الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأة والطب النفسى

 



مواقع مفيدة



احوال الطقس
اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



 

 
 

الروائع النفسية في الرحمة المحمدية

من إعــداد:
رضى الحمراني
أخصائي في علم النفس الإكلنيكي المغرب


إذا كان علماء النفس الغربيين في عصرنا الحالي قد توصلوا إلى إدراك أهمية العفو لتجنب الصراعات النفسية و التمتع بالطمأنينة المعنوية، حيث يوجهون الناس بقولهم : (اعف عن الآخرين لتنعم بالراحة النفسية) (forgive for good) فالمسلم يقول : (اعف عن الناس ابتغاء رضى رب الناس) (forgive for god) (1)، و فرق كبير بين من يتخلق بالعفو من أجل تحقيق مصلحة شخصية فانية وهي الشعور بالطمأنينة الدنيوية، و بين من يعفوا ليربي نفسه على التسامح و ينهاها عن الانتقام ابتغاء مرضاة الله، فيفوز بالحسنيين وهما الطمأنينة النفسية في الدنيا و الأجر والثواب من الله جل علاه في الآخرة.
إن سر نجاح الدعوة الإسلامية هو إكرام الله جل علاه لنبيه محمد صلّى الله عليه و سلّم بصفة الرحمة، فقد كان يعفوا عن أخطاء أصحابه و يصفح عن زلات أعدائه، و كان يصبر على كل هذه المضايقات لوجه الله تعالى، ولو لم يرحم هذا الضعف الأخلاقي للناس لما أعتنق أحد منهم الإسلام.

 فكيف تتجلى إذن هذه الرحمة الربانية في الشخصية المحمدية ؟ وكيف يمكن توظيفها لإصلاح مظاهر الخلل في أخلاق المسلمين ؟

1. الرحمة المحمدية للأصحاب و الأعداء
إن النبي صلى الله عليه و سلم تعرض في أحيان كثير للإساءة من طرف الصحابة لكنه لم يكن يقابل السيئة بالسيئة بل وفقه الله تعالى لمقابلة السيئة بالحسنة، ففي معركة أُحد أَمر الرماة بالبقاء في قمة الجبل حتى و إن تبيّن لهم أن جيش المسلمين قد انتصر لكنهم خالفوا تعليماته، و تسببوا في انقلاب موازين المعركة رأساً على عقب و كاد النبي صلّى الله عليه و سلّم أن يُقتل من جراء ارتكاب الرماة لهذا الخطأ الفادح.
إن تصرف الصحابة بهذا الشكل أثار الإحساس بالغم و الشعور بالغيظ في قلب النبي صلى الله عليه و سلم، لأنهم خالفوا الأمر الذي اتفقوا على تنفيذه بعد أن تشاوروا فيما بينهم، فقال الله عز و جل مخاطباً رسوله الكريم : ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم، و لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين﴾ (آل عمران : 159)، أي إياك يا نبي الرحمة أن تغضب من أصحابك أو تندم على استشارتهم في أمر الدين، فطبيعتك الهادئة التي وهبها الله لك ستعينك على كظم غيظك و عدم إظهاره في شكل تصرفات يطبعها التذمر و الغضب.
لقد بَيَّنَ الله تعالى لنبيه ماذا سيحدث في حالة التعبير عن انفعالاته، فقد يحوّله الغضب إلى شخص قاسي غليظ القلب و أوضح له نتيجة هذا السلوك الانفعالي في قوله جل علاه : ﴿و لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾، أي أن رد فعل أصحابك سيكون هو النفور منك حين تقسوا عليهم إن أخطئوا، لهذا فالله تعالى يُوَجِّهُ حبيبه للتحلي بأرفع خلق و هو العفو حتى لا تميل نفسه للخلق العادي، أي رد السيئة بمثلها و هو سلوك قد يذهب به إلى أبعد من ذلك، أي الوقوع في الرد على الإساءة بإساءة أكبر منها، و هذا من شأنه أن يقلل من فرص نجاح الرسالة المحمدية.
إن الله جل علاه حين قال لرسوله الكريم : ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ فكأنه سبحانه يقول، أنا طبعتك على رحمة تتسع لكل هفوات أصحابك، و ما دامت هذه الرحمة المحمدية نابعة من الله جل علاه فهي تجعل رسولنا الكريم قادراً على تحمل كل هذه المخالفات رغم كونها تثير نوعاً من الضيق و الغم في صدره،كما تجعله يشعر بأن سلطته لا جدوى منها في بعض الأحيان(2).
إن التذكير بهذه الرحمة ينبه النبي صلّى الله عليه و سلّم و يثير انتباه كل من تقلد زمام المسؤولية في الأمة الإسلامية إلى الطبيعة النفسية لأفرادها، فهي أمة مكونة من بشر ضعفاء و ليسوا ملائكة معصومين و البشر لا يخطئون فحسب بل هم خطّاءون أي يخطئون و يكررون الخطأ عن غير قصد، و لهذا جعل الله هذه المسألة درساً لكل مسئول مكلف برعاية شؤون المسلمين.
إن هذه العاطفة المحمدية الرحيمة التي أودعها الله في قلب رسوله الكريم و فعّلها صلّى الله عليه و سلّم في تعاملاته مع أصحابه و نفّدها في أقواله و أفعاله بعد أن تجاوز الرغبة في توبيخهم و تحمل الألم النفسي الناتج عن مخالفاتهم لأوامر الله تعالى و تعليماته النبوية، فلهذا كلّه إِلْتَفَّ أتباعه حوله و تشبثوا به وأحبوه ونصروه، و قد وجّه نبي الرحمة أصحابه لتفعيل هذا الخلق الكريم في تعاملاتهم اليومية، فعن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم : « المؤمن الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس و لا يصبر على أذاهم » رواه البخاري في الأدب المفرد و أحمد في مسنده.
ثم أردف الله تعالى قائلا ﴿ فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر ﴾ وهنا أكّد سبحانه على ضرورة حرص النبي صلّى الله عليه و سلّم على الاستمرار في التشاور مع أصحابه رغم مخالفتهم لأوامره التي اتفقوا عليها قبل انطلاق معركة أُحُدْ، فالتأكيد الرباني على مداومة التشاور الجماعي للنبي مع أصحابه نابع من كون عيون هؤلاء المستشارين ترى الأشياء بوضوح حين تكون مجتمعة، لكن هذه العيون نفسها رغم تعقلها و حكمتها تعجز بمفردها عن النظر بموضوعية سواء في ما يرتبط بالمصالح الجماعية و حتى في الأمور الشخصية لأن العواطف و الانفعالات النفسية لكل مستشار تقف كالسحب التي تحجب عنه وضوح الرؤيا، فقد تبدوا له الأشياء القبيحة جميلة لأن عواطفه و أهوائه تزيّنها في عينه فيلتبس عليه الأمر فيرى الباطل في صفة حق.
إن حرص القائد على التشاور مع أفراد فريقه رغم وقوع بعضهم في هفوات غير مقصودة، يعد درساً آخر لكل مسئول عن أمور المسلمين حين يُقبل على معالجة أموره الشخصية أو الشؤون المرتبطة بالأمة، فإن عقله لا ينظر إليها بموضوعية إلا إذا استعان بأهل الحكمة و الرأي ليسدّدوا قراراته و يعينوه على تجنب إقحام أهوائه في مختلف المسائل التي يكون بصدد الحسم فيها، حتى لا يتورط في بلورة قرارات خاطئة و يتفادى الوقوع في سوء التصرف(3).
و لم يكتف الله عز و جل بتذكير خير سيد ولد آدم بالصبر على الشر الصادر من أصحابه، بل ذكره أيضاً بصبره الجميل على سوء أخلاق أعدائه، فرب العالمين خاطبه بما معناه لقد طلبت مني يا رسول الهدى أن أهدي أهل الطائف حين ذهبت إليهم لتدعوهم للإسلام لكنهم أهانوك و رموك بالحجارة حتى نزف جسدك الشريف، فأرسلت لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فقال لك إن شئت أطبق عليهم الأخشبين أي الجبلين فأجبته، بروعة الرحمة التي تعطّر صدرك : (لا لا..عسى الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبد الله) فقد واجهت السيئة بالحسنة و لذلك كنت تستحق مني الثناء حين قلت في حقك : ﴿و إنك لعلى خلق عظيم﴾ (القلم : 4).
فبهذه الرحمة التي قذفها الله في قلبك و استثمرتها في معاملاتك مع أصحابك التفوا من حولك، و وظفتها مع أعدائك فهداهم الله على يديك لأن أتباعك و أعدائك رأوا أدبك الجم الذي يثير الإعجاب و تواضعك الشديد الذي يُخجل من أساء إليك، و بسمتك الرقيقة التي تذيب همّ الحزين، و نظراتك العطوفة التي تأنس وحدة المغتربين، و مواساتك لكل من أصابته مصيبة أو فاجعة، و طلعتك البهية على كل من لاقاك في الطريق، حتى إن وضعت يدك في يد أحدهم لم تسحبها حتى يكون مصافحك هو أول من يسحبها.
إذا كانت هذه الروائع النفسية في الرحمة المحمدية قد تحققت تجاه أنصار الدين الإسلامي وحتى مع أعدائه، فكيف يا ترى يستطيع المسلم الناجح أن يساعد إخوانه على التخلي عن مظاهر سوء الخلق ويعينهم على التحلي بحسن التصرف ؟

2. الدعم النفسي لذوي الأخلاق المذمومة
إن سعة الرحمة التي أودعها الله في أخلاق سيدنا و حبيبنا محمد صلّى الله هي نبراس للمربين و الأخصائيين النفسيين و المرشدين الاجتماعيين، فكل واحد من هؤلاء ممن يحمل على عاتقه مسؤولية مساعدة الناس للإقلاع عمّا ألفوه من الطباع السيئة، عليه أن يعلم بأن هذا الأمر صعب و يحتاج إلى تودد و رحمة و لين و تأني، فإذا حاول أحدهم الأخذ بيد المسيء للتخلص من عاداته السيئة و استعمل أسلوباً قاسياً، خشناً و فظاً في دعوته لذلك، فهما أمرين صعبين لا يستطيع صاحب الأخلاق الذميمة تحملهما في وقت واحد، و هذا قد يجعل المربي يفشل في عملية الإصلاح التربوي للنفوس.
فلا ينبغي للمرشد النفسي أو الاجتماعي أن يجمع على المسيء أمرين شديدين دفعة واحدة، أولهما هو تقبيح فعله المذموم، و ثانيهما هو حثه على الإقلاع عن هذه السلوكيات اللاأخلاقية، لذلك يقول الحكماء لمن يريد القيام بمهمة نصح الناس، إن النصيحة ثقيلة على النفس لأن معناها هو تجريم الفعل السيئ الصادر من المنصوح، فعندما تقول لشخص ما لا تفعل هذا فمعنى قولك أن فعله سيء، و ما دمت تجرّم فعله فلا تجعله في مواجهة أمرين صعبين في نفس الوقت، سلوكه السيئ من جهة و تقبيحك لهذا السلوك من جهة أخرى.
إن المرشد النفسي أو الاجتماعي ينبغي أن يتعامل مع السلوك اللاأخلاقي للمسيء بشكل عكسي، بحيث يبدأ أولا بالمبشرات قبل المنذرات محاولا استثارت الجانب الخيِّر في نفسه قائلا : (يبدو من ملامح وجهك أنك إنسان فيك خير كثير و هذا يتناقض مع ما تقوم به من تصرفات غير لائقة)، إن التحدث للمسيء بهذا الشكل لا يعني أنك تجامله بل تصدقه القول لأنه ما من إنسان خلقه الله تعالى، إلا و قد أودع الخير فيه و تحدثك إليه بهذه الطريقة سيعطيه قوة لتحمل كلامك عن مساوئه، قال الله جل علاه : ﴿و قولوا للناس حسناً﴾ (البقرة : 83).
إن أي إنسان يحتاج للملاطفة و الملاينة و طيب المحادثة لتستل منه الخصال القبيحة،كما يفعل الصيدلي حين يصنع دواء مذاقه مرٌّ لعلاج مرض معيَّن فتجده يمزج مرارة الدواء بحلاوة السكر بحيث يمر باللسان الذي هو مركز الذوق بلا ألم و لا مرارة، لينزل الدواء إلى المكان المصاب في الجسم فيشفيه بإذن الله جل علاه.
إن هذه الرحمة المحمدية في الإرشاد النفسي و الاجتماعي ينبغي أن تكون منهجاً نعتمده في توجيه الأشخاص الذين نخالطهم و نتفاعل معهم في حياتنا اليومية، فنقول على سبيل المثال لمن وقع في خصام أو مشاحنة مع شخص آخر : (يبدو عليك أنك رجل عاقل، فلا تنزعج من التصرف غير اللائق الصادر عن الشخص الذي أخطأ في حقك، و خير رد فعل يمكن أن تقوم به هو إيقافه عند حدّه بطريقة لبقة وبكلام موزون، وإلا فالسكوت والإعراض عنه أفضل من الانزلاق معه في متاهات الجدال الكلامي العقيم الذي قد تؤدي بك إلى ما لا يحمد عقباه).

خاتمة
إن الموقفين الذين أوردناهما في هذا المقال، وهما تعرض رسول الله لسوء المعاملة من طرف أهل الطائف والخطأ العسكري الجسيم للرماة في معركة أُحُد، يعتبران من أصعب اللحظات في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد تعامل معهما بأعلى درجات الرحمة النبوية، والسر في ذلك يرجع إلى أن الشخصية المحمدية يغلب فيها الحلم على الغضب، وكلما اشتدت جهالة الناس على هذا النبي العظيم كلما ازداد حلمه قوة، وهذا ليس بالغريب على خير إنسان في تاريخ البشرية، فقد جمع الله في صدره رحيق الخصال الزكية التي تميّز بها كل نبي، فقد أوتي صبر أيوب وأوبة داوود وحكمة لقمان وجمال يوسف عليهم جميعاً من الله أزكى السلام.

المراجع
1. د هشام المشد، العفو و الصحة، مجلة الإعجاز العلمي في القرآن و السنة، الصفحات : 18-25، العدد 31، ذو القعدة 1429 هجرية/أكتوبر 2008 ميلادية، جدة – المملكة العربية السعودية.
2. محمد متولى الشعراوي (ت 1418 ه)، تفسير الشعراوي، دار أخبار اليوم، الجزء الثالث، الصفحة : 1835، القاهرة – مصر، 1411 هجرية / 1991 ميلادية.
3. إسماعيل بن عمر بن كثير، تفسير القرآن الكريم، الجزء الثاني، الصفحات : 149-150، مطبعة الشعب، القاهرة – مصر 1391 هجرية / 1971 ميلادية.


أعلى الصفحة

 

 

المشرف على الواحة

 د.محمود أبو العزائم

مستشار الطب النفسي

 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

البحث
مشاكل القراء
الرد على أسئلة القراء

 

مستشفيات

د.جمال أبو العزائم

 للطب النفسي

 

 

دليل المواقع النفسية العربية