• المشرف على الواحة
  • د/ محمود ابو العزايم

من منهم السعيد

من منهم السعيد

 

جلست على شاطئ بحيرة من إحدى بحيرات مصر فى إجازة صيفية استمتع بالهدوء والسكينة واسرح في مخلوقات الله بعيدا عن ضوضاء وتوترات المدن واتدبر فى آيات الله في الكون وأتذكر قوله تعالى (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) سورة التوبة 112

وكان تجلس بالقرب منى أسرة مكونة من زوج وزوجة وابنة شابة وابن فى سن المراهقة وكان الجميع منشغل كالعادة باللعب بالموبايلات وكان يبدو من مظهر الأسرة أنها تنتمي إلى الطبقة الثرية المترفة وكلا منا منشغل بحالة.
وبينما انا فى استغراقى وتأملاتي مر امامى قارب صيد به صياد يمسك بالمجداف والدفة والابن الأكبر يقوم بإلقاء شبكة الصيد والابن الآخر يقوم بتخليص الشبكة مما علق بها من أسماك والكل يعمل فى تناغم والجميع يستمع إلى الاغانى الشعبية بصوت مرتفع. وحينما اقترب القارب من الشاطئ نادى الصياد على بضاعته )كابوريا.. كابوريا) وهنا أشار الرجل الجالس بالقرب منى الى الصياد بالحضور، واقترب الصياد من الشاطئ وتلاقت الاسرتان أسرة الصياد وأسرة الرجل فى نقاش وفصال انتهى بشراء الرجل للأسماك وانصراف الصياد بالنقود وهو مبتسم.

******

وهنا جال بخاطري أن احلل مشاعر هذا الإنسان الذي يكدح تحت ضوء الشمس اللافح والحر الشديد ويبذل المجهود العضلى طوال النهار هو وأولاده عله يحصل على بضعة سمكات لكى يبيعها ويحصل على قوت يومه هو وأسرته بينما يجلس الآخر فى الظل فى استرخاء ليتسلى بمشاهدته وهو يكدح ويشقى.  ما هى وجهة نظر الصياد في هذا الرجل الجالس في الظل وهل يراه اكثر سعادة منه وهل يغبطه على ما هو فيه من النعم؟ . وما هى النظرة المقابلة من الرجل الجالس على الشاطئ للصياد هل يراه سعيدا ام شقيا وبائسا؟. وكعادتى كطبيب نفسى بدأت في تحليل المشهد تحليلا نفسيا متعمقا ووضعت لنفسى سؤال: من منهم الأكثر سعادة؟ هل الصياد سعيد حقا؟ لقد نال مراده واستطاع الصيد وبيع البضاعة والحصول على المال. ولكن هل هو سعيد؟ هل علاقته مع أولاده على ما يرام ؟ هل صحته التى تبدو ظاهريا أنها جيدة على خير حال ؟ هل علاقته مع زوجته وأهله مستقرة؟ هل هناك ديون مالية تؤرق حياته ؟ هل هو راض عن علاقته بربه؟.

كل تلك الأسئلة كان يقابلها تساؤلات عن الأسرة الأخرى.. هل الرجل الآخر سعيد حقا في عمله وحياته؟ هل يتمتع بصحة جيدة؟ هل علاقته الإنسانية مع زوجته على ما يرام ؟ هل أمور أولاده الدراسية والأخلاقية مستقرة ؟ هل علاقاته مع الأجهزة الحكومية والضرائب سهلة؟ هل عليه التزامات مالية للبنوك أو ديون تقلق باله ليل نهار؟ كل تلك الأسئلة جالت بخاطري عندما تلاقت الرجلين على الشاطئ ونظر كل منهما للآخر.

وهنا يقفز للذهن محاولة تعريف مفهوم السعادة. كلمة السعادة لها مفاهيم عديدة من الناحية النفسية والدينية والاخلاقية. وكلمة السعادة من بين الكلمات التي اختلف الناس حولها؛ فمنهم من يراها قرينة اللذة أو الراحة أو المال أو المنصب أو الشهرة.. إلخ، وبذلك يفني كثير من الناس حياتهم في دروب شتى بحثًا عن السعادة، نعم.. السعادة هي شعور ينبع من داخل النفس إذا شعرت بالرضا والطمأنينة والبهجة، لكن لقد اختلفت نظرات الناس للسعادة باختلاف طباعهم واهتماماتهم وتطلعاتهم وحتى مجتمعاتهم، فبعضهم يراها في المال أو السكن أو الجاه أو الصحة، وآخرون يرونها في الزوجة أو الأولاد أو العمل أو الدراسة، وربما يراها آخرون في القرب من الحبيب أو في خشوع وقرب من الله أو مساعدة مسكين وفقير.
وقد وضعت بعض الجهات الدولية سُلَّمًا اسمه سُلَّم السعادة بين الشعوب، وأرادت أن تعرف أي الشعوب هو أسعدها، وأعطت درجات لهذا السلم وقامت باستقراءات مختلفة؛ لكن النتيجة كانت مفاجأة للجميع؛ فقد كانت شعوب الولايات المتحدة الأمريكية أكثر الناس بؤسًا وليس سعادة ولم تحصل إلا على علامات متدنية، مع أننا نعرف كم هي الرفاهية الموجودة للفرد الأمريكي في بلده، والغريب جدًّا أن شعب نيجيريا وهو شعب متوسط الحال نال درجة عالية من العلامات بالرغم من الفقر الذي يعانيه هذا الشعب!!!

وكثيرًا ما ينساق الشخص وراء اللذائذ المختلفة، فلا يترك لذة إلا ويقترفها، ويظن بأنه لو حصّل اللذائذ كلها لحصل على السعادة، ولكنه يفاجئ بأنه أبعد الناس عن السعادة، فلذائذ الدنيا متنوعة ومتعددة ومتغيرة الشكل والوصف ولكن ليست كل لذة فيها سعادة؛ ومن ثم يحصل الخلط بين مفهوم السعادة وبين مفهوم اللذة، والصحيح أنهما يجتمعان من جهة ويفترقان من جهة أخرى؛ يجتمعان في كون كل منهما يُدخل السرور إلى النفس، ولكنهما يفترقان، والفرق بينهما في أن اللذة تذهب نشوتها فورًا بعد الانتهاء من سببها، وربما حصلت بعدها ندامة وتعاسة ، أما السعادة فتظل تصاحب صاحبها فترة ليست بقليلة.

وهذا الخلط بين مفهوم السعادة ومفهوم اللذة يكون أحيانًا التباسًا من الشخص نفسِه فيظن كلَّ لذة سعادة، فالشهرة لذة، لكن كم من صاحب شهرة أو مال أو منصب أو جمال ومع ذلك كان كئيبًا تعيسًا يعالج لدى الأطباء النفسيين، أو خُتمت حياته بالانتحار لينهي همه وتعاسته!!

وأحيانًا يكون هذا اللبس بين مفهوم السعادة وبين مفهوم اللذة مقصودًا من جهات محددة؛ فكثير من الجهات تحاول أن تسوّق اللذات المختلفة على أنها عين السعادة، وهدفهم من ذلك السيطرة على العقول؛ فالشاب الذي يتناول المخدرات يتناولها في بدايتها بسبب اللذة الموجودة فيها، ثم بعد ذلك يتحول دُمية في يد من يقدمها له!!

وأعظم سعادة هي السعادة الروحية المتمثلة في أعماق النفس. وإليكم بعض أسباب السعادة:

1- صنع المعروف وممارسة الأعمال الصالحة. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل".

2- الابتسام في وجوه الناس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ

 - 3مقابلة الإساءة بالإحسان. قال الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34 فصلت)
 - 4
تجنب الوحدة والفراغ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ)
 - 5
تجنب الغضب ودواعيه. عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: " أوصني " قال: (لا تغضب)، فردّد، قال: (لا تغضب) رواه البخاري.

6- أن يتذكر بأن الحياة قصيرة؛ فلا يَحْسن به أن يقصرها بالهموم والغموم.

7- تقبل النقد الهادف، والنصح، والتوجيه من الناس بصدر رحب.

 

اذا كان لديك مشكلة وترغب فى عرضها على العيادة النفسية