الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

 

امراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى

 

 



 

مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
تحويل العملات
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام




مجلة النفس المطمئنة

 

شخصية السفّاح

 دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

 

يجتاح الرعب مرة أخرى منطقة المعادى ( التى كانت قبل ذلك هادئة وراقية ) بعد أن طعن السفّاح الضحية رقم 5 فى بطنها يوم 16/1/2007 أثناء خروجها من العمل , وكان السفاح فى هذه المرة يرتدى قناعا على وجهه وطعن الضحية ب " كاتر " . وفى اليوم التالى تم تجديد حبس التوربينى زعيم عصابة اغتصاب وقتل الأطفال 15 يوما أخرى على ذمة التحقيق ومعه عدد من أفراد العصابة وهم ( لاحظ أسماءهم جيدا ) : " بوقو " و " حناطة " و "شعيشع" و "السويسى" و"الجزار" و"بزازه" .يبدو من الأسماء انتماء هؤلاء الأشخاص إلى مجتمعات المهمشين والمسحوقين والطبقات الدنيا فى المجتمع , وسوف يكون لذلك أهمية فى خطط الوقاية والعلاج وفى التفكير فيمن يرتكب جرائم مثل هذه قبل الوصول إليه .

وأكثر ما نخشاه أن يتم تسوية الأمر بالقبض على أحد المرضى النفسيين المتجولين فى شوارع القاهرة على أنه هو السفّاح الذى قام بكل هذه الجرائم وذلك ليهدأ الرأى العام لحين القبض على المجرم الحقيقى أو تركه حرا طليقا يفاجئنا بما يثير الفزع من وقت لآخر .

ولكى نتفادى عمليات التلفيق والفهلوة فى مثل هذه القضية وغيرها تعالوا نقرأ الحدث بأسلوب علمى منهجى مبسط قدر الإمكان علّ ذلك يقربنا ويقرب من بيدهم الأمر من الشخص الحقيقى ( أو الأشخاص الحقيقيين ) .

من هو السفّاح ؟ :

السفّاح هو الشخص الذى يكثر سفك الدماء , أى أن من شروط إطلاق لقب السفّاح هو تكرار القتل أو الإيذاء المسيل للدماء بشكل أو بآخر . وسفك الدماء لدى السفّاح ليس عملا عشوائيا وإنما يتحول إلى هواية يسعد بممارستها وتكرارها , وهو ينتقى ضحاياه من فئة معينة بناءا على اعتبارات نفسية أو جنسية أو عنصرية , وهذا يفرق السفّاح عن المجرم العادى الذى يرتكب الجريمة بناءا على ظروف موقفية عارضة أو اندفاعة مؤقتة ولهذا تأتى جريمته عشوائية , عكس السفّاح الذى تتسم جرائمه بالثبات النسبى للضحايا والثبات النسبى لطريقة الإعتداء .

دروس من سفّاح شارع الهرم :

منذ عدة سنوات ساد شارع الهرم والمناطق المحيطة به حالة من الرعب لدى الفتيات والسيدات , والسبب هو تكرار حالات اعتداء من شخص مجهول يقوم بإلقاء " ماء النار " ( مادة حارقة معروفة لدى الطبقات الشعبية بمية النار وهى علميا عبارة عن حمض الكبريتيك ) على وجوه ضحاياه من الفتيات فى شارع الهرم والشوارع المحيطة , وكان يفعل ذلك فى الأوقات المتأخرة من الليل وتجاه الفتيات اللائى يظن هو بسلوكهن سوءا . وقد نوقش موضوع هذا الشخص وكان شابا فى العقد الثانى من العمر فى برنامج " القضية لم تحسم بعد " والذى كانت تقدمه  الإعلامية الموهوبة منى الشاذلى , وقد أتيحت لى فرصة المشاركة فى هذا البرنامج ولقاء محامى هذا الشاب ومحامى وأسرة أحد الضحايا, وتبين أن الجانى  ينتمى إلى أسرة فقيرة حيث يعمل أبوه بوابا , وكانت علاقته بالأم مضطربة حيث كانت تميل إلى القسوة والسيطرة وإلغاء شسخصيته وشخصية والده , ثم بدأ فى المرحلة الأخيرة من حياته يعيش فى عزلة اجتماعية إلى أن تورط فى هذا الفعل العدائى المتكرر تجاه الفتيات فى شارع الهرم وكان تبريره لذلك أنه يحارب الرذيلة المتمثلة فى هؤلاء الفتيات اللائى ينشرن الفساد فى البلد . وهذا النموذج ربما يساعدنا كثيرا فى الإقتراب من شخصية سفاح المعادى , حيث أن الأخير يقوم بالإعتداء على الفتيات أو السيدات اللائى يرتدين بناطيل ضيقة ( أو هكذا قال كثير من الشهود ) وكأنه يبعث برسائل اعتراض على زى معين للسيدات , أو هو يكره السيدات عموما .والتفسير الأعمق هنا هو أن هذا الشاب لديه مشكلة فى السيطرة على نزعاته الجنسية بحيث أن من يلبسن البناطيل الضيقة يعملن على إثارته التى لا يحتملها , وهو فى نفس الوقت محروم من إشباع غرائزه بشكل مشروع , لذلك يصدر صراعه الداخلى إلى الخارج ويوجه عدوانه نحو مصدر الإثارة عله يلغى أحد أطراف الصراع . وفيما يلى تفسيرات أكثر عمقا لسلوكيات سفاح النساء .

التفسيرات النفسية لسفّاح النساء :

هناك فى علم النفس ما يسمى ب " كراهية النساء" وهو حالة من النفور الواضح تجاه النساء ويرجع ذلك إلى خبرات قديمة من الطفولة المبكرة كأن تكون الأم مسيطرة ومستبدة أو مسترجلة أو رافضة للطفل أو مهملة له أو خانت أبيه أمام عينيه .  والطفل حين ينفر من أمه ويكرهها لأى سبب فإنه يعمم هذه الكراهية على كل النساء ويوجه عدوانه نحوهم , ذلك العدوان الذى لم يستطع أن يوجهه صراحة نحو أمه بناءا على اعتبارات دينية أو أخلاقية  . وقد يكره المصاب بالجنسية المثلية ( المأبون المفعول به ) النساء لأنهن يزاحمنه فى حب الرجال , أما صاحب الجنسية المثلية الكامنة فإن أعراض البارانوية لديه ربما تدفعه إلى قتل النساء لتكون له أنوثتهن أو ليكون هو الأنثى الوحيدة (إذا لم تفهم هذا التفسير أو غيره فلا تبتئس فبعض المتخصصين فى علم النفس يشاركونك هذه الصعوبة).

والمراهق أو الشاب الذى يواجه المرأة بسلاح فيطعنها ثم يولى الأدبار تكون لديه مشاعر متناقضة نحوها فهو يرغبها وفى ذات الوقت يخشاها ويحتقرها , وهو غير قادر على التواصل معها أو مع غيرها على المستوى الإنسانى السوى , لذلك يقترب منها فيطعنها ويستمتع برؤية المفاجأة فى عينيها ثم يهرب منها , وهذه الأشياء تكون مصدر إثارة للمراهق أو الشاب فهو يشعر حينئذ بذكورته وبقدرته على السيطرة على المرأة وإرهابها . يضاف إلى ذلك أن السلاح الذى يضربها به يمثل فى أعماقه العضو الجنسى الذكرى ( قلت لك لا تبتئس بما يقوله التحليليون وغيرهم من أفكار تبدو غريبة على اللغة المعتادة ) , وربما نفهم ذلك من إصرار سفّاح المعادى على طعن ضحاياه من النساء فى منطقة الفرج أو قريبا منها حسب ما تتاح له الفرصة ( أظن كده واضح ) , وبعض علماء النفس يرون أن مهاجمة المرأة بسلاح وطعنها فى مواضع حسّاسة من جسمها هو نوع من الإغتصاب يقوم به شخص لديه مشكلة فى الإنتصاب فيستعيض عن قضيبه بالخنجر أو السكين(رجعنا تانى للغموض النفسانى ... كمل ولا يهمك , هانوصل فى الآخر ) . وسفّاح النساء إذ يفعل ذلك فإنه يعبر عن فشله فى مواجهة الجنس الآخر والتواصل الصحى معه وذلك بسبب نقص جنسى نفسى أو عيب خلقى فيه يمنعه من مواجهتهن اجتماعيا ( مش صعبه قوى دى ) . 

وقد ينتمى سفاح النساء إلى نموذج "كازانوفا" وهو الرجل قبيح الشكل جرئ اللسان على النساء يعوض بجرأته قبح شكله , ويبدو أنه عانى فى حياته نفورا من كل النساء بدءا بأمه بسبب قبح شكله , ولهذا تنمو لديه رغبة قوية فى استدراج النساء والسيطرة عليهن بأى وسيلة , فإذا نجح فى ذلك بشكل اجتماعى فإنه يصبح متعدد العلاقات النسائية أما إذا فشل فى ذلك فإنه يتحول إلى سفاح للنساء يستدرجهن ثم يعتدى عليهن أو يهاجمهن بسلاح فيطعنهن ويهرب , وهو فى كل الحالات يستمتع بالسيطرة على المرأة ( أى امرأة ) وإذلالها وإهانتها وإرهابها .                                

وسفاح النساء لديه ميول سادية أى أنه يتلذذ بتعذيب ضحيته , والرجل عموما يزيد لديه  الميل إلى السادية فى حين أن المرأة يزيد لديها الميل إلى الماسوشية ( مش كله ... ما تزعلش ) . وسفاح النساء المصاب بالسادية قد يستدرج الضحية ثم يقوم باغتصابها بشكل عنيف ثم يقتلها , أو يقتلها أولا ثم يهتك عرضها بعد ذلك , وقد يقتلها دون قصد أثناء ممارسة سلوكه السادى نحوها وانغماسه فى النشوة التى يلقاها من هيئتها وهى تتعذب بين يديه فهذا يعطيه إحساسا هائلا بقدرته الجنسية وتفوقه الذكورى ( وهو يفتقد هذين الشيئين فى الواقع ) . وقد يمثل السفاح بجسد الضحية قبل أو بعد الإغتصاب  فيقطع أجزاء من جسدها وخاصة الثدى أو الفرج , وقد يشرب الدم السائل منها أو يلحس  جسدها بعد تقطيعه أو يأكل من لحمها ويشعر مع كل هذا بنشوة غير عادية ربما يقذف معها عدة مرات ( آسف لما أحدثته لديك من قرف واشمئزاز غير مقصود ). والغريب أن السفّاح بعد أن ينهى هذا الأمر يعود مرة أخرى شخصا عاديا ويمارس حياته بشكل طبيعى فيذهب لعمله أو لدراسته ويقضى الوقت مع أصدقائه ويمارس هواياته وربما عباداته , إلى أن تعاوده النوبة مرة أخرى , وهذا ما يجعل التعرف على سفاح النساء أمرا صعبا فهو غالبا ليس لديه تاريخ إجرامى سابق , ولا توجد أية علامات تدل على أن هذا الشخص يمكن أن يفعل ذلك , ولهذا تكون مفاجأة لجميع من يعرفونه حين يتم القبض عليه , فهم لا يتصورون أن هذا الشخص الهادئ الخجول المهذب لا يمكن أن يقوم بمثل هذه الأفعال الشنيعة . والنوبة تأتى لسفاح النساء فى صورة شهوة عارمة يحاول تفعيلها فى أقرب فرصة ومع أقرب ضحية .

وسفاح النساء إذا تزوج فإنه يتزوج امرأة لها الكثير من صفات أمه  , أى تكون مسيطرة ومستبدة ومتحكمة فيه وممتنعة عليه , وربما تخونه فيكرهها ويجدها بعيدة المنال فيقوم بعمل إزاحة لرغبته فيها وعدوانه تجاهها إلى ضحية من النساء يقوم باغتصابها وتعذيبها وربما قتلها . وبما أن سفاح النساء تعاوده النوبة من وقت لآخر لذلك تتعدد جرائمه فى المنطقة التى يعيش فيها ويتأخر اكتشافه نظرا لوجوده فى حالة طبيعية تماما فى غير وقت النوبة , وهذا ما يجعله بعيدا عن شك الناس وعن شك رجال الشرطة , ويصبح الأمل هو ضبطه متلبسا بالجريمة أو محاولا ارتكابها .  

وقد قيل فى تفسير سلوك سفاح النساء أن لديه دفعات تدميرية من المرحلة قبل التناسلية لم تستدمج فى الشخصية وظلت تعمل بشكل منفصل من وقت لآخر خارج منظومة الشخصية  , وهذا يفسر هدوء سفاح النساء فى أغلب أوقاته ولكنه فى ذات الوقت يحمل طاقة تدميرية تنفجر من وقت لآخر بلا ضابط .                            

سادية السفاح :

والسادية تنسب إلى الروائى والثورى الفرنسى الماركيز ألفونس دى ساد ( 1740-1814 ) الذى كتب اعترافاته الشخصية وذكر فيها صنوف العذاب التى كان ينزلها بالنساء حتى يستطيع أن يتغلب على عجزه الجنسى ويواقعهن . والسادية هى جنون القسوة , وهى الإستمتاع بإيلام الآخر أو الأخرى فى الفعل الجنسى أو غير الجنسى . والقسوة فى الشخص السادى هى جزء من سلوك عام يمارسه الشخص كتعويض عن شعوره بالوحدة والإحباط والضعف والدونية فهو من ناحية يريد أن يؤكد لنفسه أنه قوى وقادر ومن ناحية أخرى يريد أن يثأر من الآخرين الذين نبذوه وأساءوا إليه . وهناك قصص كثيرة لسلوك الساديين فمثلا كان هناك زوج تحتقره زوجته وتهينه وهو غير قادر عليها فكان يخرج إلى الشارع ويقرص من يصادفهن من النساء أو يتحرش بهن . وهذا طالب فى إحدى المدارس الثانوية كانت ساديته تظهر فى صورة قص شعر زميلاته بالمقص وسط دهشة ورعب بقية الفتيات , وكان فى بعض الأحيان يستمتع بتقطيع ملابس زميلاته , ويعاود تلك الأفعال من وقت لآخر على الرغم مما يتعرض له من مشكلات . وقد يأخذ السلوك السادى اتجاها مضادا للجنس فيفرض الشاب على نفسه حالة من الكبت الشديد والزهد فيمتنع عن مشاهدة التليفزيون وعن قراءة الصحف والمجلات لأنها تحتوى صور نساء , ويمتنع تماما عن الحديث مع الجنس الآخر أيا كانت موضوعات الحديث وظروفه وضروراته , ويحرم على غيره ممن له ولاية عليهم أى شئ له علاقة من قريب أو بعيد بالجنس أو المرأة , وبعضهم  ينظر إلى المرأة باحتقار شديد على أنها مخلوق من الدرجة العاشرة مسكون بالغواية ويجب أن تختفى عن الأنظار بكل الطرق , ويترتب على ذلك سلوك عدائى تجاه المرأة فإذا كانت زوجته منعها من الظهور فى أى مكان ومنعها من التعامل بأى وسيلة من وسائل الإتصال , ويصبح مع هذا دائم الشك فيها وسوء الظن بها والإعتداء عليها بشكل يسبب جروحا ظاهرة أو إعاقات جسدية . وبعض هؤلاء الشباب كان يلجأ إلى قطع الأعضاء التناسلية للأولاد والبنات الصغار لكى يحميهم من الرغبة الجنسية المحرمة فى نظره .

 

ويتشكل السلوك السادى لدى السفاح بحسب نوع السادية والذى يتشكل بدوره طبقا لمرحلة النمو التى نشأ فيها أو المنطقة النفسية التى صدر منها ( رجعنا تانى للكلام اللى مش مفهوم .. عديها ولا يهمك) , فمثلا هناك السادية الفمية وفيها يشبع السادى رغبته بالعض واللعق والقضم مستخدما فمه وشفتيه وأسنانه بطريقة عنيفة وبدائية كأن يعض السادى ضحيته فى المواضع الجنسية كالشفاه والثديين والفرج , وربما تبلغ السادية مبلغا أشد فيستمتع بقطع لحم الضحية ومضغه أو مص الدماء( أظن واضحه دى !!)  . وفى السادية الشرجية تبرز الرغبة فى التملك ويغلب الشعور بالظلم والحرمان فيرى الشخص أنه مظلوم حيث قد حرم من حقه فى مباشرة النساء فيعمد إلى احتجازهن بعد استدراجهن أو خطفهن ثم إلى اغتصابهن أو قتلهن لإثبات قدرته وتفوقه .أما السادية القضيبية ففيها يستخدم الشخص قضيبه أو أى شئ مثل السلاح ( مطواه أو كاتر أو مسدس ) يخضع  ويخيف به الضحية ويشعر أيضا بقدرته وسطوته حين يرى الرعب والفزع والخضوع فى عينيها . والسادية اليدوية هى أن يستخدم السادى يده فى إلحاق الأذى والسيطرة على ضحيته بالضرب أو الخنق أو غيره . وهناك نوع يسمى " السادية المكنونة " وفيه يستدرج السادى ضحيته بمعسول الكلام والملاطفة والموادعة , حتى إذا تمكن منها ظهرت ميوله العدوانية والتدميرية نحوها , وهذا النوع هو الذى نسميه "زئر النساء " ( أظن عارفه ) فهو يبدأ بالكلام المعسول والوعود البراقة والهدايا التى يسيل لها لعاب الضحية , حتى إذا وقعت فى حبه وأعطته الأمان أخذها إلى حيث يستطيع أن يصب عليها جام عدوانه وقسوته وهى فى حالة ذهول من انقلاب هذا الشخص المهذب الوديع اللطيف إلى وحش كاسر بهذه الصورة . والسادى لا يستغرقه الفعل الجنسى نفسه بقدر ما يستغرقه الإنفعال الحادث له والإنفعال الظاهر على الضحية , ولذلك نجد أن السادى ربما لايكمل العلاقة الجنسية رغم أنه يكون قد فعل كل شئ مع الضحية , وكثير من حالات الإغتصاب كان يتضح فيما بعد أن الفتاة مازالت بكرا , فالعدوان لدى السفاح أهم من الجنس . والشخص السادى يستمتع بالسيطرة على شخصية ماسوشية تستمتع بالإهانة والألم يقعان عليها .

والسفاح ظاهرة عالمية تظهر فى أى مجتمع متقدما كان أو متأخرا , وهو يثير الرعب لفترة من الزمن فى مجتمع بعينه إلى أن يتم القبض عليه , ونظرا لفداحة جرائمه تجد قصص السفاحين يتناقلها الناس عبر العصور والثقافات .

 

السفاح واضطرابات الشخصية :

كما ذكرنا فإن السفاح النوابى ( الذى تنتابه حالات من الرغبة الجامحة فى الجنس والعنف معا ) يكون طبيعيا جدا بين النوبات ويفاجأ به الناس عند اكتشافه ويتعجبون من ذلك , وإذا أخضعناه لاختبارات نفسية فى أوقاته العادية نجد أنه طبيعى تماما . أما السفاح المزمن أو المستمر ( الذى يهوى القتل أو سفك الدماء بشكل دائم ) فهو الذى يمكن أن نرصد فيه مظاهر اضطرابات الشخصية من الأنواع التالية ( متفرقة أو مختلطة ) :

1 – اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع : وهو الشخص الذى يعتدى على حقوق الآخرين وينتهك حرماتهم , ولا يستطيع احترام القوانين أو الأعراف أو التقاليد , وهو كثير الكذب والإحتيال والغش والخداع , وليست لديه مشاعر طبيعية فهو يؤذى ويقتل بدم بارد , ولا يشعر بالندم أو بالذنب ولا يتعلم من أخطائه , ولهذا نجده يكرر سلوكياته العدوانية رغم تعرضه المتكرر للعقوبات. وهذا الشخص يعيش للذته ومصالحه الشخصية بصرف النظر عن أى اعتبارات أخرى .

2- اضطراب الشخصية البارانوية : وهذا الشخص يكون دائم الشك وسوء الظن بالناس فيتوقع منهم دائما الغدر والخيانة ولا يثق بأحد أبدا , ولا يعرف الحب ولكن يؤمن بالقوة والسيطرة والحذر من الناس . وهو يفسر كل شئ على محمل سئ ويقرأ تصرفات الناس على محمل عدوانى دائما

, ولا يعرف البراءة أو حسن النية . وهو دائم الترقب والحذر مما سيفعله به الآخرون , ولديه شعور مزمن بالإضطهاد والظلم والتآمر من جانب الآخرين .

3 – اضطراب الشخصية فصامية الشكل : وهو شخص غريب المظهر وغريب الأفكار والأطوار , تجده يلبس ملابس غريبة على سنه وعلى طبقته الإجتماعية , وهو يعيش فى عزلة وليست لديه علاقات اجتماعية ذات قيمة , ويتبنى أفكارا غريبة فيعتقد فى السحر وفى التخاطب عن بعد وينشغل بمثلث برمودة والحاسة السادسة والأمور السحرية وخوارق العادات وغيرها . ولديه شك فيمن حوله , وتجده متطرفا فى أفكاره ومعتقداته وسلوكه , وغريبا على مجتمعه . وقد يقوم بتفعيل بعض أفكاره الغريبة والشاذة والمتطرفة فينشأ عن ذلك سلوكا غير متوقع .

السفاح والمرض النفسى :

يعتقد كثير من الناس ( ومنهم رجال الأمن ) فى بلادنا أن كل مريض نفسى هو مشروع مجرم , ولهذا تتسارع الأنظار فى كل جريمة بشعة أو غريبة إلى المرضى النفسيين الجوالين فى شوارعنا بلا مأوى وبلا علاج أو رعاية , وقد يبدو هذا حلا سهلا للجميع حيث يتحمل المجنون القضية (يشيلها بالمفهوم الأمنى المصرى ) , وفى نفس الوقت لا توقع عليه العقوبة بسبب جنونه بل ينقل إلى أحد المستشفيات للعلاج ( ويصدق فى حقه القول السائد : المجانين فى نعيم ) , وبهذا يستريح الجميع , ولكن الخطورة فى ذلك هى بقاء المجرم الحقيقى حرا طليقا يمارس المزيد من العنف والترويع للناس ( يعنى جت عليه) . وليس صحيحا أن المرضى النفسيين أشد عدوانية من غيرهم , بل هم فى الحقيقة أكثر طيبة من غيرهم فهم مغلوبون على أمرهم غير قادرين على إدارة حياتهم وغير معنيين بإيذاء أحد , وحتى حين يصدر منهم عدوان فإنه يكون غير مخطط أو موجه بدقة وإنما يأتى لحظيا عفويا عشوائيا , على عكس الجرائم التى يرتكبها أصحاء فتجدها على قدر عال من التخطيط والتنفيذ ومحاولات الإخفاء والمكر والدهاء ( أشعر بالأمان كثيرا وأنا بين مرضاى النفسيين فى حين أشعر بقلق شديد وأنا أدخل أى مصلحة حكومية خاصة تلك التى فى خدمة الشعب أو الوطن ) , ولهذا نحذر دائما من وضع المريض النفسى كبش فداء فى كل جريمة نعجز عن الكشف عن الفاعل فيها , لأن فى هذا تضييع للحق والحقيقة واعتداء على حقوق المريض النفسى واتخاذ موقف عنصرى ضده يجعل الناس تتوجس منه خيفة وتأخذ موقفا عدائيا منه . وحالات المرض النفسى التى يمكن أن يصدر عنها سلوك عدوانى متكرر ( أو متسلسل ) تكاد تنحصر فى حالات الفصام الضلالى أو الإضطراب الضلالى , حيث يحمل المريض بعض المعتقدات الخاطئة والراسخة فى نفس الوقت والتى ربما تدفعه إلى ارتكاب جريمة بناءا على ما يعتقده من خيانة أو محاولات اضطهاد أو غيرها .

 

آفاق العدوان عند السفاح :  

 لعل بعضنا يتذكر الفيلم الفرنسى " توتر شديد " والذى أنتج عام 2003 , وهو يصور فتاتين هما "أليكس" و"ماريا"  زميلتان فى الجامعة يتوجهان لضاحية ريفية هادئة فى جنوب فرنسا لقضاء وقت جميل ملئ بالصفاء والسكينة فى بيت العائلة لكى يتمكنا من مراجعة المقررات الدراسية قبل الإمتحانات . وحين وصلا البيت ودلفا إلى غرفة النوم وتمددا فى الفراش بعد رحلة شاقة , وبمجرد أن انطفأت الأنوار بدأت رحلة غاية فى الرعب والهلع , حيث ظهر فى البيت قاتل سفاح عاث فيه عنفا وعدوانا وقتلا وتمثيلا بالجثث . ذلك الفيلم بطريقة تصويره وإخراجه يثير فيمن يشاهده أقصى درجات الرعب والفزع , ويضعنا فى مواجهة مع النفس البشرية حين تتحول إلى أقصى درجات الوحشية التى يصبح فيها الإنسان وحشا مرعبا يقتل ضحاياه بدم بارد , ويستلذ بدمائهم تسيل فيشرب منها , ويستلذ بتقطيع جثثهم وتشويهها , ويستلذ أكثر وأكثر بنظرات الرعب فى عيون الضحايا .

وبما أن السفاح تتفجر لديه غرائز الجنس والعدوان فى نفس اللحظة لذلك نجده يصل إلى قمة النشوة وهويمارس قمة العدوان , لذلك نستغرب نحن حين نشاهد ما فعله السفاح ونتعجب كيف يقدر إنسان على هذه الفعلة الشنيعة وكيف يعيش بعدها وكيف يأكل ويشرب وينام ويداعب أطفاله .

والسفاح يجتاز ذلك المجال غير المرئى بين الحياة والموت فلا يعد يجد فارقا بينهما وإنما تدفعه احتياجاته وإحباطاته ورغباته بحثا عن التعويض واللذة أو تخلصا من الألم , ولهذا لا نجد سقفا لعنف السفاح فهو يمارس العنف إلى أقصى درجة تمكنه أدواته وظروفه منها .

والسفاح لديه نقص فى الإستثارة لذلك يحتاج لأفعال شديدة الإثارة والدرامية لكى يصل إلى حالة الإثارة وتحريك الإنفعال .

 

السفاح والعنصرية :

على عكس الجرائم العادية نجد السفاح يوجه عدوانه نحو فئات بعينها بناءا على نظرة عنصرية تجاه تلك الفئات , فهو مثلا يقتل عددا كبيرا من النساء لاعتقاده بأنهن مخلوقات أدنى مسكونة بالغواية ودافعة نحو الرذيلة وأن الحياة بدونهن تصبح أكثر سلاما ونقاءا , وربما يفسر هذا كثرة سفاحين النساء ( لا أذكر من السفاحات غير ريا وسكينه .. والحمد لله تابوا وبطلوا غنا وتمثيل ) , ويفسر سلوك سفاح الهرم الذى يرمى "ماء النار " على وجوه الفتيات اللائى يعتقد أنهن من بنات الليل أو أن سلوكهن مشينا , ويفسر سلوك سفاح المعادى الذى يهاجم الفتيات اللائى يرتدين البناطيل ويحاول طعنهن فى فروجهن أو قريبا منها .

أو يحاول السفاح قتل شعب معين لاعتقاده بأنه أدنى أو أحقر كما فعل هتلر مع بقية شعوب أوروبا وكما يفعل الإسرائيليون مع الفلسطينيين .

أو يقتل السفاح بعضا من أفراد المجتمع لاعتقاده بكفرهم  أو فسقهم أو خروجهم عن إطار الشرع كما يراه هو.

أو يقتل الأغنياء حقدا عليهم وكرها لهم , أو يقتل الضعفاء غضبا منهم ورفضا لضعفهم واستكانتهم وخضوعهم.

أو يقتل من يخالفونه فى الدين سعيا لتطهير الأرض منهم كم يرى ويعتقد .

ولهذا يقلق العالم كله من دعاوى العنصرية والطائفية لما يمكن أن يترتب عليها من مجازر بشعة .

 

السفاح بين الحقيقة والشائعة :

رصدت أجهزة الأمن والصحف 5 ضحايا لسفاح المعادى فى حين ذكر الناس فى أقوالهم أن هناك 40 ضحية للسفاح , وهذا الفارق العددى الهائل يعود للشائعات والمبالغات والتهويلات , فالشائعة كفيلة بمضاعفة الحدث وآثاره . والشائعة فى التعريف العلمى هى رواية منتشرة بين الناس دون أن يكونوا متأكدين من صحتها . وقد وضع العالمان جوردون ألبورت وبوستمان كتابا هاما بعنوان " علم نفس الشائعة " , وهذا الكتاب يعتبر مرجعا هاما لفهم كيف تنطلق الشائعات , وكيف نواجهها , وكيف نتفادى أثرها , وكيف نقوم بعمل شائعة مضادة . وقد وضع هذين العالمين معادلة  للشائعة مفادها أن :

 قوة انتشار الشائعة وتأثيرها =  أهمية الموضوع مضروبا فىدرجة الغموض حوله مضروبا فى التركيبة النفسية لمتلقى الشائعة .

وبناءا على هذه المعادلة لكى نسيطر على أى شائعة علينا أن نجعل أحد عناصرها صفرا , أى يصبح الموضوع غير ذات أهمية , أو تكون المعلومات المتوفرة حوله كافية لإزالة الغموض , أو تكون التركيبة النفسية قادرة على رؤية الحقيقة كما هى دون التأثر بعوامل انفعالية ذاتية

وفى حالتنا نحن نجد أن البيئة المصرية مهيأة بشدة لانتشار الشائعات , فهناك حالة من الغموض والتعتيم بل والكذب لإخفاء الحقائق عن الناس بدعوى استقرار الأمور وعدم ازعاج الناس أو السلطات , وهذا يجعل الناس فى حالة قلق شديد لأنهم يتوقعون أشياء خطيرة مستترة , إضافة إلى أن السفاح يهدد حياة الناس وهذا موضوع لا يفوقه فى الأهمية شئ , فإذا أخذنا فى الإعتبار التركيبة النفسية للشعب المصرى والذى يعتمد كثيرا على الثقافة الشفاهية ( غير المؤكدة ) ولديه ميولا انفعالية عالية , فإننا نتوقع سرعة انتشار الشائعات وقوة تأثيرها . وهذا ما حدث ويحدث فى مثل هذه المواقف حيث يؤدى عدم الشفافية وضعف الثقة فى مصداقية السلطات الأمنية والتصريحات الحكومية إلى انتشار الشائعات وإلى شيوع حالة من الهلع لدى الناس تؤدى إلى إحجام النساء والفتيالت عن الخروج خوفا من السفاح , والكساد التجارى المترتب على ذلك , وفقد قوة عاملة لا يستهان بها

 

خصائص الضحية :

ينتقى السفاح ضحاياه طبقا لمعاييره العنصرية ولدوافعه النفسية فهناك من ينتقى النساء أو الفتيات وهناك من ينتقى الأطفال وهناك من ينتقى المسنين أو المسنات وهناك من ينتقى لون أو جنس معين أو طائفة معينة . ويجمع الضحايا بعض الخصائص نذكر منها :

* وجود الضحية فى مكان معزول لا تجد فيه النجدة أو المساعدة فينفرد بها السفاح

* سلبية الضحية وخضوعها واستسلامها , وهذا يغرى السفاح بالإستمرار فى خطته

* قابلية الضحية للإستهواء والإستلاب من جانب السفاح فهى تصدق كلامه المعسول ووعوده البراقة وتستجيب لمداعباته وملاطفاته , وتذهب معه إلى حيث ينفرد بها

* ضعف ثقة الضحية بنفسها مما يجعلها فريسة سهلة للسفاح

* عجز الضحية عن المواجهة والمقاومة عند اكتشافها لخطورة السفاح

* علامات الخوف والهلع على وجه الضحية , وهذه أشياء مثيرة جدا للسفاح تفتح شهيته لإكمال الجريمة

* إبداء التوسل والتضرع للسفاح فهذا يجعله يزداد إثارة وتوحشا تجاه الضحية

 

سفاحين على كراسى الحكم :

والتعريف الذى ذكرناه للسفاح لا يتوقف عند الحالات الفردية كسفاح المعادى وريا وسكينة وسفاحى بنى مزار وسفاح الهرم وغيرهم , وإنما ينطبق على شخصيات تشغل مناصب مرموقة وخطيرة وتصدر عنها قرارات تتسبب فى موت آلاف وأحيانا ملايين البشر , وهؤلاء هم السفاحين المهذبين أو ذوى الياقات البيضاء , ومن هنا جاءت فكرة جرائم الحرب وجرائم التطهير العرقى والجرائم ضد الإنسانية , ولقد طبقت عقوبات بشأن بعض المتسببين فى قتل البشر بشكل متكرر ومقصود , ولكن للأسف الشديد مازالت القوانين والشرائع الدولية فى هذا الخصوص مطاطة ومرسلة بما يسمح لكثير من الطغاة والسفاحين من الهروب منها , فمثلا شارون وبيجين كان ينطبق عليهما ( وعلى كثير من زعماء وقادة إسرائيل ) تعريف مجرمى الحرب والسفاحين ومع هذا تحميهم أمريكا من أى عقوبات , والسبب فى ذلك أن بوش نفسه يمارس سياسات فى العالم كله تعطيه لقب السفاح ومجرم الحرب بجدارة فقد غزا أفغانستان ودمرها وغزا العراق ودمرها ويعد لغزو وتدمير السودان وتسبب فى قتل ملايين البشر خارج إطار الشرعية الدولية , وهو لا يجد أحدا فى العالم يستطيع أن يحاسبه على تلك الجرائم البشعة . وهتلر كان طاغية وسفاحا ونال جزاءه , وكذلك صدام حسين , ومع هذا يبقى فى العالم كله طغاة وسفاحين يشغلون مناصب مرموقة ويديرون دفة الأمور وهم فى الحقيقة سفاحين ومجرمى حرب ينتظرون الجزاء .

 

دروس من حادث بنى مزار :

ربما يبدو أمر تسوية جريمة بنى مزار البشعة التى راح ضحيتها عشرة أشخاص شيئا مطلوبا لطمأنة الناس وتهدئة النفوس وإعطاء الفرصة لهذا الجرح المؤلم كى يلتئم , فاستمرار الحيرة والغموض ربما يؤديان إلى تداعيات خطرة خاصة إذا ذهبت الظنون فى اتجاهات العنف القبلى أو العشائرى أو العائلى أو الطائفى , هنا يصبح الأمر كارثيا لأن حجم الغضب والإنتقام سيكون متناسبا , بل ربما يكون متجاوزا , لبشاعة الجريمة وما صاحبها من تقطيع وتمثيل بالجثث .

وقد يكون هذا هو السبب فى التعجيل بتقديم أحد المرضى بالفصام فى القرية على أنه الفاعل , وهذا حل مريح لجميع الأطراف , فبالنسبة للسلطات الأمنية يخف عنها الضغط الفوقى المتسائل عن السبب والفاعل , ويخف أيضا ضغط الرأى العام القلق والمترقب فى هلع , أما بالنسبة لأهل الضحايا فهم سيحتسبون الأمر عند الله ولا يفكرون فى القصاص حيث أن الفاعل مجنونا وليس على المجنون حرج , وبالنسبة لأسرة المجنون فقد حانت الفرصة أمام ابنهم لتلقى العلاج فى مستشفى نفسى كبير تحت رعاية السلطات المختصة ويخف ضغط مرضه عنهم , ربما يواجهون بعض المشاكل من نظرة الناس إليهم على أنهم ذوى القاتل ولكن هذا يمكن أن يتلاشى مع الوقت فهم ليس لهم دخل فيما حدث .

إذن هناك دوافع قوية لدى الجميع ( شعورية وغير شعورية ) لإلصاق هذه التهمة بشخص مجنون يحمل وزر ما حدث , ويقى الجميع شر تداعيات هذه الجريمة البشعة , وفى النهاية لن يواجه هذا الشخص المريض عقوبة قاسية مثل الإعدام , وإنما سيحال إلى أحد المستشفيات العقلية للعلاج , وهكذا يغلق هذا الملف مع أقل قدر من الخسائر , أما الضحايا فهم فى ذمة الله يعوضهم ويعوض ذويهم عما حدث .

ولكن هل هذا هو الحل الحقيقى أو الأمثل لمثل هذه الجريمة , وهل يستطيع فعلا شخص مصاب بالفصام أن يقوم بهذا الفعل على الطريقة التى حدث بها وبهذا التخطيط المحكم وحده فى ثلاث بيوت متفرقة وتجاه عشرة أشخاص لم يقاومه أحد منهم ؟؟؟؟؟؟؟

إن الذى يتعامل مع حالات الفصام أو حالات الجنون بوجه عام يصعب عليه تصديق هذا الإحتمال أو قبوله بأى درجة من الطمأنينة أو اليقين , فمريض الفصام لديه اضطراب تركيبى فى المخ ولديه اضطراب على مستوى الناقلات العصبية , وهذه الإضطرابات تؤثر فى قدرته على التخطيط والتنظيم المحكم , وتؤثر أيضا فى إرادته , وهذه التأثيرات تجعل لجريمة الفصامى خصائص معينة تتنافى مع ماهو قائم فى جريمة بنى مزار . فالفصامى قد يرتكب جريمة عنف انطلاقا من معتقد خاطئ فى عقله كشعور بالإضطهاد أو الظلم أو الخطر من أحد , والفصامى يمارس العنف بدم بارد نتيجة تدهور مشاعره , ولكنه مع هذا لا يملك هذه القدرة الفائقة للتخطيط والتنفيذ فى أكثر من مكان وأكثر من شخص دون أن يترك اثرا يدل عليه , بل الأكثر توقعا منه أن تكون جريمته اندفاعية عشوائية وغير منظمة , وتكون رد فعل مباشر أو شبه مباشر على استثارة أو استفزاز من أحد , وتكون موجهة – فى غالب الأحيان – لأشخاص لهم علاقة قريبة بالمريض كزوجته ( إن اعتقد فيها الخيانة ) أو أحد أقاربه ( إن اعتقد أنه متآمر عليه ) أو أحد زملائه القريبين ( إن اعتقد أنه يخطط لإيذائه ) , أما أن يقوم بهذا الفعل المركب شديد التعقيد تجاه هذا العدد من الناس الذين لا تربطهم رابطة ففيهم رجال ونساء وأطفال صغار , فهذا ما يصعب تصديقه من الناحية العلمية والواقعية . وقد يقول قائل : إن عملية القتل بهذه القسوة والبشاعة وعمليات التقطيع والتمثيل , وقتل الحمام تشير إلى درجة عالية من القسوة المصحوبة بالبلادة الشعورية المصحوبة بالغرابة وكل ذلك يشير إلى فعل مجنون . وربما يكون شكل مسرح الجريمة هو الذى أوحى بفكرة أن يكون مجنون قد ارتكبها , ولكن مع هذا فهناك احتمال أن يكون مرتكب الجريمة قد قصد هذا ليشتت انتباه المحققين ويضعهم فى حيرة , أو ليوجه أصابع الإتهام لوجهة معينة . أما بشاعة الجريمة وقسوتها فيمكن فهمها بدون افتراض جنون القائم بها , فقد اعتدنا فى السنوات الأخيرة على صور بشعة للقتل من أشخاص ليسوا بمرضى نفسيين ومع هذا مارسوا العنف بوحشية لا يتحملها عامة الناس , وربما يكون السبب فى ذلك كثرة التعرض لمشاهد العنف الدموية فى الفضائيات وعلى الإنترنت , وفى الألعاب الإلكترونية , حيث يقضى الشخص وقتا طويلا يشاهد العنف والدم والتقطيع أو يمارسه هو من خلال ألعاب الفيديو وربما يستمتع بمنظر الضحايا وهم يتساقطون تحت ضرباته ثم ينهى اللعبة وهو شديد السعادة بما حققه من قتل وإبادة , ومع تكرار التعرض لهذه المشاهد تقل الحساسية تجاه القتل والدم والأشلاء , وتقل الحساسية تجاه ما يعانيه الضحية . يضاف إلى ذلك الإحباطالت الشديدة التى يعانيها كثير من الناس فتجعل نفوسهم مليئة بشحنات الغضب والقسوة والعدوان .

وهناك أشخاص لديهم ميول سادية كما ذكرنا ( أى يستمتعون بعذاب الآخرين ) دون أن يكونوا مرضى بالمعنى المعروف , وهناك شخصيات معادية للمجتمع يمكنها أن تقتل بدم بارد لأى سبب من الأسباب , وهناك من يحملون فى رؤسهم أفكارا انتقامية شديدة تؤهلهم لدرجات عالية من العنف والتدمير . أى أننا لسنا فى حاجة لافتراض الجنون فيمن يقوم بفعل مثل هذا , بل إن دقة التخطيط والتنفيذ بهذا الشكل تستبعد المجنون , فالمجنون ليس حريصا على حياته بهذه الدرجة التى يتقن فيها كل ما يفعل حتى لا ينتبه إليه أحد , فهو يقتل اندفاعا دون حساب للعواقب , وهو لا يخطط بهذه الدقة لينجو من العقاب فليس لديه هذا القدر من الحذر والحرص على الحياة الذى يتميز به غير المرضى .

ولا ننسى أن محاولة تسوية الأمر بهذا الشكل ( والتى فشلت بحكم المحكمة الذى برأ المريض وأدان الملفقين ومعتادى التزوير ) ربما يؤدى على المدى القصير إلى نوع من التهدئة وتجنب بعض الإحتمالات المرعبة فى حالة معرفة القاتل الحقيقى , ولكن على المدى البعيد لن تختفى الحقيقة للأبد , إضافة إلى أن الإندفاع فى اتجاه اتهام المجنون ( كحل أسهل ) سوف يعطى الفرصة للمجرمين الحقيقيين للفرار من قبضة القانون . ونحن هنا نقول مجرمين لأن طبيعة الجريمة بهذا الشكل المتوسع والمتزامن يعطى انطباعا حقيقيا بأن عدة أفراد قد قاموا بها , وبالطبع يصبح من السذاجة التفكير بأن هؤلاء الأشخاص جميعهم كانوا مجانين , أو أن مجنونا قادهم وخطط لهم .

 

العلاج :

*على مستوى السفاح :

 وسفاح النساء لا يأت للعلاج ولا يطلبه ولا يقبله لأنه من البداية لا يعترف بأن لديه مرضا , وحتى إذا حضر للعلاج تحت أى ظروف فإن عمق الإضطراب لديه يجعل عملية العلاج شديدة الصعوبة فهو غير قادر على تفهم ما يقال له من تفسيرات ,  وبالتالى غير قادر على الإستبصار بمشكلته ذلك الإستبصار الضرورى لبدء عملية التغيير , فهو مفتقد لأى دافع للتغيير , ولهذا يصبح التفكير فى العلاج الطبى أو النفسى أقرب للحلم منه إلى الحقيقة , خاصة وأن سفاح النساء يمكن أن يقوم بأية فعلة شنيعة فى أى لحظة وبدون سابق إنذار , وهذا ليس تيئيسا من العلاج ولكنه اعتراف بقصور الوسائل العلاجية لهذه الحالة حتى تلك اللحظة .

ولهذا يصبح العلاج الأجدى هو سرعة اكتشاف سفاح النساء والقبض عليه وتنفيذ العقوبة فيه طبقا لما ارتكبه من جرائم وإبقائه بعيدا عن المجتمع أطول فترة ممكنة , والبعض يرى أن سجنه مدى الحياه –خاصة إذا كان قد قام بما يبرر هذا الحكم – هو الحل الأمثل لتجنيب المجتمع شره وأذاه .

ولكى نمنع تفريخ سفاحين جدد علينا بالإهتمام بالطبقات المهمشة والمسحوقة فى المجتمع , تلك الطبقات التى تنعدم فيها الثقافة التربوية ويزيد فيها الحرمان وتكثر الضغوط النفسية . كما أن إرساء مبادئ العدل والرحمة والرفق بالضعفاء يقلل كثيرا من دفعات العنف ومن الإحساس المؤلم بالظلم والحرمان ومن الشعور بيالنقمة والغضب تجاه المجتمع وانتهاز الفرصة للثأر والإنتقام منه .

* على مستوى الضحايا وذويهم :

1- عدم التواجد فى أماكن معزولة وفى أوقات متأخرة بالذات بالنسبة للفتيات والنساء والأطفال

2- الحرص على عدم الذهاب مع أشخاص مجهولين إلى أماكن لا نعرف طبيعتها

3 – مواجهة السفاح بحسم وحزم حين اكتشافه فإن ذلك يقلل كثيرا من المخاطر المحتملة

4 – التدريب على مهارات الدفاع عن النفس بالنسبة للفتيات والنساء وحتى الأطفال فالسنين القادمة قد تحمل الكثير من المخاطر التى تعجز الدولة عن حماية مواطنيها منها

5 – المطالبة بالإهتمام بالأمن الإجتماعى والذى توارى كثيرا لحساب الأمن السياسى

6 – المواجهة الحقيقية لمشكلات المخدرات وأطفال الشوارع والمهمشين والمظلومين وهم كثر فى بلادنا , وعدم الإكتفاء بالطنطنة الإعلامية والإسترزاق البحثى من هذه المشكلات

7 – محاولة الإستعانة بشركات الأمن الخاص المرخصة والمعتمدة لوضع رجال أمن على أبواب العمارات ونواصى الشوارع لكى يوفروا الحد الأدنى من الأمن إلى حين تستعيد الدولة قدرتها على الحفاظ على الأمن الإجتماعى

8 – زيادة الترابط الأسرى والإجتماعى وتقوية الحضور البشرى فى كل مكان بحيث يشكل كل هذا شبكة اجتماعية قوية  لحماية الجميع من تلك الظواهر المهددة . ولا مانع من أن يقوم أهل الحى أو الشارع بدوريات منتظمة لمسح المنطقة وإظهار الحضور البشرى الذى يرهب السفاح واللصوص وسائر العابثين بأمن الناس .

* على مستوى الشائعات :

طبقا لمعادلة الشائعات المذكورة أعلاه لكى نسيطر على الشائعات المرعبة للناس والمعطلة لحركة حياتهم علينا بزيادة الشفافية والمصداقية وبث الأخبار الصحيحة , والإبتعاد عن التهوين والتهويل , وكشف الحقائق المتاحة أولا بأول , والتعامل مع الناس على أنهم ناضجين وراشدين وليسوا أطفالا نخدعهم أو ندغدغ مشاعرهم أو نسوق لهم تطمينا كاذبا .

دكتور / محمد المهدى

أعلى الصفحة

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

   
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية