الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأة والطب النفسى

 



مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
تحويل العملات
اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



مجلة النفس المطمئنة

 

الساحر

(تأملات في شخصية باراك أوباما)

 

دكتور / محمد المهدي

استشاري الطب النفسى

 

أثار خطاب أوباما للعالم الإسلامي من جامعة القاهرة يوم 4/5/2009 م اهتماما واسعا وجدلا أوسع حول آفاقه ومعانيه ودلالاته وإمكانية خروجه إلى حيز التنفيذ , وهل هو رؤية شخصية رومانسية لإنسان حالم طموح أم سياسة أمريكية جديدة صنعت في مطبخ المؤسسات الراسخة بناءا على التغيرات العالمية التي ترجح تكامل الحضارات على صراع الحضارات ؟. ولا يمكن فهم كل هذا دون أن نفهم  أوباما نفسه .. صاحب أكبر قصة نجاح في العصر الحديث , وصاحب أكثر السير الذاتية إثارة في تاريخ الساسة الأمريكيين .. نحاول أن نفهم نشأته وكيف أثرت في شخصيته .. وما هي مفاتيح تلك الشخصية التي تمكننا من فهم توجهاته وردود أفعاله .. والدافع إلى ذلك هو أن كثير من الدلائل تشير إلى أهمية وخطورة هذا الرجل في التاريخ الإنساني الحديث في حالة لو ترك حيا يستكمل آماله وأحلامه الجريئة كما وصفها هو في كتابه  (جرأة الأمل) The audacity of Hope .. هذا بصرف النظر عمّا إذا كان سيمد يده للعرب والمسلمين أو يخذلهم .

ظروف النشأة ومفاتيح الشخصية :

حياة أبويه مليئة بمحاولات الصعود .. فأبوه حسين أوباما ينحدر من قبيلة "لوا" الكينية وقد عمل راعيا للماعز في قريته "ناينغوما" , وتابع دراسته في كينيا , ثم تركها بفقرها وبؤسها ومشكلاتها وانتقل إلى أمريكا في بعثة دراسية بحثا عن التفوق والتميز , وكان طالبا مجتهدا نشيطا ولذلك حاز إعجاب زميلته الأمريكية البيضاء والتي تنحدر من ولاية كنساس واسمها "آن دنهام"  , فتزوجها وعمرها آنذاك 18 عاما . وبعد فترة قصيرة من ميلاد باراك انفصل الزوجان وكان عمره حينئذ سنتين  . وحصل حسين أوباما على الدكتوراه من جامعة هارفارد , ولسبب أو لآخر عاد إلى كينيا ليستثمر شهادته العليا وربما كان يحلم بفرصة كبيرة في بلده , ولكن الظروف السياسية حالت بينه وبين ذلك فانكفأ على نفسه وراح يتعاطى الكحوليات ليغيب وعيه وينسى إحباطاته , وقد مات في حادث سيارة في كينيا عام 1982 م , وعلى الرغم من أن باراك لم يكن يرى أباه إلا فيما ندر إلا أنه تأثر بشخصيته , وهو يصفه بقوله "كان مثاليا .. مات وفي نفسه مرارة عميقة" , ويبدو أن هذا الأب كان أحد روافد الرغبة في الصعود لدى باراك أوباما  , كما كان أيضا رافدا لصفة المثالية لديه . أما أمه فقد ماتت وتركت ألف صفحة من رسالتها للحصول على الدكتوراه , وكانت لديها روح المغامرة والخروج على المألوف وكسر قيود العادات والتقاليد السلبية , فتزوجت – وهي البيضاء الأمريكية – شابا إفريقيا أسود لتتحدى بذلك قيما ومفاهيم كانت سائدة بقوة في المجتمع الأمريكي تمنع على السود واليهود والكلاب دخول مطاعم البيض .

وننتقل من ظروف النشأة المبكرة إلى لقطة حديثة جدا فنتأمله وهو يصعد سلالم قصرالقبة (إبان زيارته لمصر في 4 يونيو 2009 م)يقفز صاعدا السلم في خفة ورشاقة , ونتأمله مرة أخرى وهو يصعد سلم الطائرة المغادرة في خفة ورشاقة وحيوية وحذر في نفس الوقت , ومن هنا نلتقط مفتاح شخصيته "الرغبة في الصعود" , تلك الرغبة التي انتقلت إليه من أبويه , وهو يريد أن لا يسقط في وسط الطريق كما سقطا سواءا بالتعاطي أو بالإحباط أو بالفشل أو بالموت لذلك تجده حذرا يختار الكلمات بعناية شديدة ويخشى الميل الشديد إلى أحد الأطراف على حساب الآخر فهو يراعي التوازنات حتى لا يسقط كما سقط أبويه من قبل . ونظرا لعمق جينات وسلوكيت الرغبة في الصعود والنمو الدائم لم يأخذ وقتا طويلا في الوصول إلى قمة الحلم البشري في قيادة أقوى دولة في العالم (وهو ابن مهاجر إفريقي أسود) , وقد نفذ ذلك الحلم في غضون عشر سنوات إذ راوده لأول مرة بشكل واضح في سن الخامسة والثلاثين فحدد عشر سنوات لتحقيقه , وحققه فعلا.

وقد يقول قائل : لقد حقق أوباما حلمه ووصل إلى أعلى قمة وهو الآن في السابعة والأربعين فماذا بعد ؟

لو عدنا إلى إلى مفتاح شخصيته فسنجد أنه غير قادر – حتى لو أراد – على التوقف عند هذه النقطة بل هو يريد مزيدا من الصعود ومزيدا من الخلود , تراوده الآن أحلاما إنسانية هائلة لو نجح في تحقيقها فسيدخل التاريخ ليس كرئيس رسمي للولايات المتحدة الأمريكية ولكن كأحد الذين غيروا مسار التاريخ الإنساني , خاصة وأنه يمتلك قدرات ومهارات شخصية هائلة . وعلى الرغم من هذه الرغبة الملحة في الصعود الدائم , ونجاحه حتى الآن في هذا الصعود , وتجاوزه للنقطة التي توقف عندها أبوه بالتعاطي والنقطة التي توقفت عندها أمه بالموت إلا أنه يحمل في تاريخه العائلي إمكانية الإنكسار , أو السقوط عند الدرجة المكسورة من السلم .

وأوباما الذي ولد في أمريكا عام 1961 م لأب مسلم وأم مسيحية , وله أقارب في ثلاث قارات (إفريقيا وآسيا وأمريكا) , وزار أوروبا وإفريقيا وعاش في آسيا حتى سن عشر سنوات وقضى فترة التعليم الإبتدائي (وهي فترة مهمة في وضع أسس ومفاهيم توجه السلوك بعد ذلك) في جاكرتا بإندونيسيا والتي انتقل إليها عام 1967 م مع أمه وزوجها الإندونيسي "لولو سويترو" , ثم عاد بعد ذلك إلى "هونولولو" ليتربى في كنف جده وجدته لأمه وتابع دراسته هناك حتى نهاية المرحلة الثانوية عام 1979 م  . هذه النشأة وتلك الظروف التي عاشها تعطينا مفتاحا آخر من مفاتيح شخصيته , وهو التعددية الثقافية , والقدرة على قبول الآخر المختلف واحترامه . وقد رأى الرئيس بشار الأسد أن شخصية الرئيس أوباما المتعددة الثقافت تعكس الآمال في إمكان حدوث تحول بين واشنطن ودول الشرق الأوسط .

وفي مقال في صحيفة نيويورك تايمز قبل زيارة أوباما لمصر ورد أن "شخصية أوباما غريبة جدا فهو لا يميل إلى طرف على حساب طرف آخر بشكل واضح , وكما أن له أصدقاء عرب يكرهون الصهاينة , له كذلك أصدقاء يهود وصهاينة يكرهون العرب" , وهذا الوصف يشير إلى مفتاح آخر من مفاتيح شخصيته وهو الميل إلى مراعاة التوازنات والحلول التوافقية التي ترضي جميع الأطراف .

ومن صفاته الأساسية الهدوء والحذر , فنادرا ما يرتفع صوته , ونادرا ما يظهر انفعاله , ولذلك أطلق مساعدوه في الحملة الإنتخابية عليه اسم "أوباما بلا دراما " . ويؤكد النجم الأسمر "جيمي فوكس" على هذه الصفة في أوباما فيقول : "إن لديه طريقة في الكلام رائعة , دائما هادئ ومعبر بقوة عما يقول , حتى عندما كان يتنافس مع السناتور "ماكين" لم يتحمس ويرفع صوته ليعلن عن وجوده , بل ظل هادئا ومتمكنا من حديثه طوال الوقت" .

وأوباما هو الولد الوحيد وله أخت واحدة , وكانت أمه شغوفة به وشديدة الإهتمام بكل شئ يخصه , لذلك نتوقع أن يكون لديه إحساسا عاليا بذاته وبأهميته , وقد يصل هذا إلى درجة من النرجسية (نلقاها عموما في كثير من الناجحين والمتميزين) , وقد اتضح هذا الأمر في اهتمامه بأن يكون حفل تنصيبه أسطوريا ومدويا , وهو مالم يكن معتادا من قبل بهذه الدرجة لدى الرؤساء الأمريكيين السابقين . وربما يكون المصريون قد التقطوا هذا الخيط الطاووسي الإستعراضي لدى أوباما فاستقبلوه في قصر القبة بموكب من السيارات يتقدمه عشر ضباط على الخيول في مشهد سلطاني مهيب .

وأوباما يعتمد كثيرا على سحره الشخصي ويعوض به قلة خبرته في عالم السياسة مقارنة بمنافسيه وقد ذكرت شبكة CNN  (بناءا على استطلاع للرأي) في 28/4/2009 م أن شخصية أوباما أكثر شعبية من سياساته . وهذا ربما يستدعي الحذر في التعاطي مع أوباما كشخصية كاريزمية تأسر قلوب الناس بقولها وسحرها , ولكن ليس بالضرورة من خلال حقائق وأفعال وسياسات .  

إذن نعود لنجمل مفاتيح شخصيته وسماته الأساسية في التالي :

الرغبة الشدية في الصعود , الحذر , المثالية , الهدوء , الميل للحلول التوافقية , مراعاة التوازنات , إرضاء جميع الأطراف , الإعتزاز الشديد بالذات والذي قد يصل إلى درجة النرجسية .

 

ليس من المروءة أن نكذبه وليس من الحكمة أن نصدقه :

سمعت خطاب أوباما باللغة الإنجليزية على قناة CNN في قاعة "الأمباسادور" في فندق سميراميس حيث كنت أشارك في مؤتمر الجمعية المصرية للطب النفسي , وكانت القاعة ممتلئة بالأجانب مع بعض المصريين الذين شاركوني فكرة أن نستمع للخطاب بلغة أوباما نفسه فنتفادى أخطاء الترجمة كما نستشعر صاحب الخطاب بكليته وبلغته ومشاعره كما هي دون تدخل لصوت المترجم أو إيحاءاته أو تحيزاته أو تعديلاته (بقصد أو بغير قصد) , ثم استمعت للخطاب مرة أخرى أو أكثر من مرة على قناة الجزيرة مترجما لأرى ما وصل للناس مترجما .

ووجدتها فرصة أن المؤتمر يحوي عددا كبيرا من الأطباء النفسيين (مصريين وعرب وأجانب) فرحت أسألهم عن انطباعاتهم عن الخطاب ثم عن شخصية أوباما , وعن توقعاتهم للمستقبل في ظل هذا الخطاب المختلف , والموجه من رئيس أمريكي تحديدا للعالم لإسلامي . وانقسم الأطباء النفسيون بين متفائل بلغة الخطاب ومتوقع توقعات إيجابية وبين متشائم من الخطاب على أساس أنه نوع من الخداع لنا ولكن بطريقة جديدة وبلغة مهذبة . أما عن شخصية أوباما فقد اختلفوا أيضا حولها , والإختلاف متوقع في مثل هذه الظروف وفي غيرها , ولكن الملفت للنظر أن الإختلاف وصل إلى حد التناقض , إذ رأى بعضهم أن أوباما شخصية كاريزمية ساحرة , وأنه شخص عقلاني وفيلسوف وحكيم ورسول سلام جاء في هذا التوقيت ليعيد إلى البشرية حالة من التوازن والعقلانية والتسامح والسلام , وأن تركيبته العائلية وتنشئته في بيئات متعددة يسمحان بوجود نفس سمحة متسامحة ورؤية إنسانية رحبة . ويرى هذا الفريق أن الناخب الأمريكي بعبقريته وحيويته ولياقته الديموقراطية العالية أراد أن يصحح أخطاء فترة حكم بوش باختياره لأوباما بهذه المواصفات كي تستعين به الإدارة الأمريكية ذات التركيبة المؤسسية الراسخة في تحسين صورة أمريكا بعد أن شوهها بوش وإدارته الغبية , وقد وصلت درجة التشويه للصورة الأمريكية درجة هائلة دفعت صحفيا عراقيا عربيا مسلما لأن يقذف وجه بوش بالحذاء , وقد جرت محاولات مؤسسية إعلامية وغير إعلامية متعددة لتحسين صورة أمريكا في العالم بوجه عام ولدى العالم الإسلامي بوجه خاص وفشلت هذه الجهود نظرا لانعدام الثقة الشديد لدى المواطن العربي المسلم في الإدارة الأمريكة والتي يراها متحيزة ضده في الصراع العربي الإسرائيلي ومدمرة للعديد من الدول الإسلامية على رأسها العراق وأفغانستان , ومحبطة لطموحاته وتطلعاته من خلال دعمها ومساندتها واحتوائها للأنظمة الإستبدادية التي تقهره . ولقد نجح أوباما من خلال خطابه المؤثر والمتوازن والمدروس جيدا في أن يفتح مسارات عقلية ووجدانية مختلفة تسمح بالتواصل بين أمريكا والعالم الإسلامي بعد أن سدت كل هذه المسارات في فترة حكم بوش وإدارته العنصرية المتعصبة .أما الفريق الآخر من الأطباء النفسيين وهم الأقلية فكانوا يتشككون بشدة في نوايا أوباما ويصفونه بأنه سيكوباتي مهذب وثعلب مراوغ يحاول أن يمسك العصا من المنتصف دائما ويرضي جميع الأطراف ليحقق أكبر قدر من المكاسب , وأنه أخطر بكثير من بوش الغبي لأن ذكاء أوباما يعطيه القدرة على المناورة والخداع , و"يلبسنا العمة" وربما "يقلوظ هذه العمة" لتعجبنا أكثر بما أننا شعوب عاطفية حماسية , وأنه يضع لنا طبقة من العسل فوق طبقات السم المتراكمة . وفريق ثالث يراه مثاليا حالما يسعى إلى تغيير العالم وكأنه المهدي المنتظر أو المسيح .

وكانت حجة الفريق المتفائل بأوباما أنه شخص ناجح ومكافح وينتمي إلى جموع البسطاء في العالم وأنه كأنه واحد منا , وأن نبرة صوته مليئة بالصدق والنقاء , وأنه جاء بهذه المواصفات الإنسانية الرحبة لكي يصحح أوضاعا أمريكية وعالمية خطيرة كانت ستودي بالسلام العالمي في حالة استمرارها , وأن ظروف هذه المرحلة الحرجة واحتياجاتها هي التي فرضت صعود أوباما إلى هذا المنصب الرفيع , وكأن وعي المجتمع الأمريكي يسعى إلى تصحيح الأوضاع الخاطئة التي ورطه فيها بوش وغيره من المتعصبين السابقين في الإدارة الأمريكية , وأن أوباما جاء في هذا التوقيت ليمسح عن وجه أمريكا ما لحقه من التشوه ويعيد إليه بريقه وحيويته ومزاياه في إعلاء قيم الحرية والمساواه والديموقراطية والعدل .

أما الفريق المتشكك في أوباما فقد كان يستند إلى أن أوباما يريحنا بكلام معسول ويبيع لنا أوهام وأحلام من خلال خطاب توافقي تصالحي يرضي جميع الأطراف ويجد فيه كل شخص بغيته وراحته , ولكن على أرض الواقع تضرب القوات الأمريكية أفغانستان بقسوة شديدة ويقتلون المدنيين أكثر مما يقتلون من القاعدة أو طالبان , كما أن أوباما يتحدث عن إغلاق معتقل جوانتنتاموا , بينما يموت مواطنا يمنيا في هذا المعتقل في ظروف غامضة في 3/6/2009 م أي قبل زيارة أوباما للقاهرة بيوم واحد , وقد زعموا بأنه انتحر ( في حين يتوقع العرب والمسلمون بأنهم "انتحروه" على طريقة جهات الأمن العربية حين يريدون التخلص من أحد) .

ومن المعروف أن الشخصيات التي ينقسم حولها المتخصصون بهذه الدرجة هي شخصيات مثيرة للجدل وربما تكون على درجة عالية من الخطورة , وهذا ما يجعلنا نتوقع أن أوباما سيكون له أثر كبير في التاريخ الإنساني سواء بالإيجاب أو بالسلب , إذ أنه من الشخصيات المحركة لعجلة التاريخ , فإما أن تأتي هذه الحركة في الإتجاه الصحيح أو تأتي في الإتجاه العكسي , ولكن في الحالتين ستكون هناك تغيرات في التوجهات خاصة وأنه معروف عنه التمسك برؤاه ومحاولة إقناع معاونيه بها بما يملكه من تأثير قيادي كبير .

وبعد انتهاء الخطاب كنت على سفر , فرحت أتابع ردود أفعال الناس من خلال الإذاعات العربية والأجنبية وحين عدت إلى البيت تابعت تلك الردود على القنوات الفضائية بجنسياتها المختلفة , فكانت هناك – كما هو متوقع – آراء متباينة . فبعض الناس يرى أن السياسة الأمريكية سياسة ثابتة تضعها مؤسسات راسخة بناءا على معلومات هائلة ومتنوعة وأنها لا تتأثر برؤى وأحلام رومانسية يحملها في عقله وقلبه رئيس شاب جاء إلى مقعد السلطة في أقوى دولة في العالم على قاعدة الرفض والكراهية لإدارة سابقة ورطت أمريكا في مواقف جلبت لها كراهية العالم بشكل عام وكراهية وعداء المسلمين بشكل خاص . وفي نظر هؤلاء فإن خطاب أوباما ما هو إلا نشاط علاقات عامة ورسالة ترضية للعالم الإسلامي الذي عانى الويلات في حياته اليومية بسبب السياسية الأمريكية العدوانية في أفغانستان والعراق والمنحازة بغباء شديد إلى إسرائيل في الصراع العربي والإسلامي مع إسرائيل . وقد استغلت الإدارة الأمريكية أوباما بما يملكه من كاريزما هائلة لأداء هذه المهمة الوطنية الكبيرة وقد نجح أوباما في ذلك بعد أن فشلت جهودا مؤسسية كثيرة في تحسين صورة أمريكا في عيون المسلمين , وأن خطاب أوباما قد أعد بعناية شديدة على يد فريق من الخبراء في شئون العالم الإسلامي وخبراء في العلوم النفسية (يعرفون مداخل العقلية الإسلامية والعربية جيدا) بحيث يؤدي هذه الرسالة التصالحية التوافقية التي تمسك العصا دائما من المنتصف ولا تريد أن تغضب أحدا , وأن كل ما قيل يصعب تنفيذه على أرض الواقع خاصة فيما يتعلق بالصراع مع إسرائيل .

والبعض الآخر يرى أن أوباما رجل صادق ومحب وأنه جاء يمد يده للعالم الإسلامي ويجب علينا مساعدته خاصة وأنه يواجه معارضة في أمريكا ومعارضة في إسرائيل بسبب توجهاته المسالمة نحو العالم الإسلامي والتي ربما لا يشاركه فيها الكثيرون من أعضاء الإدارة الأمريكية . وهذا الفريق ربما يبدي انبهارا شديدا بشخصية أوباما الساحرة وبقامته الفارعة ورشاقة جسمه وسرعة حركته وحيويته الظاهرة خاصة حين يقارنون ذلك بزعماء عرب تيبست مفاصلهم وتضخمت بطونهم وتكلست عقولهم بفعل الشيخوخة وطول المقام على الكراسي والعروش وأصبحوا عاجزين عن الحركة لخطوات قليلة وعاجزين عن التفكير المستقبلي وقد بلغوا أرذل العمر فأصيبوا ببطء في التفكير وتيبس في الآراء والسياسات وتشبث بالمصالح الشخصية وتعلق بتوريث السلطة للأبناء.

والجميل في آراء الناس أنها كانت متنوعة , وكانت تحوي رؤي نقدية وعقلانية لأوباما وخطابه وكان الكثيرون يقولون : "لننتظر ولنرى ما سيفعله أوباما على الأرض فالكلام الجميل سهل ولكن تنزيله على أرض الواقع هو الأهم" , وهذه نبرة جديدة على العقل العربي خصوصا لدى عامة الناس , ويبدو أن ثمة وعي يتشكل من خلال التعرض للعدوان الإسرائيلي الأمريكي المتكرر والتعرض لخبرات الإستبداد وخداعات المستبدين وأيضا التعرض لجرعات إعلامية من خلال البرامج التليفزيونية الجادة والنقد الإعلامي بشكل عام خاصة في الصحف المستقلة , مما جعل الناس تنظر بموضوعية وتنتظر بواقعية ماذا سيحدث على الأرض بعد أن خرجت كلمات أوباما من فمه في الهواء . وهذا لا يمنع وجود فئة منبهرة بأوباما ومستسلمة بشكل لذيذ لأحلامه وأمنياته , وبعضهم للأسف ينتمي للنخبة , وهؤلاء هم الذين صفقوا له أثناء الخطاب أكثر من أربعين مرة , ولم يتمالك أحدهم نفسه فصاح : I love you Obama , ولهذا سخر منهم المصريون الظرفاء بأن تخيلوهم يقولون لأوباما بعد الخطاب :"انت أوبابا , وانت أوماما , وانت أنور وجدي" .

ومع تباين الآراء ربما يكون من المفيد ومن المروءة أن نصدق أوباما وأن ننتظر لنرى مدى تطابق أقواله مع أفعاله , وانتظارنا لا يجب أن يكون انتظارا سلبيا طفوليا ساذجا كمن ينتظر من بطل أسطوري أن يفعل كل شئ بالنيابة عنه وكأنه أب حنون أو مهدي منتظر أو جني خرج من مصباح علاء الدين , ولكن انتظارنا يحوي مبادرات إيجابية للتعاطي والتفاعل مع المبادئ التي أعلنها والبحث معه عن آليات واقعية للتنفيذ , وفي الوقت نفسه نعمل على تقوية أنفسنا حتى لا نحتاج لأن نستجدي العفو والسماح والقبول من أحد , ولا نراهن على رومانسية وإنسانية أوباما , ولا نراهن على تغيرات قد تحدث أو لاتحدث في توجهات أمريكا والغرب , وإنما نراهن على قوتنا الذاتية وقدرتنا على الدفاع عن أنفسنا وأهلينا ومصالحنا , وهكذا نجمع بين المروءة والحكمة .

 

 

أنتخبه رئيسا لمصر ولكن:

لو جاز لأوباما أن يترشح في الإنتخابات الرئاسية القادمة , فسأقوم بعمل بطاقة انتخابية (حيث أنني لا أملك تلك البطاقة حتى هذه اللحظة , وعجزت في محاولات كثيرة أن أستخرجها حيث كانوا يتشككون في نواياي الإنتخابية فيصعبون الإجراءات حتى أنصرف مللا ويأسا وقهرا) وسأذهب إلى اللجنة وأضع صوتي له وفي عقلي أنني أنتخب شخصا ذا قامة وقيمة , وأنه يتمتع بحالة من الشموخ والعزة والثقة بالنفس تليق بمقام مصر وقيمتها , ولأنه معتز بنفسه وبكرامته وبالتالي سيفعل ذلك مع بلده , وأنه رجل مثقف يعرف قيمة مصر الثقافية وأنها دولة عظمى ثقافيا , وأنه قادر على الحلم لنفسه ولوطنه , وأنه يتمتع بذكاء وجداني هائل يجعله قريبا من القلوب ويمكنه من حشد طاقات وعقول ومشاعر الناس حول أهداف قومية عليا , وأنه يتمتع بذكاء مرتفع وقدرات عالية على القيادة وله كاريزما آسرة ربما تمكنه من جمع قلوب العرب وربما تمكنه أكثر من جمع قلوب المسلمين , ولديه رؤية تعددية تساعده على قبول الآخر فيسمح بإقامة الأحزاب بحرية ولا يستبعد أي فئة اجتماعية أو سياسية أو دينية من التفاعل الإيجابي في المجتمع , ولديه قدر كبير من التسامح الديني والذي نحتاجه لننهي تلك التوترات الطائفية المتكررة والمتصاعدة , ولديه رغبة هائلة في النمو والتطور والصعود تجعله قادرا على إفساح المجال للتطور السياسي والإقتصادي والإجتماعي , وهو يتمتع بمرونة الشباب وحيويتهم وتطلعهم للمستقبل , والأهم من ذلك أن ليس له أبناء ذكور يطمع في نقل السلطة إليهم فيتشبث بها إلى أن يكبروا ويمسكوا بتلابيبها.

وهو بالتأكيد سيدرك قيمة مصر الحضارية , فيكفي أن تنظر إليه وهو يقف أمام أبو الهول في انبهار واعتزاز , ثم دخوله إلى جوف الهرم (وهو أول مسئول أجنبي يفعل ذلك) ليصل إلى حجرة دفن خوفو , ثم رغبته (التي لم يسمح بها الوقت) لتسلق الهرم الأكبر , كل هذا يجعلنا نتوقع مدى قيمة هذه الرموز الحضارية في نفسه , وبالتالي فهو لن يبيعها ولن يفرط فيها , ولن يطمسها بالبناء حولها .

ولكن مع هذا سأكون حذرا في انتخابي له خوفا من طغيان شخصيته الكاريزمية , وأن ينبهر به الناس ويعظموه بل ربما يقدسوه أو يؤلهوه (كما فعلوا مع ملوك الفراعنة قديما ومع عبدالناصر حديثا) حيث سيمنحهم الإحساس بالعزة والكرامة والشموخ والقيمة , ذلك الإحساس الذي افتقدوه لسنوات طوال خيمت عليهم فيها أحاسيس الهوان وانعدام القيمة وقلة الحيلة . ولو فعلوا هذا معه فسيحولونه إلى نصف إله وهنا تتغير ملامحه وتقسو نبرة صوته ويطمع في الخلود على الكرسي بل تلتصق مؤخرته بالكرسي ولا يستطيع القيام من فوقه , وندخل في دوامات استبدادية هائلة لا نعرف كيف نخرج منها , كما حدث معنا مرات عديدة على مدار التاريخ , وربما يطلب من زوجته ميشيل أن تلد مرات كثيرة حتى تنجب وليا للعهد .

ولقد سمعت إحدى النساء تعبر عن كاريزمته الطاغية بقولها :"إنه يشد العين" فما إن تراه حتى تتعلق عينك به وتلتفت إليه عمن سواه , وقد يكون هذا سحرا خاصا في شخصيته  وانبهارا بقصة نجاحه الأسطورية ويضاف إلى ذلك هالة المنصب كرئيس لأقوى دولة في العالم .

 ويزيد من مخاوفي من تحوله إلى شخصية تسلطية استبدادية استخدامه المتكرر لإصبعه السبابة اليمنى أثناء حديثه بشكل توكيدي سلطوي بما يوحي بوجود جذور سلطوية لديه قابلة للنمو في أي وقت خاصة إذا انتقل من البيئة الديموقراطية في أمريكا إلى البيئة المصرية التي تعلي من قيمة التسلطية وتراها الوسيلة الوحيدة لقيادة المصرييين (ذلك الشعب النمرود الذي لاينصلح حاله إلا بالعصا) .  

سحر إقريقيا وروحانية آسيا وبراجماتية أمريكا :

هذه هي مكونات شخصية أوباما , فقد ورث عن أبيه الإفريقي سمرة بشرته وبريق عينيه وسحر شخصيته , وقضى سنوات طفولته المبكرة في إندونيسيا (آسيا) حيث كان يصحو على صوت أذان الفجر وينام على صوت أذان المغرب (كما ذكر في خطابه – وهو بذلك أول رئيس أمريكي يمر بهذه الخبرة) ويختلط بالآسيويين الذين تشبعوا عبر القرون بالدعوات الروحية السماوية منها والأرضية , ثم عاد إلى أمريكا مرة أخرى ليضيف إلى رصيده الشخصي تلك اللمسة من البراجماتية والواقعية الأمريكية . وسمرة بشرته تذكرك بسحر "بيليه" لاعب الكرة البرازيلي , ورشاقة "محمد علي كلاي" الملاكم الأمريكي الأسود المسلم الشهير , وسماحة نيلسون مانديلا المناضل الإفريقي العظيم . وابتسامته تشد العيون وتبعث الإحساس بالألفة والدفء والمحبة والتعاطف , كما أن هدوءه وعقلانيته يبعثان على الثقة والطمأنينة والإحترام . وحين تنظر إلى صفحة وجهه ترى نقاءا صوفيا عجيبا وكأنه أحد القادة الروحيين الذين يعيشون في أعالي جبال آسيا .

 

 

واحد منا :

هذا التعبير سمعته من أكثر من شخص يصف أوباما بأنه "واحد مننا" , وربما يرجع ذلك لكونه ملونا مثلنا , ولكون شعره قصيرا وبسيطا وكأنما قام بحلاقته عند حلاق في حي شعبي بالقاهرة أو حتى بإحدى القرى . كما أن لغته وحديثه يقتربان من الذوق المصري العربي الإسلامي الشرقي بدرجة أو بأخرى , خاصة حين يستشهد بآيات مقدسة أو حين يتحدث بلغة أخلاقية لم نعتدها من الرؤساء الأمريكيين , أو حين يتحدث عن العدالة الإنسانية والإحترام المتبادل وتكامل الحضارات , وهي كلها مفردات غابت عن القاموس الغربي . وقد أكد أوباما هذا الإحساس حين استشهد بآيات قرآنية لأكثر من أربع مرات في خطابه (وهو مالا يفعله كثير من الرؤساء العرب والمسلمين المغتربين والمستغربين عن شعوبهم) وقد كان لهذا أثر كبير في تحريك مشاعر المستمعين والمشاهدين له في العالم الإسلامي خاصة وأنه كان يستشهد بالآيات في موضعها بدقة , ويقرأها باللغة الإنجليزية بشكل سليم ويفهم معناها جيدا (وقد علق على ذلك الفنان الكوميدي عادل إمام بقوله : كان ناقص يقرأ لنا ربع قرآن).

ومما يزيد من إحساس الناس بأنه واحد منهم ما أذيع من أن زوجته ميشيل لم تحضر معه نظرا لانشغالها بالمذاكرة لابنتيهما "ماليا" و "ساشا"  حتى يتجاوزا الإمتحانات , وتلك طقوس عائلية مصرية مائة بالمائة .

ويبدو أن هذا الأمر يشعر به الإسرائيليون ويقلقون منه , فقد رسموا كاريكاتيرات تضع رأس أوباما مكان رأس أبو الهول , وصوروه وهو يلبس الكوفية الفلسطينية , ووصفوه بأنه عدو للسامية وعدو لليهود وبأنه يتقارب مع المسلمين على حساب اليهود , وقال بعض المتطرفين اليهود "إنه مسلم يخفي إسلامه وسيعمل لصالح المسلمين" , بل وسرت شائعة بعد الخطاب بأن أوباما أعلن إسلامه .

والأمر في حقيقته ليس بهذه البساطة وليس متفقا مع مشاعر الناس وأحاسيسهم , ومع هذا فإن هذه المشاعر وتلك الأحاسيس ربما يكون لها انعكاسا في التعامل مع أوباما ورسالته التي جاء يوجهها إلى العالم الإسلامي من مصر ليفتح صفحة جديدة من العلاقات تتيح لعموم الناس أن يعيشوا في سلام بعدما أذاقهم بوش وإدارته صنوف القهر والإذلال من خلال تصريحاته العنصرية المستفزة , ومن خلال الحروب والمغامرات التي تسببت في قطع أرزاقهم وتضييق عيشهم .

التركيبة الجسدية واللغة غير اللفظية :

ربما يبدو هذا الأمر ثانويا أو هامشيا في نظر البعض عند الحديث عن شخصية أوباما , ولكنه في الحقيقة أمر هام وعاكس لكثير من سماته , فهو يتمتع بقوام فارع ورشيق يساعده على الحركة بخفة وتوازن واعتدال , وهو يهتم بهذا الأمر اهتماما خاصا فيمارس الرياضة بشكل يومي مهما كانت مشاغله , ويحافظ على برنامجه الغذائي متوازنا , وهذا كله يعكس قدرة على الضبط والتحكم , ورغبة في التوازن وتقديرا للجمال , وإحساسا إيجابيا بالذات . ويبدو أنه يعلي جدا من هذه الأشياء في نفسه وفي غيره لذلك جاء اختياره لزوجته محققا لنفس المعايير الجسدية .

وتراه دائما يرفع رأسه في شموخ واعتزاز بالنفس لا يصلان إلى حد الغطرسة أو الغرور , وملامح وجهه تبدو هادئة وحازمة في آن , وهو إذ يحاول السيطرة على مشاعره في أوقات التوتر لديه لازمة تظهر من وقت لآخر حيث يزم شفتيه . وعيناه لامعتان تعكسان ذكاءا حادا ورؤية نافذة , كما أن ابتسامته مبهجة وحقيقية وصادقة ودقيقة في ذات الوقت فهو لا يبالغ في إظهار أية مشاعر أكثر من اللازم . وهناك توازن في مقاييس وملامح وجهه بحيث لا يطغى أنف على عين أو يطغى فم على أذن . وهو يجيد التحكم في اللغة غير اللفظية الصادرة عن وجهه وعينيه ونبرات صوته .

أملا عن لغة الجسد في يديه فهو ينوعها بحيث توصل الرسائل المناسبة , فيكرر مثلا حركة تشبه الإمساك بالقلم حين يريد أن يوصل مفهوما دقيقا محددا , وفي أحيان أخرى يشكل دائرة من السبابة والوسطى بينما يبسط بقية أصابع اليد اليمنى حين تدور بداخله إشارات التحذير , كما يرفع سبابته اليمنى منتصبة بينما يقبض بقية الأصابع فتبدو الصفة السلطوية التعليمية المحذرة والناقدة لديه (سواء بوعي أو بغير وعي) . وأثناء حديثه يدير وجهه يمنة ويسرة ليحصل التواصل البصري مع الجميع بشكل متوازن .

 

 

دراسته وثقافته واهتماماته :

درس المرحلة الإبتدائية في إندونيسيا , ثم انتقل إلى أمريكا ليعيش في كنف جده وجدته لأمه في هونولولو حتى نهاية المرحلة الثانوية عام 1979 م , وكان في هذه الفترة يمارس أنشطة متنوعة – كعادته – فهو يلعب كرة السلة , ويشارك في تحرير صحيفة المدرسة , وكان له دور فعّال في النقاشات التي تدور وسط الطلاب حيث كان يلتقي أسبوعيا مع مجموعة من زملائه من الطلاب السود في مكان أصبح يعرف باسم "الركن العرقي" . ولا شك أن أوباما في هذه المرحلة وربما قبلها بدأ يدرك مسألة التمييز العرقي ويكون وجهة نظر في حلها وإن لم تكن قد اكتملت بعد . يقول "توني بيترسون" أحد الذين شاركوه في تلك اللقاءات بأن أوباما في أحد اللقاءات قال : "هل تعتقدون باحتمال أن نرى رئيسا أسود في حياتنا؟" . وعلى الرغم من إدراك أوباما للمسألة العرقية إلا أنه لم يكن يرحب بحالة الإستقطاب الموجودة بين البيض والسود , وكأنه يرفض عنصرية الإثنين , ولم يستعمل قط النزعة العرقية التي يستعملها النشطاء السود لاستقطاب أبناء جلدتهم , لذلك كانوا يقولون عليه "إنه ليس أسود بما فيه الكفاية" .

انتقل أوباما بعد ذلك إلى لوس أنجلوس والتحق بكلية "أوكستندال" , ثم انتقل بعدها إلى جامعة "كولومبيا" في نيويورك وتخرج منها عام 1983 م , وقد مر في فترة مراهقته وشبابه بأزمة هوية أدت إلى اندفاعه إلى تعاطي المخدرات ليحد من ضغط الأزمة على نفسه , وهو يقول عن هذه الفترة : " أردت من خلال تعاطي الماريجوانا والكوكايين أن أطرد أسئلة حول من أكون أنا خارج تفكيري" .

وعمل بعد تخرجه في مؤسسة Business International Corporation  , وبعد أربع سنوات انتقل إلى مدينة شيكاجو , والعامل المشترك بين نيويورك وشيكاجو هو وجود أعداد كبيرة من الأمريكيين الأفارقة , وكأنه يشعر بالألفة لقربه منهم على الرغم من رفضه لعنصريتهم المضادة لعنصرية البيض .

وفي شيكاجو عمل موظفا في تنظيم وتعبئة المجتمعات المحلية براتب متواضع وقدره عشرة آلاف دولار سنويا , وكان يستعمل سيارة هوندا صغيرة في تنقلاته . وكان في تلك الفترة يحمل أفكارا مثالية ورغبة بلا حدود لخدمة الفقراء , وكان يحاول أن يحرك طموحاتهم للخروج من الفقر في ذات الوقت الذي يحرك طموحاته بلا حدود , وكان وعيه حادا جدا بتلك المسألة , مسألة النهوض والصعود وتحقيق الأحلام , وظن أنه يمكن أن يصبح كاتبا ليحرك الناس إلى أعلى وإلى الأمام فكتب بعض القصص القصيرة والتي يصور فيها بدقة - حسب وصف بعض أصدقائه – مشاعر البسطاء من الناس , وفي وقت لاحق كتب كتابين عن تجربته الشخصية في حلم الصعود بعنوان : "أحلام من أبي" و "جرأة الأمل" . وتعلم أوباما في هذه الفترة أن يصغي إلى الآخرين جيدا وأن يسابق الزمن في التعلم , كما كان مهموما بالتغيير الإجتماعي , وأصبح في هذه المرحلة ناشطا اجتماعيا .

لم يكتف أوباما برؤية المجتمع المحلي في شيكاجو أو حتى في أمريكا وحدها , لذلك سافر إلى أوروبا عام 1988 م حيث أمضى ثلاثة أسابيع هناك , ثم ذهب إلى بلد أبيه كينيا يبحث عن جذوره الإفريقية وسعد كثيرا بلقاء بعض أقاربه والتعرف على قبيلته وتأثر بجدته لأبيه وأخته , وحاول أن يمد لهم يد العون لمساعدتهم على النهوض من خلال مساعدات مادية ومعنوية .

وفي عام 1988 م التحق بمدرسة هارفارد للقانون وتخرج منها عام 1991 م وكان أول أسود يترأس تحرير مجلة هارفارد للقانون , وهي مجلة تحظى بسمعة علمية رفيعة .

وعاد مرة أخرى إلى شيكاجو عام 1995 م ليصدر كتابه المذكور آنفا "أحلام أبي" , ثم لفت نظره ضعف تأثير الأمريكيين الأفارقة في الإنتخابات وبالتالي ضعف الإهتمام بهم , لذلك شارك في حملة لتسجيل الأمريكيين الأفارقة في لوائح الإنتخابات , وعمل في شركة استشارات قانونية وكان متخصصا في قضايا التمييز العنصري , ومهتما بالدفاع عن البسطاء من الناس الذين يتورطون في مشكلات قانونية , كما عمل بتدريس القانون في جامعة شيكاجو حتى عام 2004 م .

تم انتخابه سيناتور في الكونجرس عام 2004 م وذاع صيته ولمع نجمه , وكان المتحدث الرئيسي في مؤتمر الحزب الديموقراطي في بوسطن في يوليو 2004 م , وفي هذا الخطاب دعا الأمريكيين إلى تحقيق وحدتهم عبر التنوع الثقافي والعرقي والديني , وقال في ذلك الخطاب جملته المهمة والشهيرة والتي شكلت بعد ذلك فلسفته في الحياة : "لا يوجد ليبراليون أمريكيون أو محافظون أمريكيون بل توجد الولايات المتحدة الأمريكية" .

وفي عام 2007 م أعلن ترشيح نفسه للإنتخابات الرئاسية , وكان شعاره "التغيير الذي يمكننا أن نؤمن به" , واستطاع أن يجمع خلال حملة التبرعات مبلغا هائلا بلغ 265 مليون دولار , وهذا المبلغ لم يسبق أن جمعه مرشح خلال الإنتخابات التمهيدية , وكان الملفت للنظر أن المتبرعين (وعددهم مليون ونصف ) ينتمون إلى طبقة البسطاء ومحدودي الدخل .

التوازن الإنفعالي :

يتمتع أوباما بدرجة عالية من التوازن الإنفعالي , فهو هادئ دائما شديد التركيز , يعرف متى يتكلم ومتي ينصت , ومتى يبتسم ومتى يظهر عدم رضاه . وقد كان هذا واضحا إبان حملته الإنتخابية حين حاول منافسه "ماكين" أن يستفزه بالتشكيك في خبراته السياسية والطعن في سيرته الذاتية , ولكن أوباما احتفظ بهدوئه ولم يستدرك إلى هذه المهاترات الشخصية فكسب بذلك تعاطف الجماهير . وهو بعيد تماما عن المبالغة في الإنفعالات حتى في أشد المواقف سخونة , بل يستطيع التعبير عن مشاعره الدافئة بمقدار مناسب تماما للموقف . وعلى الرغم من أصوله الإفريقية التي تمنحه مشاعر فيّاضة وأحيانا جارفة إلا أن صفة الحذر فيه تجعله يسيطر على تلك المشاعر ويجهها توجيها مناسبا . ولديه حب للآخرين خاصة البسطاء والمهمشين , وهذا لا يجعله يصل إلى درجة الصراع مع الأغنياء والطبقة العليا بل هو يحاول أن يوفق بين هؤلاء وهؤلاء , ولديه طاقة هائلة للحب والتعاطف الإنسانيين .

 

 

التركيبة الدينية :

يقال بأن أبوه ينحدر من عائلة كينية مسلمة وهذا يتضح من الأسماء الإسلامية في أفراد العائلة , ويقال أحيانا بأن أبوه اعتنق الإسلام في فترة من حياته , والمهم هنا أن ثمة جذور إسلامية تمتد إليه من ناحية أبوه بصرف النظر عن قوة هذه الجذور . وأمه السيدة "ستانلي آن دونهام" المسيحية الأمريكية البيضاء والتي لعبت الدور الأهم في تربيته , وتستحق الإعجاب والإحترام على تنشئتها لهذا الشاب الطموح الصاعد . ثم إنه عاش في إندونيسيا لسنوات من طفولته المبكرة وإندونيسيا بلد أغلبيته الساحقة من المسلمين , وهذا يجعله قريبا من الثقافة الإسلامية ومن الطقوس اليومية لحياة المسلمين على الرغم من أن زوج أمه على الأرجح كان مسيحيا . ثم يعيش بعد ذلك مراهقته وشبابه في المجتمع الأمريكي ذو التركيبة التعددية دينيا وعرقيا وسياسيا .

ويبدو أن هذه التكريبة تخلق لديه نوعا من التسامح الديني وقبول التعددية وقبول الآخر , خاصة وأنه عاش في أمريكا ضمن الأقلية السود , وعاش في إندونيسيا ضمن الأقلية غير المسلمين , ودائما يتوق المنتمين للأقليات إلى مسألة القبول من الآخر , وبالتالي ينشرون مبادئ القبول تلك ويتمسكون بها عسى أن تنقذهم من مشاعر الرفض أو التمييز المحتملة . وقد اتضح هذا في خطابه الذي تضمن آيات من القرآن والإنجيل والتلمود , وحاول مخاطبة المسلمين والمسيحيين واليهود بخطاب حاول هو أن يكون متوازنا فنجح في ذلك أحيانا وفشل في أحيان أخرى .

ولا يبدو من متابعة سيرته الذاتية أن لديه ميولا دينية قوية أو متطرفة , فالأمر لديه علاقة روحية بالله تأخذ أشكالا مختلفة ولا تستدعي الصراع مع الآخر المختلف عقائديا .

وهذه التركيبة الدينية تؤهله لتركيبة إنسانية حيث يستطيع قبول الآخر على مستويات أخرى عرقية أو سياسية أو غيرها , ولهذا جاء خطابه موجها إلى الإنسانية وحلما بعالم متكامل ومتعاون ومتسامح ونابذ للعنف .

الرؤية الإنسانية :

وتأتي روافدها من أمه التي تقرر أن تتزوج من إفريقي أسود جاء إلى أمريكا طالبا العلم , وقد تحدت في ذلك الوقت كل تابوهات وتقاليد وأعراف المجتمع الأمريكي العنصري والذي كان ينظر إلى السود على أنهم في مرتبة الحيوانات القذرة في ذلك الوقت , وحين تفشل زيجتها الأولى بسبب هجران زوجها وعودته إلى كينيا بلده الأصلي , تتزوج مرة ثانية من شخص إندونيسي وتذهب لتعيش معه في بلده عدة سنوات وفي مجتمع يختلف كثيرا عن المجتمع الأمريكي الذي عاشت فيه . وحين عادت إلى أمريكا هي وأسرتها , كانت تعمل في مؤسسة فورد الخيرية وهي مؤسسة غير ربحية وكانت تقضي الوقت موزعا بين اهتمامها بأسرتها واهتمامها بعملها والذي كان يتلخص  في دراسة مشكلات الناس وإيجاد فرص عمل لهم وإنشاء مشروعات صغيرة للمحتاجين , وعملت أيضا موظفة برامج لشئون المرأة بنفس المؤسسة . وفي ذات الوقت كانت تعد لرسالة الدكتوراه , ولكن الموت لم يمهلها حتى تتمها حيث أصيبت بسرطان المبيض ووافتها المنية عام 1995م, ولم تر نجاح ابنها الذي ساهمت فيه بالنصيب الأكبر .

وقد تركه أبوه مع أمه بعد ولادته بعامين وتزوجت الأم من شخص إندونيسي عامل الإبن معاملة طيبة وترك آثارا طيبة في نفسه , وحمله إلى عالم آخر في آسيا ليرى أجناسا من البشر لم يعهدهم في موطنه الأصلي . وتعداد إندونيسيا حوالي 240 مليون نسمة , فهي الرابعة من حيث العدد بعد الصين والهند والولايات المتحدة , وبها أكثر من سبعمائة مجموعة عرقية يتكلمون أكثر من 742 لغة , وتسعون بالمائة من الإندونيسيين مسلمين . هذا الكلام ذكره أوباما بنفسه في كتابه "جرأة الأمل" صفحة 320 و321 مما يعني وعيه الحاد والدقيق به وتأثره بهذه البيئة التي قضى فيها فترة غاية في الأهمية من حياته المبكرة .  

وفي مراهقته ساورته الرغبة – كما ذكرنا - في التواصل مع جذوره في إفريقيا فذهب إلى كينيا وتعرف على عائلته وسعد برؤية أخته وجدته بشكل خاص , وحاول تقديم المساعدات لقريته في كينيا بقدر ما يستطيع في ذلك الوقت .

وحين أصبح في سن الشباب كانت تراوده الرغبة في القيام بأعمال خيرية إنسانية فاجتذبه السود ليشاركهم في النهوض بمجتمعاتهم التي يسودها الفقر والجهل والمرض والجريمة , ولكنه لاحظ أن لدى السود كراهية وعنصرية مقابلة لعنصرية البيض فكره ذلك وحاول ان يعمل بشكل متوازن بعيدا عن الإستقطابات العرقية .

 

ماذا بعد :

عزيزي القارئ أرجو أن تعيد الإستماع مرة أخرى لخطاب باراك أوباما بناءا على ما توافر لديك من معلومات حول نشأته وشخصيته , وأن تتابع هذه الشخصية الآسرة في حركتها للصعود , وأن تحذر احتمالات السقوط والإنكسار , وتحذر مخاطر الإنبهار , ولا تنسى الحكمة الخالدة "ما حك جلدك مثل ظفرك فتولى جميع أمرك" , فلم ترتق أمة في التاريخ بالخطب والوعود وإنما ارتقت بالفكر السليم والعمل المتقن والصالح وتذكر قول الله تعالى : "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا , إن أكرمكم عند الله أتقاكم"

 

دكتور / محمد المهدي

 

أعلى الصفحة


تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

 للاطلاع على الردود اضعط هنا

 

 

المشرف على الواحة

 د.محمود أبو العزائم

مستشار الطب النفسي

 
الصفحة الرئيسية

مستشفى ابو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الادمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

البحث
مشاكل القراء
الرد على أسئلة القراء

 

مستشفيات

د.جمال أبو العزائم

 للطب النفسي

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية