الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى



مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
تحويل العملات
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



مجلةالنفس             المطمئنة               

 

مجلة النفس المطمئنة

العدد 64- اكتوبر *2000


علاقة الطبيب بالمريض

د. محمود جمال ماضي أبو العزائم

رئيس التحرير

علاقة الطبيب بالمريض هي علاقة إنسانية من الدرجة الأولى .. وهي علاقة مهنية كذلك يحكمها الكثير من العوامل الإنسانية وكان يطلق في الماضي على الطبيب لفظ(الحكيم) لما يمثل ذلك من معاني الاحترام والتبجيل والإجلال لعمل الطبيب حيث أن الطب مهنة إنسانية تستدعى ان يتخلق الطبيب بأخلاق الرفيعة السامية وأن ينظر الى وظيفته نظرة إنسانية قبل أن تكون نظرة مهنية محترفة ...لذلك فأن من ينجح في هذه المهنة نجد أنه يتمتع دائما بالأخلاق الرفيعة أولا قبل ان يكون نابغا من الناحية العلمية .. وفي الطب النفسي فان هذه النظرة من المجتمع الى الطبيب النفسي تكون أوضح ويكون الطبيب دائما تحت المجهر .. وإذا نجح في عمله فانه قد يصل الى أن يكون أحد نجوم المجتمع ودائما يطالب بإعطاء رأيه في الكثير من أمور المجتمع ودائما يطالب بإعطاء رأيه في الكثير من أمور المجتمع .. ويكون لهذا الرأي وزن عند اتخاذ أي قرار في الموضوعات الخاصة بالأمور الإنسانية والاجتماعية التي تمس الشباب والمرأة وعند حضور الأسرة لعيادة الطبيب النفسي فانهم ينظرون أليه نظرة خاصة .. قد تصل الى درجة الإكبار وقد يأخذ المرضى وأسرهم الرأي من الطبيب النفسي في الكثير من شئون الحياة الخاصة بهم فمثلا قد يستشيرونه في مواضيع الزواج والطلاق ..أو في مواضيع اختيار الرغبات في دخول الجامعة أو المدارس وكذلك قد يتم استشارة الطبيب في نوع العمل الذي يختاره الانسان وهل يصلح هذا العمل أم يكون صعب على الانسان ؟ وأحيانا أخرى يقوم المريض بالاستفسار عن بعض الأمور الدينية من الطبيب النفسي ويمعنى أشمل فان المرضى واسرهم ينظرون الى الطبيب على أنه ملم بجميع أمور الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية . ولذلك فان صورة الطبيب النفسي في ذهن الكثير من المرضى وأسرهم يكون مبالغ فيها خصوصا وأن الطبيب يتعامل مع المرضى وأسرهم من موقع قوة حيث أن الأسرة تحضر الى الطبيب وهي في حالة ضعف بسبب وجود مشاكل إنسانية تؤثر على كيان الأسرة وتعصف به ... وبذلك يوضع الطبيب النفسي في مرتبة الحكماء وأحيانا يأخذ صورة الأخ الأكبر أو حتى الوالد الذي يعطف ويحنو ويساعد ويحمى الصغار والصغار هنا هم المرضى في حالات الضعف الإنساني . وكثيرا ما يواجه الطبيب النفسي بعض الأزمات الإنسانية بسبب هذه النظرة من المرضى للطبيب وأحيانا يتعلق بعض المرضى بالطبيب لدرجة أنهم يعتقدون ان هذا الطبيب هو المنقذ أو حتى يأخذ صورة فارس الأحلام الذي تفكر بعض المريضات بأن خلاصها في الزواج منه ويحدث هذا الموقف في أثناء العلاج النفسي الفردي ويسمى هذا الموقف في التحليل النفسي "التحويل" ويجب ان يحذر المعالج حدوث هذا التحويل وهو أن يحول المريض الموقف الوجداني الى المعالج نفسه فيعتبره كأحد واليه ويصبح موضوعا للمناقضات الوجدانية من الحب والبغض فإذا كانت المريضة أنثى فقد تحب المعالج وتتعلق به وإذا كان المريض ذكرا فقد ينفر من المعالج ويستشعر له الكراهية ويميل الى معاداته ... وعند هذه النقطة من العلاقة يجب على الطبيب أن يدرك ويصحح الموقف بطريقة علمية ,ان يستخدم مع المرضى من هذا النوع بعض العلاجات النفسية المعرفية التحليلية حيث يشرح للمرضى الديناميات النفسية التي حادت بالعلاقة المهنية ما بين طبيب ومريض الى علاقة عاطفية . أما إذا فشل الطبيب في الرجوع بالعلاقة بينه وبين المريض الى العلاقة المهنية الطبيعية فان عليه عند تلك النقطة ان يطلب من المريض وأهله إنهاء هذه العلاقة ويطلب منهم مواصلة العلاج النفسي عند زميل آخر يتولى مواصلة البرنامج العلاجي .. على أن يكتب تقرير مفصل عن حالة المريض وأبعاد المشكلة وتسلسل العلاج الذي تم استخدامه حتى يستطيع الزميل الآخر ان يواصل البرنامج العلاجي من النقطة التي وصل أليها وليس من بداية العلاج . وفي دراسة قيمة للدكتور / محمد المهدي مستشار الطب النفسي عن صفات المعالج النفسي المسلم لخص هذه الصفات في النقاط التالي:-

1- المعالج النفسي هو العامل الأول في العملية العلاجية وعليه يقع عبء العلاج..

2- العلاج النفسي موهبة وقدرة تنمي بالدراسة والممارسة.

3- لابد وأن يتوفر في المعالج النفسي تكوينا نفسيا قويا ورؤية صحيحة ورغبة في الإصلاح وقدرة على صعوباته وروح قيادية مع قوة تأثير وفطنة عالية لاختيار احسن السبل للتغير ..

4- لا بد وان يكون ملما بقدر كاف بروح الاسلام وتعاليمه وتصوراته وأهدافه لتكون هذه هي مقاييس الصحة والمرض والعلامات الدالة على الطريق له وللمريض فلا يتوها بين الاتجاهات والفلسفات الغربية ..

5- ان يكون في هيئته وطريقة تفكيره ومشاعره وسلوكه قدوة للمحيطين به لأنه صورة يقتدي بها المريض وأن يكون دائم النشاط والنمو والتطور.

6- ان يؤمن بأن عمله رسالة هي استمرار لرسالة الأنبياء والمصلحين في إصلاح النفوس وهداية القلوب .

7- ان يكون واسع الصدر له القدرة على احتمال المتناقضات وعلى سماع الرأي الآخر ومناقشته دون تعصب منفر.

8- ان يكون قادرا على مصاحبة المريض والاهتمام به وكأنه أحد أخواته أو أبنائه الأعزاء عليه .

فهرس العدد 64


قضية شائكة تحتاج للمناقشة:

د.عمر شاهين

حصل الطبيب النفسي والمريض النفسي على نصيب وافر من السخرية والاستهزاء في أفلام السينمائية والتليفزيونية والمسرح وهو ما لم يحصل عليه أي مجال أو مهنة أخرى .. وهذا ليس جديدا حيث صورت الأفلام القديمة السراية الصفراء مكدسة بأنماط غريبة وشاذة من البشر يقومون بأفعال وتصرفات تثير السخرية والضحك يعتقدون في أشياء صماء لا تتحرك بأنها حيوانات أو بشر .. كما دأبت السينما على تصوير الطبيب النفسي في صورة مزرية يرتدي ملابس بل وقد يصل الأمر الى أصابته هو بالمرض النفسي .. بينما في المسرح لم ينصف الطبيب النفسي حيث تم تصويره بصورة غريبة يحمل حقيبة صغيرة لا يمسك بها سوى طفل في دور الحضانة ويظهر بطل المسرحية المحبوب وهو يسخر منه وينفذ فيه بعض المواقف الكوميدية التي تضحك الجمهور ... هذه الصورة المشوهة للطبيب النفسي والطب النفسي عموما جعلتنا نحاول مناقشة ذلك مع الأطباء المتخصصين لمعرفة كيفية إصلاحها وما هو السر في التحامل الشديد من السينما والمسرح والتليفزيون على الطبيب النفسي .

أغراض غريبة :

في البداية يقول الدكتور عمر شاهين أستاذ الطب النفسي بكلية طب القصر العيني ورئيس الجمعية العالمية الإسلامية للصحة النفسية ان القضية ليست الطبيب النفسي فقط ولكن الطب النفسي عموما حيث ينظر أليه نظرة غير سليمة وعدوانية من وسائل الأعلام .. وتظهر هذه العدوانية في شكل السخرية من الطبيب والمريض والسخرية من الخدمات النفسية التي تقدم والسبب من وجهة نظري أن المرض النفسي من الأمراض كثيرة الانتشار وبالتالي يتعرض له كل الناس ويجد من يكتب أو يبدع في مجال نشاطه مريض نفسي أو طبيب نفسي أو خدمة نفسية ومنها فان هذا الانتشار يجعله مجالا للعمل الفني والمرض النفسي يظهر بأعراض غريبة وشاذة على عموم السلوك الإنساني وبالتالي اعتبار الغرابة هي أحد المثيرات لاهتمام الناس فنجد المبدع أيا كان يحاول ان يستخدم مجال الطب النفسي على أساس الغرابة فيه وعلى أساس إثارة اهتمام المتفرج أو المتلقي .

والمرض النفسي مؤلم أكثر من الإيلام الذي يتحقق من المرض العضوي والإنسان عندما يري شخصا يتألم فانه يتألم له وفي محاولة الإلغاء هذا الألم الشخصي يخرج الى حالات عدوانية على المصدر الذي أثار الألم وهو المريض النفسي – والمرض النفسي – والطبيب النفسي وكثير من المبدعين يعيشون في حالة خوف من المرض النفسي والتوهم بأنهم مصابون وهو يريدون أن يؤكدوا لأنفسهم أنهم ليس لديهم هذا المرض ومن هنا من المسئول عن الصورة المشوهة للطبيب النفسي في وسائل الأعلام  حيث يهاجمون المريض والطبيب والخدمة ويضيف الدكتور عمر شاهين لكل هذه الأسباب يأخذ المريض النفسي حظه السيئ من سخرية الإبداع الفني والصحفي ولكني أطالب ان يكون هناك وعي أكبر بالمريض النفسي ومعنى الوعي أن نعلم أن هناك شيئا اسمه المرض النفسي وأنه يعالج ولع أعراض كثيرة كغيره من الأمراض وأنه يشفي كغيره من الأمراض .. ونطالب أيضا بنشر الخدمات النفسية بشكل خاص لاحتياجات المجتمع وخاصة الجانب الوقائي حيث يقلل من فرصة حدوث المرض ويقلل من الألم الذي يراه المبدع والمواطن عموما وتوفير البحث العلمي في الأمراض النفسية ومزيد من الوسائل العلاجية التي تساعد على الشفاء وفي النهاية يجب التدقيق في المعلومة المتعلقة بالمرض النفسي إذ يجب استشارة الأخصائيين فيما يقدم من وسائل العلاج لأننا نرى أن ما يقدم لا علاقة له بحقيقة المرض النفسي وأن كل علاقته الغرابة التي يثيرها المرض النفسي وبذلك فا كثيرين من الفنانين يمكن أن يكون لديهم الإجابة بعد سؤال الأطباء المتخصصين وبذلك يمكنهم معرفة ما يريدون عن المرض النفسي حتى ان بعضهم يسأل عن التعبيرات التي يمكن ان يقدمها الممثل الذي يؤدي دور المريض النفسي .

مادة خصبة للدراما :

أما الدكتور يسري عبد المحسن أستاذ الطب النفسي بالقصر العيني فيقول أعتقد ان الصورة تغيرت تماما بالنسبة لوضع الطبيب النفسي في المجتمع وقيمة العلاج النفسي وأهمية التخفيف من شدة الاضطرابات السلوكية والنفسية وتدعيم أفراد المجتمع بوسائل الصحة النفسية وأيضا فان نظرة المجتمع الى الصحة النفسية مقارنة بالصحة الجسمية أصبحت تقريبا متساوية والاهتمام بالجوانب المعنوية للإنسان وتدعيم حالة التوازن النفسي الذي ينعكس بدور على الحالة العضوية الجسدية وعلى اعتبار ان الطبيب النفسي يتعامل مع الحالات العقلية التي قد يكون فيها اضطراب أو بعض الخلل العقلي فاصبح دور الطبيب النفسي في هذا المجال مادة خصبة للدراما على مدى التاريخ وقد يساء تصوير هذا الدور بشكل او بآخر مما يعكس فقرا في الثقافة العامة للعلاج النفسي والصحة النفسية ومما يعكسه أيضا عدم احترام المرض النفسي واعتباره مساوي تماما للمرض العضوي ومما يسئ لكرامة المريض النفسي كانسان . لكن الموقف كما أشرت تغير في السنوات العشر الخيرة وبدأ الوعي والمفاهيم الحقيقية والصحيحة للحالة النفسية والمرض النفسي والطبيب النفسي تأخذ شكلها اللائق والمحترم .. وكل اهتمامنا أن يكون نظرة العمل الدرامي للمريض والطبيب بها شيء من الاهتمام برفع معنوياته وإحساسه بقيمته أمام نفسه وتقدير موقفه من الحياة وشيء من المواساة والتعاطف مع المريض وشيء من دفع الآخرين لمساعدة هذا المريض والوقوف الى جواره وعدم السخرية أو النفور والتحقير من شأنه وأن تكون الدراما على قدر من القيمة الرفيعة التي تساهم في إعلاء دور الطبيب النفسي وتشجيع المرضى وذويهم على اللجوء الى المساعدة النفسية والعلاج النفسي .

نظرة تشاؤمية :

بينما يؤكد الدكتور/ فكري عبد العزيز استشارئ الطب النفسي أن الصورة غير السوية المرتبطة بما يعرف " بالمرستان" والسراية الصفراء عن فاقدي الأهلية ومضطربي النفس كانت تقبل منذ قرن من الزمان على أساس أسلوب تعامل مع المرضى وما يصاحبه من التحكم في قدراتهم وانفعالاتهم وهياجهم بأسلوب قد يتصور البعض أنه به عنف وقسوة مما جعل هناك نظرة تشاؤمية الى أسلوب العلاج وحماية الانسان المضطرب عقليا من إيذاء ذاته والمحيطين به مما يعرف بارتداء "القميص" ونقله الى المرستان أو السراية الصفراء وارتبط بالأذهان ان أي سلوك اضطرابي هو مرستان ويحتاج الانسان لدخول السراية الصفراء.

وكان تعبير الفن عن هذه التصرفات فيه نوع من الإهانة للمعالجين والمرضى وبصورة غير آدمية وبأسلوب غير علمي.. وفي أواخر هذا القرن أي في الخمسينات ساعد التقدم العلمي الكبير على معرفة مراكز الاضطرابات النفسية المختلفة والهياج والتبلد العقلي ودراسة كيمياء المخ والتغيرات التي تحدث مع كل حالة مرضية ومع استخدام رسم المخ والكمبيوتر والأشعة ذات الرنين المغناطيسي وتصنيف الأمراض النفسية عقلية أم عصبية وعرض أسباب الأمراض النفسية وطرق الوقاية والعلاج والعلاجات الجديدة المستحدثة ومدراس العلاج المختلفة .. كل ذلك ساعد بشكل كبير على الاهتمام بهذا التخصص وأدرجت دراساته في الكليات الجامعية بشكل واضح .

واصبحت الأمراض النفسية تظهر عوارضها كأمراض باطنية بما يعرف بالعرض النفسي الجسماني ثم يبدأ الطبيب النفسي في علاج هذه العوارض المختلفة للأمراض النفسية مثل القولون العصبي والاكزيما العصبية والصراع النفسي وضغط الدم وقرحة المعدة العصبية والنوبة الهيسترية .. وبزيادة تطور العصر وزيادة الملحات والمشاكل البيئية والأسرية والاقتصادية زادت نسبة الاضطرابات النفسية في جميع أنحاء العالم ويعرف أن 1.% من تعداد سكان العالم يعانون من المشاكل النفسية عصابية كانت أم عقلية وأصبح الطب النفسي له دور كبير في التئام النفس والذات المعتلة نتيجة للظروف المحيطة والاحباطات المتكررة والمشاكل التي تواجه الانسان في الوقت الحالي . لذا أصبحت النظرة الى الطب النفسي كما يقول الدكتور / فكري عبد العزيز يصاحبها وعي صحي نفسي اجتماعي بعيدا عن الأفكار الغربية المنبوذة وزاد التردد على المتخصصين في الطب النفسي من كافة فئات المجتمع ومن كافة البيئات المختلفة ولم يعد يخشي المواجهة مع الطبيب . ولغة الألفاظ مثل الجنون – منخوليا – سراية صفراء – مرستان – اختفت من قاموس المجتمع المصري وأصبح القلق والاكتئاب والوسواس والمرض النفسي الجسماني هي أمراض العصر التي يواجهها الأطباء والمتخصصين ومن هنا نرى الأعلام المصري يعبر بصورة غير ناجحة وغير سوية في مسميات يقصد بها السخرية أو الضحك منتهكا أقدس رسالة لخدمة الأنفس المعتلة وان كان هذا مقبولا منذ قرن فمع زيادة الوعي الصحي النفسي الاجتماعي ووجود وسائل الاكتشافات المبكرة ومعرفة مراكز الاضطراب وتوافر وسائل العلاجات المختلفة أصبحت نظرة الأعلام هذه جرم نرفع به طلبا للجهات المختصة كنقابة الأطباء وممثلي الجمعيات العاملة في مجال الصحة النفسية في اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد هذه الفئة التي تهين بكرامة العلاج النفسي في مصر .

فهرس العدد 64


التعددية في النفس البشرية" رؤية تكاملية "

د.محمد المهدي

استشاري الطب النفسي

كان لاكتشاف المستقبلات العصبية والناقلات العصبية المؤثرة فيها أثر هائل في فهم وظائف المخ ، وقد تبع ما يشبه الثورة في صناعة الأدوية النفسية التي تعيد توازن وظائف المخ من خلال التأثير في مستوى الناقلات العصبية أو من خلال التأثير في المستقبلات مباشرة . وقد أدي هذا الى تحسن الكثير من الاضطرابات النفسية بدرجة ملحوظة ولكن مع هذا بقيت هناك نسبة غير قليلة من الحالات تقاوم العلاج الكيميائي ، ونسبة من المرضى يحتاجون لدوام العلاج وإذا انقطع عادت الأعراض مرة أخرى بما يعطي لذلك العلاج شبهة الادمان عند العامة وبما يجعلهم يتوجسون من الاقتراب من الأدوية النفسية خشية الوقوع في شراكها الى الأبد ، وهذا المعتقد ليس وقفا على العامة فقط وانما يحمله ويشيعه كثير من الصيادلة والأطباء في التخصصات الأخرى مما يدفعهم الى تحذير ذويهم وعملائهم من الأدوية النفسية حتى لا يدخلوا في دائرة الادمان أو دوامة العلاج التي لا تنتهي إضافة الى ذلك نجد ان الكثير من الأدوية النفسية ربما تحول دون استمتاع المريض بحياة طبيعية سعيدة ، وإذا كان لنوعية الحياة التي يحياها المريض أهمية لدى طبيبه فان الأخير غالبا لا يقنع بالنتيجة التي يعطيها له الدواء ويشعر بأن نمط حياة المريض غالبا ما يعيد أليه الأعراض بعد تخفيف الدواء أو وقفة فيتطلع ( ان كان صادقا وصابرا ومثابرا) الى تجاوز مستوى المستقبلات والناقلات العصبية الى ما هو أعلى من ذلك كي يرتقي بنوعية حياة مريضة ويساعده على النمو والتطور الفضل وهنا يجد الطبيب نفسه قد دخل في منطقة لم تؤهله لها دراسته الطبية التقليدية ويشعر بالتداخل مع مناطق أخرى يشغلها علماء النفس والفلاسفة وعلماء الدين وعلماء الروحانيات وأحيانا المشعوذين والسحرة ، وهنا ربما يعود خائفا فيتشبث بالمستوى السابق الذي يعرفه فيستغرق في تفصيلات المستقبلات والناقلات العصبية وما يؤثر فيها من مضادات ذهان ومضادات هوس واكتئاب ..الخ .. ولكنه يكتشف ان دخول المعركة بالدواء وحده طوال الوقت لن يحقق أهدافه أو أهداف المريض وأن ثمة أشياء أخرى يجب عليه فعلها أو على القل وضعها في الاعتبار على أمل التعامل معها بنفسه أو عن طريق بقية أفراد الفريق العلاجي في الوقت المناسب. اذن فلنحاول ان ننطلق من هذه النقطة الميكروسكوبية (المستقبلات المخية ) الى المستويات العلى فالأعلى لعلنا نستطيع الإحاطة بتعقيدات السلوك الإنساني في مستوياته التصاعدية بدءا من ذلك المستوي الميكروسكوبي (أو تحت الميكروسكوبي) وانتهاءا بالمستوى الكوني التلسكوبي (أو فوق التلسكوبي) وإذا كنا بدأنا من نقطة تبدو ثابتة نسبيا على المستوى النفسي( من خلال تواترها المبني على المشاهدات الإكلينيكية) وهي تعدد الذوات في النفس البشرية ، فقد تحدث الكثيرون من علماء النفس عن ذوات متعددة أو كيانات متعددة داخل النفس البشرية فمثلا تحدث فرويد عن الهو والأنا والأنا الاعلى وتحدث عن اللاشعوري وما تحت الشعور والشعور ، ووصفت كارين هورني الذات المثالية والذات الحقيقية والذات الواقعية ، ووصف اللاشعوري الجمعي والقناع والظل والنيمياوالانيموس وتحدث أريك برن عن ذات الطفل وذات البالغ وذات الوالد . وفي التراث الديني نجد النفس الأمارة بالسوء ، والنفس اللوامة والنفس المطمئنة ، ونجد أيضا العقل والقلب والروح ، ومن هنا نخلص الى ان هناك تواتر من مصادر عقلية (تؤيدها الشواهد الإكلينيكية) ومصادر نقلية (تؤيدها الأخبار الدينية) على فكرة تعد الذوات أو المكونات بشكل ربما يقابل تعدد المستقبلات العصبية في المستوى البيولوجي سالف الذكر ( مستقبلات الدوبامين والادرينالين ) والنورادرينالين والسيروتونين .. الخ) وفي حالة الصحة النفسية يكون هناك تناسق وتكامل بين هذه الذوات المختلفة داخل الإطار النفسي العام (كما هو حادث بين المستقبلات العصبية المختلفة داخل المخ) فإذا تضعضعت النفس تحت تأثير عوامل داخلية أو خارجية فان بعض هذه الذوات (أو الكيانات أو المكونات) ربما تعمل منفردة فيظهر الانشقاق في الوظائف النفسية ، أو تطمس فيظهر عدم التوازن ، أو تبدأ في العمل السري في اتجاه عكسي فتضطرب المنظومة النفسية . وإذا جاز لنا ان نسمي المستقبلات العصبية داخل المخ بالمستقبلات الداخلية وهي التي تتأثر بالناقلات العصبية (كالدوبامين والادرينالين والنور أدرينالين والسيروتونين .. الخ) فأننا ربما نحتاج الى افتراض وجود مستقبلات خارجية تستقبل مؤثرات قادمة من البشر أو من الجن أو من الملائكة أو من الملكوت فنسميها بالترتيب بشرية وجنية (نسبة الى الجن ) وملائكية وملكوتيه وربما نجد سهولة في تقبل مستوى المستقبلات البشرية التي تتلقى التأثير من الآخرين بخيرهم وشرهم فيحدث نتيجة هذا التأثر تفاعلات نجهل كنهها في الوقت الحالي ولكننا نجد صداها على المستوى الأول في صورة تغيرات في نشاط الناقلات العصبية ونشاط المستقبلات العصبية فليس من شك ان الكلمة الطبية تحدث تغييرا كيميائيا ايجابيا داخل المخ ولذلك كانت الكلمة الطيبة صدقة ، وعلى العكس تحدث الكلمة الخبيثة تأثيرا سلبيا يمكن رصده بالقياسات الفسيولوجية الأحدث والأدق مثل SPECT PET والمؤثرات البشرية لا تتوقف عند التفاعل المباشر مع أشخاص وانما تمتد الى التفاعل مع كل وسائل التأثير كالراديو والتليفزيون والصحيفة والكتاب والفيديو والكومبيوتر والإنترنت ، وما يستجد من وسائل التأثير البشرية ن وإذا كان قبول هذا المستوى من التأثير البشري ممكنا فأننا ربما نجد بعض الصعوبة في إقناع الكثيرين من المشتغلين بالعلوم الطبية أو النفسية بالمستويين التاليين للتأثير وهما مستوى تأثير الجن ومستوى تأثير الملائكة وربما لا نملك في الوقت الحالي أدلة عقلية مقبولة لديهم ومتسقة مع النموذج العلمي الحالي ، لذلك سنعتمد في إثبات هذين المستويين وما تلاهما على الأدلة النقلية من التراث الديني التي تواترت في كل الأديان وعلى مر العصور بشكل يجعل رفضها وكأنه دعوة للتشكيك واعادة النظر في كل البديهات فقد ذكر لفظ القرين في اكثر من موضع في القرآن الكريم نذكر منها قوله تعالى : (قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد) سورة ق 27) .. وفي السنة ورد حديث للرسول يقول فيه " ما من أحد الا وله شيطان " وفي حديث أخر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( ان للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك بأبعاد بالخير وتصديق بالحق " أخرجه النسائي والترمذي) وهذا الحديث الخير يؤكد بقوة ووضوح وجود هذين المستويين من التأثير الغيبي على الانسان من الملائكة والشياطين واذا ظل بعض المستغلين بالعلوم الطبية والنفسية على دهشتهم واستنكارهم لخلطنا المنهج العلمي بالمنهج الديني وقبول أفكار غيبية لا يقوم عليها دليل مقبول من المنظور العلمي المتفق عليه فأننا نعتذر لهم مرحليا ولكننا نسألهم ولماذا تقبلون بسهولة فكرة تعدد الذوات التي ذكرها علماء النفس (بدليل وجودها في المراجع الطبية والنفسية) مع أنها ذوات افتراضية غير منظورة ولا تقبلون فكرة القرين من الجن أو الملائكة وقد قام عليها أدلة نقلية ويمكن ان يقوم عليها أيضا أدلة عقلية خاصة إذا درسنا بعمق حالات الانشقاق ( والتي لا نعرف كيف تحدث حتى الآن) وما يظهر فيها من كيانات تبرز الوجه الآخر الخفي للإنسان فمثلا نرى سيدة شديدة الاحتشام والالتزام والتحفظ تقوم بأعمال مخلة بالآداب العامة وخارجه تماما عن الخط العام الظاهر لشخصيتها فإذا كنا سنقبل فكرة ان هذا هو جزء من اللاشعوري لديها فلماذا لا نقبل فكرة ان هذا الجزء من اللاشعوري قد انشق متفاعلا مع قرين من الجن أو مع قرين من الانسان ؟ الخ وفي حالة قدرتنا على قبول هذا الافتراض ربما يصبح لدينا تصور اكثر تكاملا لحالات الاضطراب الهيستيري حيث تضعف عملية الترابط والتكامل في الشخصية تحت تأثير مؤثرات داخلية أو خارجية فتتاح الفرصة لاحد الكيانات النفسية بدعم من قرناء من البشر أو الجن أو الملائكة فتظهر حالات الانشقاق كنتاج لهذا النشاط التفاعلي المنشق على المنظومة الأساسية للشخصية والذي ربما يضاد هذه المنظومة أو يوازيها أو يكررها بشكل نمطي مغلق وربما نستطيع التأكيد على هذه الفكرة من خلال ما نشاهده جميعا في هذه الحالات الهيسترية من إمكانية أحداث الانشقاق بالإيحاء بواسطة المعالج النفسي أو المعالج الشعبي فكأنما يقوم المعالج بالتفاعل مع أحد الكيانات أو الذوات النفسية ويأخذها بعيدا عن السياق العام للشخصية ، وإذا كان هذا قائما ومشهودا على مستوى البشر ن فما الذي يمنع حدوث ذلك الانشقاق بتأثير من قوى غيبية أخرى كالجن ، وبالتأكيد فلسنا نهدف هنا الى تغييب الوعي واعطاء شرعية للمشارات العلاجية الشعبية التي تعلق كل شيئي على تأثير الجن ، ولسنا نقصد ان يكون هذا المستوى الغيبي من التأثير كهفا مظلما نتوه فيه فلا نرى العلاقات السببية المبنية على السن الكونية في حياتنا اليومية وانما نقصد الرؤية التكاملية المتوازنة لكل القوى والعوالم المؤثرة في سلوك الانسان المنظور منها وغير المنظور فبالتأكيد لا يعيش الانسان وحده في هذا الكون وأيماننا بهذا المستوى من التأثير لا يدفعنا الى تعظيم الجن ولا يضعنا تحت رحمتهم أو رحمة من يقومون بتحضيرهم أو صرفهم ، فكل هذا من الممارسات الضارة ، وانما يجعلنا نكتفي بما ورد في صحيح الدين من تعاليم تنظم العلاقة بين الانسان وبين القوى الغيبية على أساس ان العبودية للإله الواحد وهذا المفهوم يعتبر ركنا أساسيا في الصحة النفسية حيث تتوحد مرجعية الانسان وتوجهاته وسط هذا الكم الهائل من القوى المؤثرة فيها والمتأثرة به. وهنا نصل الى المستوى الأعلى من التأثير وهو المستوى الملكوتي ، وتأثير هذا المستوى له صورتين : إحداهما مشهودة وهي ممثلة في الشرائع المنظمة لحياة الانسان طبقا لتعاليم السماء ، وثانيهما غيبية وهي ممثلة في الحالة الإيمانية التي يعيشها الانسان وما ينتج عنها من تواصل بينه وبين الله بحيث تسرى في هذه القناة أشياء خارج نطاق الوصف باللغات السائدة ولكنها محسوسة للمؤمنين بها ولها نتاج في سلوكياتهم الظاهرة يمكن رصده بوسائل متعددة. وفي النهاية نخلص الى تعددية المستقبلات (البيولوجية والنفسية ) ر وتعددية المؤثرات (البشرية والجنية والملائكية والملكوتية) ومن المنطقي ان هذه التعددية تعتبر ميزة من حيث أنها تعطي تنوعا لا نهائيا وإبداعا واسع الأفق في السلوك البشري في حالة كون الانسان لا يغلق أو يعتم أي مستوى من مستويات الاستقبال أو التأثير ، ولكن على الجانب الآخر يلزم لهذا التعدد إدارة مركزية تنظم العمل وتسعى نحو التنسيق والتوازن والتكامل ، ويلزم لهذه الإدارة المركزية مرجعية موحدة تربط هذا الحشد من القوى والمؤثرات المتجاذبة والمتنافرة . ولا ندعى في هذه المرحلة أن أحدا يعرف أين تكمن وحدة المعالجة المركزية في الانسان ، اهي في المخ؟ وإذا كانت في المخ ففى أي جزء فيه ؟ ام هي في مكان آخر لا نعلمه ؟ وأمام هذا العجز العقلي في معرفة كنه ومكان مركز القيادة للسلوك البشري ،ربما نجد من المنطقي استعارة الأدلة النقلية (الدينية غالبا والفلسفية أحيانا) القيادة نظرا لما يحويه من معارف ومعتقدات ومشاعر ونظرا لقدراته التواصلية مع عالم الغيب وعالم الشهادة بطرق نعرف بعضها ونجهل أكثرها (لا نقصد هنا بعضها ونجهل أكثرها ( لا نقصد هنا تحديدا القلب العضوي المعروف ) وليست هذه محاولة لملء فجوة معرفية بأخبار نقلية ربما تعيق النشاط العقلي والجهد البحثي ولكنها يمكن أن تدخل المجال العلمي كفرض يسهل البحث عن خصائص وكنه ومكان مركز القيادة في النفس البشرية . وربما يسال سائل : وهل لهذا الفرض(تعددية المستقبلات وتعددية مستويات التأثير) انعكاس على العملية العلاجية كممارسة يومية مع المرضى أم أنه مجرد تأملات فلسفية ؟ والإجابة هي ان هذا الفرض التعددي يغير كثيرا في فلسفة العملية العلاجية من خلال النقاط التالية :-

1- يتيح للمعالج رؤية شاملة للنفس بكل مستوياتها وتفاعلاتها .

2- يحسن العلاقة بين المعالج والمريض حيث يقرب وجهات نظرهما حول نقاط كانت موضع خلاف (أو موضع حرج ) حين كان المريض يعتقد في قوى غيبية تؤثر في سلوكه في حين يجد نفسه رافضا لهذه القوى حيث لا مكان لها في منظومته العلمية فيجد نفسه متصادما مع معتقدات مرضاه(بل ومعتقدات مجتمعه ) ، أما الآن ومع هذا الفرض يصبح لكلمة وسوسة الشيطان معنى ويصبح لتأييد الملائكة معنى ويصبح لتوفيق الله للإنسان معنى ، وتنتظم كل هذه المعاني في أماكنها في المنظومة العلمية النفسية دون حاجة لتغييب الوعي أو إنكار مستوى التأثير البشري الهائل في حياتنا اليومية أو تأثير اضطرابات الناقلات العصبية في المخ .. وربما حين يحدث التصالح بين المريض النفسي والطبيب النفسي حول هذه المستويات الغيبية للتأثير يجد المريض نفسه مضطرا للذهاب الى المعالجين الشعبيين أو المشعوذين والدجالين الذين كانوا يدخلون أليه من خلال هذه الثغرة في الطب النفسي والعلوم النفسية ، تلك الثغرة التي كانت تهمل أشياء هامة جدا في معتقدات المريض (كالشياطين والملائكة والإله) وفي نفس الوقت يتحرج المعالج من الدخول في هذا المناطق أو استعمال مفرداتها في العملية التشخيصية أو العلاجية ربما لعدم ثبوت تأثيرها لديه بالوسائل الاستدلالية العلمية ، أو لخوفه من هروب المريض في غياب المؤثرات الغيبية بدلا من مواجهة مشاكله الآنية الواقعية وعلى أي حال كانت النتيجة الحتمية لكل ذلك هو نجاح وانتشار العلاج الشعبي الذي يتخذ الدين يتارا له والذي كان ينجح في دغدغه المشاعر الدينية لدى المريض وذويه ومداهنة معتقداتهم الراسخة في الوقت الذي يستنكر فيه المعالج النفسي تلك المعتقدات أو يهرب منها أو يؤجلها.

وتبني هذا الفرض التعددي يؤدي الى تبني نمط من العلاج متعدد المستويات بالضرورة ، بدء من العلاج العقاقيري (المؤثر في المستقبلات المخية الداخلية) مرورا بالعلاج النفسي ثم العلاج الاجتماعي وانتهاء بالعلاج الديني أو الروحي في دوائر متصاعدة ولا ينزعج الطبيب المعالج من تعدد هذه المستويات فلن يقوم بها وحده وانما يساعده فريق متعدد التخصصات ( وهذا قائم شكلا في كثير من المستشفيات ولكنه غير مستغل في الواقع الحالي نظرا للرؤية الاختزالية للمرض النفسي والصحة والنفسية)يتكون من الأخصائي النفسي والأخصائي الاجتماعي والمرشد الديني .

وإذا تبينا هذا الموقف التكاملي في الرؤية التشخيصية وفي العملية العلاجية فان المريض سيشعر أننا نحتويه بكليته وجماع نفسه فتلتئم أشلاؤه وتتكامل كياناته ويصبح أكثر استعدادا للشفاء والنمو والانسجام مع عالم الشهادة وعالم الشهود

فهرس العدد 64


 

الميكانيكية السلوكية في القرآن الكريم (اطمئنان نهاية الحياة )

د.محمد يوسف خليل

مستشار الطب النفسي

لا زلنا نتحدث عن اطمئنان النفس في نهاية الحياة ، وعند اقتراب الأجل وخلاصة ما تحدثنا به ، أن اطمئنان النفس في هذه المرحلة من حياة البشر ، أمل يشتهيه كل إنسان ويحرض عليه المؤمن صاحب العقيدة أكثر من حرصه على الحياة نفسها .

ولعل القارئ الكريم ، يذكر أنني عندما تحدثت عن مآثر الدكتور جما ماضي رحمه الله ، عن الصحة النفسية تعرضت الى ما كان يدعو أليه من اشتراك رجل الدين ، مع الفريق الذي يعالج النفس البشرية، وقلت ان هذه الدعوة ، نادي بها أعظم علماء عصره ، وهو العالم "كارل جوستاف يونج) السويسري ، فقد قال قولته المشهورة الذي يدعم بها دور الدين في معالجة النفس البشرية : انه على مدى ثلاثين عاما من معالجة نفوس البشر ، لم يجد شخصا واحدا قد تجاوز نصف عمره الأول ألا وهو يتمنى ان يكون له تصور واضح ، لما سوف يحدث في النصف الثاني من حياته وبهذا نادي بأن يشترك رجل الدين مع المعالج النفسي في تدعيم النفس البشرية ، في هذه الفترة الحرجة من حياة البشر ، بمفاهيم العقيدة وقلنا ان الدكتور ماضي رحمه الله ، احتضن هذه الفكرة ... ونادى بأن يشارك رجل الدين في تدعيم نفوس المرضي ، الذين وقعوا فريسة للإدمان وإنني اكرر هذا القول : فإنما هو تأكيد على ان أصحاب الديانات السماوية دون غيرهم ، هم وحدهم الذين يبحثون عن اطمئنان النفس في نهاية الحياة ومن المعروف ان العالم (يونج) كان متدينا ، متعصبا للكنيسة ولهذا هاج زميله (فرويد) وسفه نظريته الجنسية لان العقيدة وحدها هي التي تنبه المؤمنين بها وتذكرهم بحقيقة الموت وتضع لهم المنهج النفسي ، ليحقق لهم اطمئنان الموت ويبدو مخاوفه دون تمويه أو خداع ...أما علماء النفس فان برامجهم لا تستوفي هذه الحقيقة ن فمناهج الصحة النفسية ، غايتها ان تحقق الاطمئنان من الطفولة الى الشيخوخة ، عن طريق السرة والمجتمع والمدرسة والعمل ، حتى يسعد الناس بحياتهم فهل سعدوا ؟؟ ربما يسعد البشر إذا انتهت الحياة مبكرة قبل ان تستبد بها مخاوف الموت في سن الشيخوخة ، ولكنهم إذا بلغوا هذه السن ، داهمتهم مخاوف الموت ، لان منهج علماء النفس قاصر لا يهتم بالموت ولا ما يحدث قبله أو بعده ، وكل اهتمام علماء النفس ومناهج الصحة النفسية أن يوفروا الأمان للرجل المسن مكانا في دور الرعاية ، ليجد فيها راحة جسمه ، بما يتحقق له من رعاية صحية وبما توفره من غذاء طيب ، وترفيه يشغل الفراغ ويبعد عنه الملل والسام وهذا كل ما في مقدور الصحة النفسية ان تفعله ، أما المفهوم الروحي فيبقي شاغرا وهو المفهوم الذي تتكامل به مناهج النفس ، بمفهومها الشامل لأن برامج الصحة النفسية البشرية لا تستوفي حقيقة الاطمئنان بالموت وتترك الرجل المسن في نهاية حياته ليتصور ما يشاء عن حقيقة الموت وهيهات ان يكون للملاحدة والزنادقة ، وعبدة الشيطان والطواغين ، تصور للموت ولهذا فكثيرا ما يصيب هؤلاء مساوي النفس وأمراضها نتيجة ما يراودهم من فكر يشغلهم ويؤرقهم ولا يجدون له إجابة فلا رصيد لهم من ايمان يهديهم : وكما قلنا في حديث سابق ، أن أمراض الشيخوخة بلا استثناء سواء كانت قلقا أو خوفا أو اكتئابا أو اضطراب فكر ، فهذه الأمراض في جوهرها تحمل رموز الموت ومخاوفه ولهذا فان المسن إذا مرض وعولج من مرضه وتحسنت حالته فسرعان ما يذكر نهايته وتنتكس حالته ، ويعود أليه المرض من جديد كأنه لم يبرأ منه .

هذا ما يحدث للمسنين عندما تفتقد نفوسهم الى مفاهيم العقيدة لان العقيدة وحدها هي التي تحقق للمسن الهدف وتوضح له تصورا عن حقيقة الموت ، ولهذا فكل مؤمن بعقيدته له تصوره الواضح عن حقيقة الموت ، وما يحدث قبله وبعده وهذا ما يتجاهله علماء النفس ن فليس لهم من علم بهذه الحقائق ليخرجوه لنا ، انه منهج العقيدة دون غيره هو الذي يضع للموت مفهوما ويحقق له اطمئنانه ودليلي الذي يعرفه الناس وتتعامل به الدولة ، يتجلى واضحا عندما تحين ساعة القصاص عند المحكوم عليهم بالإعدام ، هؤلاء يستبد بهم الهم والضيق والخوف ويطبق عليهم اليأس منكل مكان فقد ضاقت بهم السبل ودانت لحظة النهاية ، ولا نجاة لهم ولا مفرا .. هنا ترسل وزارة الداخلية الإمناء العقيدة دون غيرهم ، ترسل للواعظ إذا كان المذنب مسلما وترسل للقس إذا كان المذنب مسيحيا ، ويتقدم هؤلاء بمنهج العقيدة كل منهما يذهب ليدعم نفس صاحبه .. يذهب القس بمنهج الاعتزام يعترف له المذنب بحقيقة ما فعل ويعترف بجريمته – والقس يستمع أليه ، حتى إذا فرغ من اعترافه بشره بمغفرة الرب – وأنه بهذا الاعتراف قد طهر نفسه وأرضى ربه . ويذهب الواعظ بمنهج التوبة الى المحكوم عليهم بالإعدام ويذكره بعظمة ربه ومغفرته وأنه وحده هو التواب الرحيم ، يتوب على عباده إذا رجعوا أليه حتى لو بلغت ذنوبهم عنان السماء . " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم " (الزمر (53) .. وهنا تطمئن النفوس ويضيء الأمل ظلمات هذه النفس الإنسانية التي أطبق عليها اليأس وملاها الخوف والجزع وهي ألان تقف على باب الرجاء ترجو رحمة الله وتأمل في رضاه وعفوه أمل بعد يأس واطمئنان بعد جذع وراحة بعد قلق فإذا انتهي أمناء العقيدة وفرغوا من مهمتهم يتعجب القائمون على امر هؤلاء المذنبين ، انهم يطلبون الطعام بعد ان فقدوا شهيتهم لعدة ايام وينامون بعد ان أصابهم الأرق عندما عرفوا قرب نهايتهم ان الأمل عاد اليهم مع الرجاء في رحمة الله وعفوه .هذا هو منهج العقيدة يأخذ بيد اصحابة في اشد محنة واعظم بلاء واحرج وقت ، وهذا لمنهج العقيدة وليس لمناهج البشر ، وبهذا المنهج وحده اطمأنت نفوس هؤلاء المحكوم عليهم بالإعدام ، مع قرب نهايتهم فكيف بمنهج العقيدة عندما يصل الى المسن الذي لا زال في حياته فسحة من أمل ، فربما امتدت به الحياة سنين طويلة ، ان الذي دعم نفس المحكوم عليه بالإعدام ، هو الذي يدعم نفي المسن من أصحاب العقائد ، انه منهج العقيدة انه منهج التوبة في الاسلام ومنهج الاعتراف في شريعة المسيح عليه السلام يصلان الى أعماق النفس حسب عقيدة اصحابة ، وبهذا يصل المسن الى اطمئنان نفسه وراحة ضميره ، ويتزود بمنهج العقيدة - يسير على هديه ما بقى من حياته ولكما مضت الأيام زاد اطمئنانه وقوى أيمانه ، وعرف ان ما قد مضى من حياته كان سرابا خادعا " يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوقاه حسابه " هذا هو اطمئنان النفس في نهاية الحياة لا تصل أليه مناهج البشر ولكن يصل أليه منهج العقيدة .. هذا هو التعليق الذي تحدثت به امام المؤتمر وهو يوضح بل يجيب على تساؤل العلماء والأطباء ، لماذا تكثر النكسات وتصعب المعالجة عند كبار السن ، عندما يصيبهم المرض النفسي والعقلي وظل هذا التعليق محور الحديث بين الزملاء ، طوال فترة الغذاء ، وكان أول من أشاد به وعلق عليه هو الأستاذ الدكتور" حلمي غالي" وكان يعمل وقتها مديرا عاما للصحة النفسية سمعته من خلف الصفوف يناديني بأعلى صوته ويقول " صح يا محمد يا يوسف صح ) وهذا دليل واضح على أن المسيحية والإسلام يجتمعان على حقيقة غالية وايمانية صادقة وهي اطمئنان للموت ، وصدق النجاشي زعيم المسيحية في بداية ظهور الاسلام وهو يقول لاصحاب رسول الله (ص) الذين هاجروا عنده بعد ان استمع اليهم ( ان هذا الدين يخرج هو والمسيحية من مشكاة واحدة) وشريعة المسيح تؤمن بالبعث والحساب وتؤمن بحياة البرزخ ، ولهذا نقرأ في الصحف هذه العبارة في نعي من يموت ( رقد اللي رجاء القيامة )وهذه حقيقة الموت يظل الميت راقدا حتى تقوم الساعة قال تعالى : ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض الا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فأذا هم قيام ينظرون ) (الزمر 68) ولهذا كان رسول الله (ص) يذكر أصحابه دائما بالموت ، ويقول لهم اذكروا هازم اللذات ، حتى لا تغرهم الحياة الدنيا ، ولا يلههم الأمل وينسون الآخرة ، وكان يعلمهم هذا الدعاء : ( اللهم اجعل خير عمرنا آخره ، وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم لقائك )فالعبرة في نهاية الحياة بالخواتيم ولهذا لا تسمح العقيدة للشيخ المسن ان يرتكب كبيرة أو يأمر بفاحشة تبعده عن حظيرة الأيمان . وهذا ما كان رسول الله (ص) يحذر منه ، ومن أحاديثه الصحيحة في هذا الشان قوله (ص) ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر اليهم يوم القيامة ، شيخ زان ، وملك كذاب وعائل مستكبر ) أنها الشيخوخة يجب ان تكون نقية طاهرة تنفض عن نفسهما - ما لحق بها ، ولا تكتسب جديدا يدنسها - حتى تلحق بربها راضية مرضية .

هذا هو اطمئنان النفس في ظل منهج العقيدة في نهاية الحياة ، وفي اطمئنان الانسان عند موته ، وقبل ان يدخل عالم البرزخ يصلي عليه صلاة الجنازة وهي الصلاة الخيرة فما هي أبعادها النفسية .

فهرس العدد 64


حياتك النفسية في عالم متغير

د.عزت الطويل

أستاذ علم النفس

بآداب بنها جامعة الزقازيق

ان الوظائف الفسيولوجية للجسم تتأثر مباشرة كأول رد فعل للضغوط والاجتهادات كما ان بعض الهرمونات التي تفرزها الغدة الأدرينالين يرتفع مستواها عند الترعض للضغوط ويكون ذلك مصحوبا بالارتفاع في معدل دقات القلب مع ارتفاع في ضغط الدم ، ومع حدوث تغيرات تؤثر على مقدرة الجلد على نقل الموجات الكهربائية التي ينشأ عنها نشاط فسيولوجي فان هذه الاستجابات يمكن ان تكون تكيفية على المدى القصير لأنها تنتج رد فعل طارئ حيث أنها تمثل استجابة الجهاز العصبي السمبتاوي ، ان رد الفعل الطارئ الذي يأخذ مثل هذا الشكل سيكون له تأثير كبير على التغلب على الموقف المرتبط بالضغوط والإجهاد والهموم . وبالرغم من ذلك فان التعرض المستمر للضغوط سينتج عنه انخفاض في المستوى العام للوظائف البيولوجية بالجسم نظرا لقيامه بإفراز الهرمونات الخاصة بالضغوط وبمرور الوقت فان تفاعل الجسم بشكل مستمر مع الضغوط ، سينتج عنه تدهور فعلى في أنسجة الجسم مثل الأوعية الدموية والقلب ،مما يجعلنا معرضين للإصابة بالأمراض مع انخفاض قدرة أجسامنا على محاربة الجراثيم والميكروبات . وبالإضافة الى العلل الصحية التي نصاب بها فان معظم ما نشعر به من ألام خفيفة متواصلة وأوجاع بسيطة قد تزداد سوءا عند تعرض الانسان للضغوط .. ان هذه الاوجاع والآلام تتضمن الصداع، والام الظهر والطفح الجلدي وسوء الهضم والإرهاق والامساك ، كما توجد مجموعة كاملة من المشاكل الصحية التي يطلق عليها الأمراض السيكوسوماتية ) التي تنجم عن الضغوط .. ان مثل هذه المشكلات الصحية تعزي الى حدوث تفاعل بين الاضطرابات النفسية والعاطفية والجسدية ..والواقع ان إمكانية حدوث أي مرض قد يكون عادة "ظاهريا" ومرتبطا بمجموعة من الأحداث الضاغطة المرهقة التي يتعرض لها أي إنسان وعلى المستوى النفسي ، فان المستويات العالية من حالات الضغط ن تقلل من قدرة الناس على التعامل مع الحياة بشكل ملائم مثال ذلك لو انك وجهت نقدا بسيطا لسلوك أحد من الناس ، فقد يثور ثورة هائلة لا تتناسب مع كلمة النقد البسيطة الموجهة اليه ، ولا مع الموقف ككل . كما ان الضغوط في أعلى مستوياتها سوف تؤدي الى حدوث استجابة عاطفية عنيفة ، قد تمنع الناس من اتخاذ أي أجراء أو عمل أي شيء ومن ثم فان الأفراد الذين يتعرضون لقدر هائل من الضغوط تضعف قدرتهم على مجابهة أي ضغوط جديدة . هذا وهناك ما يعرف باسم : زملة أعراض التكيف العام ، الذي يشمل ثلاثة مراحل : الأولى وهي مرحلة التحذير والتعبئة وفيها يصبح الأفراد على وعي وادراك بأسباب الضغوط وفي هذه المرحلة ، نجد ان الجهاز العصبي السمبتاوي قد بدأ في التزود بالطاقة لفترة طويلة مما يؤدي الى ظهور مشكلات في الدورة الدموية أو حدوث قرحة بالمعدة. والمرحلة الثانية ، وهي مرحلة المقاومة وفيها يبدأ الفرد في أعداد نفسه للدخول في حرب ضد مسببات الضغوط لتؤدي في النهاية الى وقوع خسائر تتمثل في عدة أمراض نفسية وجسمية .

ونصل الى المرحلة الثالثة التي تعرف باسم مرحلة الإرهاق وفيها تقل مقدرة الشخص على التكيف والتوافق مع الآخرين مع إصابة الفرد ببعض الأمراض العضوية والنفسية التي تتمثل في عدم القدرة على التركيز وسرعة الهياج والغضب ، والانفعال السريع وفي بعض الأحوال يفقد الفرد الإحساس بالزمان والمكان ، ويصبح عاجزا عن الاندماج بالواقع المعاش الذي يحدو به آفاق الاغتراب النفسي مما يجعل الفرد يتمرد على الواقع والمجتمع ويتطلع الى تدمير وهدم الآخرين ليجد نفسه وحيدا معزولا يعيش مغتربا اذا عاشو كان هذا الفرد الإنساني قد سار في طريقين الأولى طريق مظلم مسدود والثاني طريق موحش منكود انه إنسان ضاع من قدمه الطريق ، وفقد السند والصديق وحقا كما يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم "خسر الدنيا والآخرة " ذلك هو الخسران المبين "

فهرس العدد 64


الانسان وحالته المزاجية

سفير.فتحي مرعي

الانسان عرضه لتقلب المزاج بين ساعة وأخرى .. بين يوم وآخر وتقلب المزاج يؤثر على أدائه لعمله فلا يؤديه كما ينبغي أو يؤثر على أدائه مهنته .. فمن المتصور (مثلا) بالنسبة لجراح أن يؤدي سوء المزاج لعدم التركيز .. وهذا من أخطر ما يمكن .. وقد قرأنا في أخبار الحوادث والقضايا أن جراحا أجرى عملية في العين السليمة لمريض بدلا من العين المصابة .. فأصبح فاقد النظر في الاثنين !!!وأنباء أخرى من هذا القبيل .. كما يؤثر تقلب المزاج على مخاطبة المرء للناس بعامة أو لأسرته ( زوجته وأولاده) بخاصة وأيضا تقلب المزاج يؤثر على تفاعل الانسان مع الأحداث اليومية التي تمر به .. وأخيرا – وربما أولا – يؤثر على حسن أداء أعضاء الجسم وأجهزته المختلفة لوظائفها .. فيصاب الواحد بارتفاع مفاجئ في ضغط الدم أو بهبوط حاد في الدورة الدموية يؤدي الى الإصابة بالإغماء أو الإحساس بالاختناق .. الخ" وقد يؤثر على أجهزة الجسم نفسها فيصاب الواحد في الحالات الشديدة – بالشلل النصفي أو بالسكتة القلبية أو الدماغية.. وهلم جرا .. وقد يؤدي اعتلال الصحة ولو بشكل وقتي الى سوء الحالة المزاجية فالذي يعاني حموضة أو عسر هضم أو دور أنفلونزا أو ما شابه ذلك تجد مزاجه على الأغلب "منحرفا" وبالتالي يؤثر ذلك على تعاملاته أو قراراته وقد يتخذ موقفا أو قرارا في موضوع مهم وهو في هذه الحالة المزاجية السيئة قد يندم عليه فيما بعد أشد الندم .. والأمر قد يكون بالغ الخطورة أحيانا على الشخص نفسه أو على المتعاملين معه أو على زوجته وأبنائه فيكون مصير هؤلاء معلقا على خيط رفيع يمثله تقلب المزاج وعدم ثباته .. على أن تقلب المزاج يختلف بين شخص ,آخر اختلافا بيننا فمن الناس من يستطيعون أن يعزلوا تقلب المزاج عن قراراتهم وتعاملاتهم وهذا ما ينبغي ان يكون – بل ان منهم من لا يسمح لنفسه بتقلب المزاج لآي سبب أياما كان وهؤلاء الآخرون قدوة لغيرهم من الناس فالإنسان حين يترك لنفسه العنان ويجعل مزاجه رهنا بتقلبات الأحوال هو انسان قليل المقاومة .. هش وربما – واسمحوا لي باستخدام هذا التعبير المتداول - انه شخص "دلوعة" فلا ينبغي الانسان راشد ان يسمح لنفسه بأن يكون متقلب المزاج هكذا ساعة فوق ساعة تحت !! فالأطفال هم الذين لا يسيطرون على مشاعرهم ، لأنها ما زالت لم تنضج بعد أو هي في طور النضج .. فالطفل يبكي لدى أي بادرة غير مواتية بالنسبة له كأن يرى شخصيا غريبا يقترب منه أو حين تبدأ أسنانه تشق طريقها في اللثة وتقول عنه أمه أنه "منيئ" والبكاء هو وسيلة التغبير الوحيدة لدى الطفل للتعبير عما يخفيه أو يؤلمه أو يشعره بعدم الارتياح والطفل لا يؤاخذ (طبعا) على تعبيره عما بداخله بهذه الطريقة أما الانسان البالغ الناضج فينبغي له ألا يسمح لنفسه ان يكون كالطفل .. ويترك لنفسه المزاج بأن يتصرف على نحو مماثل لما يفعله الطفل... سواء بالتكشير أو بالصوت المرتفع أو بالسباب !! سيطرة الانسان الرشيد على مشاعره وأحاسيسه في غاية الأهمية هذه السيطرة تشكل عازلا بين الأحداث وتقلب المزاج وترفع من قدر الانسان في نظر نفسه وفي أعين الآخرين فالناس لا تحترم الشخص متقلب المزاج ولا تأمنه لأنه يمكن في غضبه ان يفعل أي شيء مثل ان يلقي يمين الطلاق على زوجته ثم يندم ويردها .. ثم يلقي يمين الطلاق مرة أخرى ثم يندم ويردها وقد جعل الله سقفا لهذا التصرف لا يمكن تجاوزه فجعل الطلاق مرتين فقط والثلاثة لا ينفع فيها ألا ان تتزوج امرأته الطالق شخصا آخر ثم يطلقها هذا الشخص طواعية قبل ان تتزوجه مرة أخرى وهذا القيد هو لردع الناس والزواج منهم خاصة – وحتى لا تكون تصرفاتهم وليدة تقلب المزاج أو سوء المزاج لأي سبب كان "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (البقرة 229) وفي الآية التالية " فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح من غيره " (البقرة 230) وهكذا يعلمنا الله ما يجب ان تكون عليه تصرفاتنا وهو ألا نترك لانفسنا العنان حين نغضب أو " تنحرف" أمزجتنا بل ان نسيطر على انفعالاتنا ونحكمها ولذلك يمتدح رب العزة الكاظمين الغيظ والذين يعفون عن الناس إذا فعلوا ما يسيء اليهم والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " آل عمران 134) فكظم الغيظ والعفو عن الناس هما من قبيل السيطرة على المشاعر وهو شيء محمود يعتبره الله من الإحسان والإنسان الذي يجعل نفسه طيعة لتقلب المزاج سوف يجد أشياء كثيرة تقلب مزاجه وتعكره فتجد أناسا يتعكر مزاجهم لأقل شيئ ..ويرغبون ويزبدون (كالجمل الهائج) ويتصرفون باندفاع ودون عقلانية ويأتون أفعالا توقعهم أحيانا تحت طائلة القانون كأن يقوم واحد بضرب شرطي المرور قفل عليه الإشارة !!! كما نقرأ بين الحين والحين في صفحات الحوادث والقضايا أهذا إنسان ؟ أو ينهال ضربا على ابنه أو ابنته حتى الموت لغلطة بسيطة كأن يتأخر الطفل على أبيه في شراء علبة سجائر !! وهو ما قرأناه أيضا منذ أيام ( أسمع عن آباء من أصحاب المهن المرموقة يضربون أبناءهم ويناتهم بالحزام !! أي والله بحزام البنطلون شيء مؤسف بل مقزز ) وقد يسببون لهم عاهة مستديمة يضربونهم على الوجه بشدة فتتمزق طبلة أذن الواحد منهم أو تنفقئ عينه !! وهذا لانهم لا يسيطرون على أنفسهم حين الغضب أو اعتلال المزاج "العالي" مثل هؤلاء "أطفال كبار " أي في السن والحجم فقط وليس في العقل .. أو في السيطرة على النفس والانفعالات وصدق الله - صلى الله عليه وسلم – اذ يقول ليس الشديد بالصرعة وانما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب أي ليس القوي هو من لديه عضلات مفتولة يستطيع بها ان يصرع غيره ويطرحه أرضا !! ولكنه من يملك نفسه ويسيطر عليها حينما يغضب ، فلا تظهر عنه تصرفات طفولية في حقيقتها . الانسان المؤمن إنسان متحضر بمعنى الكلمة فالدين يتطلب من المؤمن ان يكون مثاليا في تصرفاته أو اقرب ما يكون راقيا في أفعاله وأقواله حركاته وسكناته يجعل من أرادته حاجزا واقيا من تقلبات المزاجوان يكون متسامحا حتى في حالة غضبه وإذا ما غضبوا هم يغفرون " الشورى 37) ..أعزائي القراء ---عزيزاتي القارئات لا تجعلوا حالتكم المزاجية رهينة لتقلبات الظروف يرحمكم الله

فهرس العدد 64


وقاية الطفل من العنف

د.احمد جمال أبو العزائم

رئيس الاتحاد العالمي للصحة النفسية

سبق وأن تحدثنا في العدد السابق عن وقاية الطفل من العنف وبعض من أساليب في كيفية التعامل مع الطفل في المنزل أو المدرسة وفي هذا العدد نكمل حديثنا في كيفية التصرف مع الأطفال في أفعاله وكيفية التعامل معه ومعاقبته.

حاول أيجاد وسائل لكي تجعل طفلك قويا :

يجب أن يبحث الأبوان دائما أثناء صراعات القوى مع الطفل كيف يمكن لهما إعطاءه الحرية والقوة في هذا الموقف ... فعندما تامر آلم بعدم إلقاء مخادع"الكنبه" أرضا فالأفضل ان تطلب منه بدلا من ذلك ان يكون الحارس والمراقب لمخادع الكنبة التي تسقط كل دقيقة .. فان هذا الحل الذي جعل منه مسئولا واعطاه وظيفة قد يؤدي الى نهاية طيبة لمثل هذا الصراع .

افعل غير المتوقع :

ان الأبوين يمكنهم تغيير ما هو منهم أثناء صراعهم مع أطفالهم مثل طلبهم من ابنهم أن يذهب لإحضار بعض الحلوى من الدولاب لنقلها الى مكان آخر أو ان يقول " إحنا بقالنا كثير ماخرجناش عاوزين نخرج ألنها ردة " ان هذا ليس تشجيعا عل التمرد ولكن إعادة تجديد العلاقة مع الطفل تجعله يحرص على الحب والتعاون ويجعل ذلك راسخا في ذهنه .

لماذا لا يكون المكسب المشترك هو الهدف :

ان نهاية كل صراع يكون مكسبا لطرف والخسارة لآخر .. غير ان مبدأ المكسب المشترك في أن يشعر كل من الطرفين بأنه حقق كل ما يريده وهو أفضل شيء .. ان ذلك يتطلب المفاوضة ولا استجابة لبعض طلباتهم المقبولة فان ذلك سوف يكون له انعكاسا جيدا على الأسرة فانه يجب ان تكسب ويجب أن يكسب ويجب ان يشعر هو بالمكسب فهل تستطيع ان تجد أسلوبا يحقق لك ولطفلك القوة ولا يجعلك تستسلم ولا يجعله يستسلم أيضا .

كيف تتعامل بحكمة مع كلمة لا :

بعض الآباء يعتقدون ان الطفل يقول " لا لرفض سلطتهم في حين أن بعض التعاملات داخل المجتمع جميعها تبدأ بكلمة "لا" .. ففي الحديقة مثلا يوجد كلمة "لا" تقطف الزهور... لا تلق القاذورات قل "لا" للمخدرات لذلك فأننا يجب ان تعتبر كلمة "لا" من الطفل هي عدم موافقة على الشيء وليس عدم الاحترام للأمر .

-ضع دائما في اعتبارك أنك تريدهم أن يقولوا وبحزم "لا" لضغوط أصدقاء السوء التي تدفعهم للانحراف وللخطأ وللرذيلة وان استخدامهم لكلمة "لا" بدون تردد هو حيوي في الحفاظ عليهم .

قهر الأطفال يؤدي الى الانتقام :

ان الأطفال الذين يتعرضون للقهر أو للأضعاف او لتخويف أو الضرب يعمدون الى الحصول على القوة من خلال الانتقام انهم سوف يوجهون الأذى للآخرين لانهم يحسون بالألم وسوف يمارسون كل نشاط يؤدي الى إيذاء الآخرين فالانتقام عند طفل الثانية يحدث من خلال بصفته الطعام وقلبه الأطباق بيده والانتقام في سن السادسة عشر سوف يكون بتعاطي المخدرات والرسوب في الامتحانات والانتحار والأطفال عندما يمارسون معارك القوة وسلوكيات الانتقام فانهم يفعلون ذلك لانهم عاجزون ولا يجدون أسلوبا إيجابيا لكي يتواصلوا مع هذا المجتمع ولانهم يعرفون أن هذا السلوك له قيمة .. ان جميع الآباء يحاولون تربية النشء لكي يصبح مطيعا قادرا على اتخاذ القرارات ولديه ثقة فيما اختاره لحياته . ان طفلك سوف يرى المستقبل أكثر وضوحا اذا أعطيت له الفرصة لكي يمارس منذ بداية حياته بطريقة إيجابية وسليمة .

قل لطفلك " انا أحبك "

هل هناك كلمة أجمل من كلمة أنا بحبك هل هناك كلمة أكثر عذوبة أنها الطبيعة الجذابة التي تجعل الطفل والأسرة في سعادة وفي كثير من السر فان هذه الكلمات تأتي بسهولة وبجمال – ولكن إذا ترعرعت في أسرة لا تقولها فقد تحس بأنك تعيش في جو صناعي غير آمن ان استعمال كلمات الحب بمعنى محيط مثل " يا حبيبي هأذيك" سوف تجعل طفلك غير مرتاح لكلمات الحب ولن يكون قادرا على استخدام هذه الكلمات براحة في مستقبله .. كثير من الأسر لا تتواصل مع أبنائها بهذه الكلمات أو بمشاعر الحب أو يستخدمونها بطريقة مدمرة .. أو الذين يترددون على عيادات الطب النفسي غالبا لا يسمعون هذه الكلمات من أسرهم . أنه من الخطأ الربط بين كلمات الحب والقدرة الكلامية على الأداء ( أنا بحبك ولازم تنجح ) أو (حبي لك سوف يزيد لو نجحت ) ان مثل هذه الكلمات قد تعني العكس ان كلمة أنا بحبك لطفلك يجب أن توجه بأسلوب تجعل طفلك يقول لك " وأنا بحبك قوي يا بابا كمان .. أو يا مما " إذا ترعرع الطفل على النقيض من هذه المفاهيم فان الكوارث تحيط بالأسرة أننا جميعا نحتاج الى هذه الكلمات الجميلة كما أن كل ما نرعاهم يحتاجون لسماع هذه الكلمات .. هنا وعادة فان ما يحبون ولكن من المهام سماع هذه الكلمات مجردة غير مرتبطة بأشياء أخرى ان الأطفال قد يقولون لآبائهم (أنت مش بتحبني ) وهو يعني ذلك أحيانا لذلك حاول أن تحافظ على بساطة الكلمة وأن تؤكد له دائما (أنا بحبك ) .

لا تقول (أنا بحبك ولكن )

ان استخدام كلمة أنا بحبك قبل إظهار الغضب من شيء فعله طفلك أو أثناء مواجهة بينك وبينه هو خطأ . لا تدخل كلمات الحب في مواجهة أخطاء ابنك ولا تقل له (وأنا بحبك ولكن) فمهما قلت قبل كلمة " ولك " فان كلمة ولكن سوف تلغي ما قبلها .

كما ان استعمال كلمة " ولكن" هو نوع من أنواع التسويف والخلط فان مثل هذه " ولكن"على ان الحب بشروط وعابر وليس دائما.

لا تتوقع المقابل من طفلك :

يجب أن تقول دائما " أنا أحبك) لانك تريد أن تقول له " أنا بحبك" قلها فقط لأنها كلمة جميلة ولا يجب تعكير صفو معناها العميق فان كلمة أنا بحبك هي إقرار قوي يحمل معاني كثيرة وسوف تثير ردود أفعال جميلة من طفلك .

ان ربط هذا المعنى الجميل بتوقعات من الطفل سوف يفسد معنى الحب وسوف يفسد ما تتوقعه من طفلك ان طلبك مقابل حبك لطفلك سوف يجعله يبادلك الحب فقط خوفا من الذنب أو خوفا من المعارك ولكنه ليس حبا أصيلا ومودة جارفة فهل هذا هو حقا ما تريد ؟

حول الحب الى الداخل :-

ان اكثر أنواع الحب التي تلبي حب الآخرين هو حبك لذاتك فان القدرة على الحب والاهتمام والرعاية للنفس هو صحي لذلك انظر الى المرآة وأنظر الى عينك وقل لنفسك أنا احبك .. ولكن قلها بعمق وقلها بتكرار فان ذلك سوف يجعلك تراجع بعض أفعالك وسلوكياتك وسوف يجعلك قادرا على أن تكون أبا محبا أو أما محبة .

ماذا يحدث عندما لا يحبك طفلك :

أنا مش بحبك با ماما ان هذه الكلمة إذا قيلت فأنها تكون دليلا على خطأ في العلاقة فان رفض طلب طفل لكوب من اللبن في وسط النهار قد يؤدي الى مشاعر خاطئة داخل الطفل . ان أي طفل يؤدي ما عليه من واجبات بصفة مقبولة سوف يقاوم جهود والديه في وضع حدود ولو معقولة لحياته ان تجاوز ذلك وتقيد الطفل هو نذير لمعارك غير نظيفة بين الأبوين وطفلهما .

أنا بكرهك يا ماما .. لا يوجد شيء يثر في الانسان الغضب والخجل والصدمة والإحساس بعدم الكفاءة أسرع من هذه الجملة ( انا بكرهك يا ماما ) .

ان هذه الجملة يصعب سماعها من أي إنسان تحبه والأطفال يعلمون ذلك .. أنهم يدركون في سن مبكرا أن مثل هذه الجملة هي اقصر طريق الى حجم كبير من الاهتمام حتى لو كان سلبيا.. ولكنهم يرغبون في إظهار الحاجة الى التغيير .

كيف تواجه هذه الكلمات :-

يجب أولا أن تعلم أن الحل بسيط على الأقل فيما سوف تقول : أولا : تجنب الحديث والمناقشة عن مدي صحة هذه الكلمات وتجنب الأحاسيس المصاحبة لمثل هذه الكلمات - حاول أن تفكر في سبب هذه الكلمة – أبحث ذلك مع شريكة عمرك أو صديقك ولكن لا تكيل الطفل ضربا لهذه المقولة . ...يجب بدلا عن الغضب أن تسارع وتقول لطفلك ( أنت الظاهر زعلان قوي ) أو ( أنا فاهم إيه اللى مز علك ان ذلك سوف ينهي الصراع ويوقف الاشتباك خاصة إذا أثارت هذه الكلمات غضبك حاول أن تجد سببا لما أغضبه أما اذا استمرت في عنادك وتماديت فيما أدى بطفلك الى هذه الكلمات فان طفلك سوف يستمر في استخدام هذه الكلمات لكي يستمليك الى التغيير يجب ان تدرك مبكرا أن كلمات الحب تسعدك أنت .

فهرس العدد 64


ضرورة الفحص النفسي لقائدى السيارات

د.لطفي الشربيني

استشاري الطب النفسي

الطريق الممهد على سطح الماء أو في الاتجاه المعاكس ، وتؤدي الأدوية المهدئة مثل الفاليوم (ديازبام-Deazepam) الى زيادة زمن الرجع أي مدى رد الفعل بين استقبال مؤثر ما والاستجابة له مما يفقد السائق القدرة على تلافي المواقف المفاجئة ، وتؤدي المنشطات مثل الامفيتامين الى حالة من التوتر والروعنه والميل الى المجازفة والمغامرة مما تتسبب في الحوادث ، كما تؤدي الى الهلاوس والخداعات حيث يتخيل السائق بعض الأشياءفي الطريق على صورة أشباح تختلف عن شكلها الحقيقي ،ومن المعروف في كل بلاد العالم أن القيادة تحت تأثير مثل هذه المواد ممنوعة قانونا وعقوبتها رادعة كما أن طرق الكشف عنها متوفرة ويتم ذلك بصورة فورية ومنتظمة .

علاقة التدخين وعوامل خفية أخرى بالحوادث :

أفادت بعض الدراسات عن تزايد نسبة التعرض للحوادث في المدخنين الذين يمارسون عادة التدخين أثناء القيادة ، وتفسير العلاقة الثابتة بين إشعال السجائر وتدخينها أثناء القيادة ،وتفسير العلاقة الثابتة بين إشعال السجائر وتدخينها أثناء القيادة السيارة وبين مخاطر التسبب في بعض الحوادث لذا فقد ثبت أن التدخين يؤدي الى تشتيت الانتباه والانشغال عن التركيز في القيادة من ناحية ومن ناحية أخرى فان مادة أو أكسيد الكربون السامة في دخان السجائر داخل جو السيارة المغلقة تزيد من نسبة هذا الغاز في الدم وتؤثر على وظائف المخ و الأداء العصبي اللازم للسيطرة على الحركات الدقيقة أثناء القيادة ومن وجهة النظر النفسية فأننا ننصح بعدم التدخين نهائيا أثناء قيادة السيارة . .. وفي دراسات أمريكية أجريت بواسطة عالم النفس الأمريكي Lesse تبين أن بعض الناس لديهم استعداد خاص للتعرض للحوادث أطلق عليهم قابلية التعرض للحوادث accident prosenss وقد فسر عالم النفس ذلك بأن البعض من الناس لديهم رغبة لاشعورية في تدمير أنفسهم يتم التعبير عنها في صورة حادثة تبدو للناس كما لو كانت قضاءا وقدرا لكن الاكتئاب الداخلي لديهم والملل من الحياة هو الدافع اللاشعوري لارتكابهم الحادث الذي قد يؤدي بحياتهم .وحين تكون هذه الحالة لدى من يقود السيارة فانه يضع نفسه دون ان يدري في الموقف الذي يكون فيه ضحية للحادث ، وهذه حالة غريبة فقد لا يتصور أحد ان ضحية الحادث قد أقدم دون أن يدري على الانتحار بهذه الطريقة .

آثار نفسية مدمرة للحوادث:

تعتبر الخسائر النفسية المتمثلة في الآثار النفسية السلبية الناجمة عن الحوادث أهم وأخطر من الإصابات المباشرة بالجروح والكسور والكدمات التي تحتاج الى الإسعاف وتلتئم مع مرور الوقت ، ولكن الآثار النفسية التي عانى منها الناجون من الحوادث وخصوصا أولئك الذين يشاهدون هذه المواقف الصعبة حين يتعرض المرافقون لهم للقتل تتناثر أشلاؤهم ، وتسيل الدماء من الجراح ، ويعلو صراخ الجرحى فان هذه المشاهد المأساوية تمثل صدمة نفسية هائلة تفوق طاقة الاحتمال لكثير من الناس ، وينشأ عن ذلك الإصابة بحالة نفسية شديدة يطلق عليها الأطباء اضطرابات الضغوط بعد الصدمة وتعرف اختصارا PTSD وفي هذه الحالة تسوء الحالة المزاجية للمريض وتظل الصور والمشاهد التي عاشها أثناء الحادث ماثلة في ذهنه أثناء اليقظة ويستعيدها أيضا في صورة كوابيس وأحلام مزعجة أثناء النوم الذي يصبح متقطعا ، وتسوء حالته وتتدهور لدرجة قد تسبب له عدم القدرة على القيام بعمله وممارسة حياته الاجتماعية مع أسرته والآخرين ،وهي حالة مزعجة حقيقية بسبب هذه الحالة النفسية .

وقدر نسبة حدوث هذه الآثار النفسية الشديدة بما يقرب من 25% من الذين يتعرضون للحوادث ن أي واحد من كل أربعة ، وتشبه هذه الحالة ما يحدث للجنود عقب الحروب حين يتعرضون للكوارث الجماعية والفردية ولا يستطيع أحد ان يقدر تكلفة هذه الحالات التي تمثل نموذجا للإعاقة النفسية للناجين من الحوادث رغم ان بعضهم لم يصب بسوء من حيث الجراح أو الكسور لكن الآثار النفسية للحوادث تظل سبب معاناة مزمنة لهم ، وغالبا فان لاذين يقدرون تكلفة الحوادث يذكرون خسائر الرواح من القتلى والمصابين بجروح وكسور واضحة ولا يضيفون الأعباء النفسية الحوادث التي يدفع ثمنها الناجون ومعهم أسرهم واقاربهم والمجتمع أيضا .

ما الحل من وجهة النظر النفسية ؟

أعراض هنا اقتراحا هاما للغاية يمكن ان يحد من الحوادث بشكل كبير يتعلق بالعوامل النفسية التي تقف وراء نسبة عالية منها ، وكما هو معروف فان لاذين يمنحون رخصة القيادة يطلب منهم شهادة طبية بالخلو من الأمراض وشهادة فحص العين لقوة الأبصار لكن احدا لم يفكر في الناحية النفسية فقد يكون الشخص لديه حالة اضطراب عصبي مثل نوبات الصرع التي تحدث في أي وقت لا تظهر في الفحص الطبي المعتاد لأنه بين النوبات يكون طبيعيا تماما ، أو قد يكون مصابا بحالة نفسية مثل الفصام العقلي الذي يجعله يتصور أحيانا انه يسمع أصوات هلاوس تتحاور معه وتطارده ، أو التخلف العقلي الذي يمنع من الحكم الدقيق على الأمور أو تقدير المواقف ، أو حالة الهوس التي تؤدي الى الهياج الشديد وعدم المبالاة ،وكذلك اضطرابات الشخصية التي تتسبب في الميل الى السلوك العدواني دون خوف من أي عقاب ، حيث أن المؤثرات العقلية التي ذكرنا نماذج منها تؤثر على الإدراك وتقدير المسافات وزمن رد الفعل ، ونحن بحكم العمل في مجال الطب النفسي نصادف بعض المرضى الذين يقودون سياراتهم وهم يعانون من اضطرابات عقلية لا يمكن معها ان نتوقع معهم التصرف بطريقة سليمة أثناء القيادة وتمثل هذه مشكلة أخلاقية قانونية هامة من وجهة نظر الطب النفسي حيث ان الطبيب النفسي يجب في هذه الحالة ان يبلغ من يهمه المر بأن هذا الشخص خطر على نفسه وعلى الآخرين خاصة حين يقود سيارة في الطريق لكن الغالب ان الطبيب فقط ينصح المريض الذي لا يتوقف عن قيادة سيارته ويستمر في ذلك ، ولا يتم الإبلاغ عن شيء لان في ذلك مشكلات كثيرة لا يستطيع الأطباء التفرغ لها .

وفي كتابي "الطب النفسي" والقانون طرحت هذه المشكلة العلمية التي نصادفها أثناء العمل في العيادات النفسية حين نلاحظ أن بعض المرضى ممن لا تسمح حالتهم بقيادة آمنة للسيارات اما بسبب حالة التوتر التي تؤثر على قدرة المريض في تقدير الأمور أو بسبب إدمان المريض على بعض أنواع المخدرات التي تؤثر على الإدراك والوعى والانتباه وزمن رد الفعل ، وحتى الأدوية النفسية التي توصف عادة لعلاج هؤلاء المرضى غالبا ما تؤثر على هذه الوظائف والمشكلة هنا هي قاعدة الاحتفاظ بالثقة والسرية المهنية لحالة المريض ولكن هناك قاعدة أخرى توجب التحذير والحماية للمريض والمجتمع ما بالابلاغ للمنع من قيادة السيارة ولا تزال هذه المشكلة المتناقضة محل جدل وخلاف من وجهة النظر الطبية والقانونية . واقتراحي هنا هو ان يكون الفحص النفسي والعصبي ضمن شروط استخراج رخصة القيادة وان يتم ذلك بصورة جدية واري ان ذلك سيكون من شأنه الحد من الحوادث بصورة ملحوظة.

فهرس العدد 64


مقومات الشخصية القوية

قوة الذات

دعاء محمود أبو العزائم

( هل يولد بعض الناس أقوياء في الشخصية بينما يولد آخرون ضعفاء فيها؟ أم أن القوة والضعف هنا عاملان مكتسبان ؟

لاشك ان هناك من يولد اقوي شخصية من غيره ، فكما يرث أحدنا الصفات الجسدية لآبائه وأمهاته كلون بشرته ، وتقاسيم وجهه ، كذلك فانه يرث صفاتهم النفسية بنسب معينة ولكن ذلك لا يعني ان من لم يرث قوة الشخصية من آبائه فانه لا يمكنه اكتسابها . فالصفات التي نرثها ليست كلها من النوع الذي لا يمكن تبديلها وتغييرها ، ولا من النوع الذي لا يمكن الإضافة عليها بشكل أو بآخر فظروف الحياة والتجارب التي يمر بها الانسان وتصميمه وتحديه كلها تشكل عوامل تساعده الى زرع الصفات التي يرغب فيها في ذاته لتنو في شخصيته . وهذا يعني ضعفاء الشخصية يمكن ان يصبحوا بمرور الزمن أقوياء وفي ذات الوقت يمكن ان يولد أشخاص أقوياء في شخصياتهم من جهة الوراثة ولكنهم بفعل الظروف الاجتماعية والعائلية يفقدون قوة شخصياتهم .. ان النظر الى الواقع العملي يكشف عن أن الأكثرية من أقوياء الشخصية هم من الذين اكتسبوها من خلال الخطوات العملية التي مارسوها في حياتهم وانهم كانوا يعانون من الضعف في فترات سابقة من حياتهم وهذا يعني ان كل إنسان يولد بحد أدني من قوة الشخصية ومن خلال التربية والإرادة والممارسات العلمية يكتسب قوة إضافية يضيفها الى رصيده الطبيعي منها . .. ان قوة الذات في جميع البشر تكمن في الالتزام بهدى الفطرة التي يولدون بها وهي تلك الطهارة الداخلية التي تولد الحقيقة ومنها تنبع القوة كلها ... ولا عجب فقد نرى رجلا فقيرا فاشلا في حياته قد تحول الى قوة كبرى تحدى بها اكبر إمبراطورية وانتصر عليها وها هو غاندى الذي حرر الهند من بريطانيا عندما كانت أكبر قوة استعمارية ، من غير اللجوء الى أي قوة ألا ما سماه قوة الحقيقة " . ان الحفاظ على الطهارة الداخلية النابعة من الفطرة والأيمان الصادق بالمبدأ والعمل المخلص من أجله تعطي الذات قوة عظمى لا يقتصر تأثيرها على الزمن المعاصر لها بل تتدفق الى الزمنية اللاحقة أيضا .

اليس كل ذلك متوفرا للناس ؟

حقا .. ان للصدق قوة كبرى وكذلك الأيمان والعدالة والحرية والأخلاق وكل من يلتزم بها ، ويعمل من أجلها تصبح له قوة في الذات الإنسانية وتأثيرا إيجابيا في الحياة بقدر ما يحمل من ذلك .. فمثلا الصدق هو الذي يعطي الحياة معنى عبر القوة التي يمد بها صاحبه وكذلك الأمر مع الأخلاق الفاضلة ، حيث ان لها سلطانا على النفوس حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يلتزمون بها .. فحتى الكذاب يحترم من يلتزم بالصدق وحتى الظالم لا يستطيع الا ان يحترم – على الأقل في أعماق نفسه .. من يرفع رايه العدالة في وجهه .. وفي هذا يكمن السر في عجز الطغاة عبر التاريخ عن القضاء على الأنبياء والرسل الصالحين .. ان في الروح ينبوعا من القوى الهائلة وكل من يقترب من هذا الينبوع ويرتشف منه يصبح لديه قوة يسميها البعض سحرية ولكنها هي قوة الروح الحاكمة على الحياة .. أليست الروح من أمر الله ؟ يقول تعالي : " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قد يظن البعض ان لاذكاء أو العلم مهمان جدا من أجل كسب النجاح أو الأهمية في المجتمع ألا ان تجارب كل الناجحين تدل على أن قوة الشخصية تساهم في نجاح العمل اكثر بكثير مما يساهم به الذكاء مهما كان خارقا ..

وقد يتساءل البعض ما هي الشخصية ؟

الشخصية هي مجموعة ميزات الانسان الروحية والفكرية والجسدية وميوله ورغباته وتجاربه وتدريباته وطريقة حياته وهي تتأثر بالوراثة والبيئة والتربية ... ولا شك ان من افتقد جانبا من قوة الشخصية مثل الوراثة فانه يمكن تقويتها لديه من خلال جوانب أخرى كالتربية والتدريب وهذا يعني انه يمكننا بالتأكيد ان نجعل شخصياتنا اكثر صلابة وأكثر جاذبية ونسعي للحصول على أقصى ما نستطيعه من خلال هذه الجوهرة التي وهبها الله تعالي لنا ..

فهرس العدد 64

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

   
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية