اجمد يا باشا

اجمد يا باشا

 النفس البشرية  هى من صنع الله سبحانه وتعالى ويجرى عليها جميع الخصائص الانسانية التى جبلها الله عليها بما فيها من اهواء وافراح واحزان والشعور بالخوف والألم، ومن لا يعاني من كل تلك المشاعر لا نستطيع ان نطلق علية لفظ انسان فليس هناك انسان على وجه الارض لم يشعر في لحظه من لحظات حياته بالفرح او الحزن او الألم ولكن هناك من يبالغ في اظهار مشاعره في بعض الاوقات وهناك من يستطيع التحكم بدرجة نسبية في تلك المشاعر وهناك من يتسامى ويكبت تلك المشاعر وهو من الفئة القليلة الصابرة.

وعند حدوث لحظات الكرب والمرض فالواجب الدينى عند تلك الاوقات اظهار الرضا بأمر الله سبحانه وتعالى وعدم الجزع والقنوط والمبالغة في الحزن والانهيار النفسى. والصبر على المرض له أجر كبير كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما يُصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) رواه البخاري

******

وفى أحد الايام استيقظت من النوم في وسط الليل على درجة عالية من ألم الاسنان جعلنى لا أستطيع مواصلة النوم الا باستخدام مسكن قوى ظل مفعوله عدة ساعات ثم رجع الألم مرة اخرى مما استدعى العرض على طبيب اسنان وهو صديق لى حضر لعيادته في غير موعد العمل كنوع من المجاملة وبدأ الكشف قائلا:

- خير ما الذي تشتكي منه.

- ألم شديد في اسنان الفك السفلى من الناحية اليسرى.

- ولكنى من الفحص أجد ان الالتهاب منتشر أكثر في الفك العلوي وهو الذي يحتاج العلاج أولا.

- هذا ما اشعر به يا دكتور وانت ذو خبرة وافعل ما تراه الصواب.

- سوف اعطى لك مخدر قوى حتى نستطيع بدأ العلاج بدون ألم وسوف يمتد مفعول المخدر فترة من الوقت.

وبعد اعطاء المخدر الموضعى بدأ الطبيب في العمل لإصلاح الضرس المصاب وهنا بدأت رحلة العذاب والالم.

- يا دكتور اشعر بازدياد معدل الالم كلما تعمقت في العلاج

- اجمد يا باشا خليك رجل واصبر.

- ولكن الالم شديد وأصبح غير محتمل.

- باقى عدة دقائق وننجز العمل بإذن الله، ولقد اعطيتك جرعة مخدر كافية وعليك الصبر بعض دقائق حتى لا نضطر لإنجازه في جلسة علاجية ثانية.

وتحت تهديد الحاجة لجلسة ثانية ومزيد من التخدير اضطررت للصبر وتحمل المزيد من الالم القاسى مدة من الزمن حتى انجز الطبيب عمله بشق الانفس وظللت طوال الوقت احاول ان اشتت انتباهى عن الالم بالإكثار من الاستغفار والتسبيح والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم واخيرا استطاع الطبيب انهاء العلاج بعد ان شعرت بالقرب من فقدان الوعي نتيجة لشدة الالم المستمر.

******

وهنا نناقش قضية هامة من قضايا العلاج الطبى في مصر واضطرار الكثير من المرضى لتحمل المزيد من الالم في مراحل العلاج المختلفة وصولا للشفاء بإذن الله. ومع تسليمنا بان الصبر على الابتلاء والألم له أجر كبير من الله تعالى الا ان عدم التمتع بما يسره الله لنا من وسائل وسبل ازاله الآلام هو بمثابة اهمال الحقوق والواجبات التى علينا ان نؤديها نحن الفريق الطبى تجاه المرضى حتى نستطيع ان نخفف عنهم الآلام.

والألم عادة هو إحساس أو شعور سلبي بعدم السعادة، والمعاناة. والألم قد يكون مادي أو معنوي بحسب العوامل التي تسببه فقد يكون نتيجة إحساس أو شعور، والألم المادي قد يكون مثل الصداع أو المغص اما الألم المعنوي فيكون مثل الحزن والقلق والتوتر.

والإحساس بالألم يختلف من شخص إلى آخر حسب العوامل الوراثية، وبشكل عام فإن المرأة تحس بالألم أكثر من الرجل نتيجة لأن جسمها يحتوي ضعف ما يحتويه الرجل من الألياف العصبية مما يجعل إحساسها بالألم أقوى ولمدة أطول.

ووظيفه الألم هي التنبيه بوجود مرض معين أو خلل في الجسم، ولكن قد يكون الألم في حد ذاته مرضا عندما يستمر بعد الشفاء من المرض، ويوجد عدة طرق للحد من تأثير الألم منها استخدام التخدير أو مسكنات الألم.وفي دراسة علمية توصل باحثون نفسيون إلى أن الذكريات المؤلمة المرتبطة بالتجارب العاطفية أكثر إيلاما من تلك المتعلقة بالألم البدني

  و لعل الأمر الأساسي والمهم أن الألـم المرتبط بالمرض هو شيء عارض من الممكن السيطرة عليه ومعالجته، والتخفيف من آثاره، وأحيانا يمكن تجنب حدوثه تماما، وبطبيعة الحال تتم معالجته بنهج خاص بكل مريض حسب وتيرة ونوع الألـم الذي يعانيه وتأثيراته، ومع أنه يتعذر التخلص من عوارضه دائما بشكل نهائي، إلا أن معالجته تعطي نتائج فعالة عند معظم المرضى وفي اغلب الأحوال، وينبغي عدم تجاهله أو دفع المريض إلى تحمّله مهما كان بسيطا، وبذل كل الجهد الممكن للتخفيف من معاناته خلال فترات المعالجة، وتجدر الإشارة إلى أن الدراسات الطبية تفيد بعدم تلقي نسبة كبيرة جدا من المرضى ( سواء البالغين أو الأطفال ) لأية معالجات للألم رغم معاناتهم، أو أنهم يتلقون علاجات غير كافية وبالتالي غير ناجعة.

 ويصنف الألـم من حيث موضعه بالجسم إلى ثلاثة أنواع:

·  باطني: ويتعلق بالأعضاء الحيوية، مثل الكبد، ويصفه المرضى عادة بالرجفة أو بالتشنج أو الألـم النابض أو الموجع أو الحاد.

· جسدي: ويرتبط عادة بالعظام والعضلات، ويتركز في موضع محدد، ويصفه المرضى عادة بالألـم النابض، أو الحاد أو الضاغط، ويصفه البعض بالوجع أو الشبيه بالحرقة.

·  عصبي: وهو مرتبط بالأعصاب، حيث ينتج عن تأذي الأعصاب أو ضغط كتلة الورم عليها، وتضرر البُنية العصبية للجهاز العصبي المركزي، ويوصف عادة بالألـم الحاد.

وثمة وسائل متعددة لمعالجة الألـم، وتتراوح الوسائل العلاجية بين استخدام الأدوية المسكنة للألم والمخدرة كخط علاج أساسي، إضافة إلى علاجات لا تعتمد على الأدوية، مثل العلاج الطبيعي، وتقنيات التفكير الموجه وأساليب الإلهاء وتشتيت التفكير، وتقنيات الاسترخاء والتخيل، التي قد تفيد عند الأطفال بسن ما فوق الثامنة والمراهقين.

و تستهدف تقنيات التفكير الموجه في حصر تفكير المريض عند وجود الألـم في شأن محدد، بحيث ينغمس فيه تماما وبكل حواسه، بُغية صرف تفكيره عن الشعور بالألـم، ومن أفضل طرق توجيه التفكير لدى الأطفال المرضى هي القراءة الجهرية للقرآن الكريم، وذلك بحثّ الطفل على القراءة بنفسه ومما يحفظه من القرآن، ومراجعته في الحال عند وجود أخطاء بأحكام التلاوة، وحثه على الإعادة والتصحيح ، مما سيحصر تفكيره بالقرآن و يصرفه عن الشعور بالألـم، إضافة إلى أن قراءة القرآن الكريم ستدعمه نفسيا وتهدئ من خواطره، وتنفي عنه الأفكار السلبية وتخفف من الشعور بالألـم.

وتُعد تمرينات الاسترخاء البسيطة، مثل تمرين التنفس العميق والرتيب، من الطرق المفيدة في التخفيف من الألـم، ويمكن تعليم المريض طرق أدائها من قبل أخصائي العلاج الطبيعي.  

والتخيل الموجه طريقة لتوجيه الذهن لخـلق تصورات ذهنية متخيلة ومتعددة، مثل تخيل الجنّة وما فيها من مسرات، أو أماكـن مبهجة ومحبوبة أو مناظر مريحة للنفس، فالتركيز على التصورات المتخيلة يحول ذهن المريض بعيدا عن التفكير في الألـم

 ويتمثل الهدف الأساسي لأدوية معالجة الألـم في تحقيق أفضل معالجة ممكنة، باستخدام أقل قدر من الدواء وبأقل قدر ممكن من التأثيرات الجانبية، وتجدر الإشارة إلى أن الجرعات اللازمة من هذه الأدوية تتفاوت بشكل كبير جدا بين المرضى، حتى عند وجود نفس أنواع الألـم، وبصفة عامة يتم البدء بجرعات صغيرة تتم زيادتها بالتدريج إلى أن يتم تحقيق التسكين الكافي، أي معايرة الجرعة الدوائية بتعديلها زيادة أو نقصانا لتحقيق سيطرة ملائمة على الألـم.

ويجدر بالذكر أن  معالجات الألـم كانت تتم في الماضي  بإعطاء الأدوية حسب الحاجة وعند الضرورة، أي يتم الانتظار لحين الشعور بالألـم ليتم تناول الأدوية، مما يسمح بالطبع بمعاناة المريض لدورات من الألـم الحاد، وعلى العكس من ذلك تتوخى الخطط العلاجية الحديثة إعطاء العقاقير بجدولة زمنية تستمر على مدار الساعة، لضمان وجود نسبة ثابتة من الأدوية بالجسم طوال اليوم، مما يعنى تناول العقاقير طوال الوقت بغض النظر عن شعور المريض بالألـم من عدمه، و قد تتم التوصية عند بعض الحالات بتناول أدوية مسكنة إضافية عند الشعور بالألـم.

اذا كان لديك مشكلة وترغب فى عرضها على العيادة النفسية