الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية


 

مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

 

امراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى

 

 



 

مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



 

مجلة النفس المطمئنة

 

حين يصل الفساد لمواطن العفة

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

 

جاء يطلب منى إعطاءه شهادة مرضية فسألته عن مرضه فقال لى : الإمتحانات فداعبته قائلا: أما زلت تخشى الإمتحانات وأنت الآن وكيل مدرسة وفى الخمسين من عمرك ؟ .. ثم إنك تعلم أننى لا أعطى مثل هذه الشهادات "المضروبة" , فأطرق بوجهه خجلا وحرجا وتمتم قائلا : أعرف كل ذلك , وأنت أيضا تعرف عنى بحكم الصحبة والقرابة أننى أمقت مثل هذه الأشياء ولكننى فى أزمة لا أجد منها مخرجا , فكل عام تتعرض حياتى للخطر بسبب الإمتحانات حيث أكلف برئاسة مجموعة من اللجان كل عام فى منطقة ما , وأنا – كما تعلم – لدىّ مشكلة مزمنة لم أستطع علاجها حتى الآن وهى أننى أصر على منع الغش فى كل اللجان التى أترأسها , قلت له أعرف ذلك وأذكر أننا كل عام كنا نبحث عن وسيلة نخرجك بها من مقر اللجنة حيث كان يتجمع أهل البلدة أو القرية أو المنطقة يحاولون الفتك بك لأنك ضيعت مستقبل أبنائهم وبناتهم وأذكر كيف كان المسئولون عن أمنك وحمايتك يغمضون أعينهم غضبا منك وشماتة فيك لأنك "نشفت رأسك أكثر من اللازم" , وأذكر أنك كدت تفقد عينك أو حياتك كلها فى كثير من الإمتحانات لإصرارك على نزاهة الإنتخابات , معذرة "الإمتحانات" , قال نعم ولكن الأمر اختلف هذه الأيام فلم تعد حياتى مهددة من العامة والدهماء الذين اعتدنا على صفاقتهم وحرصهم الجاهل الغبى على حق أبنائهم فى الغش والذى يعتبرونه حقا مشروعا لأبنائهم المساكين , وإنما الخطر الآن يأتى من أناس لهم حيثياتهم ولهم نفوذهم يرسلون بالإجابات النموذجية لأبنائهم بالكامل ليحصلوا على الدرجة النهائية أمام عينى , ومن يفعلون ذلك هم ممن يفترض أنهم يحرسون الأمن والقانون والعدالة والنزاهة والحق , وأنا كما تعلم مجرد مدرس لا حول لى ولا قوة ولن أستطيع أن أقف فى وجه الجميع  , ولن أستطيع فى هذا السن أن أغير رأسى , وهذا العام بالذات سأراقب فى أحد المدارس الخاصة للغات وهى معقل أبناء الضباط والمستشارين وكبار رجال الأعمال , وليس لى طاقة بكل هؤلاء . وهنا دارت رأسى أنا بين وقائع مماثلة , ولكن كان أقربها لبؤرة وعييى واقعة كنت أنا أحد ضحاياها فى الثمانينات من القرن الماضى ودارت أحداثها فى إحدى الجامعات الإقليمية وبطلها أحد رؤساء الأقسام (وهو بالمناسبة ليس من تخصصى ولكنه كان يرأس مجموعة أقسام إداريا ومنها القسم الذى أعمل به) حيث كان معروفا عنه قسوته واستبداده وغطرسته ودكتاتوريته وعناده وجبروته وميله الشديد للظلم والبطش , وكان النجاح والرسوب فى الأقسام التى يتحكم فيها مرهون برضاه الشخصى عن طالب الدراسات العليا , ولسبب أو لآخر لم أحظ برضاه الشخصى فعشت أياما سوداء ومررت بخبرات امتحانية مؤلمة قررت بعدها ترك هذه الجامعة الإقليمية بل ترك مصر بالكامل وفى نيتى أن لا أعود إليها ما حييت , ولم يكن ذلك لمجرد غضبى من ممارسات هذا الرجل وحده , أو كان تعميما خاطئا منى تجاه كل أساتذة الجامعة ومنهم بالطبع كثيرون فضلاء , وإنما مما رأيته من قبول من حوله ومن تحته ومن خلفه بتسلطه وغطرسته واستبداده وظلمه , هذا القبول الذى كان يمتد من أصغر نائب فى المستشفى إلى رئيس الجامعة فى ذلك الوقت رغم معرفة الجميع بنقائصه وحديثهم عن تلك النقائص ليل نهار فى الجلسات المغلقة , أما حين يصل الأمر إلى المواجهة فالكل راض بما يفعله ويقنع نفسه أنه على حق . تركت مصر وتركته وتركتهم جميعا ومرت السنون وقابلت أحد أقارب هذا الرجل فقال لى بأنه اقتحم الشقة على إحدى قريباته (بسبب خلاف عائلى تافه ) وضربها ضربا عنيفا هى وابنتها , وأصبحت قضية كبيرة , فقلت الحمد لله سيأخذ جزاءه على ما فعل بى وبكثيرين قبلى وبعدى حاربهم فى مستقبلهم العلمى وشردهم داخل مصر وخارجها بما يملكه من سلطة الأستاذ الجامعى ورئيس القسم وهى سلطة مطلقة استنادا إلى افتراض نزاهة من يتبوءون تلك المكانة العلمية الرفيعة , ولكن محدثى نظر إلى بأسى وهو يقول : للأسف الشديد لقد خرج منها – كعادته - مقابل 17 ألف جنيه دفعها (لا تسألنى لمن حتى لا نقترب من مواطن العفة) . ودارت الأيام وتم القبض على هذا الأستاذ الجامعى وهو فى الثانية والستين من عمره يلعب القمار فى شقة مشبوهة ومرصودة ( وقد كان القمار نشاطه المفضل بعد الإنتهاء من عيادته) , ولكنه خرج من هذا الأمر بتدخل أحد أصحاب النفوذ من أقاربه , وغادر محبسه المؤقت وهو يخرج لسانه للذين قاموا بالقبض عليه , بل وتطاول عليهم بالكلام , إلى أن حانت لحظة الصفر بعد عدة شهور من تلك الواقعة وتم القبض عليه بواسطة إدارة مكافحة الآداب بالقاهرة وهو يدير شقته بإحدى مدن الدلتا للقمار ومعه عدد من المقامرين المحترفين أحدهم يعمل موجها للتربية والتعليم بالإسكندرية فى ذلك الوقت , وكانت فضيحة مدوية نشرتها أغلب الصحف والمجلات الرئيسية وكتبت عنه روزاليوسف على غلافها "طبيب يعالج مرضاه بالقمار" وأفردت لقصته صفحتان فى العدد رقم 3694 بتاريخ 27 مارس 1999 , وذكرت أنه كان يعمل رئيسا للقسم منذ 1970 حتى 1997 ولم يترك رئاسة القسم إلا بسبب إحالته للمعاش , وتم إلقائه فى الحبس لمدة ثلاثة أسابيع وتحدد موعدا للقضية , ولكنه مات بعد فترة قصيرة , وأفضى إلى ربه بعد أن تسبب فى تشريد عدد كبير من الأطباء الأكفاء إبان فترة رئاسته للقسم التى استمرت 27 عاما , وترك آثارا شديدة على البنية النفسية لكل من عمل تحت رئاسته. وقد كان هذا الرجل يمثل لى النموذج الأولى للإستبداد والفساد , وكان ذلك النموذج من أقوى المحفزات لى على كراهية هاتين الصفتين وبذل كل ما أستطيع من جهد لمحاربتهما فى أى مجال

 

هذه الوقائع وغيرها لا تشير إلى مجرد فساد وإنما إلى اقتراب ذلك الفساد من مواطن العفة فى المجتمع ( أسمع من يعترض على كلمة اقتراب ويقول إنه وصل فعلا وتغلغل) , تلك االمواطن التى يفترض أن تظل بعيدة عن الفساد لتشكل صمام أمان للمجتمع حتى لا ينهار تماما . عموما دعونا نفتح ملف الفساد لنفهم سيكولوجيته وآثاره ونرى إلى أى مدى اقترب أو وصل إلى مواطن العفة فى مجتمعنا وما الذى يتوجب علينا فعله إن كان ثمة من يشعر بهذا الواجب

ماهو الفساد ؟  

لقد هالنى ما للفساد من معان ودلالات فى اللغة العربية وتساءلت عن علاقة هذا الثراء اللغوى عن الفساد وانتشار الأخير بشكل ملحوظ فى المجتمعات العربية ؟! ... فالفساد هو مصدر للفعل فسد , وقد عرّفه لسان العرب بأنه نقيض الصلاح . وقد يتضمن الفساد معنى عضويا فيقال فسد اللحم أو اللبن أو نحوهما فسادا إذا أنتن أو عطب . وقد يشير الفساد إلى تجاوز الحكمة أو الصواب فيقال فسد الرجل أى جاوز الصواب , وفسد العقل أى بطل , وفسدت الأمور أى اضطربت وأدركها الخلل , وكما ورد فى القرآن الكريم "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" . ويشير معنى الفساد إلى الجدب والقحط , كما أنه قد يعنى إلحاق الضرر , أو يعنى أخذ المال ظلما .

فإذا انتقلنا من المعنى اللغوى إلى المعنى الإصطلاحى وجدنا أن الفساد نقيض للإصلاح والرشادة والخير العام , ولذا حين يعم الفساد مجتمعا من المجتمعات وتفوح رائحته تجد تظاهرا بمحاولات الإصلاح وحديثا مملا ومكررا عن الشفافية وكأنه ستار يخفى ما تحته من الفساد كى يعيش أطول فترة ممكنة .

فالفساد ضد المصلحة , وإذا كانت كلمة سياسة فى أصلها العربى تعنى القيام على الأمر بما يصلحه فإن الفساد السياسى يعنى عدم القيام على الأمر بما يصلحه . ويعرف الدكتور حمدى عبدالرحمن حسن أستاذ العلوم السياسية الفساد بأنه :" أحد أنماط السلوك الذى يقوم به , أو يمتنع عن القيام به, صاحب المنصب العام , والذى يهدد من خلاله معيار القيام على الأمر بما يصلحه سواء وقع ذلك تحت طائلة القانون والقواعد التى تحكم عمله أو لم يقع , ويكون الهدف من وراء هذا السلوك دائما هو إعلاء المصلحة الذاتية على المصلحة العامة " (الفساد السياسى فى إفريقيا , 1993م , دار القارئ العربى , القاهره) .

الفساد ظاهرة عالمية ولكن !! :

استند الرئيس الأمريكى نيكسون إلى بعض الإضطرابت فى المجتمع الأمريكى وشكل لجنة مارس ضغوطه على أفرادها لتضع تقريرا أطلق عليه وقتها "خطة هيوستون" , ذلك التقرير الذى مهد لتكوين جهاز "أمن الدوله الأمريكى" , ذلك الجهاز الذى يمتلك الحق فى جمع المعلومات بصورة غير قانونية عن المواطنين الأمريكيين بحجة تأمين النظام والمحافظة على التوازن الداخلى , على أن تصل هذه المعلومات إلى الرئيس بشكل مباشر حيث أن هذا الجهاز السرى تابع للبيت الأبيض وتحظى معلوماته بثقة خاصة  . وتحت غطاء السرية والخصوصية توسع هذا الجهاز فى جمع المعلومات عن الصحفيين والموظفين العموميين ورؤساء الأحزاب والشخصيات العامة والقيادات الدينية والإجتماعية ذات التأثير . وفى عام 1972 استغل نيكسون المعلومات المتاحة لإعادة انتخابه رئيسا لأمريكا , ولكن الصحافة الحرة والواعية استطاعت فضح هذه المؤامرة فيما عرف باسم "فضيحة ووترجيت" , وأقيل بسببها نيكسون من رئاسة أمريكا وتم حل هذا الجهاز . وفى عام 1976 تم الكشف عن قيام شركة "لوكهيد " لصناعة الطائرات برشوة عدد من المسئولين فى اليابان وهولندا وإيطاليا وتركيا وذلك بهدف ترويج مبيعاتها من الطائرات .

وهناك العديد من فضائح الفساد العالمية فى كثير من دول العالم المتقدمة منها والمتخلفة , وهذا يؤكد أن الفساد ظاهرة عالمية لا تقتصر على مجتمع دون آخر , بل هو ظاهرة إنسانية ترتبط بدوافع قوية لدى الإنسان خاصة دافعى التملك والخلود وهما من الدوافع الجامحة لدى الإنسان خاصة حين تضعف لديه الضوابط القيمية , أو تضعف آليات رقابته .

وبعبارة أخرى فإن الفساد مرتبط بالإنسان وبالحياة فى كل المراحل التاريخية , فهو أشبه بالميكروبات والفيروسات التى تخترق الجسد فى كل لحظة وتحاول الفتك به , ولولا وجود جهاز المناعة فى الجسد الحى لهلك الناس جميعا , وكذلك الفساد يهاجم المجتمعات البشرية فى كل لحظة , والفرق بين مجتمع صحيح ومجتمع عليل ليس هو فى غياب الفساد عن الأول ووجوده فى الثانى وإنما فى قدرة المجتمع الصحيح على اكتشاف الفساد واعتباره دخيلا على منظومته وبالتالى مقاومته بآليات قادرة على ذلك طول الوقت , أما المجتمع العليل فإن الفساد يتسلل إليه دون وعى به وبخطورته ودون استنهاض للهمم لمقاومته ودون وجود آليات للمواجهة . ولا شك أن الدول المتقدمة لا تخلو من فساد بدرجة أو بأخرى ولكنها تملك وسائل إعلام حرة وقوية قادرة على تسليط الضوء على ذلك الفساد وتملك أيضا رأيا عاما وجماعات ضغط قادرين على توجيه الآليات المؤسسية لاجتثاث الفساد أو محاصرته فى أضيق الحدود , أما الدول المتخلفة ( والتى نحن منها للأسف الشديد) فوعيها بمظاهر الفساد أقل , كما أنها تفتقد للإعلام القادر على كشف الفساد بشكل فعّال , وتفتقد للرأى العام وجماعات الضغط ذات التأثير , وتفتقد أكثر لآليات محاصرة الفساد أو اجتثاثه , ومن هنا تنكشف المغالطة الخطيرة التى يروج لها أنصار الفساد ورعاته من أن الفساد موجود فى كل المجتمعات وليس مقصورا على مجتمعنا المصرى أو المجتمعات العربية فهو ظاهرة إنسانية توجد حيث يوجد الإنسان , فهذه كلمة حق يراد بها باطل ومقولة يراد بها تسهيل قبول الناس للفساد كأمر واقع وسنة كونية لا يمكن تلافيها أو تفاديها .

إذن فهناك فوارق جوهرية تخص ظاهرة الفساد بين المجتمعات المتقدمة والمتخلفة نوجزها فيما يلى :

1 – الفساد فى الدول المتقدمة استثناء , أما فى الدول المتخلفة فهو قاعدة للسلوك الخاص والعام خاصة لدى الطبقة الحاكمة والمتحكمة .

2 – هناك وعى فى الدول المتقدمة بمظاهر الفساد وخطورته على المجتمع فى حين نرى فى الدول المتخلفة جهلا بكل ذلك وغموضا حول ماهو مقبول وماهو غير مقبول سياسيا وأخلاقيا وقانونيا .

3 – النخبة فى الدول المتخلفة أكثر ميلا للفساد وممارسة له من ناحية الكم والكيف.

3 – المواطن فى الدول المتخلفة أكثر قبولا للفساد كأمر واقع لا يملك تغييره وربما لا يفكر فى تغييره أو يسعى إلى ذلك , بل قد يتقبله ويمارسه هو شخصيا كنوع من التكيف المشوه مع الواقع الحتمى فى نظره , أو يفعله توحدا مع النخبة التى تحكمه وتتحكم فى مصيره , وهو ما نسميه بالتوحد مع المعتدى فبدلا من أن يصبح ضحية لنخبة تمتص دمه , يتحول هو الآخر إلى فاسد يحاول أن يأخذ حقه ولو أمكن ينتزع فوق حقه حقوقا أخرى.

4 – هناك العديد من وسائل الكشف عن الفساد فى الدول المتقدمة مثل وسائل الإعلام المختلفة والنقابات المهنية واستطلاعات الرأى وغيرها فى حين نرى فى الدول المتخلفة غيابا لهذه الآليات الكاشفة أو ضعفا شديدا لها أو تنكيلا بالقائمين عليها أو تجاهلا لما تكشفه

5 – توجد فى الدول المتقدمة مؤسسات وآليات لديها القدرة على تتبع الفساد الذى تكشفه وسائل الإعلام أو الأفراد أو الجمعيات وتقوم بمحاسبة المتورطين فيه أيا كانت مواقعهم , أما فى الدول المتخلفة فإما أننا نجد غيابا لهذه المؤسسات , أو وجودها بشكل صورى غير قادر على محاسبة أحد .

6 – الدكتاتورية فى الدول المتخلفة تشكل راعيا أساسيا للفساد ورموزه على الرغم من ادعاءاتها بمحاربته فى الظاهر , وهذا يشكل تحديا هائلا أمام أى محاولة للإصلاح.

7 – تجرى محاولات مستمرة لتزييف الوعى فى الدول المتخلفة وبهذا يفقد المواطن العادى رؤيته للأمور فلا يتشكل رأى عام مضاد للفساد , فى حين نرى رأيا عاما قويا ومؤثرا ومضادا للفساد بكل صوره فى الدول المتقدمة .

8 – للرأى العام وزن وتأثير وقوة ضغط على صناع القرار فى الدول المتقدمة فى حين ينعدم تأثير الرأى العام أو يضعف جدا فى الدول المتخلفة ولهذا لا يأبه الحكام الفاسدون بالرأى العام فى تلك الدول .

9 – تشكل المنظومة القانونية سياجا ضد انتشار الفساد فى الدول المتقدمة , فى حين نجد تلك المنظومة مضطربة فى الدول المتخلفة سواء من حيث صياغتها التى تخضع لهوى ومصالح الحاكم الفرد أو من حيث تطبيقها الذى يتم بشكل انتقائى لا يحقق مصالح جموع الناس بل يحقق حماية للفاسدين الكبار والصغار .

10 – مع شيوع الفقر والجهل والمرض فى الدول المتخلفة تنهار القيم الأخلاقية مثل الصدق والأمانة وإتقان العمل , وتشيع قيم الخوف والإنتهازية والتملق والفهلوة , تلك القيم التى تشكل أرضا خصبة يترعرع فيها الفساد .

11 – النخبة فى الدول المتخلفة إما رخوة أو هشة أو مفتتة أو مستقطبة أو يتم احتواؤها بواسطة السلطة القائمة , ولهذا تصبح غير قادرة على إدارة دفة الأمور فى اتجاه الإصلاح حتى ولو كانت تملك رؤية لذلك الإصلاح , أما فى الدول المتقدمة فإن النخبة تشكل ضمير المجتمع وتملك مفاتيح التغيير والإصلاح فيه ولا يملك أحد تفتيتها أو سحقها أو استقطابها أو شراءها .

12 – لأسباب سياسية واقتصادية مختلفة تقوم بعض الدول القوية برعاية الأنظمة الفاسدة فى الدول المتخلفة حيث تكون مستفيدة من وجودها أو تخشى وجود قوى أخرى فى السلطة وهذا يشكل دعما للفساد وحماية له فى الدول المتخلفة لا نجده فى الدول المتقدمة التى تملك إرادة حرة بشكل نسبى .

13 – أنظمة الحكم فى الدول المتخلفة استبدادية ولا تتغير بسهولة لذلك يعشش الفساد فيها لسنوات طويلة دون وجود فرصة لتغييره , وهذه الأنظمة تأمن المحاسبة لأنها تعرف أنها أبدية فى الحكم , أما فى الدول المتقدمة فإن آليات التغيير السياسى تزيح أى نظام فاسد فى أقرب انتخابات وتستبدله بنظام آخر له القدرة على كشف مساوئ النظام السابق ومحاسبة رموزه .   

وبكلمات موجزة نستطيع القول بأن الفساد فى الدول المتخلفة أشبه بفيروس فى جسد بلا مناعة , وهذا الفيروس يتسلل إلى نواة الخلية (نظام الحكم ومؤسساته) فيصيغ برامجها طبقا لاحتياجاته ثم يتسلل إلى المجتمع فينتشر المرض وتتغير البرامج كلها طبقا للبرنامج الفيروسى .

أركان الفساد :   

وهناك  أركان للفساد تتحالف مع بعضها وتتآمر لخلق منظومة الفساد التى تحاول أن تستفيد منها (أو تتوهم أنها ستستفيد منها ) وهى  :

·        الحاكم المستبد ( ويمثله فرعون)

·         السياسى الوصولى , الذى يسخر ذكاءه وخبرته فى خدمة الحاكم المستبد , وتثبيت حكمه , وترويض شعبه للخضوع له (ويمثله هامان) .

·     الرأسمالى أو الإقطاعى المستفيد من المنظومة الإستبدادية الفاسدة , فهو يؤيد  تلك المنظومة ببذل بعض ماله  ليكسب أموالاً أكثر من عرق الشعب ودمه (ويمثله قارون) .

 

ولقد ذكر القرآن هذا الثالوث المتحالف على الفساد , ووقوفه فى وجه رسالة موسى عليه السلام الهادفة إلى إصلاح الدنيا والآخرة , : )  ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ¨ إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذّاب ( [غافر : 24,23] . وهناك رابطة عضوية بين الإستبداد والطغيان وبين الفساد نراها فى قوله تعالى : " إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين " (القصص 4) , " وثمود الذين جابوا الصخر بالواد , وفرعون ذى الأوتاد , الذين طغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد " (الفجر 9-12) . وقد يتغير ترتيب هذا الثالوث فى مرحلة متأخرة من الفساد حيث يصبح لرأس المال السيطرة الأعلى على الحكم , ولو من وراء ستار , وهذه دلالة تدهور الأوضاع ووصولها إلى مرحلة الخطر , وهذا ما يتضح فى الآية التالية حين يذكر قارون قبل فرعون  )وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا فى الأرض وما كانوا سابقين ( [العنكبوت  39] .

والعجيب – كما يقول الدكتور يوسف القرضاوى- أن قارون كان من قوم موسى , ولم يكن من قوم فرعون , ولكنه بغى على قومه وانضم إلى عدوهم فرعون , وقبله فرعون معه , دلالة على أن المصالح المادية هى التى جمعت بينهما برغم اختلاف عروقهما وأنسابهما .

·    الشعب الخاضع المستكين : فلا يمكن أن ينتشر فساد ويتغلغل فى شعب حى يرفض الفساد ويقاومه بيده وبلسانه وبقلبه . وقد ذم القرآن المتخاذلين عن مقاومة الفساد والمنكرات , واستخدم فى ذلك الذم لفظ اللعن " لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " (المائدة 78,79) . وفى الحديث الشريف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده , فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه , وذلك أضعف الإيمان " (رواه مسلم وغيره عن أبى سعيد الخدرى) . وللدكتور القرضاوى تعليق مهم على هذا الحديث حيث يقول: " ومن الخطأ الظن بأن المنكر ينحصر فى الزنى وشرب الخمر , وما فى معناها , إن الإستهانة بكرامة الشعب منكر أى منكر , وتزوير الإنتخابات منكر أى منكر , والقعود عن الإدلاء بالشهادة فى الإنتخابات منكر أى منكر , لأنه كتمان للشهادة , وتوسيد الأمر إلى غير أهله منكر أى منكر , وسرقة المال العام منكر أى منكر , واحتكار السلع التى يحتاج إليها الناس لصالح فرد أو فئة منكر أى منكر , واعتقال الناس بغير جريمة حكم بها القضاء العادل منكر أى منكر , وتعذيب الناس داخل السجون والمعتقلات منكر أى منكر , ودفع الرشوة وقبولها والتوسط فيها منكر أى منكر , وتملق الحكام بالباطل وإحراق البخور بين أيديهم منكر أى منكر , وموالاة أعداء الله وأعداء الأمة من دون المؤمنين منكر أى منكر . وهكذا نجد دائرة المنكرات تتسع وتتسع لتشمل كثيرا مما يعده الناس فى صلب السياسة , فهل يسع المسلم الشحيح بدينه , الحريص على مرضاة ربه , أن يقف صامتا أو ينسحب من الميدان هاربا أمام هذه المنكرات وغيرها ... خوفا أو طمعا أو إيثارا للسلامة ؟" .

وخيرية أى أمة ارتبطت بحيويتها وقدرتها الدائمة على مقاومة الخبائث والمنكرات والمفاسد التى تتسلل إلى جسدها من وقت لآخر  , وهذا مصداق لقوله تعالى :"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" . أما إذا عجزت الأمة عن تنظيف صفوفها ولفظ خبثها واستسلمت للظلم وخضعت للظالمين خوفا وطمعا , فهنا يصدق عليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيت أمتى تهاب أن تقول للظالم : يا ظالم فقد تودع منهم " أى فقدوا استحقاق الحياة ولحقوا بالأموات , وفى بعض الروايات : " وبطن الأرض خير لهم من ظاهرها" .

ونظرا لخطورة تغلغل الفساد فى أى مجتمع نرى أن النصوص الدينية تعلى من أمر مقاومته وتضعه فى الأولويات , فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أفضل الجهاد بأنه " كلمة حق عند سلطان جائر" , وكأنه هنا فضل الإصلاح الداخلى على جهاد الأعداء على الحدود أو خارجها , وهذا منطقى جدا فالفساد الداخلى يمهد ويسهل للغزو الخارجى بكل أنواعه العسكرية والإقتصادية والثقافية . ومن أجل هذا تصبح الشهادة على طريق الإصلاح الداخلى من أعلى درجات الشهادة فى سبيل الله كما ورد فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "سيد الشهداء حمزه , ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره  ونهاه فقتله " . وربما نفهم ذلك فى إطار أن الإصلاح الداخلى يحتاج لقدر عال من الوعى وقدرة على الخروج على المألوف والسائد فى المجتمع الذى عمه الفساد وأصبح عرفا مقبولا فيه , ثم قدرة أكبر للخروج على ضغط الجماعة , ثم قدرة أكبر وأكبر لمواجهة أركان الفساد والمستفيدين منه بكل مالهم من سطوة وغلبة وتأثير فى ظل رأى عام متصف بالسلبية والخوف واللامبالاه .

أدوات الفساد :

لابد للفساد من أدوات للترهيب والترغيب حتى تخضع له الرقاب ويسلم له العباد (أو العبيد) إرادتهم وخياراتهم . والفاسد والمفسد يعرف جيداً مواطن ضعف البشر ويحاول استغلالها بأبشع الطرق وأكثرها حقارة ودهاءاً فى نفس الوقت . ونذكر من هذه الأدوات حسب ترتيب أهميتها :-

1- السلطة :- فالأب الفاسد يستغل نفوذه المالى وقوته الجسدية ومكانته المعنوية فى إفساد  أبنائه , والمسئول الفاسد يستغل ما يملك من صلاحيات للتحكم فى رقاب مرؤسيه وإفسادهم حتى يستطيع ممارسة فساده دون اعتراض من أحد , والحاكم الفاسد يستغل جنوده (الشرطة والجيش) لإرهاب رعيته ويستغل النظام السياسى الموالى له لإضفاء الشرعية على أفعاله وتجريد خصومه من تلك الشرعية ووصفهم بالتآمر والخيانة والإفساد فى الأرض وتعكير صفو الأمن , ويسعى ذلك الحاكم الفاسد إلى إفساد من حوله ومن تحته ومن خلفه (بوعى أو بدون وعى ) وذلك كى تتوافق المنظومة كلها على تردد واحد ونغمة واحدة يصبح ما عداها نشازا , لأن الفساد إذا وجد وحده دون إفساد تصبح هناك فرصة لالتقاطه والوعى به ومقاومته , لذلك فلابد للفاسدين أن يتحولوا فى مرحلة ما لمفسدين لغيرهم كى تستقر الأمور من حولهم ويموت الوعى العام بالفساد , ويصبح الجميع متورطين فلا يرفع أحد رأسه مدعيا النزاهة أو مطالبا بالإصلاح .

والقرآن يصور هذا الموقف فى قوله تعالى : )إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين( [القصص  8] . وقوله )فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ( [القصص  40] .

2- المال :- ومن لا يصلح معه الترهيب بالسلطة يصلح معه الترغيب بالمال , ولهذا يحرص الفاسدون على إمساك الثروة فى أيديهم لتكون وسيلة ضغط على من تحتهم , ووسيلة ترغيب وشراء ذمم .

3- المناصب :- ينتقى الفاسد من بين الناس أولئك المتعطشين للمناصب والراغبين فى العلو بأى ثمن فيستخدمهم ويستعملهم كدروع له وكأدوات لحمايته وتبرير أفعاله , كما أنه يحرص على توريطهم فى الفساد حتى تصبح رقابهم فى يده يقطعها وقتما يشاء ويذلها حسبما يريد  ويبتزها طول الوقت , وقد يستخدم بعضهم ككبش فداء يضحى به حين يريد تحلية صورته أو ادعاء محاربة الفساد أمام الرأى العام  .

4- الإعلام :- فالفاسد يحتاج لمن يدارى عوراته ويزين سوءاته ويسوق مشروعاته وأفكاره بين الناس ويبرر أخطاءه ويحولها إلى انتصارات ويمارس الترييف للوعى والتخدير للعقول ودغدغة المشاعر طول الوقت . ومن هنا يمكن أن نعتبرالإعلاميين الموالين لأى فاسد بمثابة سحرة فرعون الذين كانت مهمتهم أن يسحروا أعين الناس بمعنى تزييف وعيهم.

5- رجال الدين :- ونقصد بهم فئة معينة من رجال الدين يقبلون إضفاء شرعية دينية على مظاهر الفساد والإفساد وإضفاء شرعية على كل  أفعال الفاسد وإستغلال المفاهيم الدينية لتبرير وتمرير كل ما يقوم به , وإصدار الفتاوى المبنية على تفسيرات تلوى عنق الحقيقة لمصلحة استمرار الفساد . وكل فاسد يسعى إلى تقريب عدد من رجال الدين (حتى ولو كان هو ملحداً أو علمانياً ) لمعرفته بقيمة الدين لدى الناس وتأثرهم به وقد يظهر احترامه للرموز الدينية ويحرص على الظهور الإعلامى معهم فى المناسبات المختلفة .

أنماط الفساد :

هناك أكثر من طريقة لرؤية أنماط الفساد , فبعض الباحثين يقسمه إلى الأنماط التالية بناءا على توزيعه على خريطة المجتمع :

1 – الفساد الوظيفى : حين تسود البيروقراطية والرشوة والمحسوبية فتصبح هى معيار التعيين ومعيار الأداء .

2 – الفساد القانونى : ويظهر فى العبث بمواد الدستور لصالح النخبة الحاكمة , أو أصحاب المصالح الخاصة , ويمتد ذلك إلى القوانين المنظمة لعجلة الحياة فى المجتمع , ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يتخطاه إلى تجاوز أحكام الدستور , وتعطيل القوانين أو التطبيق الإنتقائى لها بما يحقق المصالح الذاتية لرعاة الفساد والمستفيدين منه مع إهدار أحكام القضاء فى حالة صدورها لغير صالح النخبة الحاكمة والمتحكمة .

3 – الفساد السياسى : ويظهر فى دكتاتورية النظام الحاكم واستبداده وأبديته , وفى اقتناص السلطة واستبعاد بقية التيارات السياسية , وفى تكوين الدولة القرصان التى تشبه فى سلوكها العصابات من حيث السرية والنوايا الخبيثة والعمل على امتصاص دماء المجتمع لصالح عدد قليل من الأشخاص مع اعتياد الكذب والتحايل والخداع . كما يظهر فى صورة تزوير الإنتخابات وتزييف إرادة الجماهير وتغييبها عن إدارة شئون البلاد , مع الحرص على التعيين الإنتقائى فى المراكز القيادية بحيث تستبعد كل العناصر غير الموالية مهما كانت قدراتها وكفاءاتها , فالمعيار الوحيد للإقتراب من قمة السلطة هو الولاء الحزبى أو الفئوى أو الأيديولوجى فى معناه التعصبى الضيق , وبهذا يتم تجريف النخبة السياسية مع الوقت من كل العناصر الموضوعية الصالحة ذات الكفاءة وذات الرأى الشجاع المستقل فى حين تتراكم العناصر الفاسدة وتجتذب إليها كل من هم على شاكلتها بحثا عن التواؤم والإنسجام وتغطية للعورات .

4 – الفساد الدينى : وهودائما تابع للفساد السياسى , حيث يعمد أركان الفساد السياسى إلى تقريب العناصر الرخوة من رجال الدين لاستخدامهم فى تبرير أفعالهم وتزيينها للعامة وإضفاء الشرعية عليها , فهم يعلمون مدى تأثر الناس بالرموز الدينية ومدى قوة الشرعية الدينية فيعملون على توظيفها حتى وهم أنفسهم غير منتمين لقيم الدين ومبادئه , أو حتى وهم يعلنون أنه لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة , وهذا يشكل استخداما انتقائيا للدين لتحقيق مصالح النخبة الحاكمة مع حرمان الآخرين من نفس السلاح .  

5 – الفساد المجتمعى : وهو مكمن الخطر , حيث ينتشر فيروس الفساد إلى طبقات المجتمع المختلفة فيتورط الجميع فى الفساد وتتلوث أيديهم به فيفقدون القدرة على رؤيته فضلا عن استنكاره ومدافعته , وبهذا يستقر الأمر للفاسدين , ويصبح الشعار القائم "ياعزيزى كلنا لصوص " , فلا يجرؤ أحد على ادعاء الطهارة أو المطالبة بالإصلاح , وهنا يصبح الفساد هو القاعدة , ويصبح المصلحون غرباء ومثيرين للقلق ومرفوضين من الغالبية الفاسدة , وهذا يسهل على السلطة الفاسدة اجتثاثهم ورميهم بتهم مثل تكدير الأمن العام أو السعى لقلب نظام الحكم (المقلوب فعلا) .

 

واستنادا إلى معيار الرأى العام يقسم بعض الدارسين الفساد إلى ثلاثة أنواع (نقلا عن كتاب الفساد السياسى فى إفريقيا) :

1 – الفساد الأسود : وهو يتضمن كافة الأعمال التى تحظى باتفاق الأغلبية فى مجتمع معين (سواء من جانب النخبة أو الجماهير) على أنها تندرج تحت إطار الممارسات الفاسدة التى ينبغى التخلص منها ومعاقبة من يقومون بها .

2 – الفساد الرمادى : وهو يوجد حيثما ترى بعض عناصر النخبة فى مجتمع معين أن عملا ما يعد من قبيل الفساد وتقوم بإدانته بينما يكون رأى الجماهير غامض فى هذا الصدد .

3 – الفساد الأبيض : وهو ينطبق على الأعمال التى ترى كل من النخبة والجماهير فى مجتمع معين أنه يمكن التغاضى عنها حيث أنها لا تستحق العقاب , وإن كانت بعض عناصر النخبة ترى ضرورة توقيع مثل هذا العقاب .

الفساد ومواطن العفة :

قد يتسامح المجتمع مع الكثير من مظاهر الفساد السائدة على مستوى السلطة الحاكمة أو على مستوى المؤسسات أو على مستوى الوزارات أو البرلمان أو غيرها , ولكن هناك مواطن يعتبرها أى مجتمع مواطن عفة يحرص على بقائها خارج منظومة الفساد قدر استطاعته , نذكر من هذه المواطن : القضاء , والشرطة , والتعليم , والطب , والمؤسسة الدينية . وتتحدد مواطن العفة على أساس كونها صمام أمان لأى مجتمع وحصون أخيرة يلجأ إليها الجميع ويحتاجها الجميع فى اليسر والعسر , ولهذا يكون ثمة اتفاق غير مكتوب بالمحافظة على هذه القلاع الأخيرة بعيدة عن مستنقع التلوث , ولهذا يصبح اقتراب الفساد من مواطن العفة فى المجتمع ظاهرة تثير الكثير من القلق بل تستحق أن تصبح زلزالا يهز كل أركان المجتمع ويدعوه للإنتباه قبل فوات الأوان .

فمثلا إذا بدأنا نسمع عن أشياء كثيرة تشوب تعيينات النيابة العامة ونسمع ونقرأ عن حوادث رشوة تمس بعض القضاة أو تورطات سياسية لبعض رموز العدالة أو محاولات استقطاب للجهاز القضائى بواسطة السلطة التنفيذية , كل هذا يجعل من حقنا أن نقلق على هذا الحصن المنيع (أو الذى يجب أن يظل منيعا) , ومن هنا نفهم وقوف الناس مع القضاة فى أزمتهم وحرصهم على مساندتهم فى تنظيف صفوفهم ومنع تسلل المغريات السياسية أو المالية أو الحزبية إليهم .

وإذا رأينا جهاز الشرطة يتمدد بل ويتوحش ويصبح وسيلة فى يد أفراد معدودين يحققون به مصالحم وأمنهم بعيدا عن أمن الناس , أو أن يصبح جهازا للتنصت على أصحاب الرأى والمعارضين لحزب من الأحزاب أو أن يصبح فى خدمة مصالح هذا الحزب دون سواه , أو أن يصبح أداة للترهيب السياسى والإجتماعى بما يعوق محاولات الإصلاح ويعوق ضغط الرأى العام فى اتجاه التغيير , كل هذا ينزع عن جهاز الشرطة دوره الأساسى فى حماية مصالح الناس وتحقيق الأمن لهم , وإتاحة الفرصة أمامهم للتعبير السلمى عن احتياجاتهم . وحين يتحول جهاز الشرطة إلى أداة لتزوير الإنتخابات وتزييف الإستفتاءات ومنع الناس من الوصول إلى اللجان , ومنع الناس من التظاهر السلمى الذى تكفله كل دساتير الدنيا كحق من حقوق الإنسان فى المجتمعات الحديثة فإن ذلك إشارة إلى ابتعاد هذا الجهاز عن وظيفته . وحين يصبح الجهاز الأمنى متهما من الرأى العام ومن الجهات الرقابية المحلية والدولية بانتهاك حقوق الإنسان وممارسة التعذيب فإن ذلك ضوء أحمر وجرس إنذار يضع ذلك الجهاز المهم فى مواجهة غير منطقية وغير إنسانية مع أهله وناسه . وحين يتعامى جهاز الشرطة أو بعض أفراده عن تجاوزات قانونية أو أخلاقية لحساب بعض الأشخاص أو الأحزاب فإن ذلك يسحب عن ذلك الجهاز موضوعيته وحياديته ومصداقيته . ولا يتصور أحد أن تتحول السلطة المخولة لأفراد هذا الجهاز لأداء وظائفه مصدرا لتحقيق المصلحة الشخصية وأن تتحول إلى استغلال للنفوذ وتحطيم للقوانين العامة وانتهاكا للحقوق الخاصة , وكمثال على ذلك قيام بعض المنتسبين إلى جهاز الشرطة بتسهيل الغش فى الإمتحانات لأبنائهم أو أبناء أقاربهم أو أصدقائهم استنادا إلى سلطتهم المطلقة فى المجتمع .

وإذا أصبحت الدروس الخصوصية فى مرحلة ما تمثل نوعا من التعليم الموازى ثم أصبحت فى الوقت الحالى تمثل نوعا من التعليم البديل , وتسرب الطلاب من المدارس إلى حجرات مغلقة فوق الأسطح وتحت السلالم , وانسحب مفهوم التربية , وأصبح الطلاب يلتقون بأستاذهم على القهوة لتحديد مجموعات الدروس الخصوصية وهو يشاركهم شرب السجائر والبانجو , وأصبح الغش فى الإمتحانات قاعدة يعتبر الخارج عليها أو الرافض لها متعنتا ومتشددا وظالما , فإننا أمام صورة من صور تسرب الفساد لأحد مواطن العفة فى أى مجتمع وهو التعليم . فإذا انتقلنا إلى الجامعات ,والتى كانت حرما فى السابق سيحزننتا امتداد الفساد إليها بل وتمدده فيها فى صور متعددة نذكر منها على سبيل المثال : سقوط هيبة الأستاذ الجامعى من خلال تورطه فى المتاجرة بالمذكرات أو الكتب مع طلبته أو إعطاء الدروس الخصوصية , أو التورط فى تسريب الإمتحانات لأبنائه أو أقاربه أو معارفه , أو تعيين من يشاء واستبعاد من يشاء بناءا على معايير شخصية أو عائلية أو سياسية أو مادية . كما أن الجهاز الإدارى فى الجامعة أصبح متورطا فى الكثير من مظاهر الفساد العامة كالرشوة والمحسوبية وغيرها. ولم تعد أسوار الجامعة تشكل حرما كما كانت فى الماضى فأصبح الجهاز الأمنى داخل أسوارها يعين هذا ويستبعد ذاك ويحرك الأمور من خلف الستار أحيانا ومن أمام الستار فى أحيان أخرى , وأصبحت التعيينات فى المناصب القيادية العليا مرهونة بحسابات أخرى قد يكون آخرها الكفاءة العلمية والإدارية . وأصبحنا نسمع عن سرقة الأبحاث وتلفيقها وتأليفها ونسمع عن الرشاوى فى الحصول على الشهادات والترقيات . وتدنت المستويات العلمية داخل الجامعات وأصابها ما أصاب بقية المجتمع من خلل , وتم اختراقها بكل صور الإختراق المرضية .

أما مجال الطب والعلاج فله حساسية خاصة حيث يتصل بصحة الناس وحياتهم , وقد كان الطبيب فيما مضى يسمى حكيما ويحظى باحترام وإجلال ومصداقية لا يحظى بها أحد غيره , ولم لا وهو يطلع على عورات الناس وأسرارهم برضاهم وثوقا فيه وتسليما بأمانته , وهو يعمل على الحفاظ على صحتهم وأرواحهم . وإذا بنا نسمع كثيرا فى السنوات الأخيرة عن عمليات متاجرة بصحة الناس وحياتهم وأعضاء جسمهم , وعن عمليات نصب واحتيال وجشع لدى بعض الأطباء , وإلى مغالاة فى الأجور بشكل استفزازى , وإلى عمليات تبادل منافع مع المعامل ومراكز الأشعة وشركات الأدوية لامتصاص دم المريض , وإلى حالات إهمال صارخة ومفزعة فى العيادات والمستشفيات الخاصة منها والعامة . وزيارة واحدة لأى مستشفى حكومى تضعنا أمام حقيقة مفزعة وهى أن الفساد والإهمال قد وصلا إلى الحصن الطبى وتغلغلا فى كثير من أجزائه .

أما المؤسسة الدينية فهى تشكل ضمير المجتمع وتعتبر بمثابة حلقة وصل بين الأرض والسماء أو قنطرة بين الدنيا والآخرة , ولهذا يقلق الجميع حين يرى أى مظهر للتدهور فى أى ركن من أركان تلك المؤسسة مثل الفتاوى الموظفة سياسيا , أو الإستقطاب لمصلحة بعض الأشخاص أو المؤسسات , أو الإنفلات الدعوى , أو الجرى وراء الكاميرات والميكروفونات بحثا عن الشهرة والثروة , أو تبنى الآراء الشاذة والغريبة والدعوة إليها خارج إطار التاريخ وخارج نطاق المنطق السليم وبعيدا عن أصول ومقاصد الشريعة بحثا عن الفرقعة الإعلامية والشهرة الشخصية , أو الجهل الشديد بالدين لدى خريجى الجامعات الدينية وتردى مستوى الخطباء فى المساجد , أو شيوع التفكير الخرافى لدى المنتمين للدعوة الدينية. كل ذلك يضع علامات حمراء حول بعض أو الكثير من أركان المؤسسة الدينية التى يحرص الجميع على بقائها بيضاء ناصعة .

ووصول الفساد إلى مواطن العفة فى أى مجتمع دليل على أننا أمام مرحلة متأخرة وخطيرة , وأن الإنهيار التام قد يصبح وشيكا , أو أن المجتمع يدخل فى مرحلة اللاعودة , أو أن ثمة اتفاق عام على قبول الفساد وتغلغله بلا أى استثناءات , أو أن محاولات الإصلاح قد تصبح مستحيلة إلا بعد زوال كل المنظومات القائمة وقيام منظومات جديدة وأن هذا الأمر قد يحوى بداخله انهيارات خطيرة تستمر لسنوات طويلة تأتى على البنية الأساسية فى المجتمع , وقد تقضى على أمنه وأمانه لسنوات طويلة (كما حدث فى العراق) .    

أعراض الفساد الرئيسية :

1 – الرشوة : وهى من أكثر أعراض الفساد ظهورا , ويرى أرنولد روجو وهارولد لازويل أنها جوهر الفساد من حيث أنها تؤدى لانهيار النظام العام حيث لا يرى الراشى أو المرتشى إلا تحقيق مصلحتهما الشخصية ولو على حساب المصلحة العامة , وهنا تنهار المصلحة العامة . وتبدأ الرشوة على استحياء فى صورة هدايا ثم تتحول إلى إكراميات ثم تتم من خلال درج المكتب المفتوح ثم تطلب علانية بعد ذلك كحق مكتسب لا تتم قضاء الحوائج إلا به .

2 – المحسوبية : وفيه تحل العلاقات الشخصية والعائلية والطائفية والحزبية محل الكفاءة والخبرة فى الوظائف العامة , وبذلك تنهار معايير الإختيار الموضوعية ويسند الأمر إلى غير أهله .

3 – استغلال المنصب العام : وطبقا لتعريف جيمس سكوت فإن استغلال المنصب العام هو "ذلك السلوك القائم على التخلى عن الواجبات الرسمية المرتبطة بالوظيفة العامة فى سبيل تحقيق مصلحة خاصة أو انتهاك لقواعد رسمية فى سبيل تكوين أنماط معينة من النفوذ والتأثير لتحقيق مصلحة خاصة" .

4 – الغش فى الإمتحانات والتزوير فى الإنتخابات : هناك علاقة وثيقة بين شيوع الغش فى الإمتحانات وتزوير الإنتخابات فكلاهما تنتمى لنفس الإضطراب الأخلاقى الذى يتيح تغيير الحقيقة ويتيح الحصول على أشياء دون وجه حق ويتيح تزييف الحقائق وشراء الضمائر وبيعها وإفساد الذمم , وصعود من لا يستحق . وهنا تتكون معايير جديدة للصعود مجملها الكذب والتحايل والسرقة والخداع , وتغيب فى المقابل معايير الصدق والأمانة والإجتهاد والعمل الدؤوب , وشيئا فشيئا يتزايد عدد الصاعدون بوسائل الغش والتزوير فتتكون نخبة سياسية أو إدارية فاسدة نشأت على هذه القيم ولذلك تدعو لها وتدعمها .  

 الدولة الرخوة :

فى المراحل المتوسطة من الفساد تتحول الدولة إلى ما يسمى الدولة الرخوة وهى تتسم بما يلى :

·    اللامبالاة وبطء الحركة , والتى تصل إلى درجة الجمود ويظهر ذلك فى ثبات الشخصيات الحاكمة لسنوات طويلة دون تغيير وتثبيت السياسات والممارسات الحكومية حتى مع ثبوت فشلها .

·     ضعف الإستجابة لمطاب الناس واحتياجاتهم فترى الحكومة وكأنها لا تسمع الشكوى الصادرة من فئات كثيرة فى المجتمع , وإذا سمعت فهى تستجيب ببطء شديد لا يتناسب مع المواقف وسخونتها أو لا تستجيب على الإطلاق .

·    لا تتحرك أجهزة الدولة إلا حين حدوث كوارث كبرى , وما أن تمر الكارثة حتى تعود أجهزة الدولة إلى سباتها فى انتظار كارثة أخرى قادمة .

·        ضعف القدرة الرقابية على الأشخاص والأجهزة والمؤسسات بما يتيح فرصة مواتية لتمدد الممارسات الفاسدة دون خوف من عقاب .

·        عدم وجود مشروع قومى أو هدف عام يجمع طاقات الناس والمؤسسات لتحقيقه .

·    الإستهانة بالكرامة الوطنية والنظر بتراخ واستخفاف إلى ما يهدد الأمن القومى , والإكتفاء بتحقيق الأمن الشخصى والمصالح الذاتية للنخبة الحاكمة .

·    يصبح الدور الخارجى (على المستوى الإقليمى أو الدولى) للدولة الرخوة باهتا وضعيفا , وتفقد تأثيرها فى الأحداث , وتصبح تحركاتها مجرد ردود أفعال للأحداث أو وسيط معنوى بين الأطراف .

·     تتميع لديها الثوابت العقائدية والسياسية والتاريخية والحضارية , وينعدم لديها الإحساس بالهوية والقيمة , وبالتالى تتقبل بسهولة الكثير من المواقف المهينة على المستوى الدولى .

·        تفقد القدرة على رعاية شعبها فى الداخل ورعاية أبنائها فى الخارج , بل تصبح هى عالة على هؤلاء وعبئا عليهم .     

الدولة القرصان :

وهى تظهر فى المراحل المتأخرة من الفساد , وهى تسبق الإنهيار العام للنظام مباشرة , ذلك الإنهيار الذى يمكن أن يحدث فى غضون شهور أو سنوات ولكنه بالضرورة آت آت , لأن قوانين المجتمعات لا تحتمل وجود الدولة القرصان لفترات طويلة , كما أن قوانين القرصنة تجعل الجميع يأكلون بعضهم البعض فيصبح الإنهيار حتميا . وفيما يلى خصائص الدولة القرصان كما تتضح من الدراسات النفسية والإجتماعية والسياسية :

·    سيطرة الفرد الحاكم أو أسرته على مقاليد الأمور بشكل مطلق , وترسيخ نظام الحكم الدكتاتورى المستبد , وتوجيه سائر الأمور لتحقيق المصالح الشخصية للحاكم على أنها المصالح القومية العليا , واغتصاب السلطة , واعتبار البلد رهينة فى يد الحاكم وبطانته .

·    تكوين بطانة حول الحاكم الفرد تحميه وتحمى فى نفس الوقت مصالحها الذاتية , وتصبح هذه البطانة مسيطرة على كافة الأجهزة والمؤسسات وتوجهها لتحقيق مصالحها ومصالح الحاكم الفرد .

·    يصبح هدف الحاكم الفرد وبطانته البقاء فى مقاعدهم واستمرار تدفق الأموال إلى حساباتهم وإحكام سيطرتهم على مقاليد الأمور لأطول فترة ممكنة , ولضمان هذه السيطرة يتم تكوين أعين وأذرع من الأجهزة الأمنية والأجهزة الحكومية تكون مهمتها حماية مصالح النخبة الحاكمة وضمان بقائها والتخلص من معارضيها .

·    تتحول الأعين والأذرع إلى أدوات فساد تنتشر فى كل الأجهزة والمؤسسات , وتترسخ مع الوقت قيم الإنتهازية والقرصنة والسلب والنهب والنفاق والخداع والكذب , وشيئا فشيئا تتحول أجهزة الدولة إلى أوكار للفساد .

·        يصبح الفساد هو أسلوب الحياة المعتمد فعليا على المستوى الرسمى والشعبى , وشيئا فشيئا تغيب صيحات الإستنكار والإستهجان لذلك الفساد .

·    تتحالف أجهزة الدولة مع رموز الفساد وتسهل لهم الحصول على الصفقات وتحقيق الأرباح الخيالية على أن يقتسم الجميع الكعكة فيما بعد , وتبسط أجهزة الدولة حمايتها على رموز الفساد حماية لنفسها وحفاظا على مصالحها .

·    يتم اغتصاب السلطة فى أيدى أفراد معدودين أو فرد واحد وتستبعد بقية تيارات وفئات المجتمع , ويحدث هذا إما بشكل سافر , أو تحت ستار ديموقراطى خادع من خلال إجراء انتخابات أو استفتاءات مزورة تتحدد نتائجها سلفا .

·        يحدث تحالف واضح بين رجال السياسة ورجال المال ليخدم كل منهما مصالح الآخر ويستبعد المفكرون والمثقفون والعلماء .

·    يتم استخدام عدد من فقهاء القانون الراغبين فى السلطة لتفصيل القوانين وهندسة الدستور والتحايل بكل الطرق بما يحقق مصالح النخبة السياسية والمالية , كما يتم استخدام عدد من رجال الدين ذوى الرخاوة الدينية والشخصية لتمرير وتبرير كافة تصرفات النخبة الحاكمة وإعطائها شرعية دينية .  

·    وتبالغ الدولة القرصان فى الحديث عن الطهارة والشفافية وسيادة القانون واحترام الدستور بينما هى تدوس كل هؤلاء . وحين ترى أن الدستور أو القوانين تعوق حركتها وتعطل مصالحها تعمد إلى تغيير كل هؤلاء عند أول فرصة ممكنة .

·      تتم عمليات تمويه وخداع كثيرة حيث يتشدق النظام بالمصلحة العامة والمصلحة الوطنية والمصلحة القومية ليل نهار فى حين هو يقصد مصلحة الحاكم , ويتحدث عن الأمن القومى فى حين هو يقصد أمن الحاكم وأسرته , ويتوحد الوطن كله مع الحاكم فيصبح أى مساس بشخص الحاكم هو مساس بالوطن فهما فى القدسية سواء , وتظهر تعبيرات مثل "الزعيم الملهم" أو " رب العائلة" أو "صانع النهضة الحديثة " أو " المجاهد الأكبر " أو " المعلم " أو " قائد العبور للمستقبل " أو " حبيب الجماهير " أو " المخلص " أو " صاحب الحكمة " , وهكذا يحدث تضخيم لذات الحاكم حتى تبتلع بداخلها ذات الوطن ومصالحه , وينجح النظام القائم فى إيهام الناس بأن زوال الحاكم هو زوال للوطن , وأن بقاءه هو صمام الأمان الوحيد للناس .  

·    كثيرا ما تحتاج الدولة القرصان إلى تأييد ودعم خارجى يضمن استقرارها ويغمض العين عن خطاياها , وفى مقابل ذلك تضحى بالثوابت الوطنية وبالأمن القومى , وترضى بدور التابع أو الشرطى أو السمسار أو البلطجى .

·     وفى حالة الدولة القرصان (وهى قمة الفساد السياسى) يتحول جهاز الدولة إلى مؤسسة للفساد والسلب والنهب ويعمل جميع أفراد جهاز الدولة لتحقيق مصالحهم الخاصة مع المبالغة فى الحديث الإعلامى عن المصلحة العامة , والمسئولون فى هذه الحالة يتحايلون على القوانين واللوائح وحتى على الدستور القائم , وتحدث تحالفات واتفاقات مشبوهة بين رجال السياسة ورجال المال بما يحقق مصالح الطرفين على حساب مصالح الجماهير , ويشيع الفساد فى ظل الدولة القرصان حتى يصبح واقعا مألوفا يحاول بقية الناس تعلمه وإتقان آلياته لكى يتكيفوا مع منظومته السائدة .

دوائر المسئولية فى مواجهة الفساد :

للإنسان ثلاث دوائر من حيث رأيه وسلطته وبالتالى مسئوليته نوجزها فيما يلى :

·    الدائرة الأولى : له فيها رأى وسلطة , كمثل الأب فى بيته , أو المدير فى إدارته , أو الرئيس فى دولته , وهنا تكون مسئولية التغيير كاملة أو شبه كاملة بناءا على مساحة السلطة المتاحة , بمعنى أن التغيير هنا سيكون باليد وباللسان .

·    الدائرة الثانية :له فيها رأى وليس له سلطة , كالمفكر والإعلامى وصاحب الرأى على المستوى العام , وكالموظف (غير القيادى ) فى محل عمله , والأبناء فى الأسره , وهنا يكون التغيير باللسان أو بالقلم أو بإبداء الرأى , أو بضغط الرأى العام , ولا يملك الشخص هنا القدرة على التغيير المباشر باليد لأنه لا يملك سلطة التنفيذ .

·    الدائرة الثالثة :وفيها لا يملك الشخص رأيا ولا سلطة , وهذه الدائرة إما أنها لا تهم الشخص أساسا لذلك لا يكون فيها رأيا ولا يسعى لسلطة , أو أنها تهمه ولكن محظور عليه إبداء الرأى أو ممارسة الفعل , وهذا المشهد الأخير يكون غالبا فى البيئة الإستبدادية سواء على مستوى الدولة أو مستوى الإدارة أو مستوى الأسرة حيث تصبح وسائل التعبير مغلقة فضلا عن وسائل التغيير . وحتى فى هذه الظروف لم تبرأ ساحة الإنسان من محاولة التغيير وهى التغيير بالقلب , والذى وصفه الحديث النبوى بأنه أضعف الإيمان , أى أنه الدرجة التى لا يصح الإيمان إلا بها , وهى إنكار المنكر واستنكار الفساد على مستوى القلب والمشاعر , وأهمية هذه الدرجة من الإنكار والإستنكار فى ظل ظروف القهر والإستعباد تبدو فى الإبقاء على جذوة الصلاح حية فى القلوب انتظارا للحظة مواتية للتغيير , وهذا الأمر هو بمثابة تعبئة فكرية ووجدانية وروحية ضد المنكر والفساد والظلم والطغيان , وهى ليست انسحابا أو هروبا أو سلبية وإلا لما سماها الحديث النبوى "تغييرا" , وإنما هى إعداد نفسى داخلى وتطهير للضمائر من قبول الفساد , وتجميع لضغط فردى داخلى يلتقى فى لحظة ما بضغط متجمع فى نفوس أفراد آخرين أنقياء أنكروا المنكر والفساد بقلوبهم ليخلق هذا ضغطا جماعيا يواجه الفساد والإفساد فى لحظة مواتية للتغيير . وفى الحديث النبوى يسمى هذا الإنكار التعبوى " جهاد القلب " ففى حديث رواه مسلم عن ابن مسعود – مرفوعا - : " ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته , ويقتدون بأمره , ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون , ويفعلون مالا يؤمرون , فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن , ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن , ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن , ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " .

من هذه الدوائر نرى أن لكل إنسان حظه فى مقاومة الفساد لأن الفساد مرتبط بالإنسان وبالحياة فى كل المراحل , فهو أشبه بالميكروبات والفيروسات التى تخترق الجسد فى كل لحظة وتحاول الفتك به , ولولا وجود جهاز المناعة فى الجسد الحى لهلك الناس جميعا .

ماذا بعد ؟ :

من السذاجة أن يتصور أحد أن بإمكان هذه الدراسة وضع حل للفساد يغطى كل جوانبه , ومع هذا سنحاول إعطاء بعض المفاتيح الأساسية تتصل غالبا بالبعد النفسى والإجتماعى للفساد .

دعنا نرى الفساد حين يصل إلى قمته لنرى كيف نتعامل معه وهذا يجعل التعامل مع الدرجات الأدنى أكثر سهولة . هناك سيناريوهات متعددة للفساد نذكر منها :

·    أن تنتبه النخبة الفكرية والثقافية والعلمية لما وصل إليه حال المجتمع من الفساد , خاصة أن هذه النخبة بتكوينها العقلى تكون قادرة على اجتياز عتبة المألوف اجتماعيا واختراق حاجز العتمة وتنبيه عموم الناس للخطر الذى لا يرونه , وبمعنى آخر تكون هذه النخبة عصيّة على الإستلاب الذى تمارسه السلطة على بقية الناس . ولا يكفى التنبيه , بل يحتاج لأن يتبعه تجميع سلمى لهذه النخبة , وإرادة ذات نفس طويل تجعل من العدد القليل منهم نواة يتجمع حولها كل الراغبين فى الإصلاح , ويجب أن تحتفظ هذه الدعوة بسلميتها وحياديتها وموضوعيتها وزهدها فى مكاسب السلطة أو المال , وحرصها الشريف على المصلحة العامة وسلامة الوطن . ومن خلال جهود هذه النخبة تزداد مساحة الوعى وربما تبدأ آليات أخرى داخل أحزاب أو نقابات أو مؤسسات أهلية فى المجتمع لتحدث ضغطا سلميا على المؤسسات السياسية بهدف الإصلاح الحقيقى , وتكشف فى ذات الوقت أى محاولات للتلفيق أو التحايل أو الخداع. قد يبدو هذا الحل رومانسيا ومبالغا فى التفاؤل , وهذا صحيح فقد تصبح هذه النخبة هدفا للسلطة القائمة تسعى لاسئصالها أو تشويهها أو استقطابها , وهذا ممكن فى حالة تلوث النخبة وضعفها .

·    أن يستمر الفساد ويتضخم ويصبح سرطانا يأكل بعضه بعضا فيفاجأ الجميع بانهيار مفزع فى أى لحظة تنهار معه أركان البنية الأساسية وتحدث الفوضى وتمر سنوات إلى أن يحدث تجميع مرة أخرى على برامج ورؤى ومنظومات جديدة .

·    أن يحدث انقلاب على السلطة من داخلها أو من قوة متربصة أخرى وتتحول مقاليد الأمور إلى قوة غامضة لا يعرف أحد نواياها وتوجهاتها , أى أن المصير يوضع فى يد المجهول .

·    أن يحدث تدخل خارجى مباشر (فى صورة احتلال كما حدث فى العراق) أو غير مباشر (بالضغوط والأعمال المخابراتية) لوضع خريطة جديدة للمجتمع تحقق فى الأساس مصالح القوى الخارجية وتشكل وصاية على الشعب وحكومته الجديدة العميلة فى الأغلب

·    أن تحدث هبّة شعبية عارمة تحت تأثير احتياجات أساسية محبطة (كالطعام والشراب والمسكن) , أو جرح للكرامة الوطنية أو مساس بالثوابت الدينية , وتكتسح الجموع الثائرة الغاضبة كل شئ فى طريقها , ولا يمكن التنبؤ بالنتائج فالأمر يخرج هنا عن إطار المنطق العقلانى إلى إطار سلوك الحشد , وأحسن الفروض هو أن تظهر قيادة تستطيع التحكم فى هذا الحشد الهائج بوعود إصلاحية وتغييرات أساسية يحلم بها ذلك الحشد , وقد تصدق هذه الوعود أو  لا تصدق , المهم هو صرف مارد الحشد الذى توحش وانتفض بعد صمت طويل  .

مراجع الدراسة :

·        القرآن الكريم

·        حمدى عبدالرحمن حسن (1993) . الفساد السياسى فى إفريقيا , الطبعة الأولى , دار القارئ العربى , القاهره  

·        يوسف القرضاوى (1994) . فتاوى معاصرة , الطبعة الثالثة , الجزء الثانى , دار الوفاء , المنصورة

·        فهمى هويدى (2007) . عن الفساد وسنينه , الطبعة الثانية و دار الشروق , القاهره

 

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

 
الصفحة الرئيسية

مستشفى ابو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الادمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

الرد على اسئلة القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية