاء أيا كان مصدره وأيا كانت ضغوطه هو قيمة دينية عظيمة , والإنسان المبتلى لن يجلس ويستمتع بالعذاب بصورة ماسوشية وإنما بجانب صبره واحتسابه سيبحث عن حل ومخرج صحى لمعاناته , وهذا الحل قائم ولكنه يحتاج لصبر وجهد , فالطاقة الجنسية يسرى عليها قوانين الطاقة فى أنها يمكن أن تتحول من مسار إلى آخر حين تعطى الفرصة لذلك , فإذا أغلقنا أمامها المخرج المرضى المرفوض دينيا وأخلاقيا فإنها تتراكم وتظل تضغط على صاحبها لتصريفها , فإذا كانت هناك مسارات صحية متاحة أو مهيأة لاستقبال هذه الطاقة المتراكمة فإنها بالتدريج ستتحول إلى هذه المسارات , وكما قلت فإن هذا يحتاج لوقت وصبر , ولو صدقت النية لحدث وقد رأيت حالات ليست بالقليلة نجحت فى هذا التحول .ومع هذا لو افترضنا أن هذا التحول لم يحدث فهل من حق الشخص المصاب بالشذوذ أن يمارس شذوذه ؟ ... والإجابة لا ... لأننا لو سمحنا لكل شخص أن يعبر عن شذوذه السلوكى أو الجنسى فإننا سنسمح لأصحاب اضطرابات الشخصية كالسيكوباتيين مثلا أن يمارسوا رغباتهم فى السرقة والكذب والإحتيال والقتل دون محاسبة قانونية على اعتبار أن لديهم اضطرابات حقيقية فى الشخصية مرتبطة أيضا بعوامل جينية واضطرابات هرمونية وظروف بيئية لاذنب لهم فيه !!!! وطبعا هذا لا يحدث , إذن فالحل أمام أى رغبات أو ميول أو سلوكيات شاذة ليس هو إطلاقها والترحيب بها والإحتفاء بها وإنما تضييق مخارجها وفتح مسارات بديلة للطاقة الكامنة خلف هذه السلوكيات , فمثلا بالنسبة للشخص السيكوباتي لو أتحنا له عملا مناسب ودخلا ثابتا وظروفا بيئية آمنة ومشجعة فإن هناك احتمالات بأن يتعدل سلوكه مع الوقت والصبر والمثابرة , أما إذا سلمنا بسيكوباتيته وعذرناه فيها فإننا بذلك ندعم السمات السيكوباتية فيه وفى غيره ونتيح له فرصة الظهور والنمو . وهناك مثل آخر فى الزراعة , ففى أى حقل أو حديقة تنمو نباتات غير مرغوب فيها وغير مفيدة , وكل مايفعله الفلاح أو منسق الحديقة هو اقتلاع هذه النباتات الغريبة أولا بأول , ولو تركها تنمو فإنها شيئا فشيئا تتمدد فى الحقل أو الحديقة وتطغى على النباتات الأساسية المفيدة . ونحن هنا لانناقش : ماذنب النباتات الغريبة التى اقتلعت ؟ أليست كائنات حية تستحق الحياة مثل النباتات الطبيعية ؟ ... فالأمر هنا يتعلق بقانون الحياة والبقاء , فكلما كانت الأشياء تخدم قانون الحياة والبقاء والنمو كلما احتفينا بها ونميناها والعكس صحيح .

 


وقد كان الإعتقاد السائد فى المجتمع الغربى أن إطلاق الرغبات الجنسية ( الطبيعية والشاذة ) بعيدا عن القوانين الأخلاقية والدينية سيقلل من الإضطرابات النفسية والإجتماعية إلى حد كبير , وبناءا على هذا وسعوا نطاق الحرية الجنسية إلى أبعد حد , ولكن ماتصوروه أو اعتقدوه لم يحدث فقد تصدع كيان الأسرة لديهم وأصبحت المتعة الحسية تطلب لذاتها بعيدا عن أى سياق بنائى إيجابى , واذدادت حدة الأمراض النفسية والجنسية بحيث أصبح هذا التحلل الأخلاقى هو السبب المرشح لانهيار الحضارة الغربية لو استمر ا لأمر على ما هو عليه الآن .
إذن فالضوابط الأخلاقية والتعاليم الدينية ليست أشياء تعسفية غير منطقية وليست سيوفا مسلطة على رقاب الشواذ وغيرهم وإنما هى رحمة للجميع سواء كانوا مرضى أو أصحاء , لأن الله الرؤف الرحيم العادل الكريم لايظلم الناس مثقال ذرة ولكن الناس أنفسهم يظلمون , وله فى كل شئ حكمة بالغة " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " .
ونسأل الله أن يعين كل مبتلى بالشذوذ على الصبر وأن يعينه على ابتلائه ويشفيه منه , وإن لم يكن قد قدر له الشفاء أن يجزيه عن معاناته التى لايعلمها إلا هو , وأن يوفق الأطباء وكل من له علاقة بهذا الأمر أن يجتهدوا فى مساعدة كل من يحتاج إلى المساعدة وأن يجتهدوا لإيجاد علاجات ناجحة لذلك .
 


 

أعلى الصفحة

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

 للاطلاع على الاجابات الاخرى اضعط هنا

 

 

المشرف على الواحة

 د.محمود أبو العزائم

مستشار الطب النفسي

 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الادمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

البحث
مشاكل القراء
الرد على أسئلة القراء

 

مستشفيات

د.جمال أبو العزائم

 للطب النفسي

 

 

دليل المواقع النفسية العربية