تعدد الزوجات بين الطب النفسي والمنظور الإسلامي

تعدد الزوجات بين الطب النفسي والمنظور الإسلامي

يمكن النظر الى تعدد الزوجات Polygamy على أنه ظاهرة خاصة بالمجتمعات العربية ودول الشرق الإسلامي ، وكانت هذه الظاهرة ولا تزال محل اهتمام واسع في الشرق والغرب على حد سواء ، وهناك الكثير من التساؤلات تطرح وتبحث عن إجابة لها منها:

  • هل يمثل تعدد الزوجات مشكلة ، أم هو حل للمشكلات الأسرية والاجتماعية ؟
  • هل تكفي زوجة واحدة؟ أم أن التعدد مطروح كحل يجب اللجوء أليه عند الضرورة ؟
  • هل هناك قبول اجتماعي لهذه الظاهرة .. وما رأي الرجال والسيدات في مسالة التعدد ؟

لماذا طفت هذه القضية على الأسطح وأصبحت مثار اهتمام الجميع في الفترة الأخيرة ؟ وهنا في هذا الموضوع نتناول تعدد الزوجات وهو المسألة التي قتلت بحثا من جانب كل أصحاب الأقلام ، وتعدد حولها الآراء حتى أصبحت موضوعا للتشابك والتراشق بين مؤيد ومعارض .. لكن تناولنا لهذه الظاهرة سيكون من وجهة النظر النفسية لطرح هذه الرؤية في جو من الحياد بين الآراء المتضاربة .. ولنقرأ الآن سطور هذا الموضوع.

اعتبارات عامة حول تعدد الزوجات .

يعتبر موضوع تعدد الزوجات من الأمور المثيرة للجدل ، والتي ترتبط في الأذهان بكثير من المفاهيم والأفكار والانفعالات النفسية للمرأة والرجل على حد سواء، ولم تعد هناك حاجة الى المزيد من الدلائل على أن هذا الموضوع قد أصبح في مقدمة اهتمامات الناس في المجتمعات العربية التليفزيوني الذي يمكن تصنيفه فنيا بين المسلسلات بوصفه اجتماعي أو كوميدي أو درامي ، والذي أثار المناقشات والجدل على نطاق واسع في مختلف الأوساط نظرا لمشاهدته بصورة مكثفة عند عرضه ، ونظرا لموضوعه وهو تعدد الزوجات ، وما يتعلق به من حساسيات بالنسبة للزوجات والأزواج أيضا ، وذلك بالاضافة الى جوانب هذا الموضوع الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والشرعية ، وكذلك الجوانب النفسية في مسالة تعدد الزوجات والتي هي موضوع اهتمامي بحكم عملي في مجال الطب النفسي ، والتي نعرضها هنا بإيجاز ، ونبدأ بالنقاط التالية كمدخل الى الموضوع :

الاهتمام بالحديث والجدل الذي يدور حول تعدد الزوجات حاليا ، وهو تحريك القضية قديمة لها أهميتها للرجل والمرأة على حد سواء ، وليس مصادفة أن تطفو على السطح حاليا وتمثل مسألة جادة يجب أن تكون موضع اهتمام ومناقشة موضوعية حتى وان ارتبطت في الأذهان بالطرائف والإيماءات والابتسامات .

من وجهة النظر النفسية فان المشكلات الزوجية أصبحت تشكل عبئا كبيرا على العلاقات الأسرية والاجتماعية في السنوات الأخيرة ، واستطيع تأكيد ذلك ليس فقط في العيادة النفسية لحالات الاضطراب النفسي في الرجال والسيدات التي تنشأ عن الصراعات الزوجية ولكن أيضا من خلال الملاحظة ورصد الخلل الذي أصاب علاقات الزواج في المجتمع العربي ، ومنها بعضا من حالات أصدقاء أعرفهم ،وحتى حالات الجرائم الأسرية على صفحات الحوادث في الصحف .

الهوس الذي أثاره عرض المسلسل الذي تسبب في الكثير من الانفعالات وردود الأفعال النفسية بين مؤيدين معظمهم من الرجال الذين شعروا بالارتياح لهذا العرض المقبول للنموذج الإيجابي لتعدد الزوجات وبين المعارضين ومعظمهم من السيدات أصحاب الأقلام النسائية في الصحف الذين وصل الأمر بهم الى الانفعال الهائل وتحريك شعارات ومصطلحات كبيرة منها مثلا" ثقافة الجواري" والقهر ومنها تسلط الرجل وحقوق المرأة وحتى حقوق الانسان أيضا .

 

رؤية نفسية لظاهرة التعدد :

وهنا نقف أمام الرؤية النفسية لظاهرة تعدد الزوجات وهي ليست حكرا على المجتمعات العربية الشرقية وليست مرتبطة فقط بالثقافة الإسلامية رغم أنها – من المنظور الإسلامي – عمل مشروع ، وممارسة لها ضوابطها في القرآن والسنة ، وتسمح بها بعض المجتمعات البدائية أيضا كما تسمح بها بعض الطوائف المسيحية مثل المورمون وفي دراسة نفسية منشورة حول بعض الجوانب النفسية لتعدد الزوجات قمت بها على عينة من السيدات وتم مناقشتها في مؤتمر عالمي للطب النفسي ، وكذلك تم نشرها في دوريات علمية وفيها تم عرض الحقائق التالية حول تعدد الزوجات . تشير الأرقام الى أن ظاهرة الزواج المتعدد ليست واسعة الانتشار في البلدان العربية ، وطبقا للإحصائيات المناحة فان النسبة في مصر هي 4% من حالات الزواج وتزيد قليلا لتصل الى حوالي 5% في سوريا والعراق ، بينما تصل في دول الخليج الى نحو 8% لكن هذه الأرقام الرسمية لا تعبر عن واقع الحال حيث توجد نسبة أخرى من الحالات تمثل الزواج غير الرسمي أو غير الموثق الذي يطلق عليه أحيانا العرفي أو السري . 

يتراوح الاتجاه والقبول الاجتماعي لتعدد الزوجات في المجتمعات العربية بين التسامح مع الظاهرة وقبولها في دول الخليج الى القبول الجزئي في أماكن أخرى مثل المجتمع المصري أو الرفض التام والمنع بموجب قوانين ومثل ما يحدث في تونس ، ولكن في بلد أخر هو السودان ، هناك دعوة رسمية وتشجيع لتعدد الزوجات ، ولكن الغالب أن وصمة ما ارتبطت بالزواج المتعدد. ونظرة عامة اجتماعية لا ترحب بتكرار الزواج وتنظر لمن يفعل ذلك على أنه قام بعمل غير مقبول .

 

ماذا يقول الطب النفسي ؟

ورد في الدراسة عرض للأسباب النفسية والظروف الاجتماعية التي تدفع الى التعدد كان في مقدمتها التركيبة النفسية للرجل والتي تميل الى التعدد بصورة فطرية حتى أن دراسة حديثة أشارت الى وجود جينات تدفع الرجال الى ممارسة التعدد بعلاقات خارج نطاق الزواج في الشرائع التي لا تسمح بتعدد الزوجات بما يفسر انتشار خيانة الأزواج على حد التعبير الغربي.

وركزت الدراسة على رد فعل الزوجة الأولى التي تكون الطرف الأكثر تأثرا ، والآثار النفسية السلبية للزواج المتعدد وتم وصف متلازمة مرضية تصيب الزوجة بعد أن يتزوج شريها بأخرى وتبدأ برد فعل عصبي برفض هذا الزواج الثاني وإبداء الغضب والمقاومة ثم تتجه الحالة الى الاستقرار والاتزان مع قبول الواقع الجديد في فترة زمنية تتراوح من 6 شهور الى عامين .

وإذا كان في هذه الدراسة محاولة علمية جادة لفهم الجوانب النفسية لظاهرة اجتماعية هامة فأنني أعتبر أن الوقت الحالي فرصة مناسبة لطرح هذا الموضوع في سياق أكثر شمولا من مجرد طرح وجهات نظر متناثرة وتراشق في وسائل الأعلام بين أطراف يتهم كل منها الآخر ويدافع عن وجهة نظر شخصية ن بل يجب طرح المسألة لمناقشة يشترك فيها المتخصصون وتتناول كل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والدينية بعيدا عن التحيز وبحيث تكون المحصلة ذات فائدة تؤدي الى حل لمشكلات الصراعات الزوجية وتسهم في إعادة الاتزان الى الأسرة والمجتمع.

إيجابيات تعدد الزوجات :

وهنا نذكر بعض النقاط التي نرى ان توضع في الاعتبار عند مناقشة القضايا المتعلقة بالزواج المتعدد.

-يجب تناول هذه المسألة بهدوء ودون حساسية من جانب السيدات والرجال والابتعاد عن الإثارة والرؤية للجزئية للموضوع التي تركز عن بعض الآثار السلبية للزواج الثاني ،أو تكتفي بعرض نماذج معينة والحكم العام من خلالها على التجربة .

نحن مع التركيز على المنظور الديني الذي يتفق تماما مع المنظور الإسلامي في النظر الى الزواج المتعدد كحل لمشكلات نفسية واجتماعية وسلوكية قبل ان يكون مصدرا لآثار سلبية ، وذلك إذا ما تم في إطار الضوابط الشرعية في الحالات التي تراعى القدرات والظروف الإنسانية وتضمن أن يتم في إطار من العدالة دون ظلم أو ضغط على أي طرف من الأطراف .

لا بد من البدء بإزالة الوصمة والمفاهيم والاتجاهات المختلفة التي تربط الزواج الثاني في الأذهان بالسلبيات فقط أو بمجرد إشباع الدوافع الغريزية ، وليحل محلها نظرة أكثر شمولا على أنه حل مشروع ووسيلة فعالة لاعادة التوافق والاتزان الى العلاقات بين الرجل والمرأة في إطار أسري سوى وأنه بديل جيد مقبول فيه وقاية وتجنب للمشكلات السلوكية والصراعات الزوجية ولا يجب رفضه كليا .

وفي ختام هذا العرض الموجز حول هذه القضية التي نرى أنها تهم قطاعات كبيرة من فئات المجتمع فأنني أتقدم باقتراح تم تطبيقه مؤخرا في بريطانيا حين تم إدخال مناهج دراسية يتم تدريسها للفتيات في مراحل التعليم الأولى حول دور المرأة في الزواج وتكوين الأسرة بغرض أعداد زوجات وأمهات المستقبل في وقت مبكر ، وارى أنه قد حان الوقت لنفكر في خطوات مماثلة يكون من شأنها وقف التدهور الذي نلاحظه حاليا في علاقات الزواج والذي يهدد بانهيار الأسرة في المجتمعات العربية ، وليس هذا الكلام من قبيل التشاؤم بل يؤيد ذلك الأرقام التي تؤكد تزايد نسبة الطلاق لتصل الى اكثر من 3.% كما تشير إحصائيات أخرى الى وجود ملايين من السيدات اللاتي يعشن بمفردهن دون زواج وتتطلب هذه الأوضاع مواجهة وحلول ملائمة .

والأمل معقود هنا على وجوب تدخل من الجهات المختلفة وفي مقدمتها الأعلام الذي كان له فضل تحريك هذه القضية على هذا النحو ، وغير ذلك من الجهات الرسمية والأهلية الكثيرة التي نسمع عنها والتي يجب أن تأخذ دورها في حماية المجتمعات العربية وهذه المجتمعات يجب ان تكون في حالة سوية لأنها تشكل المؤسسات التي يتكون منه المجتمع


اذا كان لديك مشكلة وترغب فى عرضها على العيادة النفسية