الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

 

امراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى

 

 



 

مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
تحويل العملات
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام




مجلة النفس المطمئنة

 

قراءة فى شخصية زويل

 دكتور/ محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

 

 

جلست أتابع تلك السهرة  المميزة مع الدكتور أحمد زويل فى برنامج الساعة العاشرة وكنت أنوى مجرد الاستمتاع بحديث الضيف المتميز ولكننى فوجئت بأن الإعلامية الذكية الأستاذة منى الشاذلى تستفيد ببراعة من ثقافتها النفسية فتأخذ لقطات لشخصية زويل من زوايا مختلفة وتسلط الأضواء على ثنايا فكره ووجدانه ، وهكذا استيقظت هوايتى- التى هى مهنتى - فرأيتنى أمسك بالورقة والقلم لأسجل هذه القراءة لشخصية فى حجم زويل خاصة وقد طمأنته المضيفة(المحللة) ببساطتها وتلقائيتها وحرفيتها فكانت دفاعاته فى أقل مستوياتها فاستطعت أن أراه- ربما لأول مرة - بهذا الوضوح النسبى ، وقارنت صورته فى هذه المرة بصورته التى رأيتها مباشرةًَََََ (وجهاًَ لوجه) فى محاضرته العلمية الإنسانية التى ألقاها فى المؤتمر العالمى للطب النفسى فى المركز الدولى للمؤتمرات بالقاهرة ، وقارنت ذلك بصورته فى  مقابلات أخرى مع مذيعين كانوا  فى حالة انبهار بالأضواء المحيطة به فلم يستطيعوا أن يروه إنسانا، وربما يكونوا قد وضعوا عليه أقنعة فحجبوه عنا وحجبونا عنه , وأضفت إلى كل ذلك قراءتى لسيرته الذاتية فى كتابه " رحلة عبر الزمن " من إصدارات  مؤسسة الأهرام بمصر عام 2003م .

كانت هذه مقدمة ضرورية توضح خصوصية الحالة التى كان عليها صاحب الشخصية فى هذه المرة حيث كان عفوياًَ بسيطاً سعيداً أحياناً ومتألماً أحياناً أخرى . وأول ما يلفت نظرك فى زويل وجهه فهو واجهته الحقيقية التى تستطيع قراءته منه، ذلك الوجه متعدد التعبيرات والإيحاءات فى براعة فهو أحياناً يأخذ طابع الجدية والصرامة العلمية ويغطى الجفنين العلويين جزءاً من العينين ويتهدل الخدين ويزم شفتيه فتظهر صورة عالم أضناه السهر فى المعامل , وأرهقت عيناه متابعة الجزيئات وتركزت حدقتاه المتسللتان من تحت جفنيه على شئ جديد يراه فيتأمله فى خشوع العالم. وفى هذه الحالة تجد أطرافه وجسده فى حالة سكون والتزام يليقان بجدية الموقف. ثم مع تحول مجرى الحديث (منه أو من محدثه) تجد ابتسامة طفولية بريئة وتلقائية أشعت فى وجهه فلمعت عيناه وأضاءت وجنتيه ، وانفرجت شفتاه فى سعادة حقيقية تعود به عشرات السنين إلى الوراء ، ويواكب ذلك حركات مرحة فرحة باليدين والرجلين مع حركة الجسم يمنة ويسرة فى لطف ، ثم سرعان ما يلملم أطراف هذه الحالة ليجلس فى صمت الأب المستمع الحانى الودود أو الناقد فى حب وشفقة , ثم يخرج من هذه الحالة إلى حالة ابن البلد الظريف فترى وجهاً مألوفاً على المقاهى والحارات المصرية  وفى جلسات الأحبة يلتقط الطرفة أو يصنعها ويأخذك بعيدا عن هموم الحياة.

إذن فنحن أمام وجه واسع الطيف من حيث الإيماءات والإيحاءات والتعبيرات وهو يفعل ذلك فى لحظات سريعة ولكنك لا تشعر بالنقلات نظراً لبراعة صاحبها فى جعلها منطقية ومفهومة من خلال مواكبتها بأفكار سريعة وملائمة وأيضاً مواكبتها والتجهيز لها بلغة جسم تخدمها وتعززها ، لذلك تشعر بالارتياح والتناغم حين تسمعه على الرغم من وتيرته المتسارعة والمتغيرة فكراً ووجداناً. ولو كنت مخرجا سينمائيا فستجد نفسك أمام ملامح يمكن توظيفها لإنتاج كم كبير من الشخصيات، فهو فى لقطات معينة وبزوايا خاصة يصلح لأن يكون وجه عالم، وفى لقطات أخرى وبتعديلات بسيطة يصلح لأن يكون وجه ابن بلد شهم وفى لقطات ثانية يصلح لأن يكون وجه شاعر رومانسى حالم ، وفى لقطات رابعة يصلح لأن يكون وجه حرفى ناصح ومتمكن من حرفته ، وفى لقطات خامسة يمكن أن يكون صديق فى جلسة أنس. وهو فى قابلية ملامحه لإعطاء صور لشخصيات متباينة يشبه الفنان نور الشريف فى قدرته وقدرة المخرجين على تحويل ملامحه من ابن البلد فى حارة شعبية إلى هارون الرشيد إلى فيلسوف كابن رشد إلى شخص حالم ككمال عبد الجواد فى الثلاثية إلى تاجر إلى شيخ متصوف...إلى..إلى..... وهذا ربما يشير إلى حالة من الثراء  أو الذكاء الوجدانى الذى يلتقط ثم يختزن ثم يعكس الكثير من الصور الإنسانية فى مرونة وتلقائية ، ويعكس أيضا براعة الشخص فى التقمص والتفاعل مع الظروف المتغيرة بأقل قدر من التثبيت والدفاعات النفسية.

 

وإذا كنا مازلنا فى مرحلة قراءة الوجه فقد يلفت نظرنا تسريحة الشعر وطبيعته حيث نجد الشعر مطروحا على الجبهة (سواء بقصد إخفاء منطقة خالية من الشعر أو  بغير قصد) ويبدو وكأنه لم يمشط بعناية ، وإذا أضفنا لذلك قصر السوالف وبساطة رسمها فإننا نكون أمام وجه أقرب للملامح الطفولية حيث الشعر الزاحف على الجبهة(عكس كبار السن الذين  يزحف شعرهم متراجعاً عن الجبهة) وحيث عدم العناية بتصفيفه إلى الخلف أو إلى الجانب. وهذا المظهر الطفولى للشعر ربما يعكس ذاتا  طفلية نشطة بداخل صاحبها ، تلك الذات المتفائلة المنطلقة المبدعة الفرحة المندهشة. وهذا يجعل أحمد زويل بعيداً عن" برواز" العالم المتجهم والصارم ، وبالتالى يغريك بعالمه الذى برع فيه وحقق فيه كل هذه الإنجازات ومع ذلك لم يفقد بساطته وتلقائيته ومشاعره الطفلية النشطة. 

وربما يقول قائل:نحن نبالغ كثيرا فى قراءة الشخصية من ملامح الوجه أو من لغة الجسم ، ولكن ثبت علميا أن اللغة اللفظية المباشرة تعطينا30% فقط من محتوى التواصل فى حين أن اللغة غير اللفظية ( وضع الجسم ، ملامح الوجه ، نظرات العينين ، حركة الأطراف , نغمة الصوت ) تعطينا 70% من محتوى التواصل.

وإذا جئنا إلى وضع الجسم وجدناه يجلس فى ثقة واعتزاز ومع ذلك لا يخرج عن حدود التواضع فهو لا يضع ساقاً فوق ساق احتراماً ومراعاةً للتقاليد المصرية رغم أن هذه العادة مقبولة جداً فى المجتمع الأمريكى الذى عاش فيه سنوات طويلة ، وهو لا يأخذ وضعاً متخشباً متحدياً أو متصلباً ، بل يغير أوضاعه فى مرونة ويسر ولا يأخذ أوضاعاً قلقة أو مستفزة وهذا يعكس بساطة وتواضعاً واحتراماً للآخر بقدر احترام الذات والاعتزاز بها .

ومن المهم  عند قراءة أى  شخصية أن نحاول معرفة  مفتاح هذه الشخصية وذلك لكى يتسنى لنا ربط التفاصيل المتناثرة فى منظومة تعطينا إطارا واضحا ومنطقيا ومتناغما لصاحب الشخصية نفهم من خلاله الكثير من التفاصيل أو ما يبدو أحيانا أنه متناقضات . ومن خلال كلماته ومواقفه وملامح وجهه ولغة جسده يتضح أن مفتاح شخصيته هو : " عشق العمل والتفاؤل " , ويؤكد هذا المفتاح ما كتبه هو عن نفسه ( فى كتابه رحلة عبر الزمن , صفحة 7 , مؤسسة الأهرام 2003) يقول : " ويعتقد كثير من الناس أنه بإمكان المرء أن يدرك النجاح بسهولة معتمدا على النبوغ وحده . وفى حالتى لم يكن  طريقى فى الحياة سهلا ميسورا – فقد اعترضت طريقى كثير من العوائق والتحديات , ولكن من ا لصغر وأنا أعرف قوة " عشق العمل " كما أننى بطبيعتى إنسان متفائل "  . هذه الحالة من ا لعشق والتفاؤل خلقت حالة من الإدراك الإيجابى الشغوف بالأشياء والناس والحياة ويظهر هذا فى كثير من المواقف نذكر منها مايلى :

1-   إدراكه لشخصية والده حيث يقول عنه ( فى كتابه السابق صفحة 17 ) :  كان شديد الإخلاص لعمله ولأسرته , كما أنه علمنا كيف نعيش فى بهجة وسعادة ...... وكان يعتقد أن الحياة قصيرة ويجب ا لإستمتاعه بها ..... ولوالدى صفات تدعو للحب والاحترام , فقد كان محبوبا من أصدقائه ومعارفه , وكانوا جميعا معجبين به ويكبرونه ويجلونه , وأنا بالفعل معجب به ومقدر لحكمته تلك وهى أن المرء يجب أن  يتعلم فن  الحياة , أى كيف يستمتع بأيامه فى رحلة حياته . وربما كان أعظم شئ تعلمته من والدى هو أنه لا يوجد تناقض البتة بين الحب الشديد للعمل والإخلاص له وبين حب الحياة والاستمتاع بها "  .

2-   إدراكه لشخصية والدته حيث يقول عنها ( فى كتابه : رحلة عبر الزمن , صفحة 17 ) : " واتسمت والدتى بالورع والتقوى وحرصها على أداء الصلوات الخمس فى ميعادها . وهى بالفعل اسم على مسمى , فاسمها روحية وهى روحانية بكل ما تعنى الكلمة  .

3-   إدراكه لجامعة الإسكندرية التى بدأ فيها أولى خطواته نحو التخصص حيث يقول فى كتابه سابق الذكر فى عبارات عميقة الدلالة على إدراك إبداعى ونفس توّاقة للصعود ومتعلقة بالمعالى ( صفحة 30 ) : " وما أن دخلنا حرم الجامعة حتى وجدنا أنفسنا أمام درج شديد الانحدار يبدأ من سطح الأرض ويقف شامخا فى الهواء الطلق , وصعدنا درجات السلم حتى إذا ما انتهينا إلى الدرجة العليا وجدنا أنفسنا وكأننا نسران محلقان فى الهواء ونشرف من موقعنا هذا على مختلف أرجاء حرم الجامعة بمنشآته العشر على وجه التقريب ..... وإننى أتذكر أثناء ارتقائى للدرج هذا بصحبة خالى رزق فى أول يوم لى فى الجامعة , وكان ذلك فى صيف 1963 , وحتى قبل أن نصل إلى نهاية الدرج , أتذكر أن قطرات من الدمع قد تساقطت من مقلتى , ولم يكن ذلك عن حزن , إنما هى دموع الفرح لرؤيتى حرم الجامعة لأول مرة فى حياتى ... حرم العلم والعلماء والذى تنطلق منه إبداعات العقول فى مجالات العلوم والفنون بأنواعها المختلفة ... وعندئذ سرحت بخيالى وفكرى .. ووجدتنى أتساءل فى شئ من القلق والانفعال : أأجد نفسى ذات يوم واحدا من هؤلاء العلماء ؟ وجاء الجواب من مقلتى فى صورة قطرات من الدموع بلت وجنتى .. وكأنها تردد نفس السؤال ! " .

 

هذا الاستقبال الوجدانى الإيجابى  للرموز العائلية والرموز العلمية وللحياة عموما يكشف بوضوح عن حالة العشق وحالة التفاؤل وحالة التواصل الرائعة مع الناس ومع الأشياء , ويكشف أيضا عن ملكة الإبداع الكامنة فى هذه النفس الحساسة , حيث أن المبدعون يتميزون برؤية خاصة للأشياء تجعلهم يرون مالا يراه الناس ويدركون الأشياء بعمق غير مألوف ويسمعون همس الكون ووشوشة الطبيعة وتغريد الحياة . وتتصف الشخصية المبدعة بوضوح نشاط ذات الطفل فيها تلك الذات التلقائية الفرحة المندهشة المتفائلة والمتسائلة والمتجددة .

ويلاحظ من مسيرته حرصه على اللقاء بقادة العالم من العلماء  والسياسيين وغيرهم وهو يحتفظ بصور تذكارية معهم , وهذا يعطى دلالة على تعلقه بالعظماء والعباقرة وعلى تعلقه بمعالى الأمور على وجه العموم وربما يضاف هذا كمفتاح آخر لشخصيته ( إضافة إلى عشق العمل والتفاؤل ) , وهو يعبر عن هذا بقوله : " وكنت على اقتناع تام بأن السبيل لمواصلة التقدم والنجاح هو أن يتعلم الإنسان من العباقرة وأن يقتفى أثرهم ويحذو حذوهم , وكان إسحاق نيوتن قد عبر عن ذلك بقوله :

" إنما تعود نظرتى البعيدة والعميقة للأشياء ومدلولاتها إلى أننى قد وقفت على مناكب العباقرة ... " , وكان اسحاق نيوتن قد تعلم من جاليليو وغيره من كبار العلماء الذين سبقوه مما مكنه أن يواصل تقدمه ونجاحه .. ومن ناحيتى بدأت أقرأ فى تاريخ المشاهير والعلماء وإنجازاتهم وأدركت أن بحور العلم ليس لها حد ود " ( رحلة عبر الزمن , مؤسسة الأهرام 2003 ) .  

وللزمن فى وعى زويل وضع خاص يرتبط بشخصيته , فلديه إحساس حاد بالزمن يجعله يحرص على أن لاتضيع منه لحظة , وهذا يتضح فى عباراته التى يختارها بعناية بحيث تؤدى ما يريده بشكل موجز ومباشر وسريع دون أى إطناب أو ترهل يستهلك الوقت بلا فا ئدة , ويتضح فى قوله : " وكنت توا قا ومتلهفا لمواصلة القرا ءة , وحرصت على أن لا يضيع جانب من وقتى " , كما يتضح بشكل عملى فى مسيرته كلها حيث كانت إنجازاته كلها مبكرة فقد حصل عل جائزة الملك فيصل العالمية فى سن صغير نسبيا ثم جائزة بنيامين فرانكلين ثم توج ذلك بجائزة نوبل , كل هذا وغيره كثير وهو لم يتجاوز حين حصوله على نوبل الثانية والخمسين من عمره ومن يتابع عدد ونوعية أبحاثه وكتبه ونشاطاته ليتعجب من كثرتها وجودتها وتنوعها بشكل مذهل , ولا يكون هذا إلا من خلال إحساس دقيق وحاد جدا بالزمن , وربما يفسر هذا بحثه الأهم عن الفيمتوثانية  تلك الوحدة الزمنية الأصغر ا لتى أضافها إلى العلم ورأى من خلالها حركة الجزيئات التى لم تكن ترى فى ظل وحدات زمنية أطول . ويؤكد أهمية الزمن لديه اختياره لعنوان  كتابه ( سيرته الذاتية ) : " رحلة عبر الزمن " .

 

وزويل يتمتع بقدر هائل من الذكاء الوجدانى،وقد لانبالغ إذا قلنا أن ذكاءه الوجدانى يكمن وراء الكثير من نجاحه ، فلديه رصيد هائل من المشاعر الحية الجياشة ، ولديه طاقة هائلة على أن يـُحِب ويُحَب،ولديه دافعية عالية للعمل والاستكشاف ، ولديه قدرة عالية على تحمل الإحباط ، ولديه قدرة على قراءة مشاعر محدثه والتجاوب معها ، ولديه قدرة على الإحساس بالآخر وباحتياجاته وعلى التعاطف معها.

وهو لا يتصرف فقط كعالم إنما يتصرف كنجم متألق يحافظ على نجوميته وعلى تألقه ، فهو يجيد عرض نفسه علمياً وإعلامياً وشخصياً ، وهذا قد أعطاه شهرة وتألقا لم يحظ بها علماء كثيرون حصلوا على نفس الجائزة وعاشوا فى ظل المعامل والمدرجات فى جامعاتهم أو معاهدهم العلمية. وهذه النجومية تجعله يتعامل مع الإعلام بذكاء وبحذر فهو يبدى ما يرى أنه يخدم هذه النجومية ويخفى ما يرى أنه ربما يؤثر سلبياً عليها، فمثلاً هو لا يحب الاقتراب من خصوصياته (خاصة زيجاته وأمه) ، فمن الغريب أن أمه لم يرها أحد على شاشات التليفزيون تتحدث عن طفولة ابنها وعن ظروف حياته وحياتها رغم أنها- كما ذكر- شخصية محورية فى حياته ، كذلك لم تظهر زوجته الأولى أو الثانية لتحدثنا عن  صورته كزوج ، ولم تظهر بناته أو أبناؤه ليتحدثوا عن زويل الأب ، تلك الجوانب التى ربما لا تكون على نفس المستوى العلمى الذى وصل به إلى نوبل ربما لا يحب أن تظهر للناس بما فيها من سلبيات وإيجابيات ( شأن جميع البشر) لكى يحافظ على صورة ذهنية وعلمية وإعلامية خاصة ترسخت فى وجدان الناس عنه ، وهذا ليس مما يذم أو يمدح وإنما يدخل فى باب الخيارات الشخصية والحسابات الاجتماعية , وإن كان فيه بعض الحساسية غير المبررة فالشخصيات القيادية فى أى مجال كثيرا ما تعطى خبرتها بحلوها ومرها للأجيال الجديدة للإستفادة منها , أما زويل فهو يحرص على ظهور مزاياه فقط للناس ويحرص بشدة على إخفاء أى نقطة ضعف أو أى أخطاء فى مسيرته وهذا  يجعلنا نتحدث فقط عن نصف صورته التى نراها  . ولدينا أمثلة كثيرة من مشاهير ونجوم فى العلم والفن والأدب تحدثوا بشجاعة فى سيرتهم الذاتية عن جوانب ضعفهم وأخطائهم ومعاناتهم ولم ينتقص هذا من صورتهم وتألقهم بل زادهم حبا وتقديرا وعمقا فى وعى الناس . 

وحين أبرزت الأستاذة منى الشاذلى التركيبة الأسرية فى أن زويل هو الولد الوحيد على ثلاث بنات ، فهذا يوضح جانب هام فى النشأة يترك أثرا هائلا بعد ذلك , فهذا الوضع يعطى تميزا للولد(الوحيد وسط أخوات) فيشعر باهتمام كبير من الأم ومن سائر من حوله ، ذلك الاهتمام الذى يجعله فرحاً بذاته وفخوراً بها، وهذا الفرح والاهتمام والولع بالذات قد يأخذ منحى سلبياًً فينشأ هذا الولد الوحيد مدللاً مرفهاً، وقد يأخذ منحى إيجابياً حيث يعطى لصاحبه رغبة فى الحفاظ على صورة ذاته المميزة فى بقية مراحل عمره فيسعى إلى الإنجاز والتميزلكى يظل محتفظاً بالحفاوة والترحيب ويضع ذاته التى يحبها فى الوضع المناسب كما يراه ويراها.وهذا ربما نسميه نوع من النرجسية الإيجابية ، وهى شعور عالٍ بالذات مع سعى حقيقى لوضعها فى أفضل المراتب من خلال إنجاز أصيل يعلى من قيمة هذه الذات واحترامها وتقديرها. وهذا الشعور العالى بالذات نجده فى أغلب الناجحين والمتألقين ، وربما يكون هذا الشعور أحد أو أهم دوافعهم للتميز والتفوق ، فهم لا يحتملون أن يكونوا فى غمار الناس ، بل يسعون دائما للإنجاز والتألق والتفوق ، وهذا بالطبع يختلف عن حالة النرجسية الفارغة والتى لا تقوم على إنجازات حقيقية أصيلة وإنما تقوم على وهم فى عقل صاحبها بالتفرد وعلو القيمة. وهو يصف هذا الجانب من نفسه بقوله : " وعاد السؤال الذى ألح على  خاطرى أثناء ارتقائى درجات السلم فى أول يوم لى فى جامعة الإسكندرية ... هل لى أن أكون يوما ما واحدا  من هؤلاء العلماء البارزين ؟ وإن المرأ ليعجب فى الوقت الحاضر من مدى أو درجة الجنون التى كنت فيها أو عليها وقتذاك وفى تلك المرحلة المبكرة من العمر .. أو أننى لم أشغل فكرى وبالى بالثروة والمال أو اقتناء سيارة فاخرة أو ما إلى ذلك من متع الحياة المعهودة  , ولكن الذى شغل فكرى واستولى على خيالى هو أن أحصل العلم وأن أتبوأ مركزا فى دنياه , والمرء دائما حيث يضع نفسه " .  

والتواضع لدى زويل - رغم ارتفاع إحساسه بذاته - هو جزء من التميز لديه ، فإدراكه لقيمة التواضع يجعله يتحلى به مثلما يحرص على التحلى بالبساطة والتلقائية والمرح ، فهو فى النهاية يبنى منظومة شخصية يحرص جيداً على جمالها وتنوعها وتألقها وتزيينها بكل ما يمتدح من صفات وإخفاء كل ما ينتقد أو يذم .

 

ثم غاصت المحاوره فى أعماق بحار طموحاته وطارت فى سماء تطلعاته وخرجت بالكثير، فهو حريص على مقابلة الزعماء والناجحين على المستوى العلمى والسياسى والاجتماعى وحريص على التقاط الصور التذكارية مع هذه القمم ، وباب طموحاته مفتوح على مصراعيه ، وهو حريص على تركه للإختيارات مفتوحة ، فلا ينفى حبه للعلم ورغبته فى التبتل فى محرابه ، ولا ينفى فى ذات الوقت خيارات أخرى سياسية أو غيرها قد يختارها الشخص فى ظروف معينة. ولكن اقترابه من عالم السياسة والثقافة قد أصابه بصدمات فهو كعالم يميل إلى الحقيقة وإلى الموضوعية والصدق , ولكن عالم السياسة والثقافة فى مصر فى الوقت الحالى يبدو أنه ليس على هذا المستوى لذلك نراه يعبر فى ألم عن تجربته مع المسئولين فى موضوع إنشاء الجامعة التكنولوجية على أرض مصر وما حدث فيه من مراوغات لا تصلح فى المجال العلمى , ويعبر أيضا بألم عما وجده من ازدواجية الخطاب لدى نخبة المثقفين فى مصر حيث يسمع منهم كلاما فى الجلسات الخاصة ثم يراهم يكتبون كلاما آخر فى صحفهم ومجلاتهم وكتبهم . وهو يريد أن يساهم  فى نهضة بلده التى يحبها ويتعجب كيف ببلد مثل مصر لم تستطع أن تحقق ما حققته ماليزيا أو الهند , ويتأكد له أن هذين البلدين يتمتعان بديموقراطية حقيقية  , وكأنه بأدب العالم يريد أن يوجه الأنظار إلى أصل الداء الذى يكمن وراء تخلف هذا البلد العظيم تاريخا وحضارة.

وهو يريد أن يرى الدنيا ( ويرى نفسه أيضا ) فى وجهها الجميل المعطاء المتفائل ولا يحب التركيز على السلبيات والأخطاء والنكبات ، وهذه دائما رؤية المبدع النامى الناجح والمتطور حيث يتجاوز الحفر والصخور فى سبيل استكمال رحلة الصعود إلى أعلى الجبل وهو يرنو بعينيه نحو السماء الصافية ويوجه أنفه لاستنشاق النسيم الصافى من الطبقات الأعلى ولايبالى بما تحت قدميه من حصى وهوام يعرف مؤكداً أنه سيتجاوزها فى حالة الاستمرار فى الصعود. وقد عبر عن هذا بالمقارنة بين الوضع فى مصر حيث الميل للتركيز على  السلبيات والعقبات وعلى محاولات إعاقة النجاح والناجحين ، مقارنة بالوضع فى أمريكا حيث الحفاوة بالنجاح والناجحين وإتاحة كل الفرص للصعود .

أما عن الجانب العاطفى فى حياته فقد حاول التهرب منه بالعودة إلى سؤال مبكر فى المقابلة يعود  بالحديث إلى موضوعات علمية وعامة.وعندما عاودت المحاورة سؤاله مع كل ما لديها من مهارات لتخفيف قلقه تجاه هذه النقطة الإنسانية فى شخصيته ، رغم  كل هذا وجدناه يحرص على إخفاء هذا الجانب ويغطيه بعبارات عامة ، وربما يكون هذا بسبب جراح أليمة لا يريد أن يفتحها أو بسبب فشل لا يريد به أن يكون بقعة فى صورته التى يحرص على جمالها وتألقها ، أو يكون بسبب إنكار لجانب يخشى التورط فيه حديثاً أو ممارسة. 

المهم أن حساسية زويل تجاه خصوصياته يعكس الحرص على ظهور الذات الاجتماعية والذات المثالية مع الاحتفاظ بالذات الحقيقية بعيدا عن أعين الناس . وربما يعذره البعض فى  ذلك , فهناك بعض الناس لا هم لهم إلا البحث عن زلات الناجحين لأن وجود  تلك الزلات أو مناطق القصور أو الضعف يريح أنفسهم الغيورة من النجاح حيث تتشوه صورة الناجح فى أذهانهم فيسهل عليهم قبولهم لذواتهم . وهم  بهذا يحرمون الشخصيات الناجحة  حقها من الضعف الانسانى ومن الزلات الحتمية ومن جوانب القصور الطبيعية ، وفى نفس الوقت يحرمون أنفسهم من استشعار التميز والنجاح على الرغم من نقاط الضعف وجوانب القصور.

وأخيرا فهذه قصة نجاح حقيقية تستحق تسليط الضوء عليها والإشادة بها لتكون نموذجا للإجيال الجديدة التى تعيش فى عالم يفتقد للقدوة فى كل المجالات , فينظرون فلا يجدون من حولهم إلا نماذج فاسدة ومشوهة , وهنا تصبح النماذج المضيئة فى العلم أو السياسة أو الدين بمثابة وسائل إنقاذ للبشرية حتى لا تغوص فى أعماق الفساد والتدهور , ليس هذا فقط بل إن هذه النماذج هى بمثابة قوة الدفع لأعلى لم تتوق أنفسهم لمعالى الأمور وجمال الوجود وعظمته . 

  أعلى الصفحة                   

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

         

   
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية