الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى



مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
تحويل العملات
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



مجلةالنفس             المطمئنة               

 

سيكولوجية الجماهير

دكتور/ محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

 الجماهير هى الطرف المقابل للسلطة , وهى تؤثر بالسلب والإيجاب فى السلطة كما تتأثر بها , ولا يمكن فهم منظومة الحياة السياسية أو الإجتماعية بغير فهم التركيبة النفسية لكل من السلطة والجماهير وديناميات العلاقة بينهما . وإذا كانت هناك أصوات وأقلام تعلى من قيمة الجماهير وتتملقها فإن هناك أصوات أخرى تصف الجماهير بأوصاف غاية فى السلبية . ومن أشهر من حاولوا دراسة التركيبة النفسية للجماهير جوستاف لوبون فى نهاية القرن التاسع عشر فى كتابه " سيكولوجية الجماهير " . وقد ولد جوستاف لوبون فى باريس عام 1841 وتوفى عام 1921 م . وكتابات جوستاف لوبون تميل إلى رؤية الجانب السلبى فى الجماهير وقد يرجع ذلك لغلبة الجوانب السلبية على سلوك الجماهير أو لظروف الفترة التى عاشها جوستاف لوبون إبان الثورة الفرنسية حيث سادت فرنسا حالة من التمرد الشعبى وحالة من الفوضى فى تلك الفترة الإنتقالية ولم يكن يعرف على وجه التحديد مآل هذا التمرد الجماهيرى وتلك الفوضى الشعبية , فقد انطلقت الجماهير كمارد جبار خرج من القمقم ولا يستطيع أحد السيطرة عليه أو ترشيده . وقد اعتقد لوبون وقتها أن " نضال الجماهير هو القوة الوحيدة التى تتزايد هيبتها وجاذبيتها باستمرار , وأن العصر الذى ندخل فيه هو عصر الجماهير " ... وأن "التقاليد السياسية والتوجهات الفردية للملوك والحكام والمناقشات الكائنة بينهم لا تؤثر على مسار الأحداث إلا قليلا , وقد أصبح صوت الجماهير راجحا وغالبا , فهو الذى يملى على الملوك تصرفاتهم , ولم تعد مقادير الأمم تحسم فى مجالس الحكم وإنما فى روح الجماهير "  .

 

من السوقة والدهماء إلى عصر المجتمع المدنى :

حاولت الرجوع إلى عصور عربية سابقة لأرى توصيفا نفسيا أو اجتماعيا لما يعرف حاليا باسم الجماهير أو المجتمع المدنى أو الأحزاب والقوى الشعبية فرأيت أن كل هذه الأسماء والتنظيمات والتشكيلات الشعبية كانت تحمل فى التاريخ العربى ( ويبدو أنها مازالت تحمل ) معان غاية فى السلبية والإحتقار وسنترك للقارئ إدراك الأمر بعد استعراض الألفاظ والتسميات المستخدمة : العامة ... الدهماء .... السوقة ..... الرعاع ..... السفلة .... العصابة المنحرفة .... الأوباش ... الزعار ( الزعران ) . بالطبع تؤثر هذه الألفاظ على الصورة الذهنية لما نسميه نحن الآن الشعب أو الجماهير أو جماعات الضغط أو المجتمع المدنى أو الأحزاب المعارضة . وقد يفسر هذا ولو جزئيا ابتعاد المجتمعات العربية عن الديموقراطية الحقيقية حتى الآن وتوجس جميع الأنظمة العربية من العمل الأهلى ومن مجموعات المعارضة ومن حركة الجماهير , على الرغم من أن العالم كله الآن يتجه نحو تقوية العنصر الجماهيرى بكل تجلياته وتشكيلاته ويحد من توحش السلطة وسيطرتها واستبدادها .

والقارئ للتاريخ العربى يلمح اهتماما شديدا بتاريخ السلاطين والملوك والحكام ويلمح أيضا إهمالا لتاريخ الشعوب مع أن الشعوب حافظت على التيار الحضارى فى كثير من مراحل التاريخ العربى والإسلامى فى الوقت الذى كان تاريخ الحكام يتسم بالفساد والإنهيار , وكان الضمان لاستمرار التيار الحضارى فى فترات التدهور السياسى طائفتان هاماتان هما  الفقهاء ( يقصد بهم المتخصصون فى علوم الشريعة ) والعلماء ( يقصد بهم المتخصصون فى العلوم الطبيعية والعلوم الطبية والإنسانية ) وكان الشعب يتحرك مع هاتين الطائفتين متجاوزا فساد الحكام ومشاكلهم وصراعاتهم , وهذه هى روح المجتمع المدنى بلغة العصر الحديث .

والمتتبع لأدبيات الخطاب السياسى فى مراحل التاريخ العربى يلمح بسهولة أن الخطاب فى أغلبه على الأقل لم يكن يوجه للرعية باعتبارها كيانا محترما له وزن أو اعتبار وإنما كان الخطاب يوجه للسلطان أو الملك أو الخليفة , ولا يأتى ذكر الرعية إلا فى معرض دعاءها له بطول البقاء والنصرة على الأعداء وفى معرض امتنانها له على جزيل العطايا وامتنانها لله على منحته العظيمة فى صورة السلطان أو الملك أو الخليفة العظيم الملهم والمعلم . ولم تكن ذات الرعية تظهر فى الخطاب السلطانى إلا من حيث كونها مجموعة من العامة والدهماء والسوقة يخشى عليها من المنحرفين والمضللين ومثيرى الشغب والمتمردين والعصاة والفسقة الخارجين على طاعة السلطان .والرعية ليست إلا مرآة يتبدى عليها عدل السلطان وحكمته ورحمته وعفوه ورعايته . وبمراجعة كتاب الأحكام السلطانية وغيره من الكتب ذات العلاقة نرى تباينا واضحا فى المساحة التى تشغلها السلطة الحاكمة والمساحة التى تشغلها الرعية لدرجة تكاد تنعدم فيها مساحة الرعية أو تستدمج فى ذات السلطان وتصبح جزءا منه وليس العكس . وتبدو أهمية الرعية فى دعم ملك السلطان ليس إلا فالسلطان هو الرأس وهو المركز وهو الأساس وهو الوجهة فهو الذى يقيم الحق والعدل والعمران ( فى نظره ) ويحمى سياج الدولة , والرعية تشكل ساحة للعمل السلطانى وتشكل موردا للمال والبشر يسخره السلطان لتحقيق الأهداف المرجوة ( له وبه ) . فالرعية " موضوعا " ل "ذات السلطان " , وكما يصورها أبو بكر الطرطوشى أنها " جسدا " مآله الموت " لولا " الروح السلطانية " و " أرضا ظمأى بدون ماء " و " ظلاما حالكا " لولا " سراج الملوك " . ويعتبرها الماوردى " يتيما تضيع حقوقه من دون  ولى " , و" أمانة " ( بلغتنا الحديثة : عهدة ) فى يد السلطان المؤتمن عليها . ويصفها الشيزرى ب " الغنم  السائبة إن تعذر راعيها " , و"نبتا يتوق إلى قطرات الغيث" . ويصورها بن عبدربه " إبلا " تحتاج إلى من يقودها و " ولدا " يتعلق وجوده بأبيه . وهى عند الثعالبى بمنزلة "الخشب " المتهرئ لن يقوم أوده من دون " نار" . ويصورها ابن رضوان وابن طباطبا وأبو حمو الزيانى وابن الأزرق كائنا " مريضا " يحتاج لاسترداد عافيته إلى " الدواء السلطانى " . ويراها ابن قتيبة " جيفة " أمام " النسر السلطانى " , وابن عبد ربه يصورها " حصاة يجرفها السيل " و "تفاهة" تحت رحمة " عاصفة " ( الآداب السلطانية , عزالدين العلام 2006 , عالم المعرفة 324) .

والرعية فى نظر الكثيرين " مجبولة على الفساد واتباع الهوى وقلة السداد " وأن " جور الرعية أشد من جور السلطان "  . ويتضح من هذه الأوصاف فى التراث العربى الصورة السلبية لما يسمى الآن الجماهير أو الشعب أو المجتمع المدنى , ويبدو أن هذه الصورة متجذرة فى اللاوعى الجمعى للحكام والمحكومين على حد سواء ويبدو أنها تشكل قانون العلاقة بين السلطة والشعب فى كافة المراحل التاريخية مع استثناءات قليلة , وتبدو هنا صورة السلطان على أنه  الأب والمنقذ والروح والموجه والمعلم والمرشد والغيث والرأس والعمود والوصى والمؤتمن والراعى  . والرعية تأخذ شكل المحتاج المتوسل والمتسول والجاهل والضعيف , صاحب النفس الأمارة بالسوء , الساعى إلى الفتنة التى لا يعرف مداها , والسلطان الراعى يأخذ شكل المعطى المتفضل القوى المهيمن الضامن للأمن والأمان ودرء الفتنة . وهذه الصورة الذهنية للراعى والرعية ترسخت فى نفوس الكثيرين من الفقهاء والمفكرين العرب وجعلتهم يفضلون فساد الحاكم وظلمه وجبروته واستبداده على الفتنة التى تذهب بالأخضر واليابس .

 

تقنيات سياسة الجماهير :

1- الترهيب ( السياسة القسرية ) : وهى تعتمد على إحداث أكبر قدر من الهيبة للسلطة فى قلوب الجماهير فتحوط السلطة نفسها بكل مظاهر القوة والعظمة والأبهة والبطش , فترتعد الجماهير خوفا خاصة إذا ترسخ فى وعيها أن بطش السلطة بلا حدود وبلا منطق ولا يمكن لأحد توقعه أو التنبؤ به . ولكى تحقق السلطة هذا القدر الهائل من الترهيب الذى تظل أعناق الجماهير له خاضعة تستعين السلطة بأجهزة أمنية جبارة ووسائل تنصت وتجنيد عملاء فى كل مكان وممارسة كل أنواع البطش والتعذيب والتنكيل لإحداث أكبر قدر من الرعب فى نفوس الناس . والسلطة إذ تمارس هذا النوع من السياسة تحتقر الجماهير وتراها غير جديرة بالتحاور أو التفاهم على المستوى السياسى أو الثقافى وأنه لا ينفع معها إلا العصى الغليظة تؤدبها وتنهرها عن سوء فعلها

2 – الترغيب ( السياسة التعويضية ) : هنا تشترى السلطة ولاء الجماهير من خلال حياة الرفاهية والوفرة , ومن خلال بعض الحريات الفردية ونظام الإقتصاد الحر . وتسعى السلطة لاستمالة رموز المجتمع ومفكريه من خلال إغداق العطايا والمناصب , وتستميل الجماهير من خلال إعلان مبادئ الحق والعدل , وتسهيل عمليات النمو الإقتصادى والإجتماعى .

3 – الترغيب والترهيب ( سياسة الإحتواء المزدوج ) : وهى سياسة تتبع منهج الجزرة والعصا فمن لا تغريه الجزرة ترهبه العصا .

4– التحاور والتعاون ( السياسة التلاؤمية ) : فنرى احتراما متبادلا بين السلطة والجماهير  , وحالة  من الشفافية والتعددية الحقيقية , وتداول السلطة بشكل سلمى سلس , واللجوء إلى التثقيف والإقناع والحوار فى حالة من التوازن الدينامى بين السلطة والجماهير .

 

الترفيه والتسلية وتعزيز الوضع الراهن :

قد يعتقد البعض أن برامج الترفيه والتسلية هى بطبيعتها برامج محايدة ليس لها علاقة بالأفكار أو القيم أو التوجهات أو الصراعات وأنها لا تتعدى كونها وسائل لملء الوقت وراحة النفس , وهذا الإعتقاد يستفيد منه الذين يخططون لتعزيز الوضع الراهن فى مجتمع ما وذلك بزيادة مساحات البرامج والأنشطة الترفيهية والتى تجذب انتباه الناس عما يدور فى الحقيقة وتعطيهم إحساسا بأن الحياة تدور بشكل لطيف مبهج وأنهم مدعوون للإستمتاع بما تتيحه لهم الكثير من المؤسسات الترفيهية , أى أننا هنا أمام عملية إلهاء وإغراء , وهى عملية مزدوجة تمتص الكثير من حالات الغضب أو ميول التمرد الشعبى . والبرامج الترفيهية تتجنب تماما الحديث أو الإشارة إلى أى منغصات أو مشكلات أو صعوبات ولذلك فهى تخلق عالما وهميا ولكنه لذيذ يعيش فيه الناس وينسون واقعهم المؤلم .

والدور الأخطر لوسائل الترفيه والتسلية يكمن فى الترويج للنزعة الإستهلاكية وتعزيز قيمة المتعة والمصلحة الشخصية , وحب المكسب , واستهداف النجاح الفردى , وكل هذه الأشياء تسوق كوسائل إشباع بديلة للحاجات الإنسانية الأرقى كالأمان والحب والتقدير الإجتماعى والحرية والكرامة وتحقيق الذات . وقد نجحت الفضائيات التليفزيونية ومواقع الإنترنت فى جذب اهتمام الجماهير وإلهائها عن معاناتها ومشاكلها وامتصاص غضبها وتأجيل ثورتها , وقد يفسر هذا حالة اللامبالاة الشعبية تجاه أحداث جسام كانت تحرك هذه الجماهير بعنف فى الماضى , وكأن هذه الجماهير فى حالة تخدير ترفيهى أو إعلامى يشبه إلى حد كبير حالة متعاطى المخدرات الذين يعيشون واقعا وهميا ينعمون به ولا يرغبون فى تغييره رغم ما يحيط بهم من كوارث , فالطلاب الجامعيون أو العمال ( وقود الحركة الشعبية فى الماضى ) يسرعون فى العودة إلى منازلهم للإستمتاع بالتجوال بين القنوات الفضائية ومواقع الشبكة العنكبوتية وألعاب الكومبيوتر بما تتيحه هذه الأشياء من لذة تطغى كثيرا على عائد المطالبة بالحقوق أو الكرامة أو التغيير . وهكذا يصبح ثمة اتفاق غير مكتوب بين الجميع للمحافظة على الوضع الراهن بما يذخر به من وسائل استمتاع مع القناعة بالإشباع البديل للحاجات الإنسانية والمطالب الشعبية .  

 

 

مفتاح شخصية الجماهير العربية :

 

لكى نفهم سلوك الجماهير ( ونحن هنا نتكلم عن العالم العربى بشكل خاص ) فسنحاول أن نمسك بخيط يدلنا على مفتاح شخصية هذه الجماهير والذى يفسر الكثير من أفكارها ومشاعرها وسلوكياتها , وهذا المفتاح يمكننا بواسطته أن نقرأ الكثير من الظواهر المرتبطة بهذه الجماهير وأن نفهمها بشكل منطقى سلس .

ومفتاح شخصية الجماهير العربية ليس صعب المنال حيث أنه وارد فى الكثير من أدبياتنا وتراثنا بشكل مكثف وملفت للنظر , فعلى مدى مراحل التاريخ يطلق لفظ " الرعية " على الشعوب العربية , واللفظ مأخوذ من البيئة العربية ( الرعوية بشكل خاص ) حيث يكثر مشهد الراعى فى صورة رجل أو امرأة يمسك عصا ويهش بها على الغنم ليقودها إلى مواطن العشب ويحميها من الذئب ومن التفرق , والأغنام هنا تضع رأسها لأسفل أغلب الوقت لتأكل العشب أو تشرب الماء ( وهذا أغلب فعلها ) ولا ترفع رأسها إلا لتهزه للحظة قصيرة كعلامة على انتشاء الشبع . والأغنام تتحرك فى مجموعة يشكلها الراعى طولا أو قصرا أو عرضا وإذا شردت منهم واحدة يردها بإشارة أو ضربة من عصاه . ولا يتصور أن يكون لهذه الأغنام رؤية أو إرادة أو اختيار , وللراعى الحق كل الحق فى بيع بعضها وذبح البعض الآخر دون مساءلة من أحد  . هذا هو مشهد عملية الرعى التى اشتقت منها الكلمة , وقد ينزعج القارئ من بشاعة هذه الصورة إذا تخيل نقلها إلى عالم البشر أو اتهام مجموعة من الناس بأنهم يتبعون هذا النمط , ونحن لا نقصد ذلك ( وإن كان فى الواقع كثير مما يؤيده ) , ولكن نحاول أن نرى جذور السلوك من خلال تتبع معانى ودلالات التسمية والتى استقرت فى طبقات عميقة من الوعى العربى العام فشكلته . قد يبدو هذا المفهوم سلبيا أو موجعا أو جارحا خاصة إذا نقله أى شخص من المشهد الرعوى الحقيقى إلى المشهد الإنسانى دون تحويرات لازمة تتصل بعالم البشر , ولكن من المؤكد أنه حتى بعد هذه التحويرات يبقى للإسم تأثيراته العميقة والتى نستطيع تتبعها فى صور العلاقة بين الحاكم والمحكوم فى كثير من مراحل التاريخ العربى , فقد كانت السلطة دائما فى يد الحاكم ( الراعى ) فهو الذى يرى ويوجه ويجمع أو يفرق ويعطى أو يمنع  ويحمى أو يضيع , ولم يكن ثمة دور للرعية ( أو الرعايا ) إلا الإستجابة ( رد الفعل ) للراعى . وهذا المفهوم يدعمه مفهوم أخلاقى آخر وهو فكرة المجتمع الأبوى الذى ترى فيه صورة الأب خفاقة عالية وترى فيها صورة الأبناء صغيرة تابعة ومتطفلة . وهذا المفهوم الرعوى أو الأبوى يجعل الرعية دائما فى حالة تبعية وأحيانا فى حالة تسول , فهم لا يعتقدون أن لهم حقوقا وإنما ما يحصلون عليه هو منحة من الراعى أو من الأب إن شاء أعطاهم إياها وإن شاء منعها عنهم , وهذا يفسر مانراه من ظاهر التزلف   والإسترضاء والتسول والتوسل والدعاء بطول العمر للراعى أو للأب المانح القادر . وقد تعجب أنك فى كثير من المجتمعات العربية حين تقدم لأحد خدمة معينة فى حدود وظيفتك أو عملك تجده يكثر لك من الدعاء وكأنك قدمت له شيئا لم يكن يستحقه , فى حين أن هذا لا يحدث فى مجتمعات كثيرة تستشعر أن لها حقوقا تأخذها بكرامة وهى رافعة الرأس شاكرة بموضوعية وأدب , وفرق كبير بين شكر الأحرار ودعوات المتسولين , فما نجده فى بلاد العرب هو أشبه بدعوات المتسولين لمن قدموا لهم عطاءا , تلك الدعوات التى تظهر فقط أمام صاحب العطاء لتستبدل بعد غيابه عن أعينهم بأشياء أخرى كثيرا ما تكون مناقضة .

وهذه المفاهيم تختلف كثيرا عن مفاهيم المواطنة التى تستوجب حقوقا وواجبات وتستوجب تفاعلا ناضجا وحيويا بين الحاكم والمحكوم وبين الأب الحكيم وابنه الناضج المسئول .

إذن فنحن طبقا لهذا المفتاح أمام سلوك رعايا تابعين لا مواطنين فاعلين إيجابيين , وهؤلاء الرعايا ليست لهم حقوق معروفة واجبة الأداء يأخذونها بعزة وكرامة وإنما لهم عطايا ومنح تأتى إليهم من الراعى وتستوجب ما تستوجبه العطايا والمنح من الإنحناء وكثرة الدعاء والثناء والمدح وطلب الرضا والتمنيات بطول العمر للراعى وذريته .  

 

دينامية العلاقة بين الجماهير والسلطة :

 حين تكون السلطة منطقية وشرعية وقائمة على الشورى وملتزمة بها , وحين تكون الجماهير على درجة جيدة من التعليم والثقافة ولديها ملكة التفكير النقدى يصبح الأمر علاقة سلطة ناضجة بجماهير ناضجة فيسود العقل وتحتل الموضوعية مساحة كبيرة فى العلاقة بين الطرفين فلا تتحول إلى حب حتى التقديس والإستلاب  أو إلى كراهية حتى التدمير . ونتاج ذلك منظومة سياسية واجتماعية تتسم بالسلام وارتفاع معدلات الإنتاج والنمو والإبداع .

 أما حين تكون السلطة غير منطقية , أو غير شرعية , أو استبدادية , أو فرعونية , حينئذ تسود ديناميات مرضية مثل الكذب والخداع والنفاق والعدوان السلبى واللامبالاه من جانب الجماهير , بينما تتعامل السلطة مع الجماهير باذدراء وشك وتوجس , وترى أنها غير جديرة بالتحاور والتشاور وإنما تساق بالعصا . وإذا وصفنا نمط هذه العلاقة بمصطلحات علم النفس نقول بأنها علاقة بين والد ناقد مستبد وطفل يميل إلى العدوان السلبى . وهذا الطفل العدوانى السلبى ينتظر اللحظة المناسبة لينقض على الوالد الناقد المستبد ليتحول بذلك إلى طفل متمرد .وبالتعبير الشعبى الدارج نصف هذه العلاقة بأنها علاقة القط والفأر .

هذين هما القطبين المتضادين على متصل العلاقة بين السلطة والجماهير وبينهما درجات عديدة من أشكال العلاقات حسب نوعية السلطة وطبيعة الجماهير .

 

تزييف الوعى :

ولكى تتمكن السلطة من قيادة الجماهير دون مواجهات أو مشكلات أو اضطرار للحل الأمنى بكثرة فإنها تقوم بتشكيل وعى الجماهير بما يتفق مع مصالح السلطة , وهى تلح طول الوقت بأن ما تفعله هو فى صالح الجماهير , وقد تتمادى السلطة فى تشكيل الوعى الجماهيرى حتى تصل إلى تزييف ذلك الوعى خاصة حين تكون أهداف السلطة غير مشروعة وغير أخلاقية , لذلك فهى تقوم بتزييف وعى الجماهير حتى يرى تلك الأهداف الذاتية غير الأخلاقية أهدافا عظيمة ومشروعة ويخيل إليه أن السلطة تسعى لصالحه . وبالطبع فإن هذا العمل يتطلب مهارات عالية لذلك يختار أصحاب السلطة ذوى الكفاءات فى الإعلام الموجه للإلحاح ليل نهار على حواس الجمهور من خلال الصحيفة والإذاعة والتليفزيون لإقناعه بما تراه السلطة . وقد يتم التزييف من خلال شخصية كاريزمية فى السلطة أو فى المجتمع يتم من خلالها تسويق أفكار السلطة إلى الجماهير التى تتقبل هذه الأفكار بناءا على تقبلها وحبها للشخصية الكاريزمية . وهذا التزييف لوعى الجماهير وبالتالى لخياراتهم يحدث فى الأنظمة المستبدة والأنظمة الديموقراطية على السواء , ولكن تختلف وسائله وأساليبه ودرجة فجاجته أو وقاحته من مجتمع لآخر فبينما يحدث فى الأنظمة المستبدة بشكل سلطوى غاشم يمجد إرادة الفرد ويرفعه إلى مصاف الآلهة نجده فى الدول الديموقراطية يحدث من خلال آلة إعلامية هائلة التأثير تقوم بعمل غسيل مخ للناخب وتوجهه إلى حيث تريد من خلال التأثير على أفكاره ورؤاه .  

والجماهير بعد تزييف وعيها تصبح كائنا انفعاليا غير منطقى يميل إلى التحيز على أساس عاطفى وحماسى , ويميل إلى الإندفاع فى الإتجاه الذى يحدده له من قاموا بتزييف وعيه . وهذا السلوك الجماهيرى يستمر على هذا النحو إلى أن تكتشف الجماهير أنها قد غرر بها أو خدعت , وحينئذ يتغير مسارها وتنقض بلا رحمة على من غرروا بها أو خدعوها , وقد يحدث هذا التحول بسبب كارثة كبرى تقع ( هزيمة عسكرية ساحقة أو انهيار اقتصادى يهدد لقمة العيش ) أو بسبب تراكم جرعات الوعى التى يبثها بعض المصلحون من أبناء الشعب

 

الخصائص العامة للجماهير العربية :

1 - السلبية :

ربما يدهش بعض المراقبين تلك السلبية الشعبية غير المسبوقة تجاه الأحداث الساخنة , والحقيقة أن هذه السلبية ليست حالة طبيعية وإنما هى نتيجة جهود حثيثة عملت على مدى سنوات طويلة على خلق حالة من السلبية الفردية وإعلاء قيم المصلحة الذاتية , وإعاقة أى بادرة للتجميع أو الفعل , والهدف فى النهاية هو التأكيد على بقاء الوضع القائم برضا الجميع .

وقد تحدثنا للتو عن تأثير أجهزة التليفزيون والكومبيوتر على الوعى العام , وهنا سنزيد من رؤية هذا التأثير بطريقة كمية ونوعية , فلو حسبنا الساعات التى يقضيها الناس أمام هذه الأجهزة لوجدناها بالملايين , أى أن هناك ملايين الناس يقضون ملايين الساعات أمام الشاشة وليس لديهم أية رغبة فى مغادرة غرف النوم حيث تقبع هذه الشاشة اللذيذة . والأمر لا يقتصر على استهلاك طاقة ملايين الأجساد وإنما يمتد إلى عقولهم , فكثير من البرامج تقتل ملكة التفكير النقدى وتدع الشخص فى حالة تلقى سلبى لكل ما يراه على الشاشة أو معظمه فهو مستلق على ظهره يشاهد برامج مبلدة للعقول ومخدرة للتفكير النقدى الواعى ومحشوة بالتفكير الخرافى أو الإستهلاكى وقاتلة لأى قدرة على الفعل الإجتماعى الجاد والمؤثر . وهذا النوع من المشاهدة السلبية يعود المشاهد على أن دوره لا يتعدى حالة المشاهدة فهو كل يوم يرى فى نشرات الأخبار من يقتلون أو يدمرون أو يزورون وهو لا يبرح مكانه أمام الشاشة وفى غرفة نومه ومن هنا تتكون لديه عادة الإكتفاء بالمشاهدة وفى أقصى تقدير التحسر على ما يحدث والدعاء على من يفعلون والغضب ممن يسكتون وفقط . وربما يفسر لنا هذا سلبية الناس أمام أحداث كانت تحركهم لأقصى درجات التحريك فمثلا حدثت حالات اغتصاب أو محاولات اغتصاب فى بعض الميادين العامة دون أن يحدث التدخل الشعبى المتوقع , وحدثت عمليات قتل وبلطجة فى كثير من الأحداث دون أن تكون هناك استجابة مكافئة لذلك وكأن الناس تعودوا على المشاهدة دون الفعل من خلال ملايين ساعات المشاهدة التليفزيونية أو الكومبيوترية .

وما يتبقى من الوعى يتم تسكينه أو تخديره بواسطة السينما أو الإذاعة أو الصحف أو المباريات الرياضية أو الإنتخابات الشكلية أو الحوارات الإلهائية أو الوعود الزئبقية , وكلها تساهم فى امتصاص طاقة رد الفعل الإنسانى . وقد يقول قائل إن هذا تجن على وسائل الإعلام والوسائط التكنولوجية الحديثة , فهى وسائل تنوير وإيقاظ للوعى وتحريك للمشاعر ودفع نحو التغيير , وهذا صحيح ولكن فى حدود ضيقة تجعل هذه التأثيرات الإيجابية فى حكم الإستثناءات فى كثير من دول العالم خاصة دول العالم الثالث التى تبقى يقظة للحيلولة دون تجاوز البرامج الجادة حد الخطورة أو التأثير , فهى لا تمانع فى وجود بعضا من هذه البرامج الموقظة للوعى أو الكاشفة للحقيقة ولكن فى حدود تجعلها مجرد تزيين للصورة العامة ودرء للإتهام بالتزييف الشامل , وتحسين الصورة فى الخارج والداخل , مع الإبقاء على التفوق النوعى والكمى لبرامج وفعاليات غسيل العقول وتخدير الهمم وتزييف الوعى والحيلولة دون انتصاب الفعل الإنسانى فى اتجاهات التغيير الحقيقى. فالناس تعرف الكثير عن نجوم الكرة ونجوم الغناء وفاتنات السينما وملكات الجمال ومواعيد المسلسلات ومفتى الفضائيات أكثر مما يعرفون عن زعماء الإصلاح وجماعات الضغط من أجل التغيير .

ولا يغيب استعمال الدين فى عمليات التخدير هذه من خلال برامج دينية تكرس للتفكير الخرافى وتكرس للإعتمادية السلبية من خلال مفتون يشغلون الناس بقضايا هامشية ومشاهدون وطالبى فتاوى وتفسير أحلام أدمنوا التلقى السلبى والإعتمادية الطفلية الساذجة على ما يقوله المفتون , ونسوا تماما " استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك " فقد باعوا قلوبهم وعقولهم لنجوم الإفتاء كما باعوها قبل ذلك لنجوم الكرة والفن .

ويتعلم الناس مزيدا من السلبية من خلال انتخابات تزور إرادتهم ومن خلال بقاء أوضاع يرفضونها لسنوات طويلة ومن خلال إجهاض المحاولات التغييرية أو الإصلاحية المتكررة أو من خلال فشل الحملات الصحفية الكاشفة للفساد والعوار ثم فشل كل هذه المحاولات فى إحداث أى تغيير ملموس , أو من خلال الملاحقات الأمنية المستمرة والضاغطة , كل هذا يحمل الجماهير على الرضوخ للأمر الواقع والإعتقاد فى أن الوضع الراهن قدر لا يمكن تغييره إلا بقدر آخر لا دخل لهم فيه .

2 - القابلية للإيحاء والإستهواء والإستلاب :

هذه إحدى الخصائص الهامة فى الجماهير خاصة حين يتدنى مستواها التعليمى والثقافى فتصبح فريسة لأى شخصية قادرة على اللعب على مشاعرها وتصوراتها واحتياجاتها فتندفع بلا عقل إلى التصديق والإتباع دون تثبت أو تحقق ويساعد على ذلك غريزة القطيع التى تشكل نوعا من الضغط الجماعى على الناس فيندفعون إلى اتجاه معين لا لشئ إلا لأن غيرهم مندفعين أو مساقين إلى نفس الإتجاه . وهذه الخاصية يلعب عليها كثيرا السياسيون أصحاب الشخصيات الكاريزمية حيث يمتلكون القدرة على إلهاب حماس الجماهير وتوجيههم إلى حيث يريدون , وفعلا تستجيب تلك الجماهير وهى مغمضة الأعين وتسلم قيادها إلى من تثق به ثقة عمياء دون أن تسأل إلى أين ؟ . وفى انتخابات العالم الثالث غالبا لا تطرح برامج حقيقية للمرشحين وإنما ترفع شعارات رنانة تحرك المشاعر ولا تقنع العقول فالعقول هنا لا تعمل ولا تفند أو تنتقد . ويلعب الإعلام الموجه دورا كبيرا فى تسهيل عمليات الإيحاء والإستلاب والإستهواء للجماهير الجاهلة الغريرة , وكأن الإعلام هنا يقوم بالدور الذى قام به من قبل سحرة فرعون , فهم يسحرون أعين الناس ويزيفون وعيهم ويحتلون إدراكهم ويوجهونه لخدمة مصالح معينة بعيدة غالبا عن مصالح الجماهير المخدوعة . ويستطيع الإعلام أن يقوم بهذا الدور حتى فى الدول الديموقراطية حيث يستغل أدواته المؤثرة فى صياغة الرأى العام وصناعته والتأثير فى خيارات الناخب وتوجهاته من خلال الإلحاح والتزييف وتسليط الأضواء على أشياء بعينها وإطفاء الأضواء فى مناطق ومساحات أخرى بهدف خلق الصورة المطلوبة لتزييف الوعى وتوجيه الإرادة .

ولا ينجو من هذا التأثير إلا قلة من المثقفين المستنيرين الذين يحتفظون بقدرتهم على الرؤية من خارج إطار القطيع ولديهم القدرة على الإحتفاظ بإدراكهم دون تلوث أوتشويه أو تزييف ولديهم القدرة على التفكير النقدى وتنبيه الجماهير الساذجة المخدوعة . ولهذا يتعرض هؤلاء لمصاعب كثيرة خاصة فى النظم الإستبدادية فتلفق لهم القضايا ويزج بهم فى السجون ويستبعدون من مواقع التأثير .

 

3 - أخلاق العبيد :

حين يعيش شعب من الشعوب تحت أنظمة استبدادية لفترات طويلة فى تاريخه دون أن يتمكن من تغيير هذه الأنظمة فإن أفراد هذا الشعب يكتسبون صفات العبيد , فيتعاملون مع كل صاحب سلطة بالخضوع والخنوع والإستسلام , ويرون أنهم غير جديرين بالحياة الكريمة , ويرضون بالفتات الذى يلقى إليهم من يد السيد صاحب السلطة والسطوة . وشيئا فشيئا تذوب الكرامة وتنمحى النخوة والعزة والرجولة وتسود صفات الإنتهازية والنذالة والجبن والتسول المهين , وينطبق على الناس فى هذه الحالة ما قاله الشاعر :

خمسون عاما أنحنى

مذ كنت يوما سيدى طفلا رضيعا

واليوم تأمرنى لأرفع هامتى

فبكل أسفى سيدى لا أستطيعا

4 - السادوماسوشية :

ومع الوقت يتعود الناس على القهر والإذلال ، بل ويصبح مطلبا نفسيا لهم , إذ يستعذبون الشعور بالظلم وخاصة حين تسود ثقافة " يا بخت من بات مظلوم ولا بات ظالم " فالناس حينئذ ينقسمون إلى ظالم ومظلوم , فيختار أغلبهم موقع المظلوم الذى ينتظر إنصافه فى الآخرة من الظالم , وهذه هى بذور الماسوشية فى سلوك الجماهير . وعلى الرغم من هذا الخضوع الماسوشى من الجماهير تجاه كل من يملك سلطة عليهم إلا أننا نجد فى المقابل حالة من السادية تجاه من هو تحتهم , بمعنى أننا نجد الموظف يقبل حذاء رئيسه فى العمل , ثم حين يتعامل مع بقية الناس من الجمهور الذى يتردد عليه لقضاء مصالحه نجده يذيقهم أشد العذاب ويوقف مصالحهم ويذلهم ويبتزهم بوعى أو بغير وعى , وحين يذهب هذا الموظف إلى البيت إما أن تجده زوجا جبارا مستبدا أو تجده خاضعا مستسلما منسحبا وذلك طبقا لموازين القوى بينه وبين زوجته . أى أن الناس فى هذه الظروف المشوهة تتعامل بماسوشية ( خضوع واستسلام وتلذذ بذلك ) مع الأعلى وتتعامل بسادية ( قهر وتعذيب واستغلال وتلذذ بذلك ) مع الأدنى , وتغيب فى هذا الجو العلاقات السوية الناضجة بين أغلب الناس .

 

الكتلة الحرجة :

على الرغم من إمكانية خداع الجماهير واستلابها واستغلالها وقهرها , وربما يستمر هذا لفترات قد تطول إلا أن قوانين النفس وقوانين الجماعات تؤدى لا محالة إلى حالة من اليقظة والإفاقة تؤدى إلى غضبة الجماهير , وهى حين تغضب تتحرك كديناصور ضخم يفيق من نومه شيئا فشيئا وتبدو حركته بطيئة فى البداية ثم يتجه إلى من أذاه فيدهسه بلا رحمة وربما دمر أشياء أخرى كثيرة فى طريقه . وهذه الهبّة الجماهيرية وما يتبعها من حركة فى اتجاه التغيير تحتاج لتجمع إرادة نسبة معينة من الناس فى اتجاه واحد , وهذا ما يسمى بالكتلة الحرجة , وهذه الكتلة الحرجة يمكن أن تتكون بإحدى طريقتين : 

1 – التراكم : وذلك بالزيادة الكمية على فترات طويلة نسبيا من الزمن حتى تصل إلى مستوى يؤدى حتما إلى التغيير .

2 – الطفرة : وتحدث حين تستفز مشاعر الجماهير بشكل مؤثر ومفاجئ خاصة فيما يمس لقمة عيشها أو مشاعرها الدينية أو كرامتها الوطنية .

ولهذا تعمل الأنظمة ( الإستبدادية بوجه خاص ) على منع تكون الكتلة الجماهيرية الحرجة وذلك من خلال بعض أو كل الآليات التالية :

1- التفتيت : وذلك بتجريم التجمعات وسلب حق التظاهر أو اشتراط تصريحات يصعب الحصول عليها , أو التفجير من الداخل بواسطة العملاء المندسين فى أحزاب المعارضة أو فى التجمعات الجماهيرية خاصة الطلاب والعمال لتفجيرها وقت اللزوم من خلال إثارة الخلافات والصراعات .

2- الإجهاض : ويتم من خلال المتابعة الدقيقة واللصيقة لأى بادرة تجمع جماهيرى أو إثارة من أى شخص أو جماعة فيتم إجهاضها قبل أن تبلغ مرادها . ومع تكرار عمليات الإجهاض تسود لدى قوى التغيير حالة من اليأس والإحباط , فإما أن ينصرفوا عما هم فيه وإما أن يتجهوا إلى العمل السرى أو العنف وبهذا يعطوا مبررات لاجتثاثهم بدعاوى جنائية تحرمهم من شرف البطولة الشعبية .

3- الترغيب والترهيب : حيث يتم احتواء بعض القيادات المؤثرة من خلال الإغراء بالمناصب أو المكاسب أو المكانة الإجتماعية , ومن لا تنجح معه هذه الوسائل تكفيه العصا الغليظة تهوى على رأسه فتردعه وتردع غيره ممن تساورهم أنفسهم بالتفكير فيما فكر هو فيه .

4- الرقابة : وهى عين ساهرة ترصد بدقة أى بادرة تفكير أو نية تغيير فتتعامل معها بأى طربقة من الطرق السابقة . والرقابة تستدعى عيونا فى كل مكان لرصد أفكار واتجاهات ومشاعر الجماهير , وقد تتم من خلال أفراد سريين أو من خلال أجهزة وتنظيمات أو من خلال مؤسسات شبه علمية  .

5- الإبعاد : وهو طريقة للحفاظ على مراكز الرأى والتأثير خالية من أى بادرة تفكير أو تغيير لا يخدم المصالح القائمة , فتوضع اشتراطات ولوائح معينة تحول دون وصول المعارضين للمراكز أو المناصب المؤثرة . وفى بعض الدول التى تقوم على النظام الطائفى يوضع فى الإعتبار أن مستويات معينة من الوظائف لا يتقلدها أبناء طائفة معينة حتى تظل السيطرة فى يد الطائفة الأكثر سيطرة .

 

سلوك الحشد :

اهتم علماء النفس بسلوك البشر حين يتجمعون فى أعداد كبيرة حيث اتضح اختلاف سلوكهم فى هذه الحالة عن سلوكهم فى حالاتهم الفردية , وكأن الحشد ( التجمع ) يأخذ أبعادا نفسية تتجاوز مجموع اتجاهات وآراء الأشخاص منفردين , وكأن تغيرا نوعيا يطرأ يساعد على خروج أفكار ومشاعر لم تكن متاحة لوعى الفرد فى حالته الفردية أو فى التجمعات الصغيرة ( عدة أفراد ) , وهذه هى خطورة سلوك الحشد , وهذا هو السبب وراء حرص السلطة ( أى سلطة ) على تجنب المواقف الحاشدة للجماهير خاصة حين تكون غاضبة أو تكون ممنوعة من التعبير لفترات طويلة حيث تصبح إمكانات الإنفجار المدمر أكثر احتمالا . ويصف جوستاف لوبون الجماهير فى حالة احتشادها وانفعالها واندفاعها وغضبها بأنها " أبعد ماتكون عن التفكير العقلانى المنطقى , وكما أن روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسى الذى يجعل شخصا ما يغطس فى النوم فإن روح الجماهير تخضع لتحريضات وإيعازات أحد المحركين أو القادة الذى يعرف كيف يفرض إرادته عليها , وفى مثل هذه الحالة من الإرتعاد والذعر فإن كل شخص منخرط فى الجمهور يبتدئ بتنفيذ الأعمال الإستثنائية التى ما كان مستعدا إطلاقا لتنفيذها لو كان فى حالته الفردية الواعية والمتعقلة . فالقائد أو الزعيم إذ يستخدم الصور الموحية والشعارات البهيجة بدلا من الأفكار المنطقية والواقعية يستملك روح الجماهير " . ويمكن تفسير سلوك الحشد على أنه خروج للمشاعر المكبوتة بعد إزالة عوامل الكبت والقمع مع الإحساس بالأمان فى وسط المجموع ومع هدير أصوات الشعارات الجماعية وبتيسير من قائد يعرف ما يعتمل بطبقات الوعى الأعمق للجماهير فيناديها ويحركها , أى أن القائد الجماهيرى هنا لا يستلب الجماهير ولا ينشئ موقفا جديدا وإنما ييسر خروج مشاعر مكبوتة لديهم ويوجهها إلى حيث يريد بموافقة الجماهير . وفى حالات التجمع والحشد يتكون ما يسمى بالجمهور النفسى , وهو كيان نفسى اجتماعى مؤقت يقوم بدور مطلوب من قبل هذا الكيان . ويصف لوبون هذا الجمهور النفسى بقوله : " الظاهرة التى تدهشنا أكثر فى الجمهور النفسى هى التالية : أيا تكن نوعية الأفراد الذين يشكلونه وأيا يكن نمط حياتهم متشابها أو مختلفا , وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاءهم فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية , وهذه الروح تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التى كان سيحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان معزولا , وبعض الأفكار والعواطف لا تنبثق أو لا تتحول إلى فعل إلا لدى الأفراد المنضوين فى صفوف الجماهير " ... " إن الجمهور النفسى هو عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة ولكنهم متراصوا الصفوف للحظة من الزمن , إنهم يشبهون بالضبط خلايا الجسد الحى التي تشكل عن طريق تجمعها وتوحدها كائنا جديدا يتحلى بخصائص جديدة مختلفة جدا عن الخصائص التى تملكها كل خلية " ..... وفى حالة الذوبان هذه يحدث " تلاشى الشخصية الواعية , وهيمنة الشخصية اللاواعية , وتوجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار , والميل إلى تحويل الأفكار المحرض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة , وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه , وإنما يصبح عبارة عن إنسان آلى ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده " .... ولذلك يرى لوبون أن " الجمهور دائما أدنى مرتبة من الإنسان الفرد , فيما يخص الناحية العقلية الفكرية , ولكن من وجهة نظر العواطف والأعمال التى تثيرها هذه العواطف فإنه يمكن لهذا الجمهور أن يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ – وكل شئ يعتمد على الطريقة التى يتم تحريضه أو تحريكه بها " . والسلطة تعرف بفطرتها كما تعرف بمفكريها وعلمائها كل هذه الحقائق عن سيكولوجية الحشد وطبيعة الجماهير أثناء المظاهرات أو التجمعات الهائلة لذلك تحول قدر الإمكان دون تكون هذا الكائن الخطر , وإذا حدث وتكون فإنها تحاول حرمانه من قائد يوجه حركته ضدها , أو تدفع هى بقائد يوجه حركة الجمهور فى صالحها , أو تحاول تملق هذه الجماهير بإظهار احترامها وتقديرها (فى الوقت الذى تنظر فيه السلطة إلى الجماهير بأنها لا عقلانية ولا منطقية وكأنها تتعامل مع طفل صغير تريد استرضاءه حتى يهدأ ثم تفعل هى ماتشاء بعد ذلك ) , وفى حالة السلطة الطاغية المستبدة يكون الحل هو قمع هذه الجماهير أو تفريقها بقوات الشرطة وإذا استدعى الأمر قوات الجيش , وقد تفشل هذه الجهود أو تنجح بناءا على موازين القوى بين السلطة والجماهير والتى كثيرا ما تتغير بتعاطف أو انضمام قطاعات من السلطة إلى صفوف الجماهير خاصة حين تكتشف تلك القطاعات أن فردا يريد استخدامها لسحق الجماهير لصالحه وأنه لا يدرك عواقب ما يفعله , خاصة وأن قوى الشرطة والجيش فى لحظات حرجة فى المواجهة تتذكر أنها منتمية إلى هذه الجماهير انتماء قرابة وانتماء مصير , وهنا تتمرد على رأس السلطة ( خاصة إذا كان فردا ) وتنحاز إلى الجماهير فتنقلب موازين القوى بسرعة وتنتصر إرادة الجماهير .

وفى وسط الحشد يشعر الفرد بالأمان لأنه الآن جزء من كيان ضخم يصعب عقابه أو مساءلته , ويتمركز الشخص حول هذا الكيان الضخم أكثر من تمركزه حول ذاته , ويضعف التزامه بالقيود السياسية أو الإجتماعية أو الأمنية أو الأخلاقية , ويتوحد مع الجموع الهائجة فى حركة أقرب ما تكون إلى حركة القطيع , وتصبح العواطف الملتهبة هنا هى سيدة الموقف فتتحرك الجموع بمشاعر الحرمان أو الرغبة أو الظلم أو القمع أو الإحباط أو الغضب .

وسلوك الحشد من الناحية النفسية أشبه ما يكون بالهستيريا الجماعية حيث يبدأ الحشد بفرد أو مجموعة من الأفراد يظهرون حماسا معينا بشكل مؤثر فينتقل هذا الحماس بما يشبه العدوى إلى الأفراد المحيطين بهم ثم تتسع دائرة العدوى بسرعة تتوقف على قدرة المحركين للحماس وعلى الحالة الإنفعالية لبقية الجموع وكل هذا يحدث بشكل غير واع . ولكى يحدث هذا لابد من وجود أرضية مشتركة تدعم انتقال هذا الحماس وتصاعده بشكل تلقائى وسريع , كأن يكون تحمسا وحبا لفريق كرة معين أو كرها وغضبا تجاه شخص أو نظام معين , أو استجابة لشائعة أو فكرة تجد لها فى اللاوعى مقابلا يدعمها , كل هذا يوفر أرضية مشتركة للتحرك الجماعى غير الواعى والذى يفجر طاقات طال كبتها فى اللاوعى الفردى والجمعى على السواء .

وسلوك الحشد لا يقتصر على المواقف السياسية التى نراها فى المظاهرات , وإنما نراه أيضا فى مباريات كرة القدم حيث تندفع الجماهير فى حماس طاغ نحو تأييد فريق معين أو الغضب من قرار الحكم فينفلت عيارها وتندفع فى خطورة بلا ضابط أو رادع , وقد يؤدى ذلك إلى كارثة يموت فيها الكثيرون أو يصابون .

ومثال آخر لسلوك الحشد حدث فى وسط القاهرة فى شارعى عدلى وطلعت حرب وأمام سينما مترو حين حضرت إحدى الراقصات لترقص أمام السينما ترويجا لفيلمها , واندمجت فى الرقص وظهرت ملابسها الداخلية المثيرة وسط حماس الشباب الهائج فاستدعى ذلك من ذاكرتهم صورا ومشاهد أكثر عرى للراقصة واستدعى بعضهم أو أكثرهم مشاهد تسربت عبر اسطوانات كومبيوتر تصور الراقصة فى أوضاع جنسية , إضافة إلى ذلك كان هناك مطرب شعبى مبتدئ دخل عالم الشهرة من خلال أغنية تتحدث عن العنب لتسقط عليه تلميحات وتصريسحات جنسية فاضحة ومثيرة , كل هذا فى أول أيام عيد الفطر عام 2006 حيث يتناول بعض الشباب أنواعا من المخدرات والمسكرات تساعد على إذابة ضمائرهم وانفلات رغباتهم وغرائزهم وهنا انطلقت الجموع الهائجة من الشباب فى حالة سعار جنسى غير مسبوفق فى وسط مدينة القاهرة تحت سمع وبصر الناس والأمن وكان الجميع فى دهشة ربما لتسارع الأحداث واختلاط الحابل بالنابل , كل هذا حدث على الرغم مما هو معروف عن المجتمع المصرى أنه مجتمع متدين ومحافظ , وذلك دليل على أن هناك شئ ما كان يجرى تحت السطح مفاده أن هناك أعدادا هائلة من الشباب تعانى كبتا وجوعا جنسيا ولا تجد منصرفا لذلك بل تجد استثارة مستمرة لكل ذلك عبر الفضائيات ومواقع الإنترنت , كل هذا تفجر فى لحظة معينة وفى ظروف معينة فتحولت أعداد غفيرة من الشباب ( الذى ربما يبدو كل منهم بمفرده مؤدبا وملتزما بالدين والأخلاق والعرف والتقاليد ) إلى حيوان يبحث عن إشباع شهواته خاصة حين تيقن من غياب أو ضعف الضابط الأمنى والإجتماعى فى هذا السياق . 

 

مراجع الدراسة :

* جوستاف لوبون . سيكولوجية الجماهير . ترجمة هاشم صالح , الطبعة 19 , دار الساقى بيروت , 1991م 

* سالم القمودى ( 1999 م ) . سيكولوجية السلطة ( بحث فى الخصائص النفسية المشتركة للسلطة). الطبعة الأولى , مكتبة مدبولى , القاهرة     

* عزالدين العلام (2006 ) . الآداب السلطانية . عالم المعرفة , 324 , الكويت .

* هربرت شيللر ( 1999) . المتلاعبون بالعقول . ترجمة عبدالسلام رضوان , عالم المعرفة 243 , الكويت

أعلى الصفحة

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

   
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية