الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأة والطب النفسى

 



مواقع مفيدة



احوال الطقس
اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



 

 
 

الأثر النفسي للصلاة على سلوك المصلي

من إعــداد:
رضى الحمراني
أخصائي في علم النفس الإكلنيكي المغرب


إن الصلاة في الاصطلاح هي صلة الوصل بين العبد الصالح و ربه سبحانه و تعالى، أما لغة فتعني التليين و التقويم فصلَّى الحدّاد الحديد لَيَّنَهُ و قَوَّمَهُ و صلَّى المصلي أي أنه أوصل روحه بخالقها الذي يُغْدِقُ عليها بنفحات الرحمة، فتصبح نفساً لينة بذكر الله قويمة لتفاعلها بكلامه سبحانه الذي يجعل من المسلم شخصاً يَأْلَفُ نفسه و يتوافق معها و يُؤلَف من طرف الأشخاص المحيطين به و ينسجم معهم.
أما الخشوع في الصلاة فيعني في اللغة السكون و هو ضد الحركة، أما اصطلاحاً فهو حالة من السكينة و الطمئنينة تنتشر في نفس المؤمن، لاستئناسها بما تتفاعل به داخل الصلاة من آيات و أذكار و أدعية، لذلك مدح الله جل علاه الخاشعين في صلاتهم فقال: « قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون» (المؤمنون:1-2)، و رغم أن الخشوع هو حالة نفسية داخلية إلا أنه يظهر على وجه الإنسان، و الوجه هو مجمع الحسن و هو أشرف مكان في جسد الإنسان و الدليل قوله تعالى : « وجوه يومئذ خاشعة» (الغاشية:2) أي خاضعة لربها في الصلاة و خافضة ناصيتها له حياء منه سبحانه، فينعكس هذا الخشوع نوراً و ضياءاً على وجه المسلم قال جل علاه « أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين» (الزمر:22).
إن العكس في هذه الحالة صحيح، فإذا كثرت الذنوب و تُرِكت الصلاة و اشتدت الغفلة في القلب و قوي الميل إلى الشيطان فيظهر كل ذلك على شكل ظلمة و سواد يعلوا وجه الإنسان، و كما مدح القرآن الخاشعين في صلاتهم فقد دَمَّ و انتقد الغافلين عنها في في نفس الآية حيث قال : «فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين».
1. تاريخ تشريع الصلاة
إن الصلاة كانت عبادة الأنبياء فقد أقاموها و أمروا الناس بإقامتها، فلما جاء الإسلام أخذت فيه أكمل صورة، فلم تعد مجرد ابتهالات و أذكار و أدعية فحسب، بل أصبحت ذكراً و دعاءاً و قياماً و ركوعاً و سجوداً، و تناسقت أقوالها و أفعالها بشكل تتحقق به عبودية الجسد و العقل و القلب، كما صارت للصلاة شروطاً و أركاناً و أوقاتاً و مساجد و آذان و إقامة و جماعة و غير ذلك كثير.
لقد شرع الله عز و جل الصلاة للمسلمين قبل الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة بثلاث سنوات في ليلة الاسراء و المعراج رغم الخلاف في سَنَتِها، فكانت الصلاة هي الفريضة الوحيدة التي شُرعت في السماء و هذا دليل على عظمتها، و كانت هدِّية الله تعالى لأمة محمد صلّى الله عليه و سلّم و منذ اللحظة الأولى التي أمره الله بها و هو يحافظ عليها و يأمر المسلمين بالحفاظ عليها حتى كانت آخر وصاياه قبل أن يفارق الدنيا، فعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم و هو في الموت جعل يقول : (الصلاة وما ملكت أيمانكم، فجعل يقولها وما يفيض بها لسانه) أي أنه كرّر ذلك مراراً، أخرجه النسائي وابن ماجه.
و كيف لا يحرص عليها صلّى الله عليه و سلّم كل هذا الحرص، و هي الركن الثاني من أركان الإسلام العملية بعد الشهادتين و هي الأساس الذي يقوم عليه هذا الدين، فعن معاذ بن جبل {أن رسول الله صلّى عليه و سلّم } قال : (.. رأس الأمر الاسلام و عموده الصلاة و ذروة سنامه الجهاد..) رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح، فالإسلام كالخيمة و الصلاة كالعمود الذي على أساسه تقف تلك الخيمة شامخة فوق الأرض.

2. الحكمة في تحديد أوقات الصلاة
إن الصلاة هي منجم غني بالفوائد النفسية و من أهمها نذكر على سبيل المثال لا الحصر أنها موزعة في أوقات اليوم المختلفة، فهي لا تُؤدى مجتمعة في وقت واحد و السر في ذلك هو حث المسلم على مدوامة لقاء ربه عدة مرات في اليوم، بالليل و النهار في الصباح و المساء، ليتجدد إيمانه و تنشط نفسه من خلال الإقبال على لقاء خالقها، فترتفع بذلك همة العبد الصالح لطلب المعالي و يبتعد بالمقابل عن الفتور و الكسل في عباداته و معاملاته.
تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه في كل يوم من الأيام هناك أوقات من الواجب أو من المستحب أن تُؤَدَّى فيها الصلاة كوقت الظهر أو ما بين الظهر و العصر، و هناك أوقات أخرى يَحرُم أو يُكره فيها الصلاة كوقت شروق الشمس و عند غروبها، و السر في ذلك أن الله تعالى شرع الأوقات المفروضة و المستحبة للصلاة حتى يجتهد العبد الصالح في العمل على التقرب من خالقه ليشعر بالتالي بالرضى عن ذاته التَقِية النقية، أما الأوقات المحرمة و المكروهة فقد جعلها الله فرصة ليستريح العبد من آداء العبادة، حتى تنشط نفسه و تشتاق مجدداً لربط صلة الوصل مع الله جل علاه، أما مواصلة العبادة دون راحة فيصيب النفس البشرية بالملل و السآمة و هذا شعور غير مطلوب في ديننا، بل إن التوازن النفسي في شخصية المسلم يتحقق بالمزاوجة بين ثنائية العمل و الراحة التي تجعل منه إنساناً وسطياً غير مُفْرط في الصلاة و لا مُفرِّط في الراحة و العكس صحيح.
حين يبدأ المصلي في أداء الصلاة وحتى اللحظة التي ينتهي فيها فإنه لا يمارس أي نشاط آخر بالموازاة معها كإشباع شهوة البطن من أكل و شرب، أو تجاذب أطراف الحديث مع الأشخاص القريبين منه، و هذه الصفة هي من مظاهر القوة في شخصية المسلم التي تَميَّز بها حبيبنا محمد صلّى الله عليه و سلّم، فحين يبدأ في ممارسة عمل معين يركز انتباهه فيه و ينشغل به كلية و لا يتركه لغيره حتى ينهيه، و بهذه الطريقة يكون الإنسان فعَّالاً و يشعر بالإحساس بالانجاز و هذا الشعور يعد من أهم ركائز الثقة بالنفس و تقدير الذات، و العكس صحيح إذا أقبل الإنسان على فعل عدة أشياء في نفس الوقت فإن انتباهه يتشتت و قوّته تتجزأ و يمضي الوقت و لا يكمل أي عمل من الأعمال التي شرع في انجازها، فيشعر بعدم فاعليته وضعف إنتاجه و ينتابه الإحساس بالدونية و احتقار الذات.
إن من مظاهر الروعة في هذه العبادة المباركة، أن الله سبحانه أمر عباده بالتطهير الظاهري للجسد و الثوب و المكان قبل أداءها و حبّب هذا العمل إلى قلوبهم حين مدح المتطهرين فقال : « إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين» (البقرة :222)، كما جعل من آدابها التَجَمُّلَ و التَزَيُّنَ عند أدائها حين قال : « يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد» (الأعراف :31)، و بما أن الصلوات الخمس تتوزع في مختلف ساعات اليوم فإن هذه الطهارة و تلك الزينة لا تفارق المسلم لا في ليله و لا في نهاره.

 


3. أوضاع الصلاة و دلالاتها
إن العبد الصالح و الفالح حين يريد أن يصلي فأول هيئة يبدأ بها هي القيام بين يدي الله تعالى، أي أنه لا يعبد الله و هو جالس بل يبدأ بالوقوف و هي وضعية تدل على تقديره و إجلاله لمن يقف أمامه، ففي المدرسة مثلاً و لله المثل الأعلى يقف الأستاذ و التلاميذ إذا دخل عليهم أحد ضيوف المؤسسة، تعبيراً منهم عن تقديرهم و احترامهم للشخص الزائر، و من تم فالقيام و الوقوف في الصلاة دليل على إجلال رب العالمين و استشعار من العبد الصالح لعظمة معبوده و هو الله جل علاه.
بعد مناجاته لربه عبر قراءة سورة الفاتحة و سورة بعدها، ينتقل المصلي من وضعية القيام إلى وضعية الركوع التي يزداد بها قرباً من الله تعالى، لأن الركوع أعظم من القيام في إظهار التذلل إلى الله جل علاه، ثم يزداد العبد الصالح إلحاحاً في طلب رضى ربه فَيَخِرُّ ساجداً، و السجود هو قمة القرب من الله سبحانه و الدليل قوله تعالى : «كلا لا تطعه و اسجد و اقترب» (العلق : 19)، و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قال : ( أقرب ما يكون العبد من ربه و هو ساجد فأكثروا الدعاء) رواه مسلم، و عن أنس بن مالك أن النبي صلّى الله عليه و سلّم قال ( حبب إلي النساء و الطيب و جُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة) رواه النسائي، و قرة العين هي قمة القرب من الله تعالى.
إن هذه الأوضاع الثلاثة القيام، الركوع و السجود هي حالات محمودة حين يمارسها الإنسان في الصلاة كعمل من أعمال الخير، أما فيما يخص أقبح الأوضاع في أعمال الشر كوقوع ابن آدم في حالة الغضب فجلوسه خير من قيامه و اضطجاعه خير من جلوسه لأن الواقف متأهب للبطش بمن أغضبه و الجالس أقل استعداداً للهجوم من القائم و المضطجع أبعد منهما معاً من مغبة السقوط في السلوكات العدوانية و التصرفات العنيفة التي لا يُحْمَدُ عُقْبَاهَا.

4. روائع الفوائد في الفرائض و النوافل
إن الصلاة تنقسم إلى فرائض و نوافل، و المسلم الذي يصلي النوافل لا يجد صعوبة في ضبط الفرائض لأن من يستزيد في الخير يضمن الثبات عليه بتوفيق من الله، و العكس صحيح فمن يكتفي بالفرائض فقد يصل به الحال إلى تضييعها و قد ينقطع بشكل كلي عن أداءها، أضف إلى ذلك أن أداء النوافل يَجْبُرُ ما قد يعتري الفرائض من أخطاء أو سهو أو نسيان فالنوافل تُرَمِّمُ ثغرات الفرائض.
إن الصلوات المفروضة و المسنونة تُؤَدَى بشكل سري أثناء النهار و بشكل جهري خلال الليل، و الحكمة في ذلك أن تلاوة القرآن و الأذكار و الأدعية بصمت في الصلوات السرية يتطلب مجهوداً ذهنياً كبيراً للمحافظة على التركيز و الانتباه، لأن الصلاة تتزامن مع أوقات النشاط و العطاء و العمل، فأداء هذه العبادة بشكل سري يَشُدُّ الذهن لكي لا يصاب بالسهو و الشرود و التفكير في مشاغل الدنيا و أغراضها الزائلة. أما الصلاة الجهرية فهي تنسجم مع أوقات الليل الذي يغلب على الانسان فيه الشعور بالعياء و الارهاق بعد نهار طويل من العمل الشاق، لذلك يتم الاستعانة بالتلاوة الجهرية المُجوَّدة التي تُحَفِّزُ المسلم على الإحسان في آداء صلاته.
إن الصلاة المفروضة تؤدَّى إما بشكل فردي أو بشكل جماعي و الصلاة الجماعية أعظم عند الله من الصلاة الفردية، و الاسلام يدعو إلى الجماعة و يحث عليها في قول الله عز و جل : «و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا » (آل عمران : 103) و الذهن يركز أكثر و النفس تخشع بشكل أفضل إذا كانت الصلاة في حضرة الناس، فاجتماع المسلمين يثير الإحساس بالهيبة و العظمة في نفسية الفرد.
إن الإنسان محفوف على الدوام بعناية إلهية خاصة، فهو يولد في جماعة و يعيش في جماعة، و يصلي طول حياته في جماعة، و يُصَلَّى عليه بعد وفاته في جماعة و يُشَيَّعُ إلى قبره في جماعة، و يُدْفَنُ وسط جماعة من الأموات، و يُحْشَرُ إلى ربه في جماعة، فنرجو من الله تعالى أن يعيننا على الاكثار من حمده سبحانه على نعمة الجماعة بألسنتنا و أفعالنا و ذلك بالحرص على التمسك بروح الجماعة في كل عباداتنا و معاملاتنا، خصوصاً في الصلاة تطبيقاً لقوله تعالى : «و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا».
و رحيق الحكم في معرض الحديث عن روائع الفوائد النفسية للصلاة، أن الإنسان حين يولد يُؤَذَّنُ في أذنه اليمنى و تُقامُ الصلاة في أُذُنِهِ اليسرى، و لا يُصَلَّى عليه إلا بعد أن يكبر و يهديه الله عز و جل لطريق الخير و يتقبل قلبه هذا العطاء الإلهي، فتجده يصلي ما كتب الله أن يصل من فرائض و نوافل في سنوات حياته في المسجد خلف الإمام و خلف بعض المصلين، و بعد وفاته تقام عليه صلاة الجنازة بدون آذان و لا إقامة اللتين سبق أدائهما عند ولادته، فالآذان و الإقامة في أذنيه هما مقدمة حياته و صلاة الجنازة عليه هي خاتمة عمره، فما أجملها من مقدمة و ما أروعها من خاتمة، فمن أشرقت بدايته في الدنيا بذكر الله تعالى حَسُنَتْ نهايته بتكريم خالقه له من خلال صلاة الجنازة، التي تعد من المبشرات بدخوله إلى جنات خالدات، حين يخاطبه ربه الكريم قائلاً : « يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي » (الفجر27-30).
 


5. أثر الخشوع على سلوك المصلي
إن الإنسان إذا قَرَّت عينه بشيء و ارتاح إليه قلبه يكون من الصعب عليه مفارقته، و نحن المسلمون المنتمون للقرن الخامس عشر الهجري يشعر أغلبنا بعكس هذا الاحساس في علاقتنا بالصلاة، حيث نجدها ثقيلة على نفوسنا فصرنا ننتقص منها كمّاً و كيفاً، حيث ترانا نقلل من النوافل و نسرع في أداء الفرائض و ينعكس ذلك بشكل سلبي على سلوكنا و معاملاتنا اليومية، حيث يطغى على تصرافتنا التوتر و القلق و التذمر و الغضب لأتفه الأسباب.
إننا ينبغي أن نتأمل في هذا الأمر و نتساءل لماذا كان النبي صلّى الله عليه و سلّم و صحابته و سلف الأمة الصالح يُكثرون من الصلوات و يطيلون فيها ؟ في حين أننا نحن الذين توارثناها عنهم خَلَفاً عن سلف تجدنا نصلي لكن صلاتنا هي عبارة عن حركات ميتة لا خشوع فيها، لذلك من الطبيعي أن نستثقلها و نشعر بالملل و السآمة من كثرة تكرارها. إن النتيجة المنطقية لإهمالنا لعلاقتنا بربنا أنه لا صلاتنا تتحسن و لا ضميرنا يرتاح و لا سلوكنا يتهذب.
فمن أراد أن تكون صلاته فعالة في مَحْوِ سيئاته و سبباً في زيادة حسانته و قادرة على إحداث تغيير حقيقي في سلوكه من الأسوء إلى الأحسن، فليؤدها بتأني و إتقان في ظاهرها عبر خشوع الجسد و في باطنها من خلال خشوع القلب. و من الأشياء التي تعين المسلم على الخشوع داخل الصلاة هي الاجتهاد في التركيز و الانتباه أثناء تلاوة الآيات القرآنية و ترديد الأذكار و الأدعية، مستمداً في تفعيل هذا المجهود الذهني على السنة النبوية حيث كان رسول الله صلّى الله عليه و سلّم ينهى على رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة، فعن أبي ذر الغفاري قال : قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم : (لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه) رواه أحمد و أبو داوود.
لقد كان عليه الصلاة و السلام يُركِّزُ نظره إلى موقع السجود أثناء صلاته، إن هذا السلوك النبوي الحكيم يساعد على اجتماع الذهن و تركيزه فيما يتم قراءته من آيات و أذكار و أدعية خلال الصلاة. إن الذهن بطبيعته التكوينية يجتمع تركيزه إذا صَوَّبَ انتباهه إلى هدف محدد أو نقطة معينة لا يحيد عنها إلى غيرها حتى يحقق ما يصبوا إليه، و العكس صحيح إذا كان بصر الانسان ينتقل من شيء لآخر عند قيامه بمهمة معينة أو عند اشتغاله بعمل محدد، فإن انتباه المصلي يتشتت فتفقد الصلاة قوة تأثيرها في شخصية الإنسان لذلك ذَمَّ الله تعالى المتهاونين في الصلاة و اعتبر التكاسل من علامات النفاق في قوله جل علاه : « إن المنافقين يخادعون الله و هو خادعهم و إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس و لا يذكرون الله إلا قليلاً » (النساء : 142).
إن المسلم الذي يتفاعل بعقله و قلبه مع الصلاة فإنه يتربى من خلالها على اكتساب أخلاق الخير و يبتعد عن خصال الشر، لذلك فالذي يصلي لا يخلو من خير، فلابد أن تكون محافظته على صلاته سبباً في تداركه لما ينقصه في دينه، لأن الصلاة تورِّثه الصدق و الأمانة و الحياء...، و هذه الأخلاق الفاضلة تعينه على الابتعاد عن عاداته السيئة و الاقلاع عنها من غضب و شرب خمر و قطيعة رحم ...إلخ، قال الله عز و جل : « اتل ما أوحي إليك من الكتاب و أقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و لذكر الله أكبر و الله يعلم ما تصنعون» (العنكبوت:45).
إن العبد المصلح لنفسه حين يفلح في ترك هذه المعاصي تتفرغ نفسه للطاعات، و تشتغل بما يفيدها و ينفعها من أعمال البر سواء منها الدينية أو الدنيوية، ليتدرج شيء فشيء في تسلق مراتب الصلاح فينتقل من مرتبة الاسلام و تتجلى في ممارسة الطاعات المفروضة من صلاة و صيام و زكاة و حج، إلى مرتبة الايمان التي تتميز بالتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، تم يرتقي بعد ذلك إلى مرتبة الاحسان و هي الزهد في طلب فضول المباحات ككثرة الأكل و تعدد المراكب الفخمة و ابتغاء المنازل الفاخرة و يكتفي منها بالضروريات دون الكماليات، لأن بَالُهُ يكون مرتبط بأمور الآخرة أكثر من انشغاله بأمور الدنيا.
إن أجمل ما نلخص به الحديث في محور تأثير الخشوع في الصلاة على سلوك المصلي، أن المسلم لا يستطيع بمفرده التخلص من صفاته القبيحة و لا يمكنه التغلب لوحده على دوافع الشر بداخله، فكم من مسلم تارك للصلاة تدعوه للتصالح مع الله جل علاه عبر أداءها لكنه يرفض بحجة أنه لن يصلي حتى يترك أولاً و قبل كل شيء عاداته السيئة، لكي لا يشعر بالتناقض الروحي مع نفسه لكونه يجترح المعاصي و في نفس الوقت يصلي، فهو بذلك يعتقد بأنه منافق يخلط عملاً صالحاً بآخر سيء، و هذا هو تلبيس إبليس.
إن المسلم لا يستطيع إصلاح ذاته إلا باعتماده على التواصل مع خالقه، الذي يمُدُّه بالقوة الربانية العظيمة التي تساعده على التغلب على نفسه الأمارة بالسوء، فمن اجتهد في إصلاح ذاته بمساعدة ربه فهو ناجح و من اعتمد على قدراته الشخصية المحدودة في عملية التهذيب النفسي لسلوكاته و تصرفاته فهو مغلوب و غير موفق من البداية.
خاتمة
إن قلوب المسلمين في علاقهم بالصلاة تنقسم إلى ثلاثة أنواع، قلب حَيٌّ سليم و قلب مضطرب مريض و قلب مظلم مَيِّتٌ، فالأول قلب المؤمن الذي يحافظ على صلاته و يتقن وضوءها و حركاتها الظاهرية و يملأ باطنها بالخشوع و التفاعل الجسمي و الذهني و العاطفي مع آياتها و أذكارها و أدعيتها، أما القلب المضطرب المريض الذي يحتاج للعلاج فهو قلب المصلي الذي يُقبل على الصلاة ونفسه كسلانة و مُكْرَهَةٌ على أداءها و عقله شارد و غافل عمّا يقول لسانه أثناء القيام و الركوع و السجود، و روحه قاسية كالحجرة الصماء لا تستشعر رقة النفحات الايمانية في علاقتها التواصلية المباشرة مع ربها. أما القلب المظلم الميت فهو قلب تارك الصلاة، الذي يعتقد بأنه حَيٌّ يُرزق يأكل و يشرب و يدرس و يعمل...إلخ، لكنه في الحقيقة أعمى البصر و مَيِّتُ القلب لأنه يعيش في ظلمات بعضها فوق بعض، قال الله تعالى : « فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور » (الحج:46).
إن دواء هذه القلوب المريضة نجده في صلاة النبي صلّى الله عليه و سلّم، صلاة تعتبر في شريعة الإسلام هي الأصل الذي يقتدي به كل من أكرمه الله تعالى باعتناق هذا الدين العظيم، و صلاة صحابته الكرام هي نسخة طبق الأصل من صلاة النبي، و نرجو من الله تعالى نحن التابعين لهم أن تكون صلاتنا في ظاهرها و خصوصاً في باطنها قريبة من الأصل و من النسخة طبق الأصل.

 


ومسك الختام في الحديث عن روائع الفوائد النفسية للصلاة الربانية أنك يا أيها العبد الصالح و يا أيتها الأَمَةُ الفالحة، حتى إن فتح الله عليكما أبواب رحمته و بلغتما أعلى مراتب الخشوع و التقرب إلى الله تعالى في الصلاة، فاعلموا علم اليقين أنكم مع ذلك فقراء إليه سبحانه، فلا تطمعوا في أعمالكم لأنها لا تغنيكم عن الله شيء و لن تبلِّغكم الجنة، بل صَلِّ و صُمْ و تزكى ... و ازهد في النهاية في كل ذلك، و اجعل طمعك دائماً منصباً على أن يشملك الله برضاه و رحمته فقد رُوِيَ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ. قَالُوا: وَ لَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَ لَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَ رَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَ قَارِبُوا وَ لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَ إِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) أخرجه البخاري.
المراجع :
1- إسماعيل بن عمر بن كثير، تفسير القرآن الكريم ، (ت 774 هـ)، طبعة دارالشعب، تحقيق عبد العزيز غنيم - محمد احمد عاشور - محمد ابراهيم البنا،1392 هـ / 1971 م.
2- جمال الدين ابن منظور، لسان العرب، دار لسان العرب، بيروت – لبنان، 1390 هجرية / 1970 ميلادية.
3 - د. محمد عز الدين توفيق، الخشوع في الصلاة، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الخامسة، الدر البيضاء - المغرب، 1415 هجرية/ 1995 ميلادية.
4- د. محمد عز الدين توفيق، التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية، دار السلام، الطبعة الأولى، القاهرة - مصر، 1418 هجرية/ 1998 ميلادية.


أعلى الصفحة

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

 للاطلاع على الاجابات الاخرى اضعط هنا

 

 

المشرف على الواحة

 د.محمود أبو العزائم

مستشار الطب النفسي

 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

البحث
مشاكل القراء
الرد على أسئلة القراء

 

مستشفيات

د.جمال أبو العزائم

 للطب النفسي

 

 

دليل المواقع النفسية العربية