الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية


 

مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

 

امراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى

 

 



 

مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



 

مجلة النفس المطمئنة

 

الملك فاروق .. ضحية التوريث ، ومصر ضحيته

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

التوريث مقابل الحب :

كان الملك فؤاد يقترب من العقد السادس من عمره وليس لديه وريث للعرش , وبما أن غريزتى التملك والخلود هما من أقوى الغرائز فى هذا السن (تسبقهما غريزتى الجنس والعدوان فى مراحل المراهقة والشباب) , فإنه كان يتطلع إلى إنجاب مولود ذكر يضع مصر بأهلها بين يديه , لذلك تزوج نازلى وهى فتاة مصرية من أسرة عريقة وكانت مرتبطة بعلاقة عاطفية مع أحد أقربائها لذلك كان الزواج قهريا ضد إرادتها وتم فى 24 مايو 1919 لتلد فاروق يوم 11 فبراير 1920 . ولم يكن فاروق بالنسبة لفؤاد ولدا يسعد به ويدلله على أنه جاء على كبر وأنه ذكر جاء بعد أربعة أخوات له , وإنما كان مشروعا للتوريث , والدليل على ذلك أن فؤاد لم يكن مهتما بمداعبته أو تدليله بل وحرم أمه نفسها منه فترات طويلة وعهد بتربيته إلى مربيتين إحداهما أيرلندية والأخرى إنجليزية . وكانت المربية الإنجليزية "مسز تايلور " هى التى تمسك بزمام الأمور فى كل ما يخص الطفل فاروق وكانت امرأة قوية وحازمة ومتسلطة , واتسمت معاملتها مع فاروق بالقسوة , فكانت تطبق عليه أقصى العقوبات على أقل الأخطاء , وكان فؤاد يشجعها على ذلك ويكافئها عليه . وربما يستغرب بعضنا هذا السلوك من أب يقترب من السبعين تجاه طفل ذكر جاء بعد شوق طويل إليه , ولكن فؤاد كان يبالغ فى قسوته وشدته نحو فاروق كرد فعل لرغبته فى تدليله ولخوفه من التورط هو وأمه فى هذا التدليل , فى حين هو يريده أن يبلغ مبلغ الرجال سريعا حتى يكون قادرا على تسلم التركة (مصر ومن عليها) , وكان فؤاد يستشعر قرب الأجل ويعرف أنه ربما لا يعيش حتى يبلغ فاروق سن الرشد فكان متعجلا فى أن يجعل منه رجلا قبل الأوان . وقد ترك هذا النموذج التربوى المتشدد والمتعجل آثارا عديدة فى نفس فاروق ظهرت بعضها فى طفولته وظهرت بقيتها فى مراحل مختلفة من حياته , فهو قد حرم استشعار حنان الأب , وحرم أيضا حنان الأم , فالأب مشغول بقضية التوريث وهى بالنسبة له فى ظروفه أهم لديه من تبادل مشاعر الأبوة مع ولده , وقد يكون لديه الحنان الفطرى الأبوى تجاه ابنه ولكنه كان حريصا على إخفائه وإبداء عكسه كى يعد ابنه للمهمة الصعبة التى تنتظره , خاصة وأن فؤاد نفسه كان يجد صعوبة فى التوفيق بين متطلبات الشعب ومتطلبات الأحزاب ومتطلبات الإنجليز ومتطلباته هو وأسرته , أما الأم نازلى فكانت تعيسة فى زواجها حيث تزوجت ضد رغبتها وتركت حبيبها , وزوجها رجل طاعن فى السن , مضطرب المزاج , مقامر مزمن
( أطلق عليه وحيد باشا سيف أخو زوجته الأولى شويكار النار بسبب انغماسه فى لعب القمار واضطراب سلوكه مع شويكار) , وإهماله لها ولاحتياجاتها وربما احتقاره لها كمصرية (رغم انتمائها لأسرة بها أكثر من باشا). هذه التعاسة التى كانت تعيشها الملكة نازلى مع زوجها الملك فؤاد جعلتها فى حالة نفسية سيئة تحول بينها وبين أن تعطى ابنها المشاعر الأمومية المطلوبة , خاصة وأن المرأة حين تكون تعيسة مع زوجها أحيانا ما تسقط مشاعرها السلبية نحو ابنها منه وترى فيه صورة من أبيه الذى تبغضه , علاوة على ذلك فإن الملك فؤاد لم يمكن نازلى من تربية فاروق , وكأنه كان يرى أنها بجنسيتها المصرية غير جديرة بتربية ملك المستقبل . وفى هذا الجو حرم فاروق من الحنان رغم الإحتفاء الرسمى والشعبى غير المسبوق بمولده , فقد عاش فى قصور باردة خالية من الحب تحت قبضة مربية تعرف أن قسوتها شئ يباركه ولى نعمتها ووالد الطفل , وأم مشغولة بمشكلاتها النفسية واحتياجاتها المحبطة وشبابها المدفون . وكانت مسز تايلور تمنع فاروق من اللعب مع أقرانه من الأطفال حتى ولو كانوا من أبناء الأمراء أو الباشوات , لدرجة أن المندوب السامى البريطانى كان ينتقد هذا الأسلوب فى التربية ويحذر من عواقبه , وكان فاروق يستغل أى لحظة غفلة لمسز تايلور ليتسلل إلى الخدم ويجد لديهم ما يفتقده فى حياته الجافة والصارمة , وقد عاش فاروق فى هذا الجو الصارم حتى بلغ اثنى عشرة سنة ينتقل من قصر إلى قصر لا يرى غير مربياته وأخواته فوزيه وفايزه وفايقه وفتحيه . وفى هذا السن بدأت علامات التمرد على هذا النظام التربوى تظهر على فاروق , وكان أول تلك العلامات رغبته الشديدة فى الأكل (كتعويض عن حب مفقود واحتياجات محبطة) وظهر استعداده للسمنة فانتبه له مربوه ووضعوا له نظاما غذائيا صارما , ثم ظهر ولعه باللهجة العامية المصرية تعلمها من أمه ومن الخدم واستوعب التعبيرات المصرية وأطلق النكات والقفشات مما أضفى عليه روحا مرحة , وكان شغوفا بانتهاك البروتوكولات الملكية فى كثير من أمور حياته وهذا ما جعل المصريين يحبونه فى بداياته على أنهم رأوا فيه شخصا متواضعا يتحدث لغتهم ويحاول الإقتراب منهم .

ولم ينل فاروق حظا وافرا من التعليم فى مصر على الرغم من تعيين عدد من المعلمين الأكفاء له , فلم يتمكن من إجادة اللغة العربية الفصحى , ولكنه تعلم الإنجليزية والفرنسية بدرجة ما .

وحين بلغ  الخامسة عشرة من عمره أرسله والده لانجلترا لاستكمال دراسته تحت إلحاح من المندوب السامى البريطانى والذى عين له أحمد حسنين مرشدا ورائدا , وكان هذا الرجل قريبا جدا من الإنجليز فقد تخرج فى جامعة أوكسفورد وعمل سكرتيرا خاصا  للقائد البريطانى العام أثناء الحرب العالمية الأولى . ولقد عين الملك فؤاد مربيا مساعدا ومرشدا عسكريا لولى العهد وهو عزيز باشا المصرى , ولكن يبدو أن أحمد حسنين نجح فى استقطاب فاروق بعيدا عن عزيز باشا المصرى , خاصة وأن الأخير شخصية عسكرية صارمة وفاروق كان فى مرحلة المراهقة يحتاج إلى درجة عالية من السماح والمرونة وربما الأبوة وقد وجد ذلك فى أحمد حسنين , والذى قام بدور الأب لفاروق وملأ تلك المنطقة الخالية فى نفسه , فقد حالت بروتوكولات الملك والطبيعة الشخصية المضطربة للأب والطريقة الجافة فى التربية والرغبة المحمومة فى إعداد الوريث دون إحساس فاروق بأبوة الملك فؤاد فكان دائما فى احتياج لأب , وكان أحمد حسنين يتفهم هذا الإحتياج ويقوم به بذكاء شديد مع الإحتفاظ لفاروق بمكانته الملكية . ومكث فاروق فى انجلترا ستة أشهر ليعود اضطراريا قبل أن يكمل دراسته هناك .

مصر وأهلها فى يد مراهق :

وفى عام 1936 مات الملك فؤاد وتولى فاروق ملك مصر تحت إشراف مجلس وصاية حتى بلغ السن القانونى فأصبح ملكا بلا مجلس وصاية عام 1937 ( عمره فى ذلك الوقت 17 سنه)  , ولكن ظل أحمد حسنين هو المستشار والأب لفاروق . وفاروق - الملك المراهق - عاش الكثير من التناقضات فى حياته , فأبوه ينتمى إلى الأسرة العلوية بكل غطرستها واستعلائها على المصريين , وأمه تنتمى إلى المصريين وتهوى الوفد الذى كان يكرهه أبوه ويعتبره دائما غريما للقصر , بالإضافة إلى أن رائده ومرشده أحمد حسنين باشا كان مولودا فى بولاق الدكرور ودرس فى جامعة أو كسفورد وكان يحاول أن يربط بين ولائه للإنجليز ومصريته . وفاروق ملك ينتمى إلى عائلة ملكية علوية ومع هذا يحب التقرب من المصريين والتودد لهم فينجح فى ذلك أحيانا ويفشل أحيانا أخرى , وهو مطالب بالإلتزام بالبروتوكولات والتقاليد الملكية من ناحية والده ومربيته وفى نفس الوقت لديه رغبة فى التمرد علي تلك البروتوكولات نابعة من رفضه لصرامة أبيه ومربيته ورغبته فى الإقتراب من النموذج المصرى متمثلا فى أمه والخدم الذين يتعامل معهم وأحمد حسنين مرشده وأبيه البديل . وعلى الرغم من كونه مراهقا مضطربا تربى فى أجواء القصور الباردة الخالية من الحب إلا أنه بحكم الدستور يشكل محورا تدور حوله الأحداث وتتحرك حوله كل الشخصيات الوطنية وغير الوطنية , ويلعب به الإنجليز كيفما شاءوا

الصورة المصنوعة :

على الرغم من اضطرابات شخصية فاروق وتناقضاته إلا أن رجال الحاشية استطاعوا صناعة صورة جيدة لملك شاب محبوب يفعل أشياءا عكس ما كان يفعل أبوه (الذى كان قاسيا عصبيا متعاليا , ويحتقر الشعب المصرى) , فيظهر فاروق محبا للشعب المصرى , متواضعا يقود سيارته بنفسه ويظهر من وقت لآخر فى الشوارع وبعض المحلات , ويشارك فى الإحتفالات الدينية بجوار علماء الدين ذوى المكانة العالية فى نفوس المصريين (وخاصة الشيخ المراغى) , وشاعت بين المصريين صورة "الملك الصالح" فى الفترة الأولى من حكم فاروق , وكان رجال القصر قادرين على تغطية جوانب قصوره , وعلى الإحتفاظ بالصورة الجميلة أمام الشعب طول الوقت . وكان فاروق حريصا على أداء صلاة  الجمعة فى رمضان وإقامة الحفلات الدينية ودعوة طوائف الشعب إليها  . وصورة الملك الصالح هذه كان وراءها حسن حسنى باشا السكرتير الخاص للملك , والذى كان يرى أن الشعب المصرى متدين بطبعه فلعب عل هذه الورقة الرابحة وكسب بها جولات من حزب الوفد (الغريم التقليدى للقصر ) فقد كان حزب الوفد لا يخفى ليبراليته وعلمانيته , فكان القصر يصنع شعبية الملك من خلال مغازلته للنزعة الدينية لدى الشعب المصرى ( وهو نفس الشئ الذى فعله السادات حين أطلق على نفسه أو أطلق عليه رجاله لقب "الزعيم المؤمن" ) . حقا لقد كان وراء فاروق متخصصين فى فى الصناعة الملكية نجحوا فى مهمتهم فصنعوا ملكا شابا متوهجا يحرص على الإقتراب من شعبه ويتواصل معه فى كل المناسبات خاصة الدينية منها , ويجل علماء الدين ورموزه , ويحرص على الزيارات الميدانية , وحضور المباريات الرياضية . ولم يفوّت صانعوا هذه الصورة أى فرصة إلا واستفادوا منها , فمثلا عندما تعرض فاروق لحادث سيارة فى القصاصين على طريق الإسماعيلية عام 1930 , راحت الآلة الإعلامية فى ذلك الوقت تزف التهانى للمصريين بنجاة ملكهم المحبوب وتوافدت الجماهير لتهنئة الملك بسلامته والدعاء له بطول العمر . وهكذا أصبحت للملك شعبية جارفة مما هز التوازن التقليدى بين الوفد والإنجليز والقصر ففكر الإنجليز فى كسر شوكة فاروق وذلك من خلال فرض حكومة النحاس باشا عليه بالقوة , ولكن هذا الأمر زاد من شعبية فاروق وقلل من شعبية الوفد  .

الصورة الحقيقية :

هذه الصورة هى أن فاروق كان ينادى بلقب "ولى النعم" أو "مولانا" , وكل من يلقاه ينحنى له , وقام بتغيير شعار الجيش فبعدما كان "الله ..الشعب .. الملك" جعله " الله .. الملك .. الشعب" . وكان رئيس الوزراء ملزما بأن يسبح بحمد مولاه وولى نعمته ملك البلاد فى كل أحاديثه , وأن يشير إلى أنه وراء كل فكرة وكل خطة وكل إنجاز . وكانت تتم الإحتفالات بعيد مولده وعيد جلوسه على العرش وعيد زواجه , وأعياد ميلاد أولاده و وذكرى نجاته فى حادث القصاصين ..... إلخ , ويفرض على الشعب المشاركة فى كل هذه الأعياد على أنها أعياد وطنية. وتسمى الكثير من المستشفيات والمدارس والشوارع باسمه , وتوضع صورته على كل العملات الورقية والمعدنية وطوابع البريد , وتوضع صوره وتماثيله فى كل مكان على أرض مصر . وكل يوم تبث الإذاعة المصرية المقولة التالية لأحمد نجيب الهلالى باشا : "سبحانك اللهم ما أعظم شأنك , وأعز سلطانك , وأوضح برهانك , آتيت فاروقا الملك والسداد , فأصبح عرشه فى وادى النيل قبلة آمال المواطنين , ومعقد رجائهم وأطماعهم , وآية وحدتهم وكلمة إجماعهم , وقد ملكت قلوبنا سجاياه و شفانا الطيب من رياه , وآمال مصر بين يديه , فى عزه الذى لا يرام و وكنفه الذى لا يضام , لا زال ظله على الوطن مديدا ضافيا , ونوره للبلاد مضيئا هاديا" .

أما خاصته الملكية فكانت عبارة عن 15400 فدان (خمسة عشر ألفا وأربعمائة فدان) يعمل فيها حوالى 600000 ألف (ستمائة ألف) من الفلاحين المصريين يبذلون العرق والدم والجهد طيلة عمرهم مقابل ملاليم يأخذونها ولقمة عيش خشنة يأكلونها فى حين تأكل أجسادهم البلهارسيا وغيرها من الأمراض , بينما يتنعم هو بريع هذه الأرض الشاسعة فينفقها على ملذاته النسائية وعلى القمار على موائد مصر وأوروبا . وكان إذا احتاج إلى مزيد من العمال للعمل فى أراضيه الزراعية يبعث بسيارات تجمع الفلاحين قسرا من قراهم (كما كان يجمع الأمريكان العبيد من إفريقيا) ليسخروا فى العمل ليل نهار ولا يعفيهم مرضهم أو ضعفهم من هذا العناء , وكثير منهم يموت وهو يحفر بفأسه ترعة هنا أو مصرفا هناك فلا يجد كفنا يكفن به . أما المخصصات المالية فكانت عام 1951/1952 : 1315916 (مليونا وثلاثمائة وخمسة عشر ألفا وتسعمائة وستة عشر جنيها ) وقتما كان الجنيه المصرى يساوى جنيها ذهبيا .

التحــول :

هناك حدثان أثرا كثير فى شخصية فاروق ونتج عنهما تحولات نوعية فى سلوكه , الحدث الأول كان عام 1942 حين فرض الإنجليز عليه وزارة النحاس بالقوة بعد محاصرتهم للقصر وتخييره بين التنازل عن العرش أوقبول الوزارة الوفدية , وهنا نصحه أحمد حسنين بالخضوع وقبول الأمر الواقع ولكن فاروق شعر بالإنكسار , وفى لغة التحليل النفسى نقول أن فاروق تم خصاؤه نفسيا ثلاث مرات فى حياته : المرة الأولى فى طفولته المبكرة بواسطة أبيه القاسى الشديد وبمعاونة مربيته مسز تايلور  , والمرة الثانية بواسطة الإنجليز , والمرة الثالثة بواسطة الضباط الأحرار . وفى المرات الثلاث لم يكن فاروق يقاوم هذا الخصاء النفسى بشكل مباشر وإنما يتحول به إلى النهم فى الطعام أو الإستغراق فى القمار والشراب والعلاقات النسائية . وحين فعل معه الإنجليز ذلك شعر بإحباط شديد منهم (يذكره بإحباطه من والده ومربيته)

والحدث الثانى الذى أدى إلى  نقلة كبيرة فى حياة الملك فاروق عام 1946 حين مات الأب البديل له أحمد حسنين فى حادث سقوط طائرة , فقد كان أحمد حسنين أبا ومرشدا و وهنا انكشف فاروق وأصبح يتصرف بتخبط نظرا لتضارب آراء مستشاريه وعدم قدرته على ضبط الإيقاع بين الوفد والإنجليز والقصر .

 بعد هذين الحدثين أصيب فاروق بإحباط ويأس شديدين واستيقظ لديه حرمانه القديم وراح يمارس تعويضا فى الإنغماس فى السهر والقمار والجنس والإسراف فى الطعام حتى بدا بدينا مرهقا فى سنواته التالية . وقد أدى هذا السلوك إلى اضطراب علاقته بزوجته فريدة فخانته مع ضابط إنجليزى وكان هذا حدثا ثالثا يضاف إلى الحدثين السابقين اللذين أثرا فى حياة فاروق وأدى إلى تحولات هائلة فى سلوكه .

 

العلاقة بالأم :

كانت علاقة فاروق بأمه علاقة ملتبسة مليئة بالمتناقضات , وقد سبب له هذا الأمر آلاما كثيرة ووضعه فى ظروف غاية فى الصعوبة . وكما قلنا فإن أبوه الملك فؤاد أبعده عن أمه طوال فترة طفولته ولم تكن تراه إلا فى أوقات قليلة , وعهد به إلى المربية الإنجليزية القاسية , وكانت الأم غارقة فى مأساتها الشخصية مع زوجها العجوز الذى اغتصب شبابها وحرمها ابنها ونظر إليها باحتقار على أنها مصرية الإنتماء وفدية الهوى . وحين تحررت الأم الملكة نازلى بعد موت زوجها القاسى فؤاد راحت تبحث عن حقها فى الحياة والإستمتاع , فتعددت علاقاتها فى اتجاهات مختلفة وانفلت عيارها وشاعت أخبار غرامياتها مما كان يسبب حرجا شديدا لفاروق , ومع هذا كان حبه لها كأم يكبل يديه عن محاسبتها أو عقابها , وقد أحدث هذا بداخله شرخ كبير , ومما عمق هذا الشرخ وجود علاقة بين أمه ومرشده أحمد حسنين , فهو من ناحية يحب أحمد حسنين كمرشد ومستشار وكبديل للأب المفقود ولكنه فى نفس الوقت يشعر أنه يخونه مع أمه , لدرجة أنه تمنى أن يتزوج أحمد حسنين من أمه لكى يخرج من هذا الصراع المؤلم , ولكن هذا لم يحدث وبقيت الشروخ والتصدعات فى نفس فاروق تجاه أمه وتجاه رائده ومرشده أحمد حسنين .

وقد اضطر فاروق أن يعقد مجلس البلاط فى 15 مايو 1950 والذى تقرر فيه الحجر على الملكة الأم وتجريدها من لقبها , وبعد هذا الحدث (وأحداث أخرى) اشتد اضطراب فاروق وأصبح أكثر تهورا فى قيادته لسيارته , وأصيب بحالة من البلادة الإنفعالية وفقدان المشاعر وعدم الإلتزام بالقيم والمعايير الإجتماعية والعنف غير المبرر واللامبالاة والإندفاع وسرعة الغضب , والتخبط فى القرارات , وكأنه بداخله قوة تدفعه إلى تدمير نفسه والقضاء على ملكه الذى ورطه فيه أبوه وجلب عليه كل هذا الشقاء وحرمه من كل شئ حتى من وجود أم طبيعية يركن إليها ويرتمى فى أحضانها وقت الأزمات .

الخيانة والحرمان والتعويض:

وفى حياة الملك فاروق مصدرين للخيانة المؤلمة كان لهما أثر كبير فى حياته , الخيانة الأولى كانت من أمه التى تعددت علاقاتها وكثر عشاقها وانطلقت فى بحث نهم عن حقوقها الضائعة واحتياجاتها التى أحبطها أبوه الملك فؤاد , وقد كانت خيانتها تسبب له حرجا وألما من ناحيتين , الأولى أنها أمه والثانية أنها الملكة , وفى الحالتين إهانة له .

أما الخيانة الثانية فكانت من زوجته الملكة فريدة والتى خانته مع ضابط إنجليزى –كما ذكرنا - حسب زعم بعض الروايات مما اضطره إلى الإنفصال عنها .

هاتين الخيانتين طعنا فاروق فى كرامته وفى رجولته , وهما يفسران بشكل جزئى ولعه بعد ذلك بالعلاقات النسائية , فكأنه حين يمارس الحب مع نساء كثيرات يثبت أنهن كلهن كذلك وليست أمه فقط وبهذا يخفف من وقع خيانة أمه عليه فليست أمه هى الخائنة الوحيدة بل كل النساء خائنات أو عاهرات . وهو أيضا يرد على خيانة زوجته بعلاقات كثيرة وكأنما يقول لها: "ها أنذا رجل تتمنانى كل الفتيات" , ويقول لعشيقها : "أنا أكثر منك جاذبية ورجولة" . وكما قلنا فإن فاروق تعرض لعدة مواقف من الخصاء النفسى , ولذلك فهو بعلاقاته النسائية المتعددة يقول لمن مارسوا خصاءه : "مازلت رجلا تهفو إلىّ قلوب النساء" .

وربما يستغرب البعض حين نتكلم عن الحرمان فى حياة الملك فاروق , إذ كيف يكون ملكا ويكون فى ذات الوقت محروما , والحقيقة أنه كان يعانى فعلا من الحرمان , ولكنه الحرمان العاطفى ففاروق على كثرة من ينافقونه ويرجون كرمه ونعمه إلا أنه كان يشعر فى أعماقه بأن لا أحد يحبه لذاته , وربما يرجع هذا لافتقاده الحب من مصادره الأولية , حب أبيه وأمه , ثم افتقاده الحب من زوجته فريدة بل وخيانتها له . كما أن فاروق عاش معزولا بين القصور ولم يمارس الحياة الطبيعية مع البشر ( وهذا شأن كل أبناء الملوك والرؤساء) ولذا لم يعرف التفاعلات الطبيعية بين الناس , فكل من حوله يمارس دورا مصنوعا بعناية ولا يتصرف أبدا بتلقائية . ولهذا حين تنظر إلى صور الملك فاروق تلمح فقرا شديدا فى تعبيرات الوجه عن المشاعر . وقد يقول قائل بأن الملك فاروق كان يتمتع بحب الشعب المصرى خاصة فى مراحله الأولى , وقد يكون هذا صحيحا ولكن الحب العام لا يغنى عن الحب الخاص , حب المقربين الموجه للشخص ذاته وليس لأنه ملك .

وقد ظهرت عليه صورا لتعويض هذا الحرمان الوجدانى فى صورة شراهة فى تناول الطعام , وداء السرقة القهرى فى مواقف مختلفة , وولعه باقتناء الأشياء الثمينة التى يراها فى قصور الوجهاء فى عصره , وهذه كلها أشياء رمزية يسترد بها ما افتقده من حب .

ومع الحرمان الشديد فى الجوانب الوجدانية كان هناك إشباع شديد فى نواحى الترف والملذات , وقد خلق هذا تناقضا واضطرابا شديدا فى شخصية فاروق .

وقد أصيب فاروق بنوع من هوس التملك والإستحواذ ظهر فى صورة اقتناء التحف والولاعات والساعات والنباتات ومنها الأفيون والحشيش , والحشرات غير المألوفة ورؤس الغزلان . وعرف عنه إصابته بداء السرقة واشتهرت قصص طريفة فى ذلك بعضها ربما يكون حقيقيا وبعضها مبالغ فيه . وكان إذا زار قصر أمير أو باشا أو وزير وأعجبه شئ فى القصر يأخذه بلا خجل أو تردد . ومع الوقت كانت تزداد شراهته فى الإستحواذ والإمتلاك حتى أصبح أكبر مالك للأراضى الزراعية , وأكبر مقتن للذهب والأنتيكات والتحف .

ومع كل هذا كان فاروق يحتفظ بجانب آخر فى شخصيته يتسم بالبساطة والمرونة وحب الناس وشئ من التدين المتجذر فى الأسرة العلوية رغم مظاهر الفساد والترف والإستعلاء فيها .

شخصية الدون جوان :

كان فاروق وسيما , ذلك النوع من الوسامة الأقرب للنمط الأنثوى (البشرة البيضاء الناعمة والشعر المنسدل والقسمات الجميلة) , وهذا النمط فى الرجال يجعل صاحبه فى شك داخلى من استحقاقه الذكورى , ومن هنا تنشأ لديه رغبة قوية فى إقامة علاقات نسائية متعددة , وهو لا يخفى هذه العلاقات , بل ربما يرغب فى انتشار أخبارها وشيوعها لأن كل علاقة منها تعطيه إحساسا أمام نفسه وأمام الناس بالجدارة الذكورية . فلو أضفنا إلى ذلك مكانته كملك مما يجعله مطمعا لآلاف الفتيات والنساء نفهم لماذا اشتهر عن فاروق أنه زئر نساء , وهذا لا يعنى تمتعه بقدرات جنسية عالية كما يتوهم البعض , ولكن فى الحقيقة أن هناك تقارير سرية صدرت تفيد أن فاروق كان لديه مشكلات فى قدراته الجنسية , وكان يكثر من الطعام ظنا منه أن ذلك يمنحه قوة كافية فى هذا الجانب , كما أنه كان يستجلب بعض أنواع الأطعمة والأعشاب من الخارج بهدف الحصول على قدرة جنسية مناسبة , ومع هذا كانت تتسرب أخبار بأن علاقاته النسائية المتعددة لم تكن موفقة ولا مكتملة بسبب ضعفه الجنسى , وكان هذا يدفعه إلى مزيد من المغامرات بحثا عن مستوى إثارة أقوى من جانب , وتغطية لهذه المشكلة من جانب آخر .

فإذا أضفنا لذلك خيانة زوجته له وتعدد علاقات والدته نازلى فإن ذلك يدعم توجهه تجاه تعددية العلاقات العاطفية والجنسية ثأرا من خيانة زوجته وإثباتا لنفسه ولغيره أن كل النساء خائنات وليس فقط زوجته أو أمه .

حين أصبح دكتاتورا :

من المعروف أن فاروق بدأ يتحول بعد عام 1942 إلى دكتاتور (بعد محاصرة الإنجليز للقصر وفرض وزارة مصطفى النحاس عليه بالقوة والإذلال) , وازدادت حدة دكتاتوريته بعد خيانة زوجته فريدة وبعد موت مرشده ورائده أحمد حسنين . وعلى الرغم من صغر سنه واضطراباته النفسية التى تحدثنا عنها آنفا إلا أنه بحكم منصبه كان محورا للأحداث , وكانت كل الشخصيات تتحرك من حوله خوفا أو طمعا أو مناورة أو مداراة , ولم يكن هو قادرا فى هذه الظروف أن يسيطر على الصراعات والتناقضات بداخله فضلا عن تلك الصراعات والتناقضات خارجه , فكان يخرج من كل هذا بقضاء وقت أطول مع أصقائه الإيطاليين أو المصريين يحاول أن يعيش معهم على طبيعته وأن يمارس معهم تلقائيته التى حرم منها أغلب حياته , ولهذا أحاط نفسه فى سنواته الأخيرة بحاشية من رجال الأعمال ليست لهم علاقة بالسياسة , ويبدو أن ذلك كان يعكس كراهيته للسياسة والسياسيين , وربما أيضا للعرش الذى وضعه عليه أبوه بالتوريث , ويؤكد هذا الإحتمال نكتة كان يطلقها بين أصحابه يقول فيها : "إن العالم كله مش حا يفضل فيه غير خمسة ملوك , ملك انجلترا والأربعة ملوك الموجودون فى ورق الكوتشينة " , أى أنه كان يعتقد أنه آخر ملوك مصر .

والشخص حين يكون محبطا ومفتقدا للثقة فى نفسه وشاعرا بالمذلة والمهانة يكون أقرب للتسلط والإستبداد كرد فعل لكل هذه الأشياء .

فاروق انتهكت طفولته .. وانتهك هو مصر وأهلها :

بالتأكيد لم يكن يدرك الملك فؤاد أنه قضى على حياة ابنه حين كان توريث العرش كل همه , فقد حرمه كل شئ يحتاجه أى إنسان طبيعى , وانتهك طفولته ليجلسه وهو فى السادسة عشرة من عمره على عرش غير مستقر تتناوشه الأحداث ويلعب به رجال الحاشية , وفرض عليه نمطا من التربية ترك آثارا عميقة وشروخا غائرة فى شخصيته , ولكن هذه الآثار وتلك الشروخ كانت تتخفى لبعض الوقت تحت أبهة الملك , ولكن شيئا فشيئا بدأت تتسع لتؤدى إلى انهيار شخصية الملك وانهيار ملكه . ولم يعى فاروق الدرس (كما لن يعيه أى وارث أو مورث) فهجر الملكة فريدة بسبب خيانتها وبسبب إنجابها للبنات , فقد كان متلهفا على إنجاب ولى للعهد , فتزوج ناريمان اغتصابا من خطيبها حين قابلهما فى محل جواهرجى , وأنجب منها فعلا ولى العهد الأمير أحمد فؤاد والذى ورثه مصر (وهوبعد ما زال رضيعا) فى وثيقة التنازل التى كتبها قبل مغادرته أرض مصر التى انتهكها ثم ضيعها . ولم يكن هذا الإنهيار نكبة على فاروق وحده وإنما نكبة أيضا على مصر , فقد أسلمها لحكم ضباط الجيش ففقدت الحياة الديموقراطية الصحيحة حتى وقتنا هذا , وحرمها من تطور الحياة الحزبية السليمة التى كانت موجودة بعض جذورها فى ذلك العهد . وربما تبدو خسارة فاروق أهون إذا قارناها بخسارة يزيد بن معاوية بن أبى سفيان الذى كان توريثه الخلافة على غير رضا الناس سببا فى أن تنغمس يديه فى دم الحسين بن على رضى الله عنه ودم كثير من خيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهكذا التوريث لا يورث غير الخسارة والندم فاعتبروا يا أولى الأبصار .

 

دكتور / محمد المهدى

 

 

 

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

 
الصفحة الرئيسية

مستشفى ابو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الادمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

الرد على اسئلة القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية