مقالات د.جمال أبو العزائم

مستشار الطب النفسى الراحل

السيرة الذاتية

  والآن وأنا أبلغ من العمر الثانية والثمانين وددت لو أوفق في وضع أنشطة الصحة النفسية أمام العاملين في هذا الميدان الواسع . بعد أن وفقني الله لمئات من الرحلات العلمية حول العالم .

  وقد دعوت الله أن يستفيد قارئ هذة المقالات بما يدور من أبحاث في العالم حول الصحة النفسية وداعيا لتحصين الشباب والعاملين والمعالجين من الضعف والقلق والتوتر . وداعيا الفريق العلاجي لمزيد من التأمل والبحث العلمي المتقدم . وواضعا الإبداع الذي بثه الحق في هذا العالم أمام أحبابي ليتعرفوا علي عظمة الخالق وعظمة النفس الإنسانية .والتصدي للأفكار الخاطئة ومحاولا اقتلاعها بعيدا عن مسيرة الإنسان . وقد اخترت طريقة القصص حتى يقبل القارئ ويعيش مع هذا الكتاب في قصصه وسياحاته

****

  ولدت يوم 23 يونيو سنة 1917 بمدينة القاهرة في حي السيدة زينب وكان يعمل والدي السيد / محمود أحمد ماضي في الترجمة في الحكومة السودانية .

مراحل التعليم :

ودخلت مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية التي كانت أمام المنزل , وحصلت على الابتدائية ثم دخلت مدرسة الأمير فاروق الثانوية التي كانت في روض الفرج ومكثت في هذه المدرسة خمسة سنوات وحصلت علي الكفاءة ثم البكالوريا .

العوامل التي أثرت في شخصيتي :     

عندما أستعرض اليوم طفولتي المبكرة باحثا عن أهم العوامل التي أثرت في شخصيتي أجد أهم هذه العوامل هي البيئة الدينية التي ولدت ونشأت فيها وكان برنامج الحياة اليومي الذي نحياه هو البرنامج الديني الأصل الذي رسمه لنا القرآن الكريم فقد كنا نعيش كعائلة كبيرة في منزل الجد السيد أبو العزائم حيث كان يستيقظ قبل الفجر مؤذنا بنفسه .

يا أمة خير الأنام ومصباح الظلام ورسول الله النبي الإمام أقبلوا علي الصلاة وكان هذا النداء يثير حركة كبيرة في المنزل استعدادا لصلاة الفجر ونتوافد علي مصلي صغير عبارة عن غرفة واحدة في وسط فناء كبير ويتجمع جميع أفراد البيت حوالي أربعين ونصلي جميعا , وبعد الصلاة نستمع إلى درس ديني ثم ننصرف للإفطار وبعد الإفطار كنت أذهب للسيد أبو العزائم لأقرأ له الصحف وكتب الدين المختلفة , وهذا أفادني فائدة كبيرة فتعلمت القراءة واهتممت بها وهو يصلح لي أخطائي العديدة وحفظت عدة أجزاء من القرآن وتزايدت حصيلتي الدينية يوما بعد يوم .

ومن أهم الشخصيات التي أثرت في شخصيتي هي والدتي التي دعمت هذا البرنامج الديني الذي رسمه لنا الجد فقد كانت تحفظ القرآن الكريم رغم أنها لم تذهب إلى المدرسة ولكن والدها علمها القراءة والكتابة وحفظت القرآن علي يديه وجاء الوقت الذي كانت تقرأ الروايات التي تنشر وتأتي وتحكي لنا هذه الروايات ومما أذكر أنها كانت تقرأ في مجلة روسية قصة إسمها " ماركوف " وكانت تأتي لنا كل ليلة تحكي لنا ما وصلت إليه من القصة وكنت أحرص أن أجلس في هذه الجلسات مع الأم فكانت تعطينا رحيق القرآن وجمال القصص المختلفة وكانت أسوة حسنة إذا سمعت آذان الصلاة قامت فوراً لتؤديها وكانت تهتم أن نصلي معها صلاة جماعية .

أما والدي فقد خط خطوطاً عميقة في شخصيتي منذ طفولتي الأولي فقد كان علي درجة عالية من الثقافة الدينية وكان من أهم أسباب إكتسابه هذه الثقافة هو ترجمته للعديد من أمهات الكتب الدينية وأهمها كتاب ( كشف المحجوب ) الذي ألف بعد وفاة السيد الرسول صلوات الله وسلامه عليه بثلاثمائة عام وهذا الكتاب يحوي حقائق العلم الديني القرآني , لماذا شرعت الصلاة ؟ , لماذا شرع الحج ؟ , لماذا شرعت الزكاة ؟ , لماذا شرع الجهاد في سبيل الله ؟ , ما معني التوحيد , كما أنه يتحدث عن النفس الإنسانية والنفس المطمئنة والنفس الأمارة , وغير ذلك الكثير .

كان والدي قد ترجم هذا الكتاب من الإنجليزية إلى اللغة العربية وهذا الكتاب يعتبر من أمهات الكتب التي تحدثت عن الثقافة الصوفية وقام شيخ الأزهر الشريف المرحوم الشيخ / عبد الحليم محمود بطبعه علي نفقة الأزهر الشريف.

ولقد كانت لهواياتي في هذه السن المبكرة التأثير علي تكوين شخصيتي فقد كنت أعشق التأمل في الطبيعة وتستهويني عجائبها ودائما ما كنت ألمس قدرة الله في أشياء بسيطة في الطبيعة من حولي وقد ساعد علي تنمية هذه الهواية لدي إصطحابي لجدي الإمام أبو العزائم يوميا في هوايته المفضلة وهي رياضة المشي علي شاطئ نهر النيل حيث كان ينفعل بجمال الطبيعة ويترجم هذا الانفعال إلى أشعار يمليها علي عند عودتنا للمنزل فترسخت لدي هواية حب التأمل في الطبيعة وفي قدرة الله في جميع مخلوقاته .

ولقد كان للتماسك الأسري الذي تحلت بها عائلتي الصغيرة اكبر الأثر في شخصيتي فلم يتعرض منزلنا لأي مشاحنات أو مشاكل بين الوالد والوالدة أو بين الأبناء وكان كل فرد يعرف دوره في الحياة ويجيده علي قدر ما يستطيع وهكذا أتاح لنا هذا الجو الأسري المتماسك الفرص الجيدة للتنشئة الصالحة للأبناء وقد رسخ الوالد في نفوس أبنائه منذ الطفولة المبكرة النظرة الجادة للحياة وأن الحياة عمل وكد وجهاد وأن الإنسان يستطيع من خلال هذه المفاهيم أن يأخذ أكبر قدر ممكن من السعادة فالسعادة في نظره ليست في الاسترخاء والراحة أو الرحلات والتنزه وإنما السعادة في العطاء والتضحية .

ومن هذا المنطلق فقد شجع أبناءه علي العمل الدائم أيا كان في إتقان التعليم الأكاديمي أثناء العام الدراسي أو العمل في الإجازة الصيفية وكان كل إنجاز أحصل عليه في هذه المجالات يعطيني إحساساً بالسعادة والرضي عن النفس والثقة في قدراتي علي تحمل أعباء الحياة وهكذا زرع فينا الوالد منذ الصغر مفاهيم إيجابية للسعادة وتحقيق الذات .

وقد قمت بالعمل المبكر أثناء الدراسة فعندما كنت بالفرقة الثانية الثانوية مكنني والدي من أن أقضي فصل الصيف في عمل وهذا العمل الحكومي كان مصاحبة المهندسين في تخطيط طرق القاهرة وكنا نمسك أعمدة من الخشب نساعد العمال والمهندسين في رصف الأرصفة 0 وكنت أتقاضي عن هذا العمل خمسة جنيهات شهريا أي في خلال أربعة أشهر عشرين جنيها كانت تكفي مصاريفي طوال العام ولا أذكر أنني أضعت هذه النقود أبدا في شيء غير مفيد ، ولكني كنت أنفق بعض منها على المواصلات وكنت أذهب كثيرا إلي مدرستي سيرا على الأقدام من السيدة زينب إلى روض الفرج ولا أذكر أنني تأخرت عن المدرسة يوما وكنت أثناء سيري أستذكر الدروس لذلك كنت دائما الأول بين زملائي 0 كان هذا هو طريقي أعمل وأتفوق وأعبد الله عز وجل ، وأصلي في المساجد ما استطعت إلى ذلك سبيلا .

سارت حياتي على هذا المنوال وحصلت على البكالوريا سنة 1936 ودخلت كلية الطب وفي إبان فترة كلية الطب كنا نذهب إلي نادي الجامعة في ميدان الأوبرا وكنا نقضي الوقت في قراءة الكتب ولعب الشطرنج وعرض علينا في النادي أن نتطوع لخدمة الجيش المصري في أيام الإجازة وتقدمت إلي الخدمة العامة بالجيش وقبلوني معهم وكنا حوالي خمسين طالبا جامعياً عسكرنا جميعا في الإسكندرية في مدرسة رأس التين و حضر لزيارتنا رئيس الوزراء الدكتور / على ماهر ليعيش معنا هذا الحدث في التطوع لخدمة الجيش وكان هذا المعسكر من المعسكرات التي يذهب إليها الذين يريدون أن يخدموا وطنهم في فصل الصيف بدلا من الفراغ والضياع وهناك تعلمنا كثيرا ، تعلمنا وتعرفنا علي تاريخ الحياة العسكرية والطبوغرافيا وكيفية إطلاق النار والنظام والطاعة وأشياء أخرى كثيرة0وكان والدي قد أمرني إبان وجودي في الإسكندرية أن أرسل له تقريرا كل أسبوع عن حالة المعسكر وكان يرد على بخطابات وأعتقد أن هذه الخطابات كان لها أثر في إعتياد العمل الجماعي والطاعة وحب الوطن وتحمل آلام التدريب العسكري , وقد ظهر لي جليا أن تربية الإنسان العسكرية هي تربية دينية اجتماعية علمية على درجة كبيرة , فحرصت أن أقضي كل أيام المعسكر في حياة جادة منظمة . واحتفل بتخرجنا في آخر يوم من حياة المعسكر وكانت فرحة عندما عدنا إلي أهلنا ونحن نلبس الزي العسكري ونتمتع بصحة جيدة ونتحدث عن كثير من الموضوعات العسكرية 0 وحبذا لو أقيمت مثل هذه المعسكرات في بلادنا وخاصة في فصل الصيف ونعود إلي ما كنا عليه في الماضي 0