الذوق والجمال فى شخصية المسلم المعاصر

الذوق والجمال فى شخصية المسلم المعاصر

صفات الذوق الرفيع والجمال الراقى فى بناء المسلم المعاصر ليست صفات كمالية أو ثانوية وإنما هى صفات أساسية مرتبطة بالإيمان حيث أن الله الذى نؤمن به يتحلى بصفات جلال وصفات جمال ، وهذه الصفات حين تنشر ظلالها على حياة المؤمن بها فلابد وأن تكون النتيجة مستوى عالٍ من الذوق والجمال .

والمتأمل لمخلوقات الله جميعها يلحظ من أول وهلة صفات الجمال والابداع الراقى ، فلا يصح بعد ذلك أن يكون المؤمن بمظهره وسلوكه خارقاً لقانون الجمال الربانى بل مؤيداً له ومظهراً إياه .

وقد كانوا يعرفون قديماً أن الشخص قد أسلم إذا حسن مظهره وطابت رائحته وعذب حديثه وارتقى ذوقه .

فالنظافة من الايمان والله جميل يحب الجمال والحضارة فى معناها الصحيح هى نتاج عقول امتلأت بمعانى التوحيد والخلود ووجدانات امتلأت بمشاعر القداسة ، وصدور انشرحت لتلك المعانى والمشاعر فتلقت الجمال الكونى وصاغته فناً خالداً .

وحين يعمل الإنسان لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فإنه يرضى بالأدنى لأنه يعمر حياة قصيرة ومنتهية لا محالة ، أما حين يعمل ساعياً لوجه الله فقد ارتبط بالخلود وعندئذ لن ترضيه لذة عابرة بل سيسعى نحو الأرقى والأدوم .

 

والمعابد والمساجد بنظافتها وصفوها منابت لمشاعر القداسة حيث روعة الوحدة الكامنة خلف الظاهر المتعدد وحيث تتلاشى ضوضاء النفس وضرورات الجسد فيقوى جوهر الروح التى تجوب فى رحاب المقدس وتعود محملة بأشواق العلو وحنين العودة إلى الجمال والصفاء والمحبة ، ويعود الانسان صاحب هذه الروح فيبدع فى عمارة المعابد والمساجد ما يدعم هذه المعانى ويعززها فنجد العلو فى البناء بما يفوق ضرورات استخدام  المكان ، وارتفاع المآذن والقباب التى تقوم على قواعد أكثر اتساعاً ثم تلملم أطرافها كلما اتجهت نحو الذروة وكأنها تلتقى قرب السماء عند نقطة واحدة تأكيداً لمعنى التوحيد ومعنى التلاقى والقبلة كامنة فى حضن الجدار تنتهى فى أعلاها بقبوٍ حانٍ وكأنها تحتضن فى رفق كل من قصد المحراب . والايوانات المقوسة أو نصف الدائرية تواصل عملية الحنو على السائرين والقائمين والركع السجود ووحدات الارابيسك (العاشق والمعشوق) فى الشبابيك والشرفات والمشربيات توحى بالترابط والتماسك والنظام والتناغم الهادئ البسيط ووحدات الفن الاسلامى البسيط (المربعات – المستطيلات – المثلثات) تتشابك لتكون منظومات غاية فى الدقة والنظام والجمال وهذه المنظومات الفنية توحى بالالتزام وتوحى باحترام القوانين الكونية المنضبطة وهى على الرغم من بساطة وحداتها إلا أنها حين تتشابك تشكل تراكيب متعددة توحى بالتراكم والثراء والتعدد فى غير ازدحام أو تعقيد أو اشتباك .

ونلحظ ثبات هذه القواعد المعمارية والفنية عبر المراحل التاريخية المختلفة على الرغم من تطور المفاهيم والاساليب المعمارية ولا يفسر هذا الثبات إلا انها انعكاسات للتراكيب المعرفية والمشاعر الدينية يستقبلها الانسان من المقدس السامى والحانى ويعيد اسقاطها على عمارة دور العبادة ليراها رأى العين فتتعزز مرة أخرى داخل نفسه .

والإيمان وعى أعمق والعمل الصالح التزام واتقان وفى فترات الصعود الحضارى كانت تتسع دوائر الايمان وتتعمق مستويات الوعى ويتبع ذلك عملا صالحا ومؤيدا بعقيدة الاتقان والاحسان فتظهر التراكيب المعمارية والفنية رحبة شامخة متقنة أما فى عصور الاضمحلال فقد كان الايمان يتسطح والوعى يتقلص ويتكلس والهمم تضعف  والطموحات تدنو فتقترب من الحضيض ويظهر العمل واطئا قميئاً مشوهاً عشوائياً قذراً هشاً … وكذلك يصبح الانسان .

 

اذا كان لديك مشكلة وترغب فى عرضها على العيادة النفسية