هل يتغير سلوك الناس بعد كورونا ؟

هل يتغير سلوك الناس بعد كورونا ؟

يعتبر وباء كورونا هو الحدث الأهم في العالم بعد الحرب العالمية الثانية ، ولأول مرة في التاريخ الإنساني تتحول المدن الكبرى في العالم كله إلى حجر صحي شامل وتخلو الشوارع من البشر وتتوقف عجلة الاقتصاد ويعيش الجميع في حالة رعب خوفا من الموت ومن الانهيار الاقتصادي .

وإن آجلا أو عاجلا ستنقشع غمة كورونا وينحسر الوباء كما انحسرت وباءات من قبله إما بالمصل أو باللقاح أو بالعلاج أو باكتساب البشر مناعة طبيعية ضده أو بتغيرات كونية يعلمها الله ، ولكن السؤال الآن : هل سوف تؤثر هذه الأزمة على سلوك الناس في المستقبل ؟ . لا شك أن جائحة كورونا قد أحدثت هزة عنيفة في نفوس البشر ، إذ أدت إلى انهيار الإفتراضات الأساسية لديهم عن أنفسهم وعن الحياة ، فقد اتضح أن  الحياة ليست آمنة ، وأن البشر ضعفاء جدا لدرجة أن فيروس ضئيل جدا وتافه قد انتصر على كل إمبراطوريات وجيوش العالم ، وأقعد البشر كلهم في بيوتهم لأجل لا يعلمونه ، وقتل منهم الكثيرين ، ولم ينج منه كبير أو صغير ، عظيم أو فقير ، وعجزت المؤسسات العلمية عن المواجهة رغم ما تراكم لديها من خبرات .

قد يصاب الناس ببعض الإضطرابات النفسية مثل : كرب ما بعد الصدمة ، أو رهاب كورونا (فوبيا كورونا) ، أو القلق العام ، أو الإكتئاب ، وقد تصاحب هذه الإضطرابات الناس لفترات تمتد لشهور أو سنوات فيجترون ذكريات الوباء ويتأثرون نفسيا بها ويحاولون تفادي كل ما يتصل بهذه الذكريات . وقد تستمر بعض السلوكيات الإحترازية من تكرار الغسيل ، واستخدام المطهرات ، وتجنب التلامس مع اي شخص ومع أي شئ ، وهذه كنا نعتبرها سلوكيات وسواسية في الماضي ، والآن أصبحت ضرورة سلامة وربما ضرورة حياة .

·  ربما تختلف اهتمامات الناس على مستوى العالم فيعطون أولوية لأبحاث الطب وللأطباء بحيث تسبق صناعة السلاح ووسائل الدمار ، ويقتطعون مبالغ ضخمة لهذه الأبحاث دفعا لمخاطر محتملة هائلة من كورونا أو غيره . وسوف تراجع الدول برامج الرعاية الأولية لديها والتي تغطي الأغلبية الساحقة من الشعوب وتنتشر في المناطق الفقيرة والقرى ، وبرامج الطب الوقائي التي لا تحظى بتقدير أو اهتمام مقارنة بالطب العلاجي . وستصبح الفيروسات هي الخطر الأكبر الذي يهدد الوجود البشري من وقت لآخر بموجات متتالية من فيروسات جديدة أو فيروسات متحورة . وستنشأ علوم جديدة مثل اقتصاديات الرعاية الصحية واقتصاديات العدوى والأوبئة ، وبرامج مواجهة الأوبئة والجائحات الفيروسية والبكتيرية . وسيزيد التعاون الدولي في أبحاث الأمصال واللقاحات والعلاجات ، وسيتشكل ما يمكن تسميته "كونسلتو عالمي" لمواجهة الكوارث الطبية المحتملة .

·  ستتحول الصناعات من صناعة السيارات والطائرات ووسائل الترفيه ووسائل الدمار وتتجه إلى الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية ، وسيزداد بناء المستشفيات وتأسيس وحدات العناية المركزة .

·  ستقل إلى حد كبير التجمعات البشرية في الإحتفالات العامة والمهرجانات والمسابقات الرياضية وتجمعات الأعياد الدينية أو الوطنية ، وسيكون هناك ميلا دائما للتباعد الإجتماعي ، وربما تنتهي طقوس مثل المصافحة والمعانقة والتقبيل .

· ستتراجع سياحة المؤتمرات ، وستعقد أكثر المؤتمرات  ON Line ، وأيضا الندوات والمحاضرات وورش العمل ، وربما تتغير صورة المدارس والجامعات ، فتختفي الفصول التقليدية وقاعات المحاضرات أو تقل كثافتها

·  سوف تزدهر شركات التكنولوجيا الحديثة التي تسهل عمليات التعلم عن بعد ، وعقد المؤتمرات والإجتماعات بالفيديو كونفراس ، وقد زاد استخدام تطبيق  Zoom    في الأيام الأخيرة لتحقيق هذا الهدف  .

·  وربما يشعر الناس بالوحدة الإنسانية والمصير المشترك والخطر المشترك فتقل الصراعات البينية (بين الدول وبين الناس) . وقد تزداد حالات التوافق بين المجموعات المتعارضة أو المتصارعة ، وقد تقل النزعات الإستقطابية أو الطائفية أو العنصرية  .

·  قد تتراجع قيمة وشهرة الفنانين والأدباء ولاعبي الكرة ، ويصبح علماء البيولوجي والفارماكولوجي والطب والأطباء هم نجوم المجتمع. وربما تتنافس الدول ومراكز الأبحاث في شراء علماء البيولوجي وعلماء الطب كما تتنافس الأندية الرياضية في شراء اللاعبين الموهوبين .

·  ربما تتراجع العولمة الإقتصادية وتنغلق الدول على نفسها اقتصاديا في محاولة لحماية نفسها وقت الأزمات خاصة حين تفرض الظروف عزلة اقتصادية . 

· ربما تتغير عادات الناس المتصلة بالنظافة الشخصية ووسائل التطهير والتعقيم ، وطرق التعبير عن المشاعر بالسلام أو الأحضان أو القبلات أو غيرها ، ومدى اقترابهم من بعضهم البعض ، ومدى قبولهم لفكرة التجمعات في الساحات أو في النوادي الرياضية أو المقاهي أو السينمات والمسارح والكافيهات أو حتى في دور العبادة .

·  ربما تتغير عادات الناس الإستهلاكية بعدما شعروا بخطر الفقر والإنهيار الإقتصادي والمجاعات وفقد الإحتياجات الأساسية نتيجة الحظر وتوقف عجلة الإقتصاد والإنتاج وتوقف عمليات التصدير والإستيراد .

·  ربما تترسخ في نفوس الناس فكرة أنهم كانوا ضعفاء للغاية فتنكسر حدة الغرور الإنساني ويميلون أكثر للتواضع والبساطة والرحمة ببعضهم البعض .

·  قد يعرفون قيمة التكافل فيما بينهم ، ذلك التكافل الذي حمى الفقراء منهم وأعطى للجميع الشعور بأنهم لن يضيعوا مادام الناس متراحمون ومتعاونون ومتكافلون . وربما تترسخ مفاهيم منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمؤسسات الإنسانية التي تحتاجها المجتمعات في وقت المحن حين تتجاوز احتياجات الشعوب قدرات الحكومات وتدابيرها . وقد يحدث العكس لدى بعض الناس فتزيد الفردانية والأنانية ومحاولة كل شخص أن يؤمن نفسه تحسبا للمخاطر .

·  قد تتغير العلاقات داخل الأسرة الواحدة بعدما اقتربوا من بعضهم البعض أثناء الحظر ، فتتعزز العلاقات داخل بعض الأسر التي اكتشفت أهمية القرب بين أفرادها ، وتنهار أسر أخرى اكتشف أعضاؤها أنهم عجزوا عن التوافق حين اقتربوا .

·  ربما تحدث مراجعات سياسية واقتصادية وطبية واجتماعية بناءا على أداء المؤسسات وقت الأزمة وربما تجري محاسبات قاسية للمقصرين أو المتهاونين أو الذين انتهزوا فرصة الوباء لتحقيق مصالح خاصة.

· ربما تتغير نظم سياسية في العالم بناءا على تجارب الحظر ، وقوانين الطوارئ ، والحاجة لقرارات قاطعة وسريعة ، وتغليب احتياجات جموع الناس على احتياجات الأفراد ، وربما تتراجع مساحات الحريات الفردية ، وتميل النظم نحو الشمولية خاصة بعد نجاح الصين (كنظام شمولي) في مواجهة الوباء مقابل فشل أوروبا (كنظم ديموقراطية) في المواجهة الجماعية . وفي العموم فقد كشفت أزمة كورونا مواطن ضعف كثيرة في دول شتى ستحتاج إلى إعادة هيكلة مؤسساتها . وفي المجمل سوف يتراجع الإنبهار بالنموذج الغربي الذي فشل أو تباطأ في المواجهة لصالح النموذج الشرقي (الصين وكوريا وسنغافوره) الذي نجح في المواجهة ، وربما يتمحور العالم حول النموذج الشرقي الصيني ويبتعد عن النموذج الغربي الأمريكي  .

·  ستتراجع كثيرا معدلات التدخين ، إذ ثبت أن التدخين يعتبر عامل مساعد قوي في تدهور حالات المصابين بكورونا وأنه يزيد من حالات الوفيات حيث يضعف خلايا الرئتين ويسهل استيطانها بالفيروس ، ونفس الشئ بالنسبة لتعاطي الكحول والمخدرات 

· سيتم الإهتمام بالأنظمة الغذائية التي تزيد من جهاز المناعة فيقبل الناس على الخضروات والفواكه والأغذية الطبيعية ، وفي المقابل يقل الإقبال على الأغذية السريعة والمعلبات التي ثبت تأثيرها السلبي على جهاز المناعة . 

· ستكون البلاد الحارة والمشمسة ذات تفضيل سياحي وعلاجي عند المواطن الأوروبي ، بل وربما مكان للعيش والإستثمار حيث مازالت تلك البلاد هي الأقل في تسجيل حالات إصابة أو وفيات في هذه الجائحة .

· ستنغلق الدول على نفسها وتحاول الإكتفاء الذاتي في الطعام والدواء والتصنيع تحسبا لإغلاق الحدود في أي وقت

· سيعود الإهتمام بالزراعة لدى الدول كي تحقق اكتفاءا ذاتيا بالطعام وقت انتشار الأوبئة وتوقف حركة الإستيراد والتصدير .

·  سيتوقف الناس بدرجات مختلفة عن التبذير والسفه في الإنفاق لكي يؤمنوا أنفسهم وقت الأزمات ، وستتراجع الإنفاقات المبالغ فيها في الزواج وإقامة الأفراح في الفنادق الفخمة ، والتبذير في المصايف وحفلات الترفيه .

· ستقل الرغبة في السفر للسياحة أو التعليم أو العلاج خاصة إلى الدول الأوروبية التي ستكتسب صورة مختلفة في السنوات القادمة كمصدر للعدوى المحتملة بكورونا أو غيرها ، وسيقل انبهار الشعوب بهذه الدول . وعلى الجانب الآخر قد تتجه الأنظار في السياحة والإستثمار إلى الدول الإفريقية أو دول جنوب شرق آسيا . 

·  سيقبل الناس أكثر على دور العبادة خاصة بعد أن حرموا منها في فترات الحظر والعزل الإجتماعي ، وستنشط الدعوة الدينية ، وتزيد الطقوس الدينية والتوجهات الروحانية للإحتماء بالقوة الإلهية بعدما ثبت ضعف البشر أمام كائن غاية في الضآلة .

·  وبالنسبة للتغيرات في المجتمع المصري فقد تحدث بعض الأشياء التي ذكرناها ولكن ستكون بدرجة أقل ، حيث ثبت من تجارب كثيرة بطء التغيير في الشخصية المصرية ، فقد مرت أحداث جسام على المصريين في السنوات الأخيرة ولم يكن التغيير متناسبا مع تلك الأحداث وذلك لأسباب كثيرة ربما القوة النسبية للشبكات الإجتماعية ، وربما للدفاعات التي يستخدمها المصريون مثل النكتة والسخرية من المخاطر والأحداث ، وربما العامل الديني الذي يعطي ثباتا وطمأنينة وقت الأزمات . 



اذا كان لديك مشكلة وترغب فى عرضها على العيادة النفسية

سجل ايميلك لتصلك الاعداد الجديدة من مجلة النفس المطمئنة