الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى



مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
تحويل العملات
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



مجلةالنفس             المطمئنة               

 

المصريون والجن

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى 

 

لم أصدق أن الذى يجلس أمامى الآن فى عيادتى هو هو نفس الشخص الذى سمعت عنه كثيرا وقرأت عنه أكثر فمعلوماتى أنه لا يغادر غرفته منذ عاد من العالم الخفى الذى قضى فيه عدة سنوات ضيفا على مملكة الجن – كما ذكرت أمه ونقلت الصحف – فهو متفرغ لعلاج المرضى وخاصة المرضى النفسيين , وكنا نعتبره نحن الأطباء منافسا قويا لنا بل كانت الأعداد التى تزوره أضعاف من يزوروننا , وكانت ثقة الناس فيه عالية حيث كان يختلف – فى نظرهم – عن بقية المعالجين الشعبيين أو الروحانيين , فقد كان يكتب أدوية تصرف من الصيدليات أو أعشاب تصرف منن العطار , وكانت له فترات صمت ونظرات وتصرفات غير مفهومة ولكنها مؤثرة فى من يزورونه , ومن المعروف أنه كان طالبا فى السنة الثالثة بكلية الطب وتعثر فيها عدة سنوات ثم انعزل فى غرفته عدة شهور وبعدها اختفى وذكرت أمه أنه دخل غرفته ولم يخرج منها , وبعد عدة سنوات وجدته جالسا فى غرفته ولا تعرف من أين عاد وكيف دخل الغرفة وهى مغلقة طوال فترة غيابه , إلى أن أخبرها بعد ذلك أنه عاش تلك السنوات تحت الأرض وتعلم الطب هناك على أيدى أمهر الأطباء الجان , وبدأ من وقتها يمارس الطب من غرفته . كنت شغوفا لمعرفة قصته ولكنه لم يكن قادرا على الحديث فقد كان كلامه مفككا وكان فى حالة خوف شديد ممن يعتقد أنهم يتتبعونه من مملكة الجن بسبب طلاقه لزوجته منهم , وكانت أصواتهم القوية تدوى فى أذنه وتحرمه النوم ليل نهار وانقطع عن الطعام بأوامر منهم حتى تدهورت صحته تدهورا شديدا وكاد يموت . ودار الشريط أمام عينى مسرعا فتذكرت أنه فى شهر واحد التقيت بالكثيرين من ضحايا الجن فهذه امرأة سافر زوجها منذ عشرين سنة ولا يحضر إلا شهر كل ثلاث سنوات , وربت أولادها وزوجتهم وأصبحت تعيش وحيدة , فلم يتركها الجن فى حالها وأصبحوا يتسللون إلى غرفتها كل ليلة ليواقعوها وهى بين النوم واليقظة وتستيقظ مرعوبة مما يحدث . وذاك شاب عجز عن أداء مهمته فى ليلة زفافه وكان هذا بسبب الجنية التى تزوجها منذ عدة سنوات وهو أعزب فقررت أن لا تتركه لأحد غيرها فأصابته بالعجز حتى يعود إليها . وتذكرت تلك الأوقات فى بواكير حياتى حين كنت أتسلل إلى جلسات إخراج الجن لأرى ذلك الصراع بين الشيخ المعالج ( وأحيانا القس المعالج ) وبين الجنى الكافر الذى يفتك بضحيته , وكاد يفتك بى أحد المعالجين حين شك فى هويتى حين نسيت نفسى ورحت أسأل وأستفسر بطريقة فهم منها أننى من الفضوليين . وتذكرت أحد التائبين من هؤلاء المعالجين الروحانيين حين اعترف لى أن دخله فى بعض الأيام كان يصل إلى ما يوازى خمسون ألف جنيه فتحسرت على سنوات عمرى التى ضاعت .

حجم الظاهرة :

 أصبح الجن يحتل مساحة كبيرة في وعي المصريين فى السنوات الأخيرة ( على الرغم من الفضائيات والإنترنت ) ، فقد ثبت من دراسات عديدة أن 70-80% من المرضى النفسيين في المجتمع المصري يترددون على المعالجين الشعبيين ، وطبقاً لتقارير المركز القومي للبحوث ( سبتمبر 2003 ) فإن في مصر مليون مواطن يعتقد أنه ممسوس بالجن وثلاثمائة وخمسون ألف شخص على الأقل يعملون في مجال العلاج بإخراج الجن .

ولم يعد يقتصر الأمر على المستويات الشعبية الدنيا وإنما امتد ليشمل مستويات تعليمية عالية تصل إلى مستوى أساتذة الجامعات والمثقفين ، أي أنها ظاهرة عابرة لكل المستويات الاجتماعية والتعليمية بشكل ملفت للنظر ومثير للانتباه ، لدرجة أن الشيخ الغزالي رحمه الله تساءل يوماً في غضب : لماذا تركبنا العفاريت نحن فقط ولا تركب الألمان وغيرهم من الأوروبيين والأمريكان .

وقد أجرى كلاً من الباحثين المصريين د.محمد عبد العظيم و د. احمد الكتامي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة  دراسة ميدانية عن ظواهر الشعوذة والدجل والمعالجة بالقرآن .وقد نشرت جريدة "الشرق الأوسط" أجزاءً منها في عدديها: العدد الأول: " 29 نوفمبر 2004 العدد 9498" والعدد الثاني: " 22 مايو 2005 العدد 9672".

فَتحْتَ عنوان: "الشعوذة تدخل سوق الاستثمارات العربية من أبواب الخواء العقلي والروحي" جاء في العدد الأول هذا التقرير:

" دخلت ممارسات الدجل والشعوذة سوق الاستثمارات العربية من أبواب سرية وشديدة الخطورة. فلم تعد هذه الممارسات مقصورة على الجهلة وأنصاف المتعلمين، بل انضم إلى خيوطها عناصر من نخبنا المثقفة، وذوي المراكز المرموقة المنوط بها صنع القرار في بلادنا. وتقول احصائية حديثة إن الدول العربية تنفق أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً على الدجل والشعوذة. كيف نوقف هذا النزف الأعمى، الذي يتستر تحت مظلة الخرافة، والخواء العقلي والروحي، وضغوط الحياة، وما هي أبعاده النفسية والاجتماعية.. "

" أشارت دراسة ميدانية حديثة قام بها د. محمد عبد العظيم بمركز البحوث الجنائية في القاهرة إلى أن ممارسي السحر يخلطون بين السحر والدين، ويزعمون أن لهم القدرة على علاج الأمراض... وأن هناك زهاء 300 ألف شخص في مصر يدعون علاج الأمراض بتحضير الأرواح وأن 250 ألفا أي ربع مليون دجال يمارسون أنشطة الشعوذة في عموم الدول العربية وأن العرب ينفقون زهاء 5 مليارات دولار سنوياً على السحر والشعوذة، وأن نصف نساء العرب يعتقدن بفعل الخرافات والخزعبلات ويترددن على المشعوذين سراً وعلانية ".

" وبينت الدراسة أن المصريين وحدهم ينفقون نحو عشرة مليارات جنيه سنوياً على الدجالين والمشعوذين والنصابين الذين يدعون كذباً قدرتهم على تسخير الجان وعلاج الأمراض والمشاكل الصحية والاجتماعية والاقتصادية. وأوضح الباحث المصري في دراسته أن استمرار اعتقاد الأسر بقدرة هؤلاء على حل كثير من المشاكل المستعصية خاصة الاجتماعية منها كالتأخر في الزواج, أو الصحية كعدم الإنجاب أو العقم أو فك السحر, ساهم في توفر 300 الف شخص على الاقل يعملون في مجال الدجل والسحر في مصر" .

" وتؤكد الدراسة ان حوالي 50 % من النساء المصريات يعتقدن بقدرة الدجالين على حل مشاكلهن, موضحة أنهن الأكثر إقبالا على هؤلاء وان الدجالين والسحرة يعمدون إلى ممارسة هذه الخرافات بهدف جني الأموال. كما اكدت دراسة اخرى اجراها كل من الباحثين المصريين رشدي منصور ونجيب اسكندر في المركز القومي للبحوث النفسية بالقاهرة ان 63 % من المصريين يؤمنون بالخرافات والخزعبلات ويمثل الفنانون والسياسيون والمثقفون والرياضيون منهم نسبة11%"

وبعد سبعة أشهر تقريباً نشرت "الشرق الأوسط" في العدد المشار إليه سابقاً التقرير التالي:

"دراسة: 10 مليارات جنيه ينفقها المصريون على أوهام الشعوذة" ...... دجال لكل 240 مواطنا.

القاهرة: "الشرق الأوسط"

" أفادت دراسة جديدة بأن المصريين ينفقون 10 مليارات جنيه سنوياً على الدجالين. وقالت الدراسة التي أعدها الباحث محمد عبد العظيم بمركز البحوث الاجتماعية، إن هذه المبالغ تنفق على 300 ألف دجال في مصر، مؤكداً زيادة أعداد هؤلاء الدجالين مع تزايد الاعتقاد بالخرافات، ويأتي المتعلمون وأصحاب المستويات الثقافية الرفيعة في مقدمة المترددين على هؤلاء الدجالين، حتى إن المعدل أصبح دجالاً واحداً لكل 240 مواطنا، باعتبار عدد السكان في البلاد يبلغ 72 مليون نسمة" .

" وأشارت الدراسة إلى أن 50% من نساء مصر يؤمنّ بالدجل وقدرة المشعوذين على حل المشكلات. كذلك يؤمن بالدجل المصريون من الرجال الباحثين عن التفوق الجنسي. وتتحكم نحو 275 خرافة في عقول المصريين، على رأسها مشكلات تأخر سن الزواج وعدم الانجاب والمشكلات الجنسية المعقدة، اضافة إلى الأمراض المستعصية. وجاءت القاهرة في موقع الصدارة من حيث عدد الدجالين أو تركزهم حيث يصل عددهم إلى نحو 100 ألف".

" وتقول الدراسة إن 38 في المائة من مشاهير الفن والسياسة والرياضة والمثقفين هم من رواد السحرة والدجالين. وينساق العديد من هذه الفئات، كما أكدت الدكتورة عزة كريم، استاذة الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، لإحساسهم بنوع من الراحة النفسية، حيث يلجأون إلى هؤلاء الدجالين بعد فشلهم في العلاج. وقالت إن هذا العجز يشعر به الأغنياء والفقراء على حد سواء ويسهم في ذلك أيضاً ما وصفته الدراسة بـ«انغلاق المجتمع وتعدد مشاكله» ( انتهى التقرير )

 ويعمل عدد من المنتسبين إلى الدين ( أو ذوى الهيئة الدينية ) على ترسيخ ثقافة الجن والعفاريت لدى قطاعات واسعة من الناس , والدافع لديهم مزدوجا فمن ناحية يزداد خوف الناس ورعبهم فيلجأون إليهم كملاذ آمن وبالتالى يصبح لهم أتباعا ومريدين ولائذين وفارين , ومن ناحية أخرى تروج لديهم مهنة حماية البشر وإنقاذهم من خلال قراءة مقتطفات من النصوص المقدسة وشبه المقدسة عليهم مقابل مال أو شهرة أو جاه , ولهذا زادت جرعة الترهيب فى الخطب والمحاضرات والندوات والأشرطة , وزادت أعداد الخائفين والمرعوبين فبدلا من أن يفر الناس إلى الله فروا إلى هؤلاء النالس يحتمون بهم من عذاب النار الذى ينتظرهم مؤكدا ومن تربصات الجن المحيطة بهم .

وقفز إلى ذاكرتى نص توراتى كنت أعتبره متحيزا ضد مصر كعادة التوراة التى تعتبر بعض نصوصها منشورا سياسيا ضد مصر حيث تصفها ب " بيت العبودية " وربما يعود ذلك إلى ما عاناه شعب إسرائيل من اضطهاد أيام الفراعنة . وقد ورد فى التوراة أن إفناء مصر لن يكون جراء هجمات خارجية , وإنما عن طريق الفتن والقلاقل التى يقوم بها الرب ( ؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!) , حيث جاء فى سفر التكوين : " أهيج مصريين على مصريين فيحارب كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه , مدينة ومدينة , ومملكة مملكة , وتراق روح مصر داخلها , وتضيع مشورتها فيسأل كل واحد العرّافين والتوابع والجن , وأغلق على المصريين فى يد حاكم قاس فيتسلط عليهم " ( !!!!!! ).

وتروى الأساطير أن للمصريين القدماء تاريخ قديم مع الشيطان والذى كان يرمز له بإله الشر " ست" , وقد كانوا من فرط خوفهم منه يقدمون له القرابين ويتملقونه لدرجة أنهم مكنوه فى وقت من الأوقات من التغلب على إله الخير وقتله .

 ثقافة الجن والظروف السياسية والاجتماعية والدينية :

ويبدو أن ظاهرة تلبس الجن أو فرط الإنشغال بالجن أو ما يسمى " ثقافة الجن " لها صلة بالظروف السياسية والاجتماعية والدينية ، حيث تساهم حالة القهر النفسي والاجتماعي والسياسي في خلق الإحساس بالعجز فلا يستطيع الشخص التعبير عما بداخله في الأحوال العادية فيلجأ الجهاز النفسي إلى حالات الهستيريا الانشقاقية ( ينشق جزء أو مستوى من الوعى فيتكلم بصوت مختلف أو يأتي أفعالاً غريبة على سياق شخصيته العادية ) لكي يقول ما يريد ويفعل ما يريد ، أو إلى الهستيريا التحولية (تتحول المعاناة النفسية إلى أعراض جسمانية عصبية ) حيث يدخل فى حالة إغماء أو تشنج هستيرى وذلك للهرب من ضغوط لا يقوى على احتمالها , إضافة إلى أن ظروف المجتمع لا تسمح بنضج الكثير من الناس ، بل ربما تشجع الخوف والخضوع والتعامل كأطفال أمام كل رموز السلطة من آباء ومعلمين ومديرين وأزواج وحكام ، وحين تتعرض هذه الشخصيات الهشة غير الناضجة لأي ضغوط فهي تلجأ إلى الأعراض الهستيرية الانشقاقية أو التحولية تحتمي بها وتجذب بها الانتباه وتستجدي من خلالها العطف والاهتمام , ودائما تعزو كل شيء لعوامل خارجية لا سلطان لها عليها ، وبالتالي فهي ليست مسئولة عن أي شيء ، وإذا كان ثمة علاج فهو يوجه إلى القوى الغيبية المسيطرة دون تدخل من المريض في أي شيء . وهذا يسمى فى علم النفس " وجهة الضبط الخارجية حيث يربط الإنسان ما يحدث له بالحظ أو بالصدفة أو بتأثير أشخاص آخرين ولا يرى نفسه مسئولا عن شئ أو قادرا على تغيير شئ فى محيط حياته , وهو بالتالى ينتظر الحل من خارجه سواء من الظروف أو من الناس .

فقوى الجن هنا تمثل رمزياً في العقل الباطن الشخصي وفي الوعي الجمعي كل قوى القهر والتسلط والإذلال الخارجية والداخلية ، فهي ليست بعيدة عن التسلط الأمريكي والإذلال العالمي للمسلمين والعرب والمصريين في كل مناسبة وكل محفل ، وليست بعيدة عن أجواء التحكم والاستبداد بالرأي على كل المستويات الداخلية ، فالشخص ( والمجتمع ) المصري يشعر في النهاية أنه مفعول به طول الوقت وأنه عاجز عن المواجهة ، ولكي يعفي نفسه من هذا الموقف المهين يقوم بعمل إزاحة لكل هذه المعاني إلى قوى خفية يعتقد اعتقاداً جازماً أنها توجه حياته وتؤثر فيها وأنه لا حول له ولا قوة تجاهها . وحتى في حالة بحثه عن علاج من تأثير الجن لا يقوم هو بأي جهد إيجابي بل كل المطلوب منه أن ينام على ظهره أو جنبه أو بطنه ( حسب مزاج الشيخ  المعالج وذوقه ) ويقوم المعالج ( الشيخ أو القس ) بتلاوة نصوص دينية أو شبه دينية  حتى يطرد الجن من جسده ، وإذا لم يخرج بهذه الطريقة  فلا مفر من الضرب بالعصى على هذا الجسد السلبي المستسلم المتخاذل حتى يخرج الجني الذي يركبه . ويساعدنا على هذا الفهم ما نسمعه كثيراً من أن الجن الذي ركب الشخص المصري أو العربي أو المسلم هو جن كافر ، وكأن الكفار الإنس والجن على السواء يمارسون قهراً وتسلطاً وإيذاءاً لا نملك دفعه إلا بوسائل خارقة .

وهذه هي نفس الظروف التي تبنى فيها ابن تيمية فكرة تلبس الجن للبشر حيث كان يعيش في عصر طغى فيه التتار ( الكفار ) على الأمة الإسلامية وأصاب الناس شيء ضخم من الإحباط واليأس والقنوط بأن الأمة لن تخرج من هذا المأزق الذي هي فيه إلا بتحميل الغيبيات مسئولية الواقع المؤسف الذي حدث للمسلمين . وقد وردت روايات عن إخراج الجن على يد ابن تيمية كما ذكر ابن القيم في الطب النبوي صفحة 768 ، وهذه الروايات اعتمدت على اجتهادات خاصة من ابن تيمية ، وقد أيده فيها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – مفتي السعودية والذي قال : " قد دل كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة على جواز دخول الجني بالإنسي وصرعه إياه ، فكيف يجوز لمن ينتسب إلى العلم أن ينكر ذلك بغير علم ولا هدى ؟ " . وعلى هذا الرأي يرد الدكتور جمال أبو حسان (أستاذ التفسير في جامعة الزرقاء الأهلية بالأردن ) بقوله : " هذا القول الذي قاله الشيخ ابن باز ليس إلا ترديداً حرفياً لما نقل عن الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله – وأنا أقول أنه من أسباب انتشار هذه الظاهرة ثقة الناس بكتب الشيخ ابن تيمية ، فهو الذي نشر هذه الفكرة بعد أن سيطر عليه الاعتقاد بصوابها من كثرة ما أشيع بين الناس من وجود هذه الظاهرة ، فصدقها ، كما أن ابن تيمية – رحمه الله – ليس معصوماً ، فالعصمة لم يجعلها الله تعالى إلا للأنبياء ، وهذا الرجل الحقيقة انتشرت هذه القضية في عصره ، وكان بعض الصالحين يأتي إليه ويقول إنا نفعل كذا وكذا وكان يصدقهم فتحولت هذه القضية في زمان ابن تيمية من موروثات شعبية إلى قضية دينية صار الناس يحاكم بعضهم بعضاً بناءاً عليها  . الأمر الثاني : قول الشيخ ابن باز أن هناك إجماع .. ليس إجماع .. أنا والله ما أعرف أن المسلمين اجتمعوا وبحثوا هذه المسألة في مؤتمر علمي عام واتفقوا على حدوث هذه القضية " ( المرض النفسي بين الجن والسحر والحسد – الجمعية الإسلامية العالمية للصحة النفسية 2004م-1425هـ).

وقد حاول ابن القيم - تلميذ ابن تيمية – رحمهما الله ، أن يكون أكثر تخصصاً في هذه المسألة حتى لا يعزوها كلها إلى الشياطين ، فقال في كتابه " الطب النبوي " صفحة 66 : " الصرع صرعان : صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية ، وصرع من الأخلاط الرديئة ، والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه " . ولكن ابن القيم لم يذكر كيفية التفريق بين نوعي الصرع ، وربما له العذر في ذلك فقد كان لرأي ابن تيمية عن تلبس الجني للإنسي وصرعه قبولاً واسعاً ، كما أنه لم توجد في عصره أي وسائل تشخيصية تبين ما وراء الصرع من أسباب بيولوجية أو نفسية ، ولكن يكفيه فضلاً وفخراً أنه استطاع أن يخفف من أثر تعميم رأي ابن تيمية حيال الصرع وأن يقول أن ثمة نوعين مختلفين منه يصيبان الإنسان . وقد اتضحت الصورة طبياً بعد ذلك وخاصة بعد اكتشاف رسام المخ الكهربائي وبعد التقدم الهائل في العلوم العصبية والنفسية فتبين أن هناك نوعين من النوبات بشكل عام أحدهما تنتسب للصرع الناشىء عن اضطراب النشاط الكهربي في المخ والآخر ينشأ عن اضطراب نفسي يسمى الهستيريا التحولية أو الانشقاقية ، وأن لكل نوع من هذه الأنواع علاجات متخصصة بناءاً على أبحاث علمية موثقة .

ويحاول بعض المدافعين عن قضية تلبس الجن للبشر تقوية موقفهم أكثر بإرجاع هذا الأمر إلى حديث للرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء في حديث ليعلي بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتته امرأة بابن لها قد أصاب لمم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أخرج عدو الله أنا رسول الله". قال : فبرأ ( أخرجه الإمام أحمد 4/170 ، 171 ، 172 ).

هذا الحديث بنى عليه كثير من المشتغلين بإخراج الجن ممارساتهم على أساس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك . وعن هذا الحديث يقول الدكتور / جمال أبو حسان : " هذا حديث منكر روى من عدة طرق مختلفة ليس فيها ولا طريق واحد صواب .. كلها من رواية المجهولين ، من رواية الضعفاء ، من رواية المنكرين ، ليس فيها ولا طريق واحد سلم من النقص .. هذا حديث المرأة والصبي ليس في رواياته ولا رواية واحدة تصلح مستنداً لهذا الذي يقول عنه الناس " ( عن كتاب المرض النفسي بين الجن والسحر والحسد .. الجمعية الإسلامية العالمية للصحة النفسية ) .

ولم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه عالج الصبي بالضرب أو الخنق ( في الحديث المذكور ) ، وإنما ثبت العلاج بالضرب عن ابن تيمية فقط كما ذكر ابن القيم . ولم يثبت في التاريخ الإسلامي أن عرب الجزيرة توافدوا بالمئات أو الآلاف طلباً للعلاج بالرقيا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحابته الكرام ، وإنما كانوا يتوافدون لمعرفة الإسلام كدين ينظم حياتهم الدنيوية والأخروية .

أما في عصور التدهور الحضاري والاستبداد السياسي والتخلف الاجتماعي فقد تمادى الكثيرون ممن يعلمون وممن لا يعلمون في هذا الأمر فاعتبروا كل الأمراض تلبس جن واعتبروا أنفع الوسائل هي الضرب المبرح أو الخنق أو الكي أو إيذاء المريض بحجة إيذاء الجن الذي يتلبسه ، وقد حدثت مآس كثيرة نقابلها كل يوم وأدت في بعض الأحيان إلى وفاة بعض المرضى تحت وطأة الضرب لإخراج الجني الكافر الذي ركبه ، إضافة إلى انتهاك حرمات الكثير من النساء وهتك أعراضهن وابتزازهن على أيدي مدعي إخراج الجن أو العلاج بالقرآن .

ومما استعرضناه نفهم كيف تنشأ الظواهر حين تختلط الثقافة الشعبية بالتفسيرات الدينية خاصة إذا وردت على ألسنة علماء مشهود لهم بالورع والأمانة ومع هذا فليس مقطوع لهم بالعصمة والإصابة في كل ما يقولونه . وعلى الرغم مما أثبته العلم الحديث من معرفة بأسباب الصرع وأسباب النوبات الهستيرية ودوافعها وطرق علاجها إلا أنه يصعب على كثير من محبي ابن تيمية أن يخالفوه فيما ذهب إليه أو يخالفوا الشيخ ابن باز فيما قرره ، وهذا أمر يحتاج للكثير من المراجعات الفكرية والمنهجية ، فعلى الرغم من المصداقية العالية التي يتمتع بها هؤلاء العلماء الأفاضل ( وهم جديرون بها فعلا ) إلا أنه لم يقل أحد بعصمتهم ولم يقولوا هم أنفسهم بذلك ، وما قالوه كان اجتهاداً في مسألة ليست من أصول الدين الثابتة وإنما هي من الأمور القابلة لإعادة الرؤية , ومن الأمور التى تحتاج لرأى الأطباء فيها فهم أهل الخبرة والتخصص .

ويكاد يكون الوضع السياسى والإجتماعى الذى عاشه ابن تيمية وترعرعت فيه فكرة تلبس الجن للإنس مشابهة للوضع الذى نعيشه فهو وضع الهزيمة والإنكسار والخضوع لقوى عالمية ظالمة , فوقتها كانت الهجمة التترية والآن الهجمة الأمريكية , وفى الحالتين شعوب ضعيفة خائفة ومكسورة ومهزومة داخليا وخارجيا .

الدوافع النفسية وثقافة الجن :

قد أدت الاكتشافات الطبية الكبيرة في مجال أمراض المخ والأعصاب والأمراض النفسية ( تلك الاكتشافات القائمة على دقة الملاحظة والجهد والمثابرة ) إلى كشف الكثير من الغموض المحيط بظواهر بالغ في تفسيرها كثير من الناس على أنها سيطرة للجن على بني البشر ، وكان من أكثر الحالات إثارة للجدل حالات الهستيريا وهي الحالات المسئولة عن هذا التشوش فقد استغلها المعالجون الشعبيون لإثبات صحة عملهم وفاعليته ، وهذه الحالات تصيب الشخصيات غير الناضجة انفعالياً والقابلة للإيحاء في نفس الوقت ( وما أكثرها في ظروف مجتمع يعطل النضج ويزيف الوعي ويعاني القهر والمذلة من الخارج والداخل ) فيحدث أنه في مواجهة ضغوط معينة كعدم قدرة الطالب أو عدم رغبته في إكمال الدراسة أو عدم تكيف زوجة مع زوجها مع ضغط أهلها لاستمرارها بأي شكل ، أو عدم قدرة موظف على تحمل ضغوط العمل أو ظروف الفقر أو ضغط رؤسائه وقهرهم ، في مثل هذه الظروف يحدث انشقاق في أحد مستويات الوعي فيتكلم الشخص كلاماً غريباً عما ألفناه منه ويتصرف تصرفات غريبة عليه وعلينا ، أو يحدث تحول لمعاناته النفسية أو الاجتماعية في صورة إغماء أو فقد للوعي وهي محاولة للهرب من واقع ضاغط لا يستطيع صاحب الشخصية الهشة أو غير الناضجة احتماله أو مواجهته أو تغييره . فالعرض الانشقاقي هنا يجعل الشخص يتحدث بما لا يستطيع أن ينطق به وهو في كامل وعيه والعرض التحولي يسمح للشخص بالهروب من الواقع الضاغط بأكمله ، وفي الحالتين يحدث نوع من التعمية على المشكلات الحقيقية للشخص فلا يراها – أو لا يريد أن يراها – ولا يراها الآخرون ( أو لا يريدون أن يروها ) ، وتأتي محاولات العلاج الشعبية أو شبه الدينية لتضع غطاءاً آخر من التعمية على الموضوع فتهرب من الرؤية الواقعية لمشكلات الشخص وصعوباته وظروفه وتلجأ إلى تفسيرات غيبية وتعزو الأمر لقوى الجن والشياطين وتستخدم وسائل لا تحتاج لمواجهة أو تغيير سواء من المعالج ( بكسر اللام ) أو المعالج ( بفتح اللام ) .

وفي هذه الممارسات الشعبية تسود الإيحاءات من جانب المعالج ويتفاعل معها المريض أو الشخص "الملبوس " أو " المركوب " بالجني وتحدث دراما تكون أحياناً مبهرة للعامة حيث يرون معركة مقدسة تدور بين شيخ يقرأ متفرقات من نصوص مقدسة ومعه عصا يواجه بها جني كافر يقهر شخصاً ضعيفاً ، وبالطبع لابد أن تنتهي هذه الدراما بانتصار الشيخ ( أو القس ) على الكفار حتى ولو أدى ذلك إلى موت المريض تحت وطأة الضرب .

وأحياناً يفيق الشخص " المركوب " أو " الملبوس " من انشقاقه الهروبي بسرعة تبهر الناس وتزيد من ثقتهم بهذا المعالج " الفحل " ، ولكن الأعراض ما تلبث أن تعود عند أول ضغط نفسي أو اجتماعي لأن المعالج لم يبحث عن الأسباب وإنما عالج العرض الموجود فقط في جو من الغموض , وأحياناً يحدث أن يتمادى المريض في أعراضه ويطورها بعدما سمع ورأى من إيحاءات عن تلبس الجن له وتزداد الأمور تعقيداً ، وهنا يعود أهل المريض إلى المعالج الذي يبتزهم تحت وهم تأثير الجن. وقد أراد بعضهم أن يوسع تأثيره على الناس فسجل أشرطة تبين كيف يخرج الجن من المرضى ، وانتشرت هذه الأشرطة وسببت فزعاً لكن من سمعها ، وجاءوا للعلاج من تأثيرها ، وقد قدر لي- كما ذكرت -  أن أسمع عدداً من هذه الأشرطة وأن أحضر جلسات لإخراج الجن بالقراءة فما وجدت غير حالات هستيرية كالتي سبق وصفها تتحدث وتتصرف تحت تأثير إيحاءات المعالج الشعبي أو المعالج شبه الديني .

قد يقول قائل : ولماذا لا يذهب الناس إلى الأطباء والمعالجين النفسيين المتخصصين ، والجواب أن هناك ثلاث مشكلات تعوق هذا التوجه : المشكلة الأولى تخص تركيبة الناس النفسية والاجتماعية ، تلك التركيبة التي لا تقبل ولا تتحمل منهجية العلاج النفسي الحديث الساعية والداعية إلى إيقاظ الوعي والإرادة وتحمل المسئولية الشخصية عما يحدث وتبني المواقف الإيجابية تجاه أحوال الشخص وأحوال المجتمع والسعي نحو تغيير الظروف للأفضل بالسعي والعمل والمثابرة , والسعى نحو المعرفة والنمو والتطور واكتساب المهارات الحياتية ومهارات التكيف مع الناس وإيقاظ ملكات الإبداع .... إلخ . هذه القيم لا يتحملها وعي كثير من طالبي العلاج فى المجتمع المصرى والعربى أو حتى أقاربهم والمحيطين بهم وهم يفضلون عليها طريقة العلاج بالقراءة أو العلاج بإخراج الجن أو فك السحر حيث لا تتطلب منهم هذه الوسائل أي شيء يقومون به . والمشكلة الثانية : وهي تخص الأطباء والمعالجين النفسيين ، وهي ميل بعضهم إلى العلاج الكيميائي في كل الأوقات والحالات وإهمال العلاج النفسي ، أو محاولات العلاج النفسي بمفاهيم غريبة على الثقافة الأصلية للناس ، وهذا يجعل المعالج غريباً على من يعالجه ويجعل وسائله وتدخلاته العلاجية أشد غرابة . وهذا يستدعي من الطبيب النفسي والمعالج النفسي محاولة الاقتراب من ثقافة المجتمع وتركيبته النفسية وتطويع الوسائل العلاجية التي تم تطبيقها وتطويرها في مجتمعات مختلفة لكي تناسب البيئة التي يعيش فيها دون إخلال بقيمتها العلمية والعلاجية ، وعلى سبيل المثال نجد كثير من التقنيات العلاجية النفسية الشائعة في المجتمعات الغربية تقوم أساساً على المنطق العقلي الصرف وعلى اعتبار معطيات الحياة الدنيا دون غيرها ، وهذا يصطدم كثيراً مع التركيبة النفسية العربية والإسلامية والتي تولي أمورها الروحية وأمور الآخرة أهمية كبيرة ولا يمكن علاجها بعيداً عنها وعن تأثيراتها في تصوراتها ومشاعرها وسلوكياتها . المشكلة الثالثة : وهى الوصمة المحيطة بالمرض النفسى والعلاج النفسى , تلك الوصمة التى تجعل الناس تفضل المعالج الشعبى أو الدينى على الطبيب النفسى .

إذن فنحن أمام أعداد كبية من المكبوتين والمحبطين والمهزومين والمقهورين والمرضى النفسيين تتجسد مشكلاتهم النفسية والإجتماعية فى صورة أعراض تعويضية تعوضهم الكبت أو الحرمان أو الفشل وتأخذ شكل قصص درامية عن الجن والعفاريت , فالطالب الذى فشل فى إكمال دراسته الطبية يمرض نفسيا ويتبنى ضلالات تعويضية تجعله طبيبا مشهورا تلقى العلم على يد العفاريت الزرق , والمرأة التى غاب عنها زوجها طيلة حياتها وهجرها أبناؤها تعوض وحدتها وحرمانها وكبتها بجن يؤنسون وحدتها ويلبون احتياجاتها الغريزية دون حرج شرعى , والشاب الذى عجز عن الزواج لفترة طويلة جسد اشتياقه فى جنيّة ترافقه وتعود على العلاقة بها لكى يفشل عند زواجه بإنسية , أو هو اختلق تلك الحكاية ليبرر بها عجزه عن أداء مهمته .

ولما كانت ثمة علاقة تاريخية بين الظلام وحركة الجن والشياطين فإن حياة الشعوب حين تفتقد إلى المصداقية والشفافية تفتقد إلى النور وتصبح حياتها مسكونة بالمخاوف والتخيلات المرعبة والتى تتجسد فى النهاية فى صورة جنى أو شيطان يتربص بنا , والظلام هنا يعنى الظلمة المعروفة فى الليل والأماكن المغلقة المعتمة , ويعنى أيضا ظلمة العقل بانعدام أو نقص المعرفة الحقيقية , ولهذا نجد أن ثمة تناسب طردى بين الظلام بمعنييه السابقين وبين كثرة الحديث عن الجن والعفاريت , وبما أن الظلمة بعناها الأول قد تقلصت كثيرا بعد انتشار الكهرباء فى كل مكان , إذن  يبقى لدينا  ظلمة العقل لنقص العلم فيه أو انعدام الشفافية فى الحياة الخاصة والعامة .

والخوف المبالغ فيه من الجن لدى المصريين ربما يعكس حالة من الخوف العام المخبوء فى الطبقات الأعمق من الوعى وهو خوف متعدد الأسباب ربما يكون خوفا من الظلم أو من القهر أو من الحاكم المستبد أو من الموت أو من الفشل أو من الضياع , وفى النهاية يتجسد هذا الخوف ويتوجه ناحية رمز متجذر فى الثقافة الشعبية أو الدينية فى صورة " الغولة " أو " الجن " .

وفى تصور الجن والشياطين ( وهم مردة الجن ) فرصة لدى الناس لإزاحة كل شرورهم على كائن خارجى مستتر , أو إسقاط تلك الشرور عليه واتهامه بكل الصفات السيئة التى تثقل نفوس البشر , وبهذا تستريح تلك النفوس بعد أن ألقت بكل أدرانها على هذا الكيان " الآخر الشيطانى " , فالشيطان هنا يستخدم كمستودع لكل خبائث وفواحش البشر وشرورهم يسقطونها أو يزيحونها من أنفسهم إليه , وهذا يفسر اهتمام الناس بالجن والشياطين حين تفسد أحوالهم وذممهم وضمائرهم . وحين يشعر المصريون بكثرة الفساد وتغلغله وتوحشه , وانتصار قوى الشر على المستوى الدولى والمحلى , فإنهم يستدعون من اللاوعى الجمعى رموز الشر الممثلة فى الشياطين ويتخيلونها تملأ عليهم حياتهم وتهدد وجودهم فينشغلون بها انشغالا وسواسيا , ويجدون فى الثقافة الشعبية والروايات الدينية الضعيفة أو المحرفة رصيدا هائلا يمدهم بتصورات عن هذه المخلوقات الشريرة الخبيثة التى تختبئ فى جوانب حياتهم وتهدد أمنهم واستقرارهم . وربما يفسر لنا هذا ندرة الكلام عن الجن والشياطين فى المجتمعات المتطورة والمستقرة والتى تمتعت بالشفافية والعدل والأمن , مقارنة بالمجتمعات التى مازالت تعيش فى ظلمات الجهل والقهر والفساد والإستبداد .

وفكرة الجن وتأثيرهم علينا تقدم لنا تبريرات لمشاكلنا ومصائبنا ومعاناتنا وفشلنا وتبعدنا عن التفكير الجاد فى كل ذلك وتعفينا من مواجهة حقيقتنا التى لا تسر وحياتنا المليئة بالمتناقضات , وتأتى العلاجات السحرية بالقراءة أو بالأحجبة أو غيرها لتكمل وتؤكد هذه الصورة البائسة , ولهذا تعودت العقول على الإستسهال والتعلق بالحلول السحرية الكاذبة والخادعة وتعودت اللجوء إلى العالمين ببواطن الأمور لإلقاء الأحمال والمشاكل والهموم بين أيديهم وانتظار الفرج يأتى من عندهم , وهكذا تفتك ثقافة الجن وثقافة الإستسهال وثقافة الإعتماد السلبى بكل ماتبقى لدينا من مقومات الحياة الشريفة الصادقة .

بين وجود الشيء وإدراكه :

هذا الكون الذي نعيش فيه يموج بالكثير من الكائنات والقوى والعوالم بعضها نستطيع إدراكه بحواسنا ووسائل إدراكنا المتاحة وبعضها الآخر نعجز عن إدراكه ، وهناك فرق بين وجود الشيء و إدراكه ففي زمن مضى لم نكن ندرك وجود الميكروبات أو الفيروسات ومع ذلك كانت موجودة وتؤثر في حياتنا في صورة أمراض نشعر بأعراضها مثل ارتفاع الحرارة والألم وغيره . هذا على مستوى الرؤية الميكروسكوبية الدقيقة ، فإذا انتقلنا إلى مستوى الرؤية التلسكوبية عرفنا أننا أيضاً في الماضي كنا نجهل الكثير عن الكواكب والنجوم لأننا لم نكن نملك وسائل إدراكها ، وحين امتلكنا تلك الوسائل رأينا وأدركنا ما تسمح به هذه الوسائل وتيقنا أن هناك عوالم أخرى أكثر وأكثر لا نستطيع إدراكها بوسائلنا الحالية . هذه الحقيقة نذكرها لمن يتورطون في مسألة إنكار وجود الجن وهم فريقان : فريق ينكر كل الغيبيات ومنها الجن ولا يؤمن إلا بالمحسوسات وهذا الفريق أقرب لإنكار الأديان حيث تقوم كلها على الإيمان بالغيب ، والفريق الثاني ينكر ما أحاط بالجن من معتقدات وأوهام شعبية وربما يمتد إنكاره للجن أنفسهم كي يقطع الطريق أمام هذا الكم الهائل من الخرافات والشعوذات.

وكما بالغ العامة في قدرة الجن وقوتهم وتأثيرهم في حياتهم أنكر بعض العلماء والمثقفين وجود الجن بالكلية ، وهذا موقفان متطرفان مستقطبان ، فالجن حقيقة شوهتها الشعوذة ، وهي حقيقة دينية ثبتت بالوحي ثبوتاً قطعياً ، ونفيها يخالف الحقيقة الإدراكية والمنهجية العلمية التي تحدثنا عنها آنفاً ، فليس كل ما لا أراه بعيني غير موجود ، فالثابت علمياً أن تغيير وحدة الحجم أو وحدة الزمن يجعلنا ندرك أشياء وكائنات لم نكن ندركها بوحدات قياسنا وإدراكنا المعتادة .

 النص الديني والجن :

بعض العلماء وقلة من المثقفين يتنكرون لوجود الجن ، وهنا يتهمهم المتحمسون للجن بالكفر والإلحاد حيث ينكرون خلقاً لله ورد ذكرهم في الآيات والأحاديث ، بل إن هناك سورة كاملة في القرآن هي سورة الجن ، والأديان كلها تتحدث عن عوالم الجن والملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار ، هذه أشياء غيبية لا نملك وسائل إدراك لإثباتها ، ولكننا نؤمن بها لإيماننا بمصدرها وهو الوحي الإلهي الذي تنزل على رسله .

إذن فالنصوص الدينية تؤكد على وجود قوى خير ممثلة في الملائكة لها تأثير في حياتنا على الرغم من عدم إدراكنا إياها ، وقوى شر ممثلة في الشياطين وهم مردة الجن ، وهناك كما ذكرنا سورة كاملة في القرآن الكريم عن الجن تبين طبيعة خلقهم ووظيفتهم والقوانين التي تحكمهم ، ومن ضمن هذه القوانين أنهم يروننا ولا نراهم " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " ( الأعراف 27 ) ، إضافة إلى قدرتهم الهائلة على الحركة والتأثير والتي تفوق قدرة الإنسان ، ومن هنا جاء خوف الإنسان من هذه القوة الخفية التي يمكنها أن تؤثر فيه أو عليه دون أن يراها أو يملك وسيلة لدفعها ، هذا الخوف أحاط موضوع الجن بالكثير من الحكايات والأساطير . وقد استغل الدجالون والمشعوذون هذا الخوف ولعبوا عليه وضخموه في عقول العامة وأقاموا على أساسه ركاماً هائلاً من المعتقدات والممارسات الأسطورية والسحرية جعلت لهم سلطاناً على عقول وقلوب الدهماء خاصة في المجتمعات المتخلفة غير الناضجة . ولكي يستمر سلطانهم وسيطرتهم فهم يحيطون أفكارهم وممارساتهم ببعض التصورات شبه الدينية لكي يحتموا بها ويزيد تأثيرهم في الناس . وللأسف الشديد لم يعد تأثيرهم يقتصر على العامة كما تعودنا ، وإنما استطاعوا ببراعتهم وخداعهم واستخدامهم لبعض النصوص والرموز الدينية ( في غير محلها وعلى غير معناها ) أن يغزوا عقول المتعلمين والمثقفين فأصبح من روادهم عدد لا بأس به من حملة الدكتوراه وبعض أصحاب الرأي والفكر بشكل يدعو للدهشة والاستغراب ، فهؤلاء كان يتوقع أن يكون لديهم ملكة التفكير النقدي الموضوعي الذي يحول دون تسرب فيروسات الخرافة والأساطير حتى ولو تسترت خلف كلمات أو آراء شبه دينية أو أحاطت نفسها بتفسيرات أو تأويلات بعض علماء الدين في عصور مضت .

ونحن في مثل هذه الأمور الغيبية أمام ثلاث مستويات للتعامل مع النص الديني وهي :-

1-   النص الديني نفسه : فإذا راجعنا سورة الجن ، وراجعنا الأحاديث الصحيحة للرسول صلى الله عليه وسلم حول مسألة الجن نجد أن هذه النصوص كانت محددة وموضوعية وكانت بمثابة تحرير للعقل من كل الخرافات والأوهام والأساطير الشعبية والتاريخية التي لوثت حقيقة الجن . وأن النص الديني الصحيح ينقي العقول من تصور أن الجن قادرين على كل شيء وأنهم يتحكمون في مصائر البشر بما لديهم من قدرات مختلفة ، وأثبت النص الديني أن الجن من خلق الله منهم المؤمن والكافر وأنهم يتبعون قوانين مختلفة عن تلك التي يتبعها البشر ، وأنهم لا يضرون أحداً ولا ينفعونه إلا بإذن الله ( شأن كل القوى في هذا الكون ) ، وأن الاعتقاد في مطلق قوتهم وقدرتهم وأن الخوف الزائد منهم يعتبر قدحاً في العقيدة الصحيحة ، تلك العقيدة التي تقوم على إفراد الألوهية والربوبية والقدرة لله وحده سبحانه وتعالى وأنه مالك الملك ، النافع والضار طبقاً لمشيئته العليا ، وأن باقي خلقه لا يملكون ضراً ولا نفعاً إلا بإذنه وفي إطار مشيئته .

2-   تفسير النص الدينى : والتفسير هنا عمل بشري وجهد عقلي يمكن أن يصيب ويخطئ ، ولذلك فتفسير النص ليس مقدساً ، بل هو قابل للمناقشة والرد مهما يكن صاحب هذا التفسير . والمشكلة أن محبة وتقدير الناس لبعض العلماء وخاصة علماء السلف يجعلهم غير قادرين على مناقشة بعض آرائهم وخاصة إذا تبين مع تقدم العلوم وتوسع المعارف خطأ بعض اجتهاداتهم وكأنهم يقدسون هؤلاء الأشخاص أو يقدسون آراءهم .

3-   الممارسات المبنية على تفسير النص : فكثير من العامة والدجالين والمشعوذين يقومون بممارسات خرافية يستندون فيها إلى فهمهم الخاص لتفسيرات بعض النصوص الدينية أو أقوال أو أفعال بعض العلماء المعروفين وغير المعروفين ، وهذه الممارسات ربما يعتبرها بعض المنتمين إلى الدين جزءاً من الدين وربما يدافعون عنها ويضعون عليها قداسة لا تستحقها لا لشيء إلا لأنها تكتسي بثوب ديني أو تنتسب لتفسير شيخ يجلونه .

هذه المستويات الثلاثة تستدعي اليقظة في التعامل مع الحقائق الدينية فالنص الديني هو وحده الذي يتمتع بالقداسة في حالة ثبوت صحته ، أما غير ذلك من التفسيرات والتأويلات والممارسات فهي جهد بشري يحتمل الصواب والخطأ وهو قابل للرؤية والمناقشة وإعادة النظر .

فالإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله - كان يأتيه بعض المرضى وقد فقدوا وعيهم فكان باجتهاده يضربهم بحذائه حتى يفيقوا ، فلما كثر المصابون بحالات الإغماء هذه ( وغالباً كانت من النوع الهستيري الذي تحدثنا عنه) لم يشأ الإمام أحمد أن يضيع وقته الثمين ويصرفه عن العلم بممارسة هذا العمل فأصبح يرسل حذاءه مع أحد الناس يضرب به هؤلاء الهاربين من ساحة الوعي ، ولعلها كانت بصيرة نافذة لهذا العالم الفذ ، فقد أصبح العلم الحديث يستخدم مع هذه الحالات ما يسمى بالعلاج التنفيري (Aversion Therapy ) وهو يقوم على إحداث تنبيه مؤلم لمثل تلك الحالات حتى لا تستمرئ الهروب المرضي في مواجهة أي ضغط , وحين جاء ابن تيمية – رحمه الله – وقنن لموضوع الضرب بناءاً على تصور التلبس الشيطاني فإن ذلك كان اجتهاداً منه نظراً لكثرة الحالات التي رآها في تلك الأيام حيث لم يكن هناك تفسيراً آخر متاحاً في ذلك الزمن .

ومن العيب علينا أن نفسر تلك الظواهر تفسيراً شيطانياً في الوقت الذي ترى فيه أعيننا النشاط الكهربي المضطرب للمخ في حالات الصرع أو ترى عقولنا العمليات النفسية التي تفسر محاولات المهزومين والمستضعفين وغير الناضجين اللجوء لوسائل دفاعية نفسية مرضية تتيح لهم التعبير الضعيف المنسحب عن معاناتهم وعن قهرهم وهزيمتهم النفسية .

 

التحرر : إيمان صادق وعمل صالح

إن من حكمة الله في الكون أن تكون هناك قوى خفية لا ندركها ومع ذلك يمكن أن يكون لها تأثير على الإنسان بشكل لا نعلم كيفيته ، وهذا التأثير لا يحدث إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى ، ومادام الأمر كذلك كان من المنطقي أن نلجأ إلى الله تعالى مباشرة ودون وسطاء للاستعاذة به من تأثير هذه القوى الخفية ، وهو سبحانه قد حثنا على ذلك في سورتي الفلق والناس ( المعوذتين ) ، ولكن الذي حدث عند كثير من الناس أنهم حين اعتقدوا في وجود هذه القوى بالغوا في تأثيرها واستقر في وعيهم خوف هائل منها وراحوا يطلبون العون عليها من العرافين والمنجمين وضاربي الرمل والودع وقارئي الفنجان ، وبعض الناس عبدوا الجن حين تخيلوا أنهم مطلقي القدرة وأن بيدهم النفع والضر ، فحدث انحراف في التصور والاعتقاد واللجوء إلى غير الله وإضفاء قدرة وربما قداسة على هذه القوى الخفية ومن يظنون أنهم يدفعون تأثيرها . ولما كان هذا أمر يمس صلب العقيدة لذلك جاءت النصوص الدينية الصريحة تصحح الاتجاه وتأخذ بيد الناس نحو الله الذي يملك كل شيء ولا يخرج شيء في الكون عن مشيئته . يقول تعالى مؤكدا مطلق قدرته وقيوميته : " الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له مافى السماوات ومافى الأرض من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلى العظيم " ( البقرة 255 ) , وعن عائشة رضى الله عنها قالت : سأل أناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان ، فقال : " ليسوا بشيء " ، فقالوا : يا رسول الله إنهم يحدثونا أحياناً بشيء فيكون حقاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه ، فيخلطون معها مائة كذبة " ( متفق عليه ) . وعن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه ، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً " ( رواه مسلم ) . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد " ( رواه أبو داوود بإسناد صحيح ) .

وإذا كان تحرر العقل من الأوهام ضرورة حيث لا يستقر الدين في عقل مليء بالخرافات ، فإن تحرر الإرادة بالعمل الحقيقي المثابر ضرورة أيضاً لأن الحياة لا تقوم على أماني الضعفاء والمهزومين وإنما تقوم على سواعد الأقوياء الصادقين .

دكتور/ محمد المهدى

أعلى الصفحة

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

   
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية