الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأة والطب النفسى

 



مواقع مفيدة



احوال الطقس
اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



 

 
 

المعارضة .. من النفس إلى الكون

دكتور \ محمد المهدي

رئيس قسم الطب النفسي

جامعة الأزهر – فرع دمياط 

 

 إشكاليات التعريف والإيحاءات :

حاولت كثيرا أن أسأل معارفى وأصدقائى وغيرهم ممن ألقاهم مصادفة (على اختلاف توجهاتهم وثقافتهم )عن إيحاءات كلمة "معارضة" , وكانت الردود تدور حول المخالفة والإختلاف , والمشاغبة والمشاكسة , وحب الشهرة , والمظاهرات والعنف والإعتقالات , وقلب أنظمة الحكم , والخيانة , والمحاكم العسكرية , والمقالات العنيفة فى الصحف , والخروج على النظام العام , والقلة المارقة , وشق الصف , وتكدير الصفو العام , والصراع على السلطة , ومحاولة إثبات الذات بالإختلاف (خالف تعرف .. أو تضرب) , والخروج على الصف , والناس المغامرين , والمتهورين .... إلخ , ومن الملاحظ أن أغلب التعبيرات تدور حول معان سلبية (مع استثناءات قليلة) وكأنها استخدامات عصرية لنفس مقولة فرعون "إنهم شرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون" , ووصف الحكام المستبدين فى المراحل التاريخية المختلفة لمعارضيهم بأنهم "قلة مارقة" , وهذا يعكس سلبية مفهوم المعارضة أو تشويهه أو اختزاله فى الثقافة العربية , وربما يستغل البعض هذا المفهوم السلبى أو المختزل أو المشوه لعزل المعارضة فى كنتونات صغيرة غير فاعلة , ووصمها بالتهور وعدم المسئولية والنزق والطمع والإنحراف . ويبدو أن هناك مشكلة تاريخية لنا مع المعارضة فعلى مدار التاريخ كان ينظر إليها على أنها حركات مارقة أو أصوات نشاذ و أو خروج على الإجماع , أو خراف ضالة  تخرج عن القطيع فيأكلها الذئب , وهذا موقف ربما يحتاج لسنوات كى يتم تعديله فى الوعى العام .

  فإذا جئنا إلى مفهوم المعارضة من الناحية النفسية والعلمية والحياتية فإننا نجد أن المعارضة تعنى رفضا كاملا لإدارة السلطة  إذا ما كانت هذه السلطة غير شرعية , فهى لا ترضى منها بأى شئ وتسعى لزعزعتها من الأساس لكونها غير شرعية , ولا ترضى من هذه السلطة بأى تعديل  حتى ولو كان بعضه إيجابيا , فغياب الشرعية هنا عن السلطة يجعل المعارضة فى حالة رفض مطلق لا يقبل التفاهم , وهنا تكون المعارضة والسلطة فى حالة استقطاب وصراع شديد لأن كل منهما يسعى لاجتثاث الآخر من جذوره وتصفيته نهائيا , أى أن العلاقة هنا علاقة استعبادية واستبدادية واستبعادية من جانب السلطة وعلاقة رفضية اجتثاثية من جانب المعارضة , وهذا أسوأ نموذج للعلاقة بين السلطة والمعارضة ولا يستبعد فيه العنف بكل أشكاله , ويدفع المجتمع ثمنا باهظا جراء هذه العلاقة وذاك الصراع .

أما إذا كانت السلطة شرعية فإن المعارضة هنا تعنى رفضا لكيفية ما لتنفيذ إدارة السلطة أو سعيا إلى تحوير أو تعديل الكيفيات والوسائل التى تتم بها تلك الإدارة , والعلاقة هنا بين السلطة والمعارضة تكون منطقية وموضوعية , ومنضبطة بقواعد اللعبة السياسية القائمة على مبدأ التعددية وتداول السلطة بطريقة سلمية شفافة من خلال صناديق الإنتخابات , وبدلا من أن تتصارع السلطة والمعارضة لتصفية بعضهما البعض (كما فى النموذج السابق) نجد أن كلا من السلطة والمعارضة يتوجهان إلى المواطن (صاحب المصلحة الحقيقى) لإقناعه بما يريد كل منهما على أمل الحصول على ثقته فى أقرب انتخابات تصعد بهذا أو ذاك إلى موقع السلطة (المؤقتة بالضرورة) وليس إلى سدّة الحكم (كلمة سدّة هذه تعطى إيحاءات بسد الطريق على أى تيار آخر لتبادل السلطة ولهذا يكثر استخدامه فى العالم العربى لأسباب مفهومة) . وقد تستهجن المعارضة بناءا على تصور دينى يفترض السمع والطاعة لولى الأمر حتى ولو كان فاسقا ما دام لم يمنع الناس من الصلاة (كما هو المعتقد لدى طائفة من علماء الدين يدعمهم أو يدفعهم الحكام المستبدين لترسيخ هذه المفاهيم على أساس أن الفتنة الناتجة عن الخروج على الحاكم المستبد أشد خطرا من الإستبداد فى رأيهم أو رأى المستبد الذى يستثمر هذا الموقف فيعيس فى الأرض فسادا واستبدادا , ثم تحدث الفتنة بعد ذلك كنتيجة طبيعية للفساد والإستبداد فيدفع الناس ثمن الفتنة مضافا إلى ضريبة الفساد والإستبداد) , أو ينظر إلى المعارضة على أنها خروج على إجماع الأمة , أو يقرن بينها وبين مجموعات نالتها وصمة المروق الدينى أو السياسى أو الإثنين معا كالخوارج والمعتزلة والفرق الضالة أو المارقة . ونجد أن المستبدين على مدار التاريخ العربى يحبون أن تترسخ هذه المعانى لدى الناس فينظرون بريبة إلى كل مخالف أو معارض , ويستحضرون فى وعيهم بشكل تلقائى كل سمات المروق والعصيان والتمرد والفتنة .

 

 المعارضة داخل النفس :

يقول هنرى مرى فى وصفه للمنظومة النفسية داخل الشخصية : " الشخصية أشبه بمؤتمر كامل يضم عددا كبيرا من الأفراد , منهم الخطباء وجماعات الضغط والأطفال , ومنهم الغوغائيون والشيوعيون والإنعزاليون وتجار الحروب , وفيهم المستقل والمحافظ ومبتز الأموال ومقايض الأصوات , وبينهم أشباه قيصر والمسيح وميكيافيلى ويهوذا وبرومثيوس الثورى " .

فمن المعروف أن النفس ليست شيئا واحدا وإنما هى عدة كيانات تتناغم أو تتصادم أو تتكامل مع بعضها , وحصيلة تفاعل هذه الكيانات هو الذى يحدد حالة الصحة النفسية من عدمها , وقد اختلفت تسمية هذه الكيانات من مدرسة لأخرى , ففى مدرسة التحليل النفسى نجد ال"هو" (الجزء من الشخصية الملئ بالرغبات الجنسية والعدوانية غير المقبولة اجتماعيا) , وال"أنا الأعلى" (الجزء من الشخصية الذى يحتوى على القانون الدينى والأخلاقى ويهتم بموضوعات الحرام والحلال والصحيح والخطأ من المنظور الأخلاقى ) , وبين هذين الكيانين المتباعدين يوجد "الأنا" (وهو الجزء الوضوعى المحايد فى الشخصية فهو يهتم بالحقائق الموضوعية ويركز على الجوانب الواقعية وعلى حسابات المكسب والخسارة , ويقوم بالتوفيق بين رغبات الأنا المندفعة والخطرة والمرفوضة اجتماعيا وبين احتياجات الأنا الأعلى وواقع المجتمع , أى أنه يشكل عامل التوازن داخل الشخصية ) . والتركيبة النفسية للشخصية تتوازن بوجود هذه الكيانات فى حالة توازن وتفاعل , فإذا طغت إحدى هذه الكيانات على الأخرى أو استبعدتها أو أضعفتها هنا ينتج الإضطراب , فمثلا إذا طغى ال"هو" وجدنا الشخص منفلتا نزويا عابثا أو عدوانيا , وإذا طغى الأنا الأعلى وجدناه متشددا متعصبا صارما متجهما مكبلا وكابتا لقوى النفس و وإذا طغى ال"أنا" وجدنا الشخص يميل إلى الحلول الوسط ويتحول إلى شئ اشبه بالكومبيوتر لا حياة فيه ولا لون ولا طعم , وكأنه مجموعة حسابات وأرقام ليس إلا . أما إذا أتيحت الفرصة لهذه القوى ولكيانات أن تعمل بتوازن وتكامل فنحن أما شخصية متوازنة ومتعددة الأبعاد ذات لون وطعم مميز .

وفى مدرسة التحليل التفاعلاتى للعالم النفسى "إريك برن" نرى النفس تتكون من ثلاث كيانات هى الطفل والوالد والراشد , فذات الطفل تحوى الرغبة فى الحركة والإنطلاق والعفوية والإبداع , وذات الوالد تميل إلى الضبط والربط والإلتزام بالقواعد الدينية والأخلاقية , وذات الراشد تميل إلى الواقعية والموضوعية , ويحدث التوازن فى الشخصية من خلال تبادل الأدوار بين هذه الذوات المختلفة حسب ما تقتضيه المواقف والظروف , فإذا كنا فى عيد أو نزهة فإن ذات الطفل تنشط لتواكب ظروف الفرح والبهجة والإنطلاق , إما إذا كنا فى موقف تربوى فى المدرسة أو المسجد أو البيت فإن ذات الوالد تنشط لدى المربى , فإذا ذهبنا للعمل نحتاج ذات الراشد الموضوعية الواقعية لتضبط حركة الإنتاج بحسابات المكسب والخسارة , وهذه الذات –أى ذات الراشد – هى عامل التوازن فى الشخصية حيث تتسم بالنضج والتروى والقدرة على ضبط إيقاع الحياة بعيدا عن نزق الطفل وتحكمات الوالد .

وفى التصور الإسلامى هناك النفس الأمارة بالسوء (المشحونة بالرغبات والشهوات والمندفعة نحوها ) , والنفس المطمئنة التى توازنت فيها القوى وتناغمت حركتها ورضيت عن الله ورضى عنها الله وأعطت للدنيا حجمها وحقها وللآخرة أيضا حجمها وحقها , وتطلعت إلى معالى الأمور وتنزهت عن الدنايا , وأخذت من الحلال ورضيت به وتعففت عن الحرام وعافته , ثم تأتى النفس اللوامة وهى نفس تتأرجح بين رغبات النفس الأمارة بالسوء واضطراباتها وبين رضا وسكينة النفس المطمئنة . والإنسان تتناوبه تلك الأحوال من وقت لآخر وتتوقف صحته النفسية على قدرته على إدارة المنظومة الشخصية بين هذه القوى بعضها البعض , أما محاولات الإستبعاد أو الإلغاء أو التنكر لجزء من أجزاء الشخصية فإن نتيجته اضطرابا نفسيا بشكل أو بآخر لأن ثمة نوع من التوازن المطلوب بين القوى المختلفة يخلق تنوعا وانسجاما فى داخل النفس .

وهناك تصور للخريطة النفسية على أنها تتكون من ثلاث دوائر : دائرة المعرفة (تحوى الأفكار والنشاطات العقلية المجردة) , ودائرة العاطفة (تحوى المشاعر والوجدانات والإنفعالات) , ودائرة السلوك (تحوى كل أنواع السلوك من حركة وكلام) . ولكى يكون الإنسان صحيح نفسيا يجب أن نرى توازنا بين هذه الدوائر وتناغما وتبادلا للأدوار حسب الظروف والمواقف والملابسات , ففى المواقف العقلانية الذهنية نجد أن دائرة المعرفة تتولى قيادة الشخصية , وفى المواقف العاطفية تتراجع دائرة المعرفة بطواعية ومرونة وتترك المجال لدائرة العاطفة , أما حين يكون الكلام أو الحركة مطلوبان لذاتهما أو للتعبير عن دائرتى المعرفة والعاطفة فإن دائرة السلوك تتقدم لتقوم بالمهمة , وكل هذا يحدث فى توازن وتناغم ومرونة وسلام . أما إذا استبدت دائرة منهم – أيا كانت – بالظهور فإن ثمة اختزال يحدث فى الشخصية يجعلها ناقصة أو مبتورة أو مشوهة , وهنا يحدث المرض أو أحادية الرؤية أو الوجود , وهى أشياء عكس الفطرة التعددية فى النفس البشرية , فمثلا إذا استبدت دائرة المعرفة نجد أن الشخص عقلانيا مجردا أكثر من اللازم , لذلك يفقد مذاقه كإنسان متكامل , أما إذا طغت دائرة العاطفة فنجده حماسيا وانفعاليا أكثر من اللازم مما يجعله فى دائرة الإندفاع والتهور , أما إذا طغت دائرة السلوك فنجده يهتم بالكلام والطقوس والمظاهر الخارجية على حساب المعنى العميق وعلى حساب الوجدانات التى تعطى لونا وطعما للأشياء . وهكذا سنة الله فى النفس (كما هى فى الكون والحياة) أن تكون هناك قوى وكيانات مختلفة ومتعددة تتبادل الأدوار والقيادة والتوجيه والتأثير , وذلك يضمن للحياة التناغم والسلام والإستقرار , أما فى حالة استبداد كيان واحد بالسيطرة على النفس فإن الكيانات الأخرى قد تضمر وتموت وتترك الكيان المستبد يأكل بعضه بعضا حتى يموت مثل خلايا السرطان الجامحة والطامعة , أو أن هذه الكيانات المستبعدة تكمن وتنتظر الفرصة للإنقضاض على الكيان المستبد وقهره , أو تحدث انشقاقات وتصدعات فى الشخصية من وقت لآخر تعبر عن أزمة داخلية لم تجد حلا تكامليا أو صيغة للتعايش بين قوى النفس المختلفة التى خلقها الله وشاء لها أن تؤدى وظائفها داخل المنظومة النفسية .

  

شرعية السلطة وشرعية المعارضة :

   قد تقوم السلطة على شرعية دينية (الحكم بأمر الله أو بتفويض من الله كما يدّعى الحاكم) , أو على شرعية ثورية (مبنية على تخليص الشعب من سلطة استعمارية أو حاكم ظالم) أو على شرعية قبلية (أقوى القبائل شكيمة هى التى تحكم) أو على شرعية القوة(من يملك الجيش هو الذى يحكم) أو على شرعية دستورية (من خلال أحكام الدستور وصناديق الإنتخابات), أو على شرعية تلفيقية تزويرية (من خلال شكل دستورى مزيف وعن طريق انتخابات تم تزويرها) . والسلطة الشرعية الدستورية هى أكثر السلطات موضوعية وواقعية وتوازنا وأقربها لتحقيق السلام الإجتماعى والتوازن بين قوى الشعب المختلفة لأنها تسمح بالتعبير المتوازن لكل القوى والطوائف التى يتشكل منها المجتمع , أما بقية الشرعيات الأخرى فهى تفتقد لهذه الموضوعية وتفتقد لحالة التوازن ولقيمة العدل , ولذلك تجدها فى حالة توجس ويسيطر عليها الهاجس الأمنى بشكل دائم ,كالقطة الشرسة التى خطفت قطعة لحم وتعرف أن هناك من يطاردها , فتجد مبالغة فى إظهار القوة (عربات الأمن فى كل مكان تحمل جحافل الجنود المدججين بالسلاح) والبطش السلطوى (عمليات الإعتقال والتعذيب وانتهاك الأعراض.. وتعمد إظهار ذلك وشيوعه لدى الناس بصرف النظر عن ثمنه السياسى داخليا أو خارجيا) , وتجد توقفا تاما عن ممارسة السياسة بقوانينها ووسائلها والإكتفاء بالضبط الأمنى والضغط الأمنى والتوجيه الأمنى , فالمفهوم السائد هنا عن الشعب أنه قطيع , والقطيع لا يساق إلا بالعصا .

أما شرعية المعارضة فتأتى من رغبة حقيقية لدى الناس فى تغيير السلطة (إذا كانت غير شرعية) أو تعديل كيفية ممارستها للسلطة (إذا كانت شرعية) .  وعلى الرغم من أن المعارضة تتشكل من النخبة غالبا إلا أنها لكى تقوى وتنجح لابد وأن تكون معبرة عن أشواق واحتياجات قطاع مهم من الجماهير يشكلون الدعم والحماية لها من محاولات بطش السلطة . أما إذا كانت المعارضة تشكل فقط رؤية النخبة دون جذور جماهيرية فإن ذلك لا يمنحها شرعية مهما كان بريق أفكارها ومبادئها . وهذا يطرح سؤالا مهما : هل تبدأ المعارضة من القمة أم من القاعدة ؟ والجواب هو أن تفاعلا ما غير منظور يحدث بين القاعدة والقمة , فالقمة تستشعر رفضا معينا لبعض الأوضاع فتقوم هى ببلورة هذا الرفض وتنشيطه لدى القاعدة , ثم تشكل مسارات تستقبل فيها جهود القاعدة ومساهماتها وتقود العمل نحو إحداث ضغط على السلطة يكفى لأن تغير السلطة فى نفسها أو تتغير بالكامل . ولكى تحافظ المعارضة على شرعيتها فإنها مطالبة بأن تلتزم بقواعد اللعبة السياسية والإجتماعية وأن لا تستجيب لاستفزازات السلطة بهدف جرها إلى ممارسات غير شرعية وبالتالى تجد السلطة مبررا لتصفيتها , وهذه تكاد تكون أهم وسيلة

 تستخدمها السلطة لتصفية معارضيها وتجريدهم من شرعيتهم , وقد تلجأ إلى الكذب أو التلفيق أو تستغل أخطاء المعارضة أو تدفعها لارتكاب الأخطاء المبررة لاجتثاثها بدعوى خروجها على الشرعية .

والمعارضة فى حقيقتها ليست خروجا على الشرعية أو خيانة أو تآمرا أو عصيانا أو تمردا (كما تحب السلطة المستبدة أن تسميها أو تصفها ) , ولكنها فى الحقيقة جزء مهم من منظومة الشرعية , لا يحدث التوازن السياسى أو الإجتماعى بدونه , فالرأى لا تتضح قيمته وأهميته وصوابه من عدمه إلا بوجود الرأى الآخر الذى يعضده أو يفنده أو يعدله أو يعارضه , كل ذلك بعيدا عن التآمر أو الخيانة أو العصيان أو العمل السرى الذى يعطى السلطة المستبدة وغير المستبدة الحق فى تصفية المعارضة أو قمعها أو تشويهها .

والمعارضة فى مفهومها السوى هى حوار بين كيان ناضج وكيان ناضج آخر يختلفان فى الرؤى والمفاهيم والممارسات ويتنافسان فى تقديم الأفضل للجماهعير صاحبة المصلحة العليا , أما فى الأوضاع غير السوية , فإن العلاقة تكون بين سلطة والدية (تدعى ملكية الحق والحقيقة والتوجيه المطلق) ومعارضة تأخذ دور الطفل المتمرد الساخط المنفلت , والذى يعطى التبرير للسلطة الوالدية لقمعه (راجع نموذج مسرحيتى مدرسة المشاغبين والعيال كبرت لترى العلاقة – فى شكل كوميدى – بين سلطة والدية مستبدة وغير منطقية وبين ذات أو ذوات طفلية غير ناضجة تعطى للسلطة الوالدية المبرر للوصاية الدائمة عليها ).

وشرعية المعارضة تبدأ من البيت حيث يتربى الأولاد والبنات على أن لهم الحق فى إبداء آرائهم بحرية وبشكل بناء مع الإحتفاظ بواجب الإحترام للأبوين ككبار لهما تجربتهما وسلطتهما الأبوية , وينتقل هذا المبدأ إلى المدرسة فيستشار الطلاب فى الكثير من أمور العملية التعليمية دون انتقاص من حق المدرسين والمديرين والموجهين اصحاب العلم والخبرة , ويتصاعد هذا النموذج المحترم للرأى والرأى الآخر إلى كافة المؤسسات حتى يصل إلى المؤسسة السياسية فى صورته الناضجة الراشدة . وبدون ذلك النمو الطبيعى والتصاعد الهرمى الراسخ يصبح بناء المعارضة محاطا بالكثير من الشكوك , وهذا هو الوضع القائم فى مجتمعاتنا العربية , فالشعوب تتطمح إلى الحرية والتعددية والمساواة والعدل على المستوى السياسى الأعلى فى حين تفتقد كل هذه القيم على كل المستويات بدءا من الأسرة مرورا بالمدرسة والمسجد والكنيسة وأماكن العمل والمؤسسات والأحزاب الشكلية (فى حالة وجودها) والجماعات.

والنظم الإستبدادية قد تحرم مجموعات معارضة من الشرعية (من خلال حظر نشاطها أو تجريمه ووضعها تحت سيف القانون المدنى العادى أو قانون الطوارئ أو القانون العسكرى) وبذلك تدفعها للعمل السرى الذى قد يتحول فى أى وقت إلى عنف وتمرد وعصيان , وقد يجر المجتمع إلى حالة صدام بين العنف والعنف المضاد , وصراع غير سلمى على السلطة يدفع المجتمع كله فيه ثمنا فادحا . وهذا ما يجعل مبدأ المعارضة الشرعية تحت مظلة الدستور (وليس مظلة السلطة ورؤيتها فقط ) أساسا هاما فى استقرار المجتمعات .  وقد ثبت عمليا أن المجتمعات التى أسست بناءها السياسى والإجتماعى على مشروعية السلطة والمعارضة هى المجتمعات الأكثر استقرارا والأكثر شفافية والأكثر عدلا والأقل فسادا , والعكس صحيح فى المجتمعات التى ترفض المعارضة أو تخونها أو تلجمها أو تسحقها .

 

دوافع المعارضة :

* المعارضة من أجل المعارضة : ويلجأ لهذا النوع شخصيات معينة يمكننا تقسيمها إلى عدة أنواع :

1- الشخصية النرجسية : وهو شخص محب لذاته ومعجب بها ويشعر أنه متفرد وأنه جدير بالشهرة والمكانة لذلك يسعى لنيلهما من خلال تبنى موقف معارض يمنحه تميزا وتفردا وتألقا .

2 – الشخصية الهستيرية : يهتم صاحبها بالإستعراض وجذب الإهتمام والإثارة حتى ولو كلفه ذلك مواجهة المتاعب من سجن أو تشهير , فهو فى النهاية يحقق أهدافه من الشهرة وتسليط الأضواء  

3- الشخصية البارانوية : وهى شخصية تشعر بالإضطهاد والظلم دائما و وتميل إلى الشك وسوء الظن , وتكره السلطة – أى سلطة – وتقاومها باستماتة .

4 – الفئات المحبطة والمهمشة : خاصة من الشباب الذين يفتقدون لفرص العمل وفرص الترقى فيصيبهم الإحباط والغضب من السلطة القائمة التى يشعرون أنها السبب فى معاناتهم , فيأخذون موقف المعارضة تعبيرا عن غضبهم وسخطهم وربما بحثا عن فرصة لتحقيق ذواتهم المنسحقة أو المهمشة أو المستبعدة , فهم قد فشلوا فى تحقيق أحلامهم وفشلوا فى الإندماج فى المجتمع , ولم يبق أمامهم إلا تصدير إحباطاتهم وصراعاتهم إلى الخارج من خلال اللإشتباك مع السلطة ورموزها ومؤسساتها بصرف النظر عن نتائج هذا الإشتباك .

والمعارضة فى هذه الحالات تكون سطحية وبدائية وغير ناضجة ومشتتة ويمكن شراءها أو ترويضها أو احتواءها أو ابتزازها من قبل السلطة .

* المعارضة من أجل إسقاط السلطة  : وهذا النوع من المعارضة يجمع الساخطين والغاضبين من تيارات مختلفة فيعملون على حشد الجماهير لهدف واحد فقط وهو إسقاط السلطة التى يعتبرونها فى نظرهم غير شرعية أو ظالمة أو فاسدة , وهذا الهدف يستغرقهم تماما بحيث لا يفكرون فى احتمالات البدائل , وهل ستكون أفضل أم أسوأ من السلطة القائمة . والدافع الوحيد لهذه المعارضة هو الغضب والسخط على السلطة القائمة والرغبة فى تغييرها مهما كان البديل لها حتى ولو كان الشيطان نفسه فهو فى نظرهم أفضل من الوضع القائم .

* المعارضة من أجل الإصلاح : وهى لا تسعى إلى تغيير السلطة القائمة بقدر ما تسعى إلى تعديل وتطوير وتحسين أداءها من خلال ما تبديه من ملاحظات وانتقادات , ولكن هذا النوع من المعارضة قد يتحول إلى الرغبة فى إسقاط السلطة القائمة لكى يحل محلها فى حالة يأسه من تعديل مسارها أو إصلاح حالها .

* المعارضة من أجل الوصول للحكم : وهى معارضة لا تهتم بطبيعة النظام القائم وفساده أو صلاحه وإنما تهتم بكيفية الوصول إلى كرسى الحكم , ولهذا تتصيد الأخطاء للسلطة القائمة لإبعادها عن السلطة وتسلم مقاليد الحكم منها . وقثد يكون الدافع لذلك براجماتيا أو قبليا أو طائفيا أو دينيا .

* المعارضة من أجل التوازن والتكامل : وهى وضع مثالى للمعارضة قد لا يوجد كثيرا فى الواقع , فهى تهتم بصلاح الأمور بصرف النظر عمن يديرها ولديها القدرة على احترام وتقدير إيجابيات السلطة فى الوقت الذى تنتقد فيه بموضوعية سلبياتها وأخطائها , وهى لا تنتقد فقط وإنما تطرح البدائل والحلول الواقعية مدفوعة بالحرص على المصلحة العامة . وهذه المعارضة تكون على درجة عالية من الفهم والإدراك وبالتالى يكون تأثيرها أقوى فى السلطة التى تعارضها وكذلك فى تشكيل الرأى العام للمجتمع الذى تنتمى إليه . والمعارضة التكاملية لديها المرونة والجاهزية للإنتقال من موقع المعارضة إلى موقع السلطة ثم العودة بعد ذلك إلى موقع المعارضة حسب ما تقتضيه المصلحة العامة وتوازنات القوى والمصالح .   

 المعارضة بين الهدم والبناء :

يقول جون كينيث فى كتابه "تشريح السلطة" (ترجمة عباس حكيم , ص 99-100 ,دمشق 1994) : " قد لا يكون أمرا عاديا على الدوام أن يتبادر إلى ذهن الفرد بصورة فورية البحث عن وسائل مقاومة السلطة التى لا يرغبها , وكيف يتمكن من حلها وتفكيكها – يعلن بأن ممارستها غير ملائمة وغير شرعية وغير دستورية , وظالمة أو شريرة , ويجب أن يتم لجمها , أو منعها من الممارسة , فالحكومة متسلطة جدا , ولهذا يجب أن تكون أقل حجما وأقل تدخلا فى شئون المواطنين , وأقل هيمنة – أى أن شيئا ما لابد من فعله كى تخف سيطرتها .. هذا ما يبدو أنه رد الفعل الأول المنطقى على السلطة . أى أن المرء يسعى إلى أن يحد من ممارستها , أو يمنعها كلية , ومع هذا فليس ذلك هو الرد الذى يلجأ إليه الناس عموما على الصعيد العملى , كما أنه ليس الرد الذى يجده المقاومون للسلطة أجدى من غيره , إنما الرد الفعّال والأكثر تداولا على ممارسات سلطة غير مقبولة هو العمل لإنشاء موقف مضاد لها " .

ومن هنا نفهم بأنه ليس كافيا أن تنتقد المعارضة السلطة وممارساتها ورموزها ليل نهار , ولكن لا بد من أن يكون لدى المعارضة تصورا بديلا يغطى كافة أو أغلب العناصر التى يحتاجها الناس لقيام حياتهم , فالناس بطبيعتهم يخشون التغيير خاصة إذا كان نحو مجهول , وهم على استعداد لتحمل وقبول السلطة القائمة بأخطائها ومظالمها وحتى فسادها  إذا كان البديل هو الفوضى أو المجهول . إذن فالمعارضة لا تنجح أبدا بمجرد انتقادها للأحوال القائمة (كما هى العادة فى المعارضة الصحفية أو الإعلامية عموما) , ولكنها تنجح إذا فعلت ذلك إضافة إلى تكوين تصور واضح لبديل السلطة من البرامج والمؤسسات والقيادات ( وهذه مهمة الأحزاب وجماعات الضغط ذات الرؤية التكاملية والقدرة على إعطاء البديل العملى الواقعى الذى يحمى من الفوضى ومن المجهول . ولهذا نجد كثير من النظم لا تقلق أبدا من المعارضة الصحفية أو الإعلامية لأنها تعرف أنها غير قادرة – مهما بلغت حدتها – على تغيير النظام أو تعتعته , خاصة إذا كانت السلطة قادرة على تفكيك أو تفجير أو لجم الأحزاب والجماعات القادرة على طرح البديل العملى للسلطة . بل إن الإنتقاد الإعلامى للسلطة قد يفيدها من حيث يعطى صورة ديموقراطية خادعة يستفيد منها النظام فى تحسين صورته داخليا وخارجيا . وقد يقول قائل بأن الإنتقاد الإعلامى ينشط وعى الناس ويهيئهم للمطالبة بالتغيير والسعى إليه , وهذا صحيح إلى حد ما ولكنه غير كاف للتغيير مهما طال به الأمد مالم يتبلور ويتجمع فى صورة برامج ومؤسسات وآليات بديلة للسلطة أو ضاغطة عليها أو متحاورة معها من منطق القوة السياسية أو الإجتماعية

 

أنماط المعارضة :

* الفردية مقابل الجماعية : قد تكون المعارضة فردية يبدأبها شخص , وقد يتجمع الناس حوله فتتحول لمعارضة جماعية , وقد يظل فردا يحاول أن يوقظ الناس وينقى وعيهم الذى لوثته السلطة , وقد تكون جماعية صادرة عن حزب أو مؤسسة أو جماعة ضغط . ولا تصبح المعارضة ذات قوة مؤثرة ومغيرة إلا إذا وصلت إلى حشد عدد من المؤيدين يشكلون الكتلة الحرجة التى تشعر معها السلطة أنها مجبرة على تغيير ممارساتها أو مجبرة على التسليم والرحيل محققة التداول السلمى أو غير السلمى للسلطة .

* الموضوعية مقابل الحماسية : وقد تكون المعارضة موضوعية قائمة على أسس واقعية ولديها بدائل عملية للتغيير , وقد تكون عاطفية تلعب على مشاعر الناس بالشعارات الرنانة الجوفاء وبالحديث فى العموميات والأحلام .

* الصواب مقابل الخطأ : وقد تكون المعارضة صائبة تقوم على مبادئ وقيم صحيحة سياسيا واجتماعيا , وقد تكون مخطئة ولكنها تستغل فساد السلطة ونفور الناس منها وضيقهم بها , فتقدم نفسها للناس بأنها بديل أقل فسادا وأقل خطأ , وربما يقبلها الناس كأمر نسبى أو كرغبة للتخلص من السلطة بأى ثمن .

* الغيرية مقابل الأنانية : وقد تقوم المعارضة لخدمة الناس وإيقاظ وعيهم ودفعهم للتغيير الإيجابى الذى يعود عليهم جميعا بالنفع , وقد تكون ذاتية أنانية تسعى للتغيير الذى ينفعها هى كحزب أو طائفة أو جماعة ضغط .

* العلنية مقابل السرية : وقد تكون علنية شفافة وقد تكون سرية تعمل تحت الأرض , أو قد تكون ذا طبيعة مزدوجة بحيث يكون لنشاطها شق علنى تخاطب به الناس وشق سرى تدبر فيه أمورها وتقوى من شوكتها خاصة إذا كانت تواجه سلطة استبدادية غير شرعية .

* السلمية مقابل العنيفة : وقد تكون المعارضة سلمية تمارس نشاطها من خلال القنوات المشروعة بعيدا عن كل أشكال العنف المباشر أو غير المباشر وقد تكون غير ذلك بحيث تستخدم كل الوسائل لزعزعة أركان السلطة التى تراها من وجهة نظرها غير شرعية .

* الناضجة مقابل الهوجاء : وقد تكون المعارضة ناضجة تعرف ما تريد وكيف تصل إليه بخطوات محسوبة , وتستثمر كل المواقف لتأكيد وجودها وحقها فى تغيير السلطة أو تعديل مسارها , وقد تكون هوجاء مندفعة تعبر عن ردود أفعال لممارسات السلطة دون أن يكون لها خط واضح للفكر والفعل المتراكم .

* التغيير الإيجابى مقابل الظهور والشهرة : وقد تكون المعارضة منطلقة من رغبة حقيقية للتغيير الإيجابى وقد تكون منطلقة من رغبة فى الظهور والشهرة والتميز الفردى أو الجماعى .

وكلما كانت المعارضة جماعية وموضوعية وناضجة وصائبة وذات جذور شعبية قوية ولديها نفس طويل فى التغيير وسلمية وعلنية وشرعية (بمعنى استنادها إلى مطالب جماهيرية وليست الشرعية الممنوحة من النظام فقط والذى ربما يكون هو نفسه غير شرعى ) كلما كانت احتمالات نجاحها فى مهمتها أكثر تأكيدا حتى ولو طال الوقت .

 

 

المعارضة سنة كونية :

الحرية هى الأصل فى الوجود الإنسانى , وقد تفرد الإنسان بها من بين المخلوقات , فقد خلقه الله قادراً على فعل الخير وفعل الشر ­) إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ( (الإنسان 3) )وهديناه النجدين ( (البلد : 10) , وأعطاه حرية الاختيار كاملة , ومنحه الإرادة لفعل هذا أو ذاك ثم جعله مسئولاً عن خياراته فى الدنيا وفى الآخرة . وبهذا التكوين الحر الناضج المسئول استحق الإنسان التكريم على سائر المخلوقات . ولم يضمن الله الحرية للإنسان فقط بل ضمنها أيضاً لإبليس فمنحه الفرصة للاعتراض على أمر السجود لآدم ولم يشأ سبحانه أن يقهره على السجود , ولو أراد لكان فلا راد لأمره , ولم يكتف بذلك بل منحه فرصة إلى يوم القيامة يمارس فيها دوره الذى ارتضاه لنفسه فأسس حزب الشيطان والذى أنضم إليه ملايين من الأنس والجن بكامل حريتهم .

          وأرسل الله الرسل تترى إلى البشرية ليبلغوهم كلمة الله وليؤسسوا حزب الرحمن الذى يضم المؤمنين من الإنس والجن , وليصححوا للناس معتقداتهم , ولينشروا الحق والخير والعدل فى الأرض فى مواجهة حزب الشيطان الذى ينشر الباطل والشر والظلم فى الأرض , ومع هذا فقد علم الله رسله درساً هاماً فى الحرية فى أعلى مستوياتها وهى حرية الاعتقاد الدينى حيث قرر بوضوح لا لبس فيه أنه :  ) لاإكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى , فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ( [البقرة : 256] .

وسيدنا نوح عليه السلام لم يشأ أن يقهر ابنه على الاعتقاد فيما يعتقده ولكنه حاوره وحذره ثم تركه يقرر ما يريد رغم علمه بأن ما يريده ابنه فيه هلاكه فى الدنيا (الغرق) وهلاكه فى الآخرة (جهنم) , ولكن نوحاً يعلم مراد الله من البشر ويعلم قيمة الحرية التى منحها الله الإنسان حتى إذا عبده كان ذلك عن طواعية وحب وليس عن قهر وخوف .

 والحرية على المستوى النفسى ضرورة للنمو النفسى الطبيعى ولتطور الوظائف النفسية وبالتالى لنمو وتطور الحياة , فهى التى تعطى فرصة للتفكير الحر وللإبداع الحر وللعمل الخلاق الذى يثرى الحياة وينميها ويطورها .

ومن هنا يصبح الاستبداد مرضاً  واضطراباً نفسياً لكل من المستبد ( بكسر الباء ) والمستبد ( بفتح الباء ) به فهو يشوه الطرفين ويشوه البيئة ويلوثها بكل أنواع الفساد . ولهذا نجد أن الأديان السماوية والحركات الإصلاحية الفلسفية والاجتماعية والسياسية حرصت فى كل مراحل التاريخ على علاج هذا المرض العضال الذى يعصف دائماً بمكتسبات الحضارة الإنسانية ويحدث – كما ذكرنا – تشويها لفطرة البشر وتلويثاً للبيئة الإنسانية بكل ألوان الانحراف والفساد , فالاستبداد هو مصدر الكثير من المفاسد الفردية والجماعية .

ولا حرية بدون القدرة على الإعتراض والتعبير عن الرأى الآخر مهما كان , على أن يتحمل الإنسان مسئولية رأيه وخياراته , وقد أقرت آيات القرآن الكريم بشكل واضح ومباشر سنة كونية فى علاقات البشر وهى الإختلاف , ووضعت القواعد لجعل هذا الإختلاف إيجابيا حتى لايفنى البشر بعضهم البعض . يقول تعالى :       

"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين " (البقره251)

" ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز ط (الحج 40)

"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " ( هود 118, 119) .

وعن أبى موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إن فى جهنم واديا , وفى الوادى بئر يقال له هبهب , حق على الله أن يسكنه كل جبار عنيد " (رواه الطبرانى بإسناد حسن ) .

وعن معاوية أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :" ستكون أئمة من بعدى يقولون فلا يرد عبليهم قولهم , يتفاحمون فى النار كما تفاحم القردة " (رواه أبو يعلى والطبرانى , وذكره فى صحيح الجامع الصغير ) .

فالرأى والرأى الآخر سنة كونية , ومطلب شرعى لتتوازن الرؤى وتتحقق المصالح ويدفع الفساد .

ويتبدى التوازن فى كل شئ فى خلق الله فما من شئ إلا وله ضد يقابله أو ويتكامل معه , فالسالب يقابله الموجب , والذكر يقابله الأنثى  , والحياة يقابلها الموت , والجنة يقابلها النار .... وهكذا .

 

ثقافة المعارضة :

قد يبدو تعبير "ثقافة المعارضة" عصريا إلى حد ما , ولكنه فى الحقيقة ليس جديدا على التراث الدينى أو التراث العلمى , ففى التراث الدينى يوجد ما يسمى بفقه الإختلاف , وعلى أساسه نشأت رؤى وتيارات بين الصحابة رضوان الله عليهم أثرت الحياة العلمية والإجتماعية والسياسية فى المجتمع الإسلامى فى فترات اذدهاره , ويكفى أن تفتح أحد كتب التفسير لتجد المؤلف أو المصنف يعرض تفسيرات متعددة للنص القرآنى تعطى زوايا مختلفة للفهم , وقد بنى على ذلك نشأة المذاهب الأربعة وغيرها ونشأة الفرق الإسلامية على اختلاف توجهاتها , وعلى الرغم من كل هذا كان تيار الحضارة الإسلامية قويا متدفقا لما يزيد على ألف ومائتى سنة لا يوقفه فساد أمير أو خروج حاكم عن الجادة أو انحراف مفكر أو خطأ مجتهد , لأن القاعدة العلمية الرحبة والقائمة على التعددية والتكامل واحترام قواعد الإختلاف والمبادئ الدينية كانت تشكل الوعى العام وتؤثر فى حركة الجماهير أكثر مما يفعل الحكام أنفسهم , فعلى الرغم من الإستبداد السياسى فى بعض المراحل التاريخية كانت هناك تعددية علمية وفقهية تخلق وراءها تعددية شعبية متوازنة ومتسامحة ومتبادلة التأثير فى المسار الحضارى .

أما فى التراث العلمى الحديث فتعود جذور ثقافة المعارضة إلى منهج التفكير العلمى الذى يعرض الأفكار لعملية تمحيص من خلال التفكير النقدى الذى يرى الوجه والوجه الآخر ويعطى فرصة لدراسة البدائل والإحتمالات , حتى لا ينساق العقل وراء بعد واحد أو رؤية واحدة أو تفكير خرافى أو سحرى , أو عمليات استلاب يقوم بها شخص قادر على الإيحاء أو الإستهواء أو القمع الفكرى .

ونحن للأسف الشديد فى تربيتنا الأسرية وفى مناهجنا الدراسية وفى طرق التعليم والتربية , وفى إدارة مؤسساتنا من أدناها إلى أعلاها نبعد كثيرا عن ثقافة المعارضة , بل نعتبرها خروجا على الطاعة وخروجا على الإجماع وربما سوء أدب أو سوء أخلاق , أو خيانة , أو تمرد , ومن هنا سادت النزعة الفردية فى التوجيه الأسرى والتوجيه المدرسى والتوجيه المؤسسى , ونشأت ثقافة القطيع التى تضع مقاليد الأمور فى يد شخص يسوق بقية الأفراد إلى حيث يرى أو يريد , وهذا قمة الإمتهان والظلم الإنسانى لأنه يجرد الإنسان من إنسانيته , ويجعله أقل من الشيطان الذى نال حقه فى الإختلاف الذى وصل إلى التمرد والعصيان , ويجعل الفرد المستبد يأخذ حقا يتطاول به على مقام الإله جل وعلا والذى منح الشيطان هذا الحق وأمهله إلى يوم القيامة .

دكتور / محمد المهدي
 


أعلى الصفحة

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

 للاطلاع على الاجابات الاخرى اضعط هنا

 

 

المشرف على الواحة

 د.محمود أبو العزائم

مستشار الطب النفسي

 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

البحث
مشاكل القراء
الرد على أسئلة القراء

 

مستشفيات

د.جمال أبو العزائم

 للطب النفسي

 

 

دليل المواقع النفسية العربية