الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأة والطب النفسى

 



 




 

 
 

التوافق بين القدرات النفسية والمهام الأسرية للزوجين

من إعــداد:
رضى الحمراني
أخصائي في علم النفس الإكلنيكي المغرب

 لقد اجتهد مجموعة من علماء النفس المعاصرين في دراسة الفروق النفسية بين الرجل و المرأة و نذكر من بينهم العالمة الكندية دورن كيمورا (Doreen KIMURA) التي اختصت في دراسة الأسس البيولوجية للاختلافات النفسية بين الذكر والأنثى، معتمدة على تقنيات منهجية من أهمها اختبارات القدرات الذهنية، تحليل الهرمونات الجنسية والملاحظة الإكلنيكية لاضطرابات الجهاز العصبي لدى الرجال والنساء(1).
لقد أسفرت أحدث النتائج التي توصلت إليها هذه الباحثة سنة 1422ه/2001م، إلى الكشف عن مجموعة من الفروق بين الراشدين من كلا الجنسين بخصوص أربع قدرات نفسية أساسية، حيث تفوق الرجال على النساء في القدرة على حل المشكلات المختلفة و هي كفاءة تمكنهم من تحمل مسؤولية تسيير شؤون مجموعة من الأفراد سواء كان عددهم قليل أو كثير، كما اتضح أن الذكور يحسنون التعامل مع الفضاءات الكبرى خارج البيت كالبنايات و الشوارع و الطرق، و قد تبين أنهم يستطيعون التنقل بسهولة في المجال الاجتماعي خارج المنزل للوصول للأماكن التي يريدون الذهاب إليها مقارنة مع الاناث الذين يصعب عليهم القيام بذلك(2). أما النساء فقد تميزن بالقدرة على استعمال اللغة و التواصل مما يؤهلهن لربط علاقات تواصلية ناجحة مع الآخرين، كما تَفَوَّقْنَ في المقدرة على التحكم في حركات اليدين المرتبطة بإنجاز المهام التي تتطلب مهارات يدوية (3).
إن القدرات النفسية السابقة الذكر قد تتأثر بالخصوصيات الثقافية لكل مجتمع على حدة، مما يطرح إشكال الاسقاط التعسفي لنتائج الأبحاث الغربية على المجتمعات العربية عموماً و المجتمع المغربي خصوصاً، لذلك ارتأيت من الضروري أن أنجز بحثاً تطبيقياً على عينة من الشباب المغاربة للكشف عن مدى تلائم البحث الكندي مع خصوصياتنا الثقافية و ذلك باستعمال أحد التقنيات التي اعتمدتها هذه الدراسة و هي الاختبارات النفسية(4)، و سيتم عرض عناصر البحث الحالي من خلال خمس محاور رئيسة و هي على الشكل التالي :
1. تحديد إشكالية البحث و فرضياته
إن أصالة العالمة دورين كيمورا تتجلى في الربط بين القدرات النفسية المذكورة أعلاه و الوظائف التي يشغلها كل من الرجل و المرأة داخل المجتمع، فمنذ ملايين السنين قام الانسان تحت ضغط الظروف الطبيعية القاسية بتقسيم العمل حسب الجنس، حيث تخصص الرجال في ممارسة الصيد و الدفاع عن الجماعة ضد هجوم الأعداء، أما النساء فقد تَكَفَلْنَ بالسهر على نظافة الأماكن التي تعيش فيها القبيلة و طهي الطعام و تربية الأبناء، و قد استطاع هذا التقسيم ضمان استمراريته عبر التاريخ لتوافقه مع الفطرة البشرية(5).
لقد أثبتت كيمورا نجاعة هذا التقسيم عبر أبحاثها العلمية التي تربط القدرات النفسية لدى الجنسين بوظائفهما الأسرية، و قد دافعت عن هذا الطرح رغم تعرضها لانتقادات حادة من طرف العديد من الباحثين و المنظرين للتيارات الفكرية المتعصبة لفكرة المساوات المطلقة بين الرجل و المرأة في كل شؤون الحياة دون أدنى اعتبار للاختلافات البيولوجية و النفسية بينهما، و قد كان رد فعل الباحثة الكندية على الهجومات النقدية الموجهة إليها صريحاً من خلال قولها : (إن من ينفي الاختلافات الجنسية بين الأفراد بناء على الأسس البيولوجية، ينتقل به النفي من سبل العلم إلى متاهات التعصب)(6).
من خلال المعطيات المذكورة أعلاه يتبين أن الأسئلة المحورية التي ينبغي طرحها من خلال البحث الحالي يمكن صياغتها كما يلي :
- إلى أي حد تتوافق أو تتعارض النتائج العلمية التي توصلت إليها دراسة دورين كيمورا مع خصوصيات الاختلافات بين الجنسين في المجتمع المغربي؟
- هل يوجد توافق بين القدرات النفسية الأربعة المدروسة والوظائف الأسرية للزوجين؟
جواباً على الأسئلة المطروحة في هذا البحث، تتبادر إلى الذهن فرضيتان أساسيتان و هما :
- نفترض أن القدرات الذهنية التي تَفَوَّقَ فيها الرجال و الكفاءات النفسية التي تَمَيَّزَتْ فيها النساء في البحث الكندي، ستتوافق إلى حد كبير مع نتائج البحث الحالي نظراً لارتباطها بالخصائص الفطرية في النفس البشرية و بالتالي فهي لا تتغير من مجتمع لآخر لضعف تأثرها بالخصوصيات الثقافية للمجتمعات البشرية.
- نتوقع وجود نوع من التوافق و الانسجام بين القدرات المدروسة في هذا البحث و الوظائف الأسرية لكلا الزوجين التي أشارت إليها النصوص الشرعية في ثقافتنا الإسلامية(7).
2. عينة البحث
لقد أجري هذا البحث سنة 1427 هجرية الموافق للعام الميلادي 2006، و قد استفدت فيه من وظيفتي كأخصائي نفسي مسؤول عن إجراء الاختبارات النفسية المرتبطة بمباريات انتقاء المرشحين لولوج مؤسسات التكوين المهني بمدينة أكادير المغربية، و قد حاولت استثمار نتائج تطبيق هذه الروائز من خلال اختيار عينة مقسمة إلى مجموعتين، تتكون المجموعة الأولى من 1000 شاب في حين تتألف المجموعة الثانية من 1000 شابة، تتراوح أعمارهم ما بين17 و 25 سنة أغلبهم من التلاميذ و الطلبة(8)، و رغم حداثة سن أفراد عينة البحث إلا أن ذلك لن يؤثر بشكل كبير على نتائج الدراسة لأن الدراسات العلمية الحديثة أكدت بأن الفروق بين الجنسين تكون قائمة منذ الطفولة و من خلال تَقَدُّمِ الانسان في مراحل نموه النفسي تتطور هذه الاختلافات لتصبح أكثر تمايزاً في سن المراهقة و تصير معالمها أكثر وضوحاً في مرحلة الرشد(9).
منهجية البحث
نظراً لكون هذه الدراسة تركز على المقارنة بين القدرات النفسية للرجال و النساء في المجال الأسري فالمنهج الأكثر ملائمة للبحث في هذا الموضوع هو الدراسة المقارنة للفروق الفردية بين الأشخاص و التي وضع أسسها العالم النفسي الأنجليزي فرنسيس كالتون (Francis GALTON) في القرن التاسع عشر و تم تطويرها بعد ذلك في جامعة السربون بفرنسا خلال القرن العشرين(10). أما أدوات البحث فقد اخترت العمل على النتائج التي حصلت عليها من خلال تطبيق البطارية العامة لاختبارات القدرات الذهنية (BGTA)(11)، التي أستعملها بمساعدة عدة اخصائيين نفسيين في إطار عملنا كمشرفين على جراء الاختبارات النفسية المرتبطة بمباريات الانتقاء التي أشرت لها سابقاً.
تتكون هذه البطارية من 12 اختبار، اخترت من بينها أربع روائز الأكثر توافقاً مع القدرات المدروسة في هذا البحث أولها هو اختبار حل المشكلات الذي يعكس مدى قدرة المفحوص على التحليل المنطقي لأي مشكل يعترضه و كيف يتوصل لبلورت الحل الملائم له(12)، يليه اختبار التعامل مع الفضاءات الكبرى الذي يُشَخٍّصُ قدرة الشخص على إدراك الأشياء المادية في المجال الاجتماعي الذي يعيش فيه اعتماداً على خصائصها الهندسية (طولها، عرضها و ارتفاعها عن سطح الأرض)(13)، أما اختبار الحركات اليدوية الدقيقة فغايته هي قياس مدى دقة و سرعة حركات أصابع اليد لدى مجموعة الذكور و الاناث(14)، و في النهاية نجد اختبار التواصل اللفظي الذي يعكس إلى أي حد سيتمكن المفحوص في نسج علاقات تفاعية إيجابية مع الآخرين(15).
و تتحدد المدة الاجمالية لإنجاز هذه الاختبارات الأربعة في 45 دقيقة بالإضافة إلى 20 دقيقة أخرى مخصصة للأمثلة التوضيحية لإنجاز كل اختبار على حدة، أما بالنسبة لتصحيح النتائج فيتم إعطاء نقطة واحدة لكل جواب صحيح و صفر عن كل جواب خاطئ و يتم بعد ذلك تجميع النقط الخام و تحويلها إلى نقط مصنعة من1 إلى 9 حيث تكون قابلة للتحليل من الناحية النفسية و تجدر الإشارة إلى أن النقطة 5 تمثل المعدل المتوسط و بالتالي فالنقط الأقل منه تعني أن القدرة المدروسة ضعيفة لدى الفحوص، أما إذا كانت النقط مرتفعة عن المعدل 5 فتعتبر القدرة ذات كفاءة عالية (16).
و لكي نتمكن من اجراء مقارنة موضوعية بين نتائج مجموعة الذكور و الاناث في كل اختبار، لجأت لاستعمال التقنيات الإحصائية و اخترت من بينها اختبار ستودنت (Test Student)، الذي يتبين من خلاله هل الاختلافات النفسية الموجودة بين المجموعتين دالة إحصائياً أي أن الفرق بينهما موضوعي و هو يتعالى بالتالي عن الخصوصيات الفردية داخل كل مجموعة، أما إذا كان الفرق غير دال إحصائياً فستغيب إمكانية الحديث عن اختلاف حقيقي بين المجموعتين، و الجدير بالذكر أن هذا الاختبار يتضمن جداول مقننة عالمياً تُحدد نتائج الفروق حسب درجات متفاوتة من الخطأ و قد اخترنا من بينها نسبة احتمال الخطأ المحصورة في %5 التي نتحرى من خلالها نوعاً من الدقة العلمية(17).
3. نتائج الدراسة
سيتم عرض نتائج تطبيق الاختبارات النفسية المذكورة أعلاه و الدراسة الإحصائية المرتبطة بها حسب الترتيب الذي اعتمدناه في تقديم هذه الأدوات في المحور المنهجي :
- نتائج الدراسة المقارنة للقدرة على حل المشكلات
لقد تمكن 44,30% من مجموعة الذكور من تسجيل درجات مرتفعة في هذه القدرة مقابل 40,60% فقط بالنسبة لمجموعة الاناث و قد كان هذا الفرق دالا إحصائياً حيث بلغ قيمته 2,83 التي تتجاوز الحد الأدنى للفرق بين المجموعتين الذي يتحدد في 1,96 حسب الجداول المقننة لاختبار ستودنت(18)، و هذا ينسجم من جهة مع النتائج التي توصلت إليها دورين كيمورا كما يثبت التوافق بين هذه القدرة و وظيفة الرجل باعتباره رب الأسرة و المسؤول الأول عن مساعدة الزوجة في حل المشكلات التي تواجهها في إطار تربية الأبناء و معالجة النزاعات التي تنشب أحياناً فيما بينهم(19).
- نتائج الدراسة المقارنة للقدرة على التعامل مع الفضاءات الكبرى
إن نتائج المجموعتين المدروستين بخصوص هذه الكفاءة تعكس التقدم الملموس لمجموعة الذكور التي حصل 45,60% منهم على نقط مرتفعة في هذه القدرة في حين لم تحصل الاناث إلا على 31,30% من الدرجات العالية في نفس الكفاءة و بتطبيق اختبار ستودنت تبيّن أن هذا الفرق دال من الناحية الإحصائية لأنه بلغ قيمة 6,55 التي تتجاوز بشكل كبير الدرجة المقننة التي تشترط 1,96 كحد أدنى للفرق بين المجموعتين (20).

إن هذه النتيجة تأكد ما تم إثباته البحث الكندي الكندي حيث تفوق الرجال على النساء في القدرة على التحكم في الفضاءات الثلاثية الأبعاد، مما يعني أنهم يستطيعون ممارسة الوظائف التي تستدعي التمكن من هذه الكفاءة المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية خارج البيت كالبناء، النقل و الصناعة، و قد أَيَّدَتْ دراسة كولد شتاين بكلية الطب التابعة لجامعة هارفرد بالولايات المتحدة الأمريكية هذه النتائج حيث بيّنت أن بنية القشرة الجدارية للدماغ (Cortex pariétal) و المختصة في إدراك المحيط الاجتماعي هي أكثر تطوراً لدى الذكور مقارنة مع الاناث(21).
- نتائج الدراسة المقارنة للقدرة على التحكم في الحركات اليدوية الدقيقة
إن النتائج المحصل عليها بخصوص هذه الكفاءة تعكس أكبر فارق تم تسجيله مقارنة مع كل القدرات الأخرى، ففي صفوف مجموعة الاناث بلغت النسبة المئوية للشابات اللوات حصلن على درجة عالية (تفوق 9/5) 35% في حين لم تتجاوز نسبة الذكور الذين تمكنوا من بلوغ نقط مرتفعة في نفس القدرة 16% و بالنظر إلى حصيلة الدراسة الإحصائية لهذا الفرق المنبثقة عن تطبيق اختبار ستودنت، حصلنا على قيمة 10,61 التي تتجاوز إلى حد كبير أدنى درجة محددة في الجداول المقننة لستودنت و التي تبلغ 1,96، مما يعني أن الفرق بين المجموعين له دلالة إحصائية جد قوية(22).
إن النتيجة السابقة الذكر تسجم بشكل جلي مع معطيات الدراسة الكندية التي تفوقت النساء فيها على الرجال في القدرة على التحكم الدقيق في حركات اليدين و هذا ما يؤهل العنصر النسوي ليكون أكثر فعالية في ممارسة الأنشطة المرتبطة بالبيت و التي تتطلب مهارة يدوية مهمة كتنظيف أركان المنزل و طهي الطعام و العناية بالملابس(23).
نتائج الدراسة المقارنة للقدرة على التواصل اللفظي
لقد أسفرت نتائج الفحوص النفسية المتعلقة بهذه الكفاءة عن ارتفاع نسبة الاناث اللوات سجلن درجة عالية في اختبار التواصل اللفظي 45,20% مقارنة بالذكور الذين لم يتجاوز مجموع الأفراد الذين حصلوا على نقط تفوق المعدل 9/5 نسبة 35,70% و قد كان هذا الفرق دالاً من الناحية الإحصائية، إذ بلغت درجة الاختلاف بين المجموعتين قيمة 4,10 و هي تفوق بكثير القيمة المحددة في اختبار ستودنت و المتمثلة في 1,96. إن هذه الحصيلة تمكننا من القول بأن تفوق النساء على الرجال في هذه القدرة هو تفوق موضوعي و لا يتأثر بالفروق الشخصية التي يتميّز بها أفراد العينة(24).
إن النتائج المحصل عليها في هذا المحور تؤكد انتماء القدرات النفسية المدروسة للخصائص الفطرية في النفس البشرية لتوافق معطيات الدراسة الحالية مع ما توصلت إليه كيمورا و باحثون آخرون أمثال الطبيبة المختصة في الجهاز العصبي ساندرا ويتلسون التي بيّنت من خلال أبحاثها بجامعة ماك ماستر الكندية بأن الفص الصدغي من الدماغ (Lobe temporal) المتخصص في معالجة الرسائل اللغوية، هو أكثر تطوراً لدى النساء مقارنة مع الرجال، مما يعكس مهارتهن في التواصل الشفوي الذي تبث علميّاً بأنه أرقى وسائل التأثير في الآخرين مقارنة مع باقي الأنماط التواصلية الأخرى و هذا ما يؤهل النساء للنجاح في تربية أبنائهن و العناية بأزواجهن(25).
- مناقشة النتائج
من خلال عرض حصيلة اجراء الاختبارات الأربعة السالفة الذكر يتبيّن أن القدرات التي تفوقت فيها مجموعة الذكور (القدرة على التعامل مع الفضاءات الكبرى الثلاثية الأبعاد و القدرة على حل المشكلات) و الكفاءات التي تميّزت فيها مجموعة الاناث (القدرة على التحكم في الحركات اليدوية و القدرة على التواصل اللفظي) يبدوا أن هذه النتائج تتوافق بشكل كبير مع المعطيات التي توصلت إليها الباحثة دورين كيمورا و بالتالي تحققت الفرضية الأولى بشكل واضح في هذا البحث لأن القدرات الأربعة المدروسة ترتبط بالخصائص الفطرية في النفس البشرية و بالتالي فهي لا تتغيّر من مجتمع لآخر لضعف تأثرها بالخصوصيات الثقافية للمجتمعات البشرية. أما الفرضية الثانية فسيتم مناقشتها من خلال المحور الموالي المخصص لهذا الغرض.
4. التوافق بين القدرات النفسية المدروسة و الوظائف الأسرية للزوجين
إن الوظائف الأساسية لكل من الرجل و المرأة، التي تتجلى من خلال تخصص العنصر الذكوري في الاشتغال بالمهام خارج البيت، في حين يتكفل العنصر الأنثوي بالوظائف المنزلية، لقد تطرق القرآن الكريم لهذه الوظائف الأسرية في عدة آيات نذكر من أهمها قوله تعالى : «الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله» (النساء:33) كما أكدت السنة النبوية هذا التقسيم القرآني في الحديث الذي ورد في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلّى الله عليه و سلّم قال : « كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته، و الأمير راع، و الرجل راع على أهل بيته، و المرأة راعية على بيت زوجته و ولده، فكلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته »(26)، و في ما يلي سنعرض كل قدرة من القدرات المدروسة في هذا البحث و نبيّن مدى توافقها مع المهام الأسرية المحددة في النص القرآني و الحديث النبوي المذكورين أعلاه و قبل ذلك ينبغي الإشارة إلى لمحة إعجازية عامة تناولتها الآية الكريمة في قوله تعالى « بما فضل الله بعضهم على بعض » ، فهو سبحانه أعطى القدرات النفسية الأربعة المدروسة في هذا البحث لكل من الرجال و النساء معاً، لكنه أعطى الأفضلية للرجال على النساء في بعض هذه الكفاءات كما ميّز الاناث على الرجال في بعضها الآخر، فما نقصت المرأة في قدرة إلا ليكملها الرجل و ما عجز الزوج عن القيام بمهمة أسرية إلا تمكنت زوجته من إنجازها و لولا وجود هذا التمايز بين الجنسين لما احتاج أحدهما للآخر و لما تدفقت دماء الحياة في عروق المجتمعات البشرية عبر التاريخ(27).
♦ بالنسبة للقدرة على التعامل مع الفضاءات الكبرى الثلاثية الأبعاد خارج المنزل، فقد تفوق الرجال على النساء فيها و هي تتوافق مع ما أشار إليه البحث الكندي في أن هذه الكفاءة تتلائم مع الأعمال التي يقوم بها الرجال خارج كالتجارة و الصناعة و البناء(28)، و هذا يعكس الحكمة التشريعية في القرآن الكريم الذي كَلَّفَ الرجال بالسعي في الأرض لكسب رزق زوجاتهم و أبنائهم في قوله تعالى : «الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم » فلفظة قوّامون هي صيغة مبالغة على وزن فعّالون و تفيد الرفع من همة الرجال للاجتهاد في كسب الرزق عبر العمل خارج البيت(29)، كما أن الحديث النبوي يدقق هذا المعنى من خلال قول النبي صلّى الله عليه و سلّم « و الرجل راع على أهل بيته » أي أنه مسؤول على النفقة على أفراد أسرته(30).
♦ فيما يخص القدرة على حل المشكلات التي كانت نتائج مجموعة الذكور فيها أعلى من درجات الاناث فهي تتوافق مع الوظيفة التي حدّدتها الآية و الحديث السالفين الذكر، فالقوامة في الخطاب القرآني «الرجال قوّامون على النساء » و الرعاية التي تطرق لها الحديث النبوي « و الرجل راع على أهل بيته » إن هاذين المفهومين لا يتوقفان عند حدود توفير المتطلبات المادية للأسرة فحسب، بل تتجاوزها لتطالب رب البيت بأداء وظيفته النفسية (31) المتجلية في ممارسة السلطة الأسرية من خلال محاولة خلق نوع من التوازن في العلاقات الإنسانية بينه و بين زوجته و أبنائه و الاجتهاد في حل الخلافات التي تطرأ بين مختلف أفراد الأسرة، و قد فضل الله الرجال على النساء للقيام بهذه المهمة لما يتميزون به من قدرة نفسية عالية في حل المشكلات(32).
♦ أما فيما يتعلق بالقدرة على التحكم في الحركات اليدوية الدقيقة التي تميّزت فيها مجموعة الاناث بشكل ملفت مقارنة مع مجموعة الذكور في إطار البحث الحالي و هو ما يؤكد النتائج التي توصلت إليها أبحاث دورين كيمورا، فكلا هاتين الحصيلتين العلميتين تتوافقان مع التحديد النبوي لأحد وظائف المرأة وهي العمل داخل البيت حيث يقول رسولنا محمدعليه أفضل الصلاة و أزكى السلام : « و المرأة راعية على بيت زوجها »،إن نص الحديث لم يقصد الزوجة دون الزوج للقيام بهذه المهمة داخل المنزل من تنظيف لأركان البيت و طهي للطعام و ترتيب للملابس، إلا لكون المرأة مؤهلة نفسيّاً و جسميّاً أكثر من الرجل لأداء هذه الوظيفة(33)، خصوصاً و أن الأنثى لديها القدرة على التصور الذهني للأعمال اليدوية المراد إنجازها، كما تستطيع تفكيك هذه الصور الذهنية بمجرد انتهاء الأنشطة المرتبطة بها لتقوم بإنشاء تصورات جديدة موافقة لأشغال يدوية أخرى. إن هذه المرونة الفكرية التي تتوفر عليها النساء لا نجد لها نظيراً لدى الرجال الذين يبرعون أكثر في نسج تصورات ذهنية ثابتة يصعب تغييرها(34).
♦ بالنسبة للقدرة على التواصل اللفظي الذي عرف تقدم ملموس لمجموعة الإناث على مجموعة الذكور في البحث الحالي و هي حصيلة تنسجم مع ما توصل إليه البحث الكندي بخصوص نفس القدرة. إن تفوق الرجال على النساء في هذه الكفاءة يتلاءم مع أحد الوظائف التي حدّدها القرآن الكريم للمرأة و هي « فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله »، إن معنى حافظات للغيب في سياق هذه الآية ليس فقط أن النساء يحفظن بيوتهن في غياب أزواجهن بل عليهن كذلك أن يحافظن على استقرار منازلهن من الناحية النفسية عبر استعمال قدرتهن على التواصل اللفظي لخلق جوّ من الدفئ و السكينة و الطمأنينة من خلال حسن التجاوب مع أزواجهن و أبنائهن(35)، كما أن الحديث النبوي المدروس في ذا البحث يؤكد على هذا الأمر « و المرأة راعية على بيت زوجها و ولده» فكلمة الرعاية تجمع كل الدلالات النفسية الجميلة من مودة و رحمة و رقة وعطف و حنان( (36).
من خلال دراسة العلاقة بين القدرات النفسية التي تناولها هذا البحث و الوظائف الأسرية التي تطرق إليها القرآن الكريم و السنة النبوية، يتبيّن لنا من جهة وجود توافق و انسجام كبير بين هذين العنصرين مما يعني تحقق الفرضية الثانية لهذا البحث و يعكس لنا من جهة أخرى الحكمة التشريعية للمهام الأسرية الواردة في النصوص القرآنية و النبوية الموجهة لكلا الزوجين.
خلاصة
إن مما ينبغي الإشارة إليه في نهاية هذه الدراسة أن نجاح الأسرة مرتبط باجتهاد المرأة في آداء مهامها داخل المنزل لتوفرها على قدرات تمكنها من حسن إدارة فضائها الأسري، كما أن الرجل يتمتع هو الآخر بمؤهلات نفسية يستطيع بواسطتها كسب قوت زوجته و أبنائه عبر عمله خارج البيت. إلا أن طبيعة الحياة المعاصرة التي نعيشها اليوم تتميز بانخراط كل من الرجال و النساء في العمل خارج البيت لذلك من الصعب عليهما تحقيق التوازن الأسري الذي لا يمكن بلوغها إلا بتحليهما بروح التعاون، فالزوج ينبغي أن يساعد زوجته داخل البيت كما تساعده هي الأخرى عبر العمل خارج البيت، مع تركيز كل واحد منهما على وظيفته الأساسية فالرجل هو الذي يعول الأسرة و المرأة هي مربية الأجيال، و في غياب هذا الانسجام تكون الرابطة الزوجية ممهدة بالانفصال و تكون مؤسسة الأسرة معرضة للتفكك.
المراجع :
1. D. Kimura, Cerveau d'homme cerveau de femme ? P : 78, Odile Jacob, Paris-France, 2001
2. نفس المرجع، الصفحة 165.
3. نفس المرجع، الصفحة 166.
4. رضى الحمراني، التوافق بين القدرات النفسية و الوظائف ال\اسرية للزوجين، الصفحة : 3، بحث ينشر لأول مرة بمجلة النفس المطمئنة، مدينة أكادير ، المغرب،1426ه/ 2006م.
5. D. Kimura, « Les tests qui font la différence », P : 47, Dans Revue Science et vie, N°1043, Ed : Excelsior, Paris – France, Aout 2004.
6. D. Kimura, Cerveau d'homme cerveau de femme ? P : 13-14.
7. رضى الحمراني، التوافق بين القدرات النفسية و الوظائف ال\اسرية للزوجين، الصفحة : 5، محور الإشكالية و الفرضيات.
8. نفس المرجع، الصفحة : 19.
9. D. Kimura, Cerveau d'homme cerveau de femme ? P : 83.
10. M. Reuchlin, Histoire de la psychologie P : 51-53, Edition Que sais-je, Presse Universitaire de France, Paris-France, 1994.
11. Chevrier, J – M. et autres, Manuel Batterie Générale des Tests d’Aptitudes (BGTA-1002), P :3, Institut de recherches psychologiques, 4ème Ed, Montréal – Canada, 1987.
12. نفس المرجع، الصفحة 18-19.
13. نفس المرجع، الصفحة 20.
14. نفس المرجع، الصفحة 32.
15. نفس المرجع، الصفحة 22.
16. Chevrier, J – M. et autres, Manuel Batterie Générale des Tests d’Aptitudes (BGTA-1002), P :3, Institut de recherches psychologiques, 4ème Ed, Montréal – Canada, 1987.
17. د. حلمي المليجي، مناهج البحث في علم النفس، الصفحة : 49، دار النهضة العربية، ط1 ، بيروت-لبنان، 1421ه/2001م.
18. رضى الحمراني، التوافق بين القدرات النفسية و الوظائف الأسرية للزوجين، الصفحة : 23.
19. نفس المرجع، الصفحة : 22.
20. نفس المرجع، الصفحة : 20-21.
21. مجلة الاعجاز العلمي، دماغه و دماغها، الصفحة : 47، العدد 24، جمادى الأولى، دار العلم، جدة-السعودية، 1427ه/2006م.
22. رضى الحمراني، التوافق بين القدرات النفسية و الوظائف الأسرية للزوجين، الصفحة : 24.
23. نفس المرجع، الصفحة : 23.
24. نفس المرجع، الصفحة : 25.
25. مجلة الاعجاز العلمي، دماغه و دماغها، الصفحة : 48-49، العدد 24.
26. محمد بن اسماعيل البخاري، صحيح البخاري، الجزء 3، ص : 349، مكتبة الوحدة العربية، ط1، الدار البيضاء – المغرب، 1421 هـ/2000م.
27. د. فريد الأنصاري، سيمياء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة، ص ص : 24-36، منشورات ألوان مغربية، ط1، الرباط- المغرب، 1424هـ/2003م.
28. D. Kimura, « Les tests qui font la différence », P : 47.
2. أبو الفداء الحافظ بن كثير، تفسير القرآن العظيم، الجزء 3، الصفحة : 171، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، /ه1421 م/2000
30. رضى الحمراني، التوافق بين القدرات النفسية و الوظائف الأسرية للزوجين، الصفحة : 23.
31. محمد بن جرير القرطبي، تفسير القرطبي، الجزء 5، الصفحة : 169، دار الفكر، بيروت - لبنان، 1405هـ/1985م.
32. د. أحمد أوزي، الطفل والعلاقات الأسرية، الصفحة : 76، منشورات مجلة علوم التربية، ط 1، العدد 11، الرباط -المغرب، 1420 هـ/2000م
33. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الجزء 13، ص ص : 112-113، دار المعرفة، بيروت - لبنان، 1379هـ/1959م.
34. D. Kimura, Cerveau d'homme cerveau de femme ? P : 108.
35. عبد اللطيف المانوي، فيض القدير،الجزء 1، ص : 181، المكتبة التجارية الكبرى، ط 1، مصر، 1356هـ/1936م..
36. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الجزء 3، الصفحة : 113


أعلى الصفحة

 

 

المشرف على الواحة

 د.محمود أبو العزائم

مستشار الطب النفسي

 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

البحث
مشاكل القراء
الرد على أسئلة القراء

 

مستشفيات

د.جمال أبو العزائم

 للطب النفسي

 

 

دليل المواقع النفسية العربية