لذة الانس بالله

لذة الانس بالله

أظهرت بيانات حديثة منشورة من قبل منظمة الصحة العالمية أنه من المتوقع أن ربع سكان العالم سيصابون بمرض نفسي في مرحلة ما من مراحل حياتهم ، ويمثّل الاكتئاب ثاني أهمّ أسباب عبء المرض في البلدان المتوسطة الدخل، وثالث أهمّ تلك الأسباب في البلدان المنخفضة الدخل بحلول عام 2030. كما يتضرر 10% تقريباً من سكان العالم من الاضطرابات النفسية التي تمثل 30% من العبء العالمي للأمراض غير المميتة. وهناك حوالي 20% من الأطفال والمراهقين في العالم لديهم اضطرابات أو مشاكل نفسية. كما ان حوالي نصف الاضطرابات النفسية تبدأ قبل سن الـ14 سنة. وتعتبر الاضطرابات النفسية من بين الأسباب الرئيسية للعجز لدى الشباب بجميع أنحاء العالم، والاضطرابات النفسية واضطرابات تعاطى مواد الإدمان هي السبب الرئيسي للعجز في جميع أنحاء العالم. و حوالي 23% من جميع السنوات المفقودة بسبب العجز تنجم عن الاضطرابات النفسية واضطرابات تعاطى مواد الإدمان.

ويمثّل نقص الأطباء النفسيين وممرضات الطب النفسي والمتخصّصين بعلم النفس والعاملين الاجتماعيين إحدى العقبات الرئيسية التي تقف دون توفير خدمات العلاج والرعاية بالبلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل.

ولذلك فإن أغلب برامج منظمة الصحة العالمية تتجه نحو الاهتمام بالوقاية الأولية لمنع انتشار الأمراض النفسية المختلفة ويتأتى ذلك بنشر التوعية السليمة للتعرف ولمواجهة الأمراض النفسية المختلفة وطرق العلاج وأهمية دور الأسرة والمدرسة وأهمية وجود قنوات حوار مع الشباب للتعرف على مشاكلهم قبل استفحال تلك المشاكل التى قد تؤدى بهم إلى الإحباط والإدمان.  إن جهودا مثابرة مطلوبة لحفز المعتمدين على المخدرات على بدء العلاج كما قد يتطلب الأمر حفز أسرة المريض هى أيضاً بهدف التأثير عليه بواسطة الحوار الهادف ليشرع فى العلاج أو يستمر فيه. وعلى الفريق الطبى أن يبذل كل ما يستطيع لدعم وتعزيز رغبة المريض فى أن يظل متحرراً من المخدر ، وقبوله بسهولة إذا ارتد للمخدرات وعاد للبرنامج العلاجى وعليه أيضا أن يفهم ما يعنيه استعمال المخدرات بالنسبة للفرد، وذلك بالتفهم والتقبل وحسن الحوار.

والحوار مع الشباب فن يحتاج لكثير من الحكمة وسعة الصدر وحسن الاستماع وعدم التسرع في إبداء الرأي و النصح ، وقبل وبعد ذلك الكثير من الخبرة في قضايا وشؤون الحياه ككل .واذا استطاع الإنسان ان يتصف بتلك الصفات فانه يستطيع أن يؤثر في الشباب ويكون لرأيه الكثير من القبول عند الناس وقد كان الرسل عليهم السلام يتصفون بكل تلك الصفات التي اختصهم الله بها ليستطيعوا أداء أمانة تبليغ رسالات الله عز وجل للبشر.

ولذلك فإننا كثيرا ما نسمع عن شكاوي الأهل من أن حبل التفاهم بينهم وبين أبنائهم غير متصل وأنهم لا يحبون الحوار معهم ودائما ما يتهم الأهل الأبناء بأنهم دائمو الجدال ولا يحبون الاستماع إلى النصيحة ودائما ما ينتهي الحوار بالشجار وقلة الاحترام بينما الأبناء دائما ما يستمعون إلى نصيحة الأصدقاء حتى وان كانت غير مفيدة أو ضاره .

وكما أن للحوار أصولا فان له آداب أيضا ومن آداب الحوار ان يتوفر لدى كافة أطراف الحوار الاعتراف بالخطأ في حال كان مخالفاً للصواب وان تكون كافة أطراف الحوار على دراية تامة بالموضوع الذي يدور حوله الحوار ويجب ان يحترم كل طرف أفكار الطرف الآخر، ومبادئه مع مراعاة نفسيته. كذلك يجب على كل طرف التأدب مع الطرف الآخر عن طريق اختيار الكلمات والألفاظ المناسبة التي يسمعها المحاور من غيره. ويجب ان يتوفر لدى جميع الأطراف القدرة على التعبير. كذلك يجب على كافة أطراف الحوار الإقرار بالخطأ في حال كان مخالف للصواب، وعدم التشنج والمرونة في الحوار. وان تبتعد الأطراف المتحاورة عن الغضب وأسبابه مع مراعاة الاعتدال حتى ينتهي الحوار.

وفى جلسه علاج نفسي مع شاب يعاني من الاكتئاب والإحباط وله تاريخ مرضى في تعاطي المواد المخدرة مما أدى إلى دخوله المصحات النفسية عده مرات ثم انتكاسه بعد الخروج من المصحة بعد وقت قليل رغم انتظامه بعض الوقت في برنامج التأهيل النفسي (التعافي) ... دار هذا الحوار بيني وبين الشاب:

  • في رأيك ما هو السبب الرئيسي للعودة للتعاطى رغم البرامج العلاجية التي خضعت لها؟.
  • يا دكتور انتم الأطباء دائما ما تعاملوا المريض وكأنكم جهات تحقيق أو أني اجلس أمام وكيل نيابة.
  • الطبيب وظيفته تقديم الخدمة للمريض وهي أمانه عليه تأديتها بكل تفاني.
  • ولكن يا دكتور لا أحد يشعر بما يشعر به المريض المدمن الذي جرب كل شيء ....الحياه لا يكون لها أي طعم أو إحساس بدون المخدر أنا دائما سريع الملل ..أختنق بسرعة ودائما أحب الحركة وقيادة السيارات بسرعة كبيرة
  • ولكن هناك الآخرون الذين يعيشون بكل صحه ونجاح واستمتاع بالحياة بدون تناول المخدر
  • دعني أسالك كما تسألني هل جربت لذه التعاطي وما يشعر به الإنسان المتعاطي من مباهج وشعور لذيذ؟... أنت لم تجرب هذا الإحساس فكيف تستطيع ان تحكم على الأخرين الذين يطمعون في الوصول إلى هذه النشوة .
  • هل هذه النشوة مستمرة أم هي نشوة مؤقتة يعقبها الإحساس بالضيق والحزن والآلام الجسمانية المختلفة... هل هذه النشوة تؤدي إلى نتائج إيجابيه أم أنها تؤدى إلى الإحباط والفشل والألم؟.
  • يا دكتور من جرب هذه النشوة وقارنها بإحباط الحياه لا يستطيع العيش بدونها... الحياه بدون المخدر جحيم لا يطاق.
  • دعني أسالك هل جربت أنت نشوة النجاح في الحياه نشوة التفوق والفوز هناك نشوات أعلى من تلك اللذة الزائفة المؤلمة لم تستطيع أنت الوصول اليها ...هل جربت أنت لذة الأنس بالله تعالى ... ان من يجرب تلك اللذة وما يصاحبها من فوز ونجاح في الحياه والفوز المبين في الأخرة لا يستطيع ان يقارنها باي لذة أخرى

******

ان اجمل ما في الإيمان بالله تعالى هو لذة الأنس به والقرب منه يقول الإمام ابن القيم : إن سرور القلب بالله وفرحه به وقرة العين به لذة لا يشبهها شيء من نعيم الدنيا البتة، وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال الجنة.

والحديث الشريف يبين أن للإيمان لذة وحلاوة، قال صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولًا». ويقول الإمام ابن القيم: ‘إذ استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرح الناس بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنس الناس بأحبائهم فأنس أنت بالله، وإذا ذهب الناس إلى ملوكهم وكبرائهم يسألونهم الرزق ويتوددون إليهم فتودد أنت إلى الله ) فالأنس بالله خير من الأنس بالبشر.

اذا كان لديك مشكلة وترغب فى عرضها على العيادة النفسية