التربص

التربص

تتطاير على ألسنتنا وفي مواقع تواصلنا الإجتماعي كلمات نعرف بعضها منذ زمن بعيد ولكنها أخذت أبعادا واسعة الآن في حياتنا مثل التربص والتنمر والتحرش والإغتيال المعنوي , وهي كلمات تقع على متصل التعامل العدائي أو على الأقل العنيف , فهي كلمات خشنة تعكس ما أصاب تواصلنا من الترصد والتصيد للأخطاء والسخرية الجارحة والعدائية والهجومية وتحقير الآخر المخالف ونبذه وازدرائه واستبعاده . واليوم نتتبع مفهوم التربص من الناحية اللغوية والنفسية والإجتماعية والسياسية والدينية .

والتربص له عدة معاني فهو مثلا يعني الإنتظار والترقب لأقوال الآخر أو أفعاله بهدف تصيد أخطائه , أو عمل كمين للآخر بهدف النيل منه .

السمات الشخصية للمتربص :

1.     يحب أن يحرج الآخرين ويستمتع برؤيتهم وهم في موقف دفاع عن أنفسهم .  .

2.     يعمل على اصطياد أخطاء الناس وإظهارهم بمظهر الاغبياء من خلال تعليقاته اللاذعة واستهزائه بهم 

3.     قد يحاول الحصول على اهتمامك وجذب انتباهك عن طريق سخريته اللاذعة . ودافعه الرئيسى هو البحث عن مودتك واهتمامك ولكن بطريقة خاطئة .

4.     يبدو متعاليا وكأنه عليم ببواطن الأمور والنفوس .  .

أنماط من التربص :

التربص الفردي :

أن يتربص شخص بآخر فيراقبه وينتظر وقوعه في الخطا ليلومه أو يعايره أو يشهر به أو يفضحه أو يورطه . وهذا التربص الفردي قد يكون بين أب وابنه أو بين أخ وأخيه أو زملاء العمل أو الأقارب , وقد يظهر الطرف المتربص وكأنه يخاف على مصلحة المتربص به , وأنه يراقبه للتعرف على نقاط ضعفه وإصلاحه وتهذيبه , وقد يكون بعض هذا صحيحا ولكن في الأغلب يصل إلى نتيجة مؤذية , أو يكون ستارا لعدوانية مستترة لدى الطرف المتربص , وهو في النهاية لا يصل إلى أي نتيجة إصلاحية , بل يشعر الطرف المتربص به أنه مستهدف , وأن ثمة كمين منصوب له طول الوقت ليقع فيه .

التربص الأسري :

 ويقع في نطاق الأسرة حين تتربص زوجة بزوجها فتراقب حركاته وسكناته , وتشك فيه , وتتنصت على مكالماته , وتتصفح مراسلاته ومحادثاته على وسائل التواصل الإجتماعي , فهي تشك فيه طول الوقت وتتحين الفرصة لأن تمسك عليه دليل إدانة لتفضحه وتشهر به , وقد يحدث نفس الشئ من الزوج الشكاك سئ الظن . أو قد يقف كل طرف لللآخر على كلمة أو تصرف ويحاسبه حسابا شديدا عليها , وتغيب معاني السماح والغفران بينهما , بل ربما يحفظان كل الزلات والأخطاء ويحتفظان بأدلة الإدانة للإستفادة بها واستخدامها كأسلحة وقت الخصومات .

التربص الإجتماعي :

ويحدث بين المجموعات والجماعات المختلفة حين تتحين الفرصة لأي سقطة من مجموعات منافسة أو معارضة أو معادية فتشهر بها وتفضحها وتحقر من شأنها وتمارس كل أنواع التمييز العنصري ضدها من الوصم إلى الإدانة إلى التحقير إلى النبذ إلى الإغتيال المعنوي أو حتى المادي .

التربص الديني والطائفي :

وهو من أخطر أنواع التربص ويحمل حساسيات شديدة حين ينظر أصحاب كل دين أو طائفة دينية إلى المخالفين لدينهم أو طائفتهم نظرة تعصبية تكفيرية ملؤها التعصب والكراهية وينتج عن هذا محاولات للتهميش أو النبذ أو القتل . والتربص الديني قد يأتي في صورة كتب أو مقالات أو خطب أو محاضرات أو نكات أو صور أو وثائق تشوه الآخر وتدعو لتحقيره وكراهيته أو قتله .   

التربص الإعلامي :

 ربما كانت وسائل الإعلام (التقليدية والإلكترونية ) سبّاقة إلى ترسيخ سلوك التربص في المجتمعات حيث دأبت على تصنيف الناس ووصمهم وشيطنتهم والتشكيك في نواياهم وتصيد أخطائهم وتتبع زلاتهم وهتك سترهم ونشر تسجيلات صوتية أو صور لهم تسئ إلى صورتهم وسمعتهم , وتمادت وسائل الإعلام بدوافع شخصية أو سياسية فوصلت إلى عمليات اغتيال معنوي للكثير من الشخصيات أو المؤسسات أو الأنظمة أو المجموعات على الرغم من مخالفة ذلك لآداب ومواثيق شرف مهنة الإعلام .

التربص السياسي :

فقد دأبت الأحزاب والمجموعات السياسية وجماعات المعارضة وجماعات التأييد والموالاة على التربص بالآخرين الذين لا تتفق معهم وتنتظر أي زلة لتعاير بها وتشمت فيها وتغتال المجموعة المنافسة أو المعارضة أو المعادية , وللأسف سقطت أو أسقطت كل المعايير الأخلاقية والقانونية والسياسية في هذه الممارسات وأصبح الهدف الوحيد هو تشويه الأخر أو تحطيمه أو إزالته من الوجود , وغاب مفهوم المنافسة السياسية الشريفة من خلال صناديق الإنتخابات وسائر المسارات السياسية , وتحولت الممارسة السياسية إلى سب وقذف وتربص وتنمر واغتيال . وقد يقول قائل بأن التربص شئ مشروع في المنافسة السياسية بين المجموعات السياسية والأحزاب بهدف الوصول إلى الحكم وتداول السلطة , وهذا ليس صحيحا على إطلاقه لأن الحزب المتربص هنا سيفقد قدرته على رؤية إيجابيات الحزب المنافس وحين يصل إلى السلطة سيهدم كل الإيجابيات السابقة لا لشئ إلا لأنها تنتمي إلى حزب منافس , وهذا نوع سلبي من المعارضة تسمى "المعارضة لإسقاط الحكم " .

التربص الدولي :

ونراه بوضوح الآن بين الدول وبعضها خاصة تربص الدول الكبرى بالدول الصغرى بهدف احتوائها والسيطرة عليها وابتزازها ونهب ثرواتها , أو قد يحدث التربص بين قادة الدول وزعمائها بعضهم البعض بهدف الضغط وتحقيق المكاسب أو الإنتقام , وهنا تستغل كل الإمكانات المعلوماتية والمخابراتية لتتبع الآخر وكشف سوءاته والنيل منه أو تركيعه .

دوافع التربص :

قد تبدو دوافع التربص مشروعة لدى بعض المتربصين مثل الأب الذي يتربص بأبنائه لكشف زلاتهم وأخطائهم بهدف إصلاحها كما يدّعي أو يتوهم , والزوجة التي تتربص بزوجها بهدف منعه من الخيانة أو الإنزلاق في الرذيلة , والزوج الذي يتربص بزوجته بهدف إصلاح اعوجاجها وحمايتها من الخطأ .... وهكذا . ولكن في كل الحالات يكمن وراء سلوك التربص الكثير من الشعور بالتعالي والوصاية والتحكم وعدم الثقة في الآخر . ففي التربص الأسري خاصة تتحول الرعاية إلى وصاية وتتحول الوصاية إلى تحكم وتسلط واستعباد .

وفي أنواع التربص الأخرى تكون العدائية واضحة ومعلنة يصاحبها كراهية واحتقار ورغبة في تدمير الآخر من خلال تصيد أخطائه وتضخيم زلاته وسقطاته . وقد يقوم المتربص بإسقاط كل نواياه السيئة وصفاته القبيحة على المتربص به وهذا يمنحه راحة نفسية إذ يتخلص من كل عيوبه حين يراها وكأنها موجودة في الآخر فيطمئن على ذاته وأنه بخير , وهذا يحقق معادلة الإسقاط البارنويدي " أنا بخير وأنت لست بخير " . وحتى لوشعر المتربص بعيوبه وزلاته واعترف بها فهو يحتاج لأن يرى هذه العيوب والزلات في الآخرين حتى لا يصبح هو الوحيد صاحب هذه العيوب , وبذلك يحقق معادلة " أنا لست بخير , وأنت كذلك " ( كلنا في الهوا سوا , أو كلنا في الهم سواء , أو ياعزيزي كلنا لصوص ) .

والمتربص فاقد للثقة بذاته , وفاقد الثقة بالآخرين بالتبعية , ويرى ذاته وذات الآخرين مشوهة , وبما أنه لا يستطيع أن يواجه نفسه بكراهية تشوه ذاته فإنه يسقط هذا التشوه على الآخرين ويريد أن يرى أدلة معنوية ومادية على تشوههم كي تستريح نفسه حين  يرى أن الآخرين هم المشوهين .

والمتربص يفتقد لقانون الحب في شخصيته , ويتبنى قانون الصراع , وهذا يجعله لا يرى في الآخر إلا موضوعا للصراع والندية والمنافسة , وبالتالي لابد من هزيمته . وهو غالبا قد تعرض لإساءات لفظية أو نفسية أو جسدية أو جنسية في مراحل طفولته المبكرة .

علاج التربص :

أولا كيف نحمي أنفسنا من إيذاء المتربص بنا ؟

هناك استراتيجيات عامة نستخدمها مع هذه الشخصيات مثل تجنب التعامل مع هذا الشخص إذا كان هذا ممكنا , أو على الأقل ضبط المسافات بيننا وبينه إذا كان التجنب غير ممكن بحيث لا نقترب منه إلا للضرورة ودائما نحتفظ بمسافة أمان بيننا وبينه تزيد وتنقص حسب الضرورة وحسب قدرتنا على احتماله وحماية أنفسنا من إيذائه . ومن المفيد أن لا نمنح المتربص معلومات عنا تساعده في تربصه بنا فلا نفشي إليه بأسرارنا ولا ندعه يتسلل إلى حياتنا الشخصية . وإذا كان مفروضا علينا التعامل معه لضرورات عائلية أو مهنية أو اجتماعية فنحاول أن نتكيف معه بأن نقصر التعامل فيما هو مطلوب فقط دون التوغل في أمور شخصية , وإذا وجدنا هذا الشخص يتمادى في إيذائه لنا فمن المفيد أن نجلس معه على انفراد (لأن محاورته أمام الناس يغريه بالتربص والتشهير) ونوضح له أن مايفعله يسبب لنا مشكلة ويترك لدينا مشاعر سيئة ويؤثر في علاقتنا به (أو بها) , فإذا ارتدع كان هذا كافيا , وإن لم يفعل فلا مانع من المواجهة المحسوبة بأن نتعامل معه بحزم ونوصله فكرة أن ما يفعله يسئ إليه هو , وأننا نثق في أنفسنا بما فيه الكفاية , ولابد في هذه الحالة أن نكون فعلا في حالة من الثقة والتوازن النفسي أمامه , ولا نأخذ موقف المتهمين أو المدافعين عن أنفسنا ( أو نظهر وكأن على رأسنا بطحة ) .

وإذا كان لدينا خطأ ما فلا مانع من الإعتذار عنه حتى يتعلم المتربص منا أن أي إنسان يمكن أن يخطئ ويمكن أن يعتذر ويصلح الخطأ , وأننا لم ندع أننا ملا ئكة بلا أخطاء , وأن الأخطاء لا تنقص من قدرنا ولا تحط من شأننا .

وأخيرا نوجز قواعد التعامل مع المتربص فيمايلي : لا تظهر له انك تشعر بالحرج , اصغ إليه جيدا , لا تحاول الرد عليه بنفس الطريقة , حافظ على هدوءك وابق واقعيا وموضوعيا , لا تمارس السخرية في حديثك , اطرح أسئلة واضحة ومحددة مثل " لآ أدري عما تتحدث , من فضلك وضح لي .. ثم ما علاقة ذلك بالمشكلة " , مارس الإنصاف معه بأن تذكر له بعض حسناته على الرغم من تأذيك بسلوكه المتصيد للأخطاء  , قل له بطريقة ودية “فى المستقبل ارجو ان تخبرنى مباشرة بما يضايقك .. ونحن على الرحب والسعة" . أظهر استعدادك لحل مشكلاته على انفراد , وأبدي اعجابك واهتمامك إذا حاول الحصول على اهتمامك بصورة إيجابية , وأخيرا كن طيبا وحازما في نفس الوقت .

ثانيا : كيف نعالج سلوك التربص في أنفسنا وفي غيرنا ؟

نحتاج أن نستبصر ونهتم بعيوبنا ونقائصنا وأخطائنا قبل أن نركز على ذلك فيمن حولنا , وأن ننتبه لعدوانيتنا المستترة والتي تدعونا لرؤية الآخرين في موقع المخطئين والمذنبين , وأن نتخلى عن موقع الوصاية على الآخرين وأننا مسئولين عنهم وأدرى بما يصلحهم لأن هذه المنظومة هي التي تشكل قاعدة انطلاق سلوك التربص. وإذا اكتشفنا بعد كل ذلك أننا مارسنا أو مازلنا نمارس سلوك التربص فعلينا أن نبادر بالتراجع والإعتذار . وهناك وهم لدى المتربصين وهو أن تربصهم يمنع وقوع الأخطاء ويحمي الآخرين من الزلل , وهذا غير حقيقي , إذ ثبت أن سلوك التربص يغري الآخرين بالوقوع في مزيد من الأخطاء . 

اذا كان لديك مشكلة وترغب فى عرضها على العيادة النفسية