الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية


 

مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

 

امراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى

 

 



 

مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



 

مجلة النفس المطمئنة

 

الباشا والخرسيس

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

فى يوم الجمعة 3 من أغسطس 2007 نشرت أكثر من صحيفة (خاصة المصرى اليوم والدستور) خبرا مفاده أن نقيب شرطة بمركز المنصوره يدعى م . م قام هو وأفراد قوته بضرب وتعذيب المواطن نصر أحمد عبدالله الصعيدى من قرية تلبانه حتى الموت . فقد داهمت هذه القوة  منزل القتيل بحثا عن أخيه "على" (الذى يشتبه فى اتجاره بالمخدرات) , وضربوا زوجته وبناته الأربع , وسارع  شقيقه نصر (يعمل نجارا) إلى البيت عند سماعه الخبر وسأل الضابط عن سبب الغاره فرد عليه الضابط "وانت مين يا روح امك " (تعتبر هذه العبارة من أكثر العبارات تأدبا فى مثل هذه المواقف , وهذا يحسب للضابط قائد الغارة ) .. وعندما علم أنه شقيق "على" انقض عليه هو وأفراد قوته بالضرب ,(يحتمل أن يكون نصر قد تجاوز حدوده وطلب أن يرى إذن النيابة كما رأى فى الأفلام الأجنبية) , وتم نقله إلى المستشفى حيث توفى بعد 24 ساعه متأثرا بجراحه (نصيبه كده وما حدش بيموت ناقص عمر) . وفى نفس اليوم نشرت العديد من الصحف أخبارا وتحقيقات عن الشاب "يحيى عبدالله" من واحة سيوه والذى قام ثلاثة من الضباط ومعاونيهم (حسب ما ورد فى الصحف ) بوضع الكحول الأحمر على جسده (هذا إكرام له فالكحول أفضل من الجاز الو..) وإشعال النار فيه مما نتج عنه حروق شديدة حاولوا معالجتها فى الإسكندرية للخروج من المأزق ولما لم يفلحوا فى ذلك نفوه إلى ليبيا ليخفوا الجريمة , وقد حدث كل هذا على أرضية شكوك حامت حول مجموعة من شباب سيوه بأنهم ربما يكونوا قد شاركوا فى سرقة كابلات كهرباء .

ليست هاتين الحادثتين هما الأوليان من نوعهما ولن يكونا الآخران فقد تكررت حوادث الضرب والتعذيب حتى الموت فى أقسام الشرطة وفى السجون فى تاريخنا الحديث ولكن زادت المعدلات فى السنوات الأخيرة , أو ربما زاد الكشف عنها بواسطة الصحافة المستقلة , ومع هذا لم نسمع عن محاكمات جادة تجاه من قاموا بهذه الأفعال التى تقشعر منها جلود الحيوانات المفترسة , والسبب فى ذلك ربما يكون تقفيل المحاضر بشكل معين , أو شهادة الشهود المنتقين بعناية بوليسية , أو تدخلات سلطوية عليا , أو تليفونات أو رسائل محمول , أو ضغوط تمارس على أهل الضحايا للتنازل , أو يأس واستسلام وخضوع تلقائى من أهل الضحايا , أو تسليمهم الأمر لله لعدم ثقتهم بتحقيق العدل فى دنياهم  وتأجيل ذلك ليوم تشخص فيه الأبصار , أو انشغالهم بلقمة العيش ومصاريف الدروس الخصوصية وكروت المحمول واشتراك وصلة التليفزيون , أو انشغالهم فى هموم حياتهم واحتساب الموتى عند الله , أو إحالة الأمر إلى القضاء والقدر وأن القتيل عمره انتهى عند هذه اللحظة وأن الباشا الذى ضربه أو عذبه لم يكن إلا سببا , أو يتنازلون مقابل عدة آلاف قليلة من الجنيهات يدفعها أقارب الباشا للحفاظ على مستقبله , وأحيانا لمجرد أنهم دعوا لشرب كوب من الشاى فى مكتب أحد الباشوات الكبار الذين لم يحلموا يوما بالوقوف أمام مكاتبهم فضلا عن دخولها والجلوس فيها والإستمتاع بابتسامة الباشا الودودة الدافئة وكلماته المهدئة للخواطر .

وإذا كنا اعتدنا أن نتساءل دائما عن موقف الباشا  وجنوده الخاطئين الذين لفظ القتيل أنفاسه بين أيديهم وتحت نعالهم وعصيهم وعلى خوازيقهم : كيف ينامون وكيف يأكلون وكيف يجلسون مع زوجاتهم وأولادهم , وكيف يذهبون إلى الصلاة فى يوم الجمعة , وكيف يصومون رمضان , وكيف يذهبون إلى المصايف ؟ .. فإننا نتساءل فى هذه المرة عن أهل الضحية المعذب حتى الموت : كيف ينامون وكيف يأكلون وكيف يجلسون مع زوجاتهم وأبنائهم  وكيف يتابعون أغانى الفيديو كليب وأفلام الكوميديا طوال الليل فى الوقت الذى تدور بمخيلتهم صورة ابنهم أو شقيقهم وهو يعانى آلام الضرب بالعصى والصعق بالكهرباء والحرق بالنار والتعليق فى السقف لساعات طويلة فى غرفة مظلمة وهو جائع وعطشان يستغيث ولا يجد من يغيث حتى لفظ أنفاسه ألما ويأسا وكمدا ؟ (بالمناسبة بعض الحالات تموت موتا نفسيا بسبب الشعور بالمهانة والظلم والقهر , حتى ولو لم توجد إصابات جسدية تفسر الوفاة) .

ويسرح الخيال عائدا للخلف فى التاريخ (كعادتنا حين نفقد الأمل فى الحاضر والمستقبل) ليواكب ما دار فى نفس المصرى الذى سبق ابن عمرو بن العاص فى سباق الخيل فضربه ابن عمر بدرة كانت فى يده قائلا : أتسبق ابن الأكرمين ؟!  ... فى حدث نستطيع فى عصرنا الحاضر هضمه وابتلاعه وتبريره وتمريره بسهولة فائقة نتميز بها على غيرنا من الشعوب (فكثيرا ما يعتدى نجم كره أهلاوى على الحكم فى مباراه مع الزمالك اعتراضا على كارت أحمر ويصرخ  فى وجهه قائلا : انت عارف انت بتطرد مين ؟ ويتبع ذلك بلكمات سريعة تنتهى بسقوط الحكم , ويتم الصلح بعد ذلك فى غرفة الملابس مع الإعتذار للحكم , إذ ليس لدينا فيفا توقف اللاعب عن المباريات التالية , ونحن شعب طيب ومتسامح) , فلماذا لم يستطع الحاضرون فى هذا السباق أن "يلموا الموضوع ويراضوا المصرى بكلمتين ويصالحوه على ابن عمرو بن العاص , وكفايه عليه الهزيمه فى السباق  , ويا دار ما دخلك شر , ودى لحظة انفعال  والشيطان دخل بيناتهم , وحماس شباب ما انت عارف , والعين ما تعلاش على الحاجب , والمياه ما تطلع فى العالى , وانت عارف القوى عايب , والباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح , ويعنى هى الشتيمه يتلزق , ويا بخت من بات مظلوم ولا بات ظالم , والمسامح كريم , وعديها المر دى , وطنش , وسماح النوبه , وروق ال G  وكبر ال D ..." ... للأسف كل هذا لم يحدث وركب الشاب المصرى دماغه التى لم تبرمج بعد بكل ما سبق , و"نقحت عليه " كرامته وقرر خوض الفيافى والقفار سيرا على الأقدام أو راكبا حصانه (اللى سبق بيه وجاب له وجع الدماغ) فى رحلة غاية فى المشقة إلى المدينة المنورة ليصل إلى أعلى سلطة فى الأرض فى ذلك الوقت مطالبا بحقه الذى انتهكه ابن الأمير عمرو بن العاص رغم أن الضربة التى تعرض لها لم يثبت (فى تقرير طبى موثق) أنها أحدثت كدمات أو تشوهات فى الجسد (يحتمل أنها كانت درة كهربائية تحدث ألما ولا تترك أثرا يتعلق به وكيل النيابة ويثبته فى التحقيق ) . لماذا لم يتردد وهو فى الطريق ويقرر العودة , لماذا لم يلحق به أصحاب الحلول التوفيقية والتلفيقية ويقنعوه بالعودة ويردوه إلى صوابه ؟ .. مالذى كان يدور فى رأسه وفى حناياه طوال الطريق الوعر ليلا ونهارا على مدى ما يقرب من الشهر وهو يتعرض للمخاطر من قطاع الطرق ووحوش البرارى ؟ .. أى قدر من الكرامة والشعور بالذات يسكن جنبات هذا المواطن ويدفعه إلى هذا السلوك ؟؟ ... أى ثقة فى عدل الخليفة يسعى إليها وهو متأكد منها ؟؟ .. وهل لم يخف بطش عمرو بن العاص وابنه حين يعود إلى مصر وقد اشتكاهم إلى رئيسهم الأعلى وأحدث لهم هذا الحرج ؟؟ .. وهل لم يخف من استدعاء جنود عمرو لأبيه وزوجته وابنته وتهديدهم لهم بالإغتصاب لو لم يعد هذا الشخص عن غيّه ؟؟ .. هل أمن على نفسه وأسرته تلفيق قضية آداب أو مخدرات أو إرهاب ؟؟ .. كيف تركه حرس الحدود يمر وهم يعلمون نيته فى شكوى أمير البلاد وابنه ؟؟ .. كيف غفل عنه المخبرون وهم مندسون فى كل مكان وجالسين على كل القهاوى ؟؟ .. كيف لم ينتبه له أحد الباشوات فيدعه لشرب الشاى فى مكتبه ويمارس ضغطا أدبيا عليه للتنازل والتصالح , وإذا لم يفهم الرسالة يسحب الشاى ويستبقى هو للنظر فيما إذا كانت عليه قضايا أم لا ؟؟ .. ولماذا لم يقم رجال الحزب والحكم المحلى بدورهم فى ترضية هذا المواطن الغاضب ذى الرأس الناشفة بكلمتين وبس ؟؟ .. ولماذا لم يستدع رجل دين يذكره بوجوب الطاعة والإنحناء والرضا بما يفعله ولى الأمر على أساس أنه أدرى بما يصلح رعيته ؟؟ . لا نعرف لما ذا لم يحدث كل هذا , ولكن الذى بلغنا أيها الملك السعيد ذو الرأى الرشيد هو أن الخليفة العادل العظيم عمر ابن الخطاب رضى الله عنه استقبله بنفس الروح الكريمة العالية فلم يكتف بتعويضه (من بيت مال المسلمين  الذين لم يضربوه) ولم يكتف بالإعتذار له أو تطييب خاطره , وإنما استدعى عمرو بن العاص رضى الله عنه وابنه وطلب من المصرى أن يرد الضربة لابن عمرو ثم زاد فى الطلب وأمره أن يضرب صلعة عمرو بن العاص فتردد المصرى كرما وحياءا ونبلا قائلا : إنما ضربنى ابنه ولم يضربنى هو .. فقال له عمر بن الخطاب رضى الله عنه ما معناه : قد ضربك بعز أبيه , ولم يكتف الخليفة العادل العظيم بذلك بل أرسل عبارته المدوية لتكون قانونا للعدل يجلجل فى صفحات التاريخ ليخيف كل من يجور ويوقظ أصحاب الحقوق : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " .

ما هذا الفارق الهائل بين البشر فى هذا الموقف والبشر فى أى قرية أو مدينة أو واحة مصرية معاصرة , لماذا تصرفوا هناك بكل هذا النبل وتلك الكرامة وذلك العدل , ويتصرفون هنا بعكس ذلك تماما ؟؟ . يبدو أن الفارق هو فارق نفسى بالأساس .. فارق فى إحساس كل طرف بذاته .. ففى زمن عمر بن الخطاب كان المصرى يشعر بكرامته وعزته وكيانه ويشعر بأن له حق المواطنة حتى أمام أمير البلاد وفاتحها , وهو لا يتنازل عن حقه وكرامته , ولا يطالبه أحد أو يضغط عليه ليتنازل , وفى المقابل نرى عمر بن الخطاب يجل هذه الروح الكريمة العظيمة (رغم اختلاف الديانة حيث كان المصرى قبطيا) ويصر على رد الإعتبار بكل الوسائل ويستدعى أمير مصر ( ويغامر فى ذلك بالأمن القومى والمصالح العليا للبلاد ) لتحقيق العدل حتى ولو كان على المستوى الفردى فالعدل لا يتجزأ , وإذا رأيت جورا بيّنا على حقوق الأفراد فتأكد من وجود الجور الأكثر بيّنة على حقوق الشعب بأكمله .

ويبدو أن الباشا (أى باشا) الذى ضرب وعذّب حتى الموت (قبل ذلك والآن وبعد ذلك ) يشعر فعلا فى قرارة نفسه أنه "باشا" فالإسم لم يأت من فراغ وإنما أملاه الواقع الذى يعطى للضابط تضخما فى ذاته وتوسعا فى سلطاته يصل (بل يتجاوز) ما كان يحظى به الباشا التركى من حق فى رقبة الفلاح "الخرسيس" الذى كان يستعبده فى أرضه ويمتلكه هو وأسرته , ويجلده بالكرباج , ويلقى عليه الماء الساخن يسلخ به جلده (كما ورد فى الأخبار والروايات ) , ولا يجرؤ أحد أن يسائله فى ذلك , ومن هنا ربما نستطيع أن نفهم سر ارتباط لقب "باشا" بضباط الشرطة أكثر من غيرهم فهى إن قيلت لغيرهم تقال على سبيل المجاملة الإجتماعية أما لهم فهى لازمة وواجبة ومؤكدة . والفلاح هنا هو المواطن المصرى , وهو خرسيس فى نظر الباشا , وقد بحثت فى القاموس عن معنى كلمة خرسيس فلم أجد , ويحتمل أن تكون كلمة تركية أو أن تكون كلمة من صنع المرحلة الباشوية , وبصرف النظر عن أصل الكلمة ومعناها اللغوى إلا أنها تحمل ظلالا تدور حول الحقارة والدناءة والخبث والقذارة والجهل والوضاعة وعدم الجدارة وضعف الإستحقاق . وهذه الصورة الذهنية التى ترسخت فى نفس الباشا التركى أو المملوك السلطانى أو الخديوى أو الملك للمواطن المصرى هى نفسها فى نفس الباشا الحالى , وإذا أردت أن تتأكد من ذلك فاذهب إلى أى قسم شرطة واقض فيه يوما أو عدة ساعات , وانظر ماذا يدور فيه , وما هى الألفاظ التى ينادى بها الباشوات على المترددين على القسم ( من أول " ياله " إلى يا " ابن ال ... " .. " يا ابن ال .... " " يا ..... " ) . ولست أدرى لماذا يتفرد الباشوات عندنا بهذا القاموس اللفظى الذى نسمعه فى اقسام ومراكز الشرطة , وكيف يتعلمونه وأين يتعلمونه وممن يتعلمونه , على الرغم من انتسابهم فى الأصل لأسر طيبة فى كثير من الأحيان , وأن هذا القاموس لم يكن واردا أو محتملا فى بيئتهم العائلية الأصلية , بل إن القليلين منهم الذين لا يستخدمون مفردات هذا القاموس ليشعرون بالغربة بين أبناء مهنتهم , وربما يتهم الواحد منهم بأنه "فافى " أو "طرى" أو " عامل ابن ناس" . وروح الباشا تسكن من يعمل فى هذا الجهاز المهم وتترسخ مع الوقت ومع تكرار سماعها , وتتضخم معها الذات خاصة حين ترى السلطة فى يدها بلا حدود , وهنا لا تحتمل أن يسألها أحد عن سر اقتحامها للبيوت أو عن إذن النيابة , أو عن الموقف القانونى , وليس أخطر من غضب الذات المتضخمة حين يعترضها أحد خاصة إذا كان فلاحا خرسيسا , هنا يطيش صواب الباشا ويشعر بامتهان كرامته وسقوط هيبته التى هى فى نظره هيبة الدولة كلها , ومن هنا يحق له التضحية بالفلاح الخرسيس فى سبيل الحفاظ على هيبة الدولة وسلامتها . وهذا التضخم الباشواتى يجعلنا نفهم سر الحسد والتباغض الخفى (وربما أكثر من ذلك ) بين جهاز الشرطة والجهاز القضائى حيث يسعى جهاز الشرطة إلى التخلص من القيود التى ربما يفرضها عليه الجهاز القضائى , وفى المقابل يشعر الجهاز القضائى بأنه يقضى فى الأمر ولا يملك القوة للتنفيذ إلا من خلال جهاز الشرطة الذى يتنافس معه على السلطة بدلا من أن يتكامل معه فى إرساء الحق والعدل .

وأحداث التعذيب حتى الموت التى تكررت كثيرا فى الآونة الأخيرة مع شيوع العنف اللفظى والعنف البدنى بدرجاتهم المختلفة فى مراكز الشرطة ومقار الأمن يستدعى مراجعة للتركيبة النفسية للباشوات وكيف يتم إعدادهم , وما الذى يقال لهم فى أروقة المحاضرات وفى السكاشن وفى قاعات وساحات التدريب , وماهى الصورة الذهنية لضابط الشرطة لديهم , وماهى الصورة الذهنية للمواطنين بطبقاتهم الإجتماعية المختلفة , وما الذى يجعل شخصا من جلدتنا يقوم بتعذيب مواطن من جلدتنا أيضا حتى يلفظ أنفاسه بين يديه ثم لا يشغله غير سلامته وكيفية خروجه من هذا الأمر بلا محاسبة , وهل هذه أعمال فردية يتحمل وزرها من فعلها وتأتى بطريق الصدفة , أم أنها روح عامة تتسم بالعدائية والإحتقار للمواطن المصرى الذى هو فى النهاية مجرد "فلاح خرسيس" لا يستحق إلا الجلد بالكرباج أو السحل على الأرض أو الحرق بالنار أو الصعق بالكهرباء . وقد يثور سؤال برئ , كيف تدخل أدوات التعذيب أقسام الشرطة ومقارها , وكيف تشترى , وماهى البنود التى توضع تحتها , وهل هى عهدة مثل باقى الأشياء والأسلحة والأساسات ؟ .. وهل هناك تدريب على استخدامها ؟ .. أم ان استخدامها بدون تدريب كاف هو الذى يؤدى إلى المخاطر التى تحدث دون أن يقصد مستخدموها ؟؟ . كل هذه تساؤلات مشروعة تفرضها المصلحة العامة والخاصة على السواء فقد يجد أى منا نفسه أو أى فرد من أسرته ضحية لمثل هذه الممارسات دون حماية من قانون أو عدل , فليس أخطر من شخص متضخم الذات تضع فى يده سلطة بلا ضوابط . ولكى لا نبتعد عن العدل الذى ننشده وعن الموضوعية التى ننادى بها لا بد من التنبيه إلى وجود عدد لا بأس به من ضباط الشرطة المخلصين المتفانين الذين يضحون براحتهم وبحياتهم الشخصية والعائلية فى سبيل أداء واجبهم , ويقضون ساعات طويلة فى العمل مقابل مرتبات زهيدة نسبيا , وهم منا ونحن منهم , ونرتبط بالكثيرين منهم بصداقات وقرابات وعلاقات زمالة وجوار . ومن المنطقى أيضا أننا لا نطالب بأن يكون ضابط الشرطة فى رقة الفنان أو الأديب ووداعتهما , فهذا يعيق أداءه لمهمته ويخالف طبيعة وظيفته التى تتطلب الحزم والقوة الراشدة والجدية والإنضباط . ويخطئ أيضا من يحاول التعميم ووصم جهاز الشرطة بما يقوم به بعضهم أو كثير منهم واعتبار أن هذا الجهاز فى مصاف الأعداء فهذا أيضا توصيف خطر , فهم أولا وأخير إخوتنا وأقاربنا وجيراننا وزملاءنا وأصدقاءنا , وكل ما نطالب به هو مراجعة لما أصاب المهنة (كما أصاب مهن أخرى ) من خلل بسبب بعض التصورات أو السياسات أو الممارسات مما وصل إلى مرحلة الخطر خاصة تجاه جهاز شديد الحساسية وعظيم الدور فى مجتمعنا وفى أى مجتمع . وقد يخطئ البعض فيتصور أن جهاز الشرطة لا يمكن أن يقوم بدوره دون ممارسة العنف اللفظى والجسدى معا ودون بعض التجاوزات , وهذا خطر كبير ففى كل الدول المتقدمة يمارس جهاز الشرطة دوره بحزم وقوة وفى نفس الوقت باحترام لحقوق المواطن (مهما كانت جريمته) وانضباط بالقانون . وربما تختفى الكثير من المشكلات لدينا حين يختفى لفظ الباشا من تعاملاتنا مع رجال الشرطة فقد رأينا فى بلاد كثيرة أنهم ينادون برتبهم , وفى هذا تقدير لهم ولمنازلهم وفى ذات الوقت ابتعاد عن التضخيم المبالغ فيه لذواتهم والذى يحمل خطرا عليهم وعلي من يتعامل معهم على السواء . وأيضا تعتدل الموازين حين يشعر ضابط الشرطة أن التزامه بالقانون وحراسته له هو سر قوته واحترامه بين أهله وناسه . وربما يحتاج الأمر زيادة جرعة تدريس حقوق الإنسان فى كليات الشرطة , وربط ذلك بحرمة النفس فى الأديان , وقبل كل هذا تغير روح هذا الجهاز المهم بحيث يعود مرة أخرى (حقيقة وشعارا) فى خدمة الشعب (فقط لا غير ).  

نأتى أخيرا للتركيبة النفسية للطرف الآخر وهو الفلاح الخرسيس , الذى تضيع حقوقه وتضيع كرامته وربما تضيع حياته , وهو ساكت أو خائف أو خانس أو قانع أو جاهل أو متربص أو متآمر , أو متنازل  . وهو يفعل كل ذلك ولديه تقدير متدن لذاته , وهبوط حاد فى كرامته , وجفاف خطير فى عزته وشموخه , وجهل شامل بحقوقه كمواطن , وفشل فى علاقته بالسلطة يجعله هو والسلطة يخسران , وسلبية عدوانية خبيثة تؤدى إلى تدهور مستويات حياته , وإرث تاريخى استعمارى يجعله مملوكا أو عبدا للباشا (أى باشا) يخشاه ويتزلف إليه ويلعنه فى قرارة نفسه ويمارس الفهلوة للتحايل عليه وعلى الحياة فيخسر نفسه ويخسر حياته ويخسر مستقبله ومستقبل أبنائه الذين ادّعى الخضوع والخنوع من أجل الحفاظ على مستقبلهم . وشيئا فشيئا يتشوه الفلاح الخرسيس وتتضاءل صورته فى عين الباشا (أى باشا) فيبالغ الأخير فى احتقاره وسحقه ويتعدى على حقوقه ويقهره , وربما يستمتع (كل منهما ) بذلك أو يتعود عليه ويالفه . ولسنا نبالغ إذا قلنا بأننا فى حاجة إلى إعادة تأهيل قد تستغرق سنوات للخروج من عقلية ونفسية الفلاح الخرسيس إلى عقلية ونفسية المواطن الكريم الذى يسعى لحقوقه ويؤدى واجباته بشكل لا ئق وكريم , فلا يتملق السلطة فى الظاهر ويلعنها فى الخفاء , ولا يتوحد مع المعتدى فتتسع دائرة العدوان والفساد , ولا يجعل ظهره مطية لكل من تسول له نفسه بالركوب . إننا فى حاجة إلى تحرر داخلى يبدأ من داخل أنفسنا التى أصابها العفن والوهن , وإلى أن نرى أنفسنا فى وضع نستحق فيه الحياة الكريمة فنسعى لتحقيقها وقد نزعنا معا ثياب الباشا والخرسيس ولبسنا ثياب العدل والعزة والكرامة , ولن يتحقق هذا حتى نرى الباشا الذى عذب وضرب وصعق وحرق قابع فى السجن يقضى عقوبة فعله ونرى الفلاحين وقد أصروا على القصاص القانونى الموضوعى العادل صيانة لأرواح أبنائهم وأعراض بناتهم دون شغب أهوج أو عنف منفلت , ونرى تقارير الهيئات الدولية وقد خلت صفحاتها من اتهامنا المتكرر بانتهاك حقوق الإنسان والحيوان والنبات والأرض والبحر والجو . 

دكتور / محمد المهدى     

تقييم الموضوع:
 ممتاز
 جيد جداً
 جيد
 مقبول
 ضعيف
العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)
 
إضافة تعليق:
 

 
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى ابو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الادمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

الرد على اسئلة القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية