الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية


 

مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

امراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى

 

 



 

مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



 

مجلة النفس المطمئنة

 

تداعيات أحلام فترة النقاهة

( دراسة نفسية لأحلام نجيب محفوظ )

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى 

الباب الأول

إبداعات الخريف عند نجيب محفوظ

( دراسة نفسية للإبداع والعبقرية والحلم )

 منهجية قراءة قوانين النفس عند نجيب محفوظ :

 يحاول نجيب محفوظ عبر تاريخه الروائى قراءة قوانين النفس البشرية مستخدما مناهج مختلفة لهذه القراءة , فبدأ بالمنهج التاريخى ( التلسكوبى ) فى رواياته التاريخية ثم تحول للقراءة بالعين المجردة والرؤية الواقعية أو شبه الواقعية فى رواياته الإجتماعية  ولم يبتعد عن الرمزية طول الوقت خاصة حين كان يريد أن يقول شيئا لا يحتمله الواقع الثقافى أو  الإجتماعى أو الدينى أو السياسى ( أولاد حارتنا وحكايات حارتنا كنماذج ) , ثم انتهى إلى المنهج الميكروسكوبى فى أحلام فترة النقاهة . وربما يتواكب هذا مع مراحل التطور الفكرى والجسدى معا ففى شرخ الشباب هناك استطاعة للتجوال بخطى واسعة بين مراحل التاريخ وقراءة حركة الإنسان فى أطواره الكلية الواسعة والممتدة طولا وعرضا , أما فى خريف العمر وحين تكل العين وتضعف الأذن وتتجمد الخطوات يصبح التأمل داخل النفس ( وفى الأحلام ) أقرب إلى المنطق حيث لايحتاج هذا التأمل الداخلى إلى مساعدة الحواس أو الجوارح , والهدف فى النهاية واحد وهو قراءة قوانين الحياة والوصول إلى أسرار النفس كما يراها المبدع .

ومن يتتبع إنتاج محفوظ يلمح تلك الرؤية لقوانين النفس والحياة لديه وهو يرى تلك القوانين تحكم الحارة ( ممثلة فى الفتوات كرموز للسلطة وفى أهل الحارة والمستضعفين ثم رموز الثورة والإصلاح فيها ) , وتحكم الدولة بكل كيانالتها ودينامياتها وصراعاتها ( رواية الكرنك وغيرها) , ويرى أيضا أنها تحكم الكون ( كما حاول أن يصورها فى رواية أولاد حارتنا ) ففى رأيه (كما نفهم من كتاباته ) أن الديناميات واحدة , وأن ما يحدث بين البشر فى الوحدة الإجتماعية الصغيرة

( أسرة سيد أحمد عبدالجواد ) هو نفسه مايحدث فى الحارة ( فى روايات متعددة ) وهو نفسه ما يحدث فى المجتمع الأكبر وصولا إلى الكون الأعظم .

 

 الحلم كوسيلة آمنة للتعبير :

ونجيب محفوظ كدارس للفلسفة كان يمكنه أن يتعامل مع الأفكار مجردة - كما هى عادة الفلاسفة - ولكنه قرر أن ينتقل إلى المستوى الأكثر تطورا وهو تحويل الأفكار إلى مشاهد وأحداث يقوم بها أشخاص تدب فيهم الحياة , وهذا التحويل هو نفس ما يحدث فى الحلم حيث تتحول المشاعر والدوافع والذكريات  إلى أفكار , ثم تتحول الأفكار إلى مشاهد وأحداث تجرى على يد أشخاص , وهذا التحول الفنى ( الرمزى ) يستلزم بعض العمليات مثل التكثيف والإسقاط والرمزية والتحويل , وذلك لكى يتمكن الحلم من اجتياز شروط الرقابة فى الجهاز النفسى , تلك الرقابة التى يهمها المحافظة على هدوء وسلام النائم أثناء الحلم فلا تسمح بمرور الأشياء الفجة أو شديدة الصراحة والتحدى لقيم النائم ومعتقداته . وهذا بالضبط ماكان يفعله نجيب محفوظ طوال حياته وكأن أدبه كله كان يتبع قوانين الأحلام فى النفس البشرية , فهو يستدعى أحداثا من التاريخ الفرعونى فى رواياته المبكرة لكى يسقط عليها أفكارا وآراء من الواقع , ويستدعى صورا من الحياة الإجتماعية فى الحارة المصرية ليكتشف قوانين العلاقة بين الحاكم والمحكوم ( الفتوة وأهل الحارة أو بين القوى والضعيف ) فى وقت لم تكن الظروف السياسية  تسمح بالتعبير المباشر عن ذلك , وليسقط مايريد من مشاعر وأفكار على شخصياته الشعبية . وحين أراد أن يوسع الرؤية ويصل إلى القوانين التى تحكم الخالق بالمخلوق وتفسر حركة النبوات والرسالات  وعلاقة الدين بالعلم ,  كتب رواية " أولاد حارتنا " , ولكن يبدو أن عمليات الإسقاط والتكثيف والترميز والإزاحة فى هذه الرواية لم تكن كافية لذلك أثارت هذه الرواية الكثير من الغضب والقلق لأن رموزها كانت مباشرة نسبيا فكانت بالتالى أشبه بأحلام القلق التى تخرج فيها الدوافع والرغبات صريحة ومتحدية للمنظومة القيمية  للنفس وتمر فى غفلة من الرقيب فيستيقظ النائم فزعا

وربما احتاج نجيب محفوظ فى بداية حياته أن يركن إلى عناوين تاريخية كبيرة مثل " كفاح طيبة " وغيرها وذلك ليلفت نظر القارئ إلى مايكتبه , أما بعد أن أصبح ملء السمع والبصر فلم يعد يحتاج إلى الصوت العالى والعناوين الضخمة بل كما قال عنه أحد الكتّاب : " ليس بحاجة إلى أكثر من أن يهمس فنسمع زعيقه , ويرمز فنفهم حديثه , ويصمت فنفسر المسكوت عنه " .

ونجيب محفوظ كإنسان يعيش أزمة ممتدة , أظنها كانت وقود إبداعه وسر دافعيته الهائلة التى لم تنطفئ عبر السنين , هذه الأزمة تتلخص فى وعيه الحاد والعميق لتفاصيل النفس البشرية وقوانين الحياة , وهو يعيش الحياة اليومية كمواطن مصرى بسيط وكموظف عادى يصطدم طول الوقت بعشوائيات تلك الحياة المصرية ( رغم ثرائها ) وتناقضات المجتمع ( رغم حسن النوايا ) واضطرابات القوانين الحاكمة للناس ( رغم روعة الشعارات ) , ولا شك أن هذه العشوائيات وهذه التناقضات وتلك الإضطرابات تؤثر بشدة فى هذه النفس الرقيقة الدقيقة الحساسة المبدعة فتدفعها إلى الحركة والإستجابة بحثا عن التغيير للأفضل كما يراه صاحب هذه النفس , وبما أن نجيب محفوظ شخصية مهذبة " جدا " وليس لديه توجهات صدامية صريحة وعنيفة تجاه السلطة أو تجاه الناس , لذلك لم يكن أمامه طريق غير فنيات الرواية أو القصة أو الحلم لكى يقول لنا ما يريد دون أن يقطع حبل وده معنا , وقد استمر يقول ويقول حتى لحظة كتابة هذه السطور وقد بلغ الرابعة والتسعين من عمره , وأظنه مدفوعا بقوة لايملك دفعها لأن يقول ويستمر فى " القوالة " حتى آخر لحظة فى حياته , والدليل على ذلك أنه كان يكتب أحلام فترة النقاهة بعد حادث الإعتداء عليه ولم يكن يستطيع التحكم فى القلم نظرا لضعف عصب اليد , وظل يكتب حتى بعد أن ضعف بصره وأصبح لايرى مايكتبه وإنما يكتفى بحركة أصابعه ممسكة بالقلم ومحركة إياه فوق صفحات الورق , وهذا نموذج متفرد للإرادة الإنسانية وللدوافع التى لا تنطفئ وللإبداع الذى لا تخبو جذوته مع تقدم العمر وضعف ا لحواس على الرغم من أن الرجل قد أحرز شرفا هائلا بحصوله على جائزة نوبل وأصبح يتربع على جبل من الإنجازات الأدبية يغريه بالراحة والإستكانة والتفرغ لجنى الثمرة , ولكن هذا ليس دأب أصحاب الرؤى ( مهما اختلفنا معهم فى رؤاهم ) وأصحاب الهمم العالية والقمم السامقة .

والمبدع ليس لديه فضلات أو نفايات فكرية فكل شئ لديه يمكن تدويره والإستفادة منه , وهذا ما فعله نجيب محفوظ مع  أحلامه ( سواء كانت أحلام يقظة أم أحلام منام ) فقد احتفى بها ( عكس ما يفعل سائر الناس حين يعتبرونها أضغاث أحلام ) وصاغها فنيا وكساها بخبرته الأدبية الرفيعة وحملها رسائل عميقة هى بمثابة الخلاصة المصفاة والمقطرة من حكمة السنين .

والحلم قدرة على مزج العقلى بالحدسى التخيلى بالإستشراقى الشفاف بالوجدانى بالروحى بالغيبى , والمحصلة نصا متعدد الروافد والمستويات يتخطى الحدث العادى المسرود ( ذو الأبعاد المحدودة ) إلى ما هو أبعد وأعمق وأخصب وأكثر خلودا . وفى أحلام فترة النقاهة نجد أن نجيب محفوظ قد صار فى غنى عن التفاصيل والحواشى والزوائد فهو يعمد إلى اللب والجوهر مباشرة ويقود المتلقى إلى الحقيقة من أقصر  الدروب , وربما يناسب هذا تلك المرحلة من العمر والتى يشعر فيها الإنسان بقلة ما تبقى من الوقت فى هذه الحياة لذلك يصبح الوعى بالوقت حادا وتصبح اللحظات ثمينة وعزيزة ولا يحتمل العمر رفاهية السرد المطول والتثاؤب المتراخى , لذلك جاءت أحلام فترة النقاهة كرسائل تلغرافية عميقة ونافذة , ووضعت أسسا لفن أدبى جميل .

والمشاعر فى الأحلام تبدو هادئة غير مبالغ فيها ( وكذلك شخصية محفوظ ) , وأحيانا تكون أقل بكثير من المتوقع فى  الموقف  , وأحيانا تكون عكس المتوقع , وهذا يتفق مع ما قاله فرويد عن المشاعر فى الأحلام .

وحين يقول نجيب محفوظ عن أحلامه " هى مصدر إلهامى فيها أحلامى الحقيقية التى أراها " فهو بهذا يؤكد ويواكب ماعرف علميا عن الأحلام ( راجع دراسة فى علم السيكوباثولوجى لأستاذنا الدكتور يحيى الرخاوى صديق محفوظ وأحد الحرافيش ) بأنها البناء التحتى للتركيب المخى وهى أشد ماتكون لزوما لعمل البناء الفوقى ( الوعى والإرادة ) , وأن الأحلام والنوم يشكلان نصف الدورة المخية , وأن ثمة حالة ولاف بين اليقظة والمنام وبين الخيال والواقع وبين الحياة والموت عند المبدع , وهذا ما نلمحه فى أحلام فترة النقاهة فنرى دائما ذلك التزاوج بين الحلم والحقيقة وبين الحقيقة والخيال وبين الشخصى والعام وبين الفردى والجماعى وبين الذاتى والموضوعى .

وحين يدفع إلينا نجيب محفوظ بأحلام فترة نقاهته فكأنه يستحثنا أن نحلم بعد أن مرت بنا سحابة غبية معتمة حاولت أن تقنعنا بأنه لا فائدة من الأحلام وأن علينا أن نرضخ للواقع ونسلم  به . ويلاحظ فى أحلام محفوظ حملها لرسائل إيقاظ وتحفيز , وبما أنه - كما ذكرنا - رجل لطيف لا يجرح أحدا ولا ينتقد أحدا بشكل مباشر لذلك لجأ للأحلام يقول من خلالها مايريد فليس على النائم حرج , وذلك ما فعله من قبل برناردشو حين لجأ إلى الفكاهة والدعابة وأحيانا إلى ادعاء الجنون لكى يوصل رسالاته النافذة إلى العقل الإنجليزى دون إراقة دماء ودون إثارة أحقاد أو قلاقل , وهذا أيضا ما فعله غاندى مع الإحتلال الإنجليزى ( المقاومة السلمية ) وما يفعله عمرو خالد مع حالة الجمود والإنهيار والهزيمة واليأس لدى الشباب العربى المسلم ومع حالة الإستبداد السائدة . وهذا الأسلوب يمكن أن نطلق عليه " القوة الناعمة " , وهى قوة تغير كثيرا فى المجتمعات دون مواجهة جارحة , وهى تحمل الكثير من الحب والشفقة نحو المرضى المعالجين .

والحلم يعطى مساحة أكبر من الحرية - خاصة فى المجتمعات التى تكثر فيها القيود والمحاذير - لأن الحلم يخترق حواجز الرقابة بغموضه ورمزيته وتحوراته وتكثيفاته وإسقاطاته وإزاحاته , وربما يكون ذلك موازيا لإبداعات أدبية تاريخية مثل كليلة  ودمنة حين لجأ الكاتب لقصص عن الحيوانالت والطيور يحملها ما يريد من رسائل دون أن يواجه عواقب الصراحة المباشرة والجارحة لأوضاع معوجة .

وإذا كان تعبير " فترة النقاهة " الملحق بأحلام محفوظ ينطبق على نقاهة محفوظ شخصيا إلا أنه ينطبق على مجتمعه أكثر , فنحن بالفعل فى فترة نقاهة , وهى فترة بين حالة المرض وحالة السواء , ولو لم يتم زيادة مناعة الجسم  وتجهيزه لحالة السواء فيمكن أن تحدث انتكاسة , ولذلك فالإنسان

( والمجتمع ) فى حاجة إلى استعادة الوعى , والحلم أحد وسائل استعادة الوعى واستعادة العافية  واستعادة الحرية واستعادة الأمل .  

·                       

·                      مثلث الحرية فى عالم الإستبداد ( الإبداع الأدبى والجنون والحلم ):

يبدو أن ثمة علاقة بين هذا الثلاثى فالمجنون تتمثل فيه عمليات انفلات التفكير وجموح العقل أو غيابه وفيضان الخيال وحضوره وفجاجته , وكسر المألوف وتجاوز حدود العرف السائد , وتحريك الثوابت وتعتعة الجمود ومراجعة البدهيات والمسلمات وتجاوز حدود الممكن , وإثارة الرغبات والأمنيات دون حدود , وكذلك يحدث فى الحلم , وهى حالات يتوق الأديب لأن يصل

إليها ويستمد منها مواد إبداعه , فحالة اللاعقلانية فى الجنون والحلم والإبداع الأدبى تعطى غطاءا مناسبا للتعبير الحر العابر للقيود والحواجز والدفاعات النفسية والإجتماعية والدينية والسياسية . والحلم جنون عابر نشفى منه عندما نستيقظ , وهو محاولة للتنفيس الصحى ومحاولة لحل الصراعات ومحاولة للتوليف بين المتناقضات داخل النفس وخارجها .

والحلم ( كما الجنون والإبداع ) لايلتزم بقانون , ويتجاوز حدود الزمان والمكان والعقل والمنطق السائدين , وهو يعطى فرصة لمستويات أكثر بدائية وفى ذات الوقت أكثر أصالة لكى تنشط وبالتالى فالحلم ينقذنا من الرؤية أحادية البعد والتى  نتورط فيها فى عالم اليقظة المحدود لكى يدخلنا فى رؤية متعددة الأبعاد والمستويات , وربما هذا هو مايجعلنا نستغرب أفكار الحلم وخيالاته ومشاعره ونجدها غير مألوفة لنظرتنا المنطقية الأحادية فى اليقظة .

وصور الأحلام بدائية مثل رسومات الأطفال ( وكبار الفنانين ) تنزع إلى الطبيعة التركيبية فتمزج الذات بالموضوع والخيال بالواقع والإنسان بالحيوان , فيمكن أن يطير الإنسان وتتكلم الطيور وتمتزج شخصيتين فى شخص واحد , أو نرى جسد حيوان له راس إنسان أو العكس ...........وهكذا .

خلاصة الأمر أن الحرية فى الحلم ( كما الجنون والإبداع الأدبى والفنى ) واسعة ( وإن لم تكن مطلقة ) , ولهذا كان يطمع فرويد ( صاحب كتاب تفسير  الأحلام ) فى الإطلالة على محتوى اللاوعى ( الفوضوى المتمرد الأصيل المؤثر ) من خلال نافذة الأحلام . وحتى بدون الأحلام حاول من خلال التداعى الحر الذى يتتبع سلسلة الأفكار فيصل إلى جذورها .

والفنان السريالى حاول أن يقلد الحالم والمجنون بأن يكون حرا يسقط على لوحته مايشاء دون اعتبار للمنطق والسببية والعلاقات المنطقية بالأشياء على اعتبار أن المنطق السائد ربما لايكون هو الأفضل دائما وأن ماليس كذلك ربما يكون أكثر قيمة أو على الأقل جدير بالرؤية والإستكشاف . يقول الدكتور شاكر عبدالحميد فى كتابه " الأدب  والجنون "( 1993) : " إن موضوع التداعى الحر والترابطات المفككة والمنطلقة كظاهرة وكأسلوب للدراسة والعلاج هو موضوع مشترك فىدراسات الأحلام ودراسات المرض العقلى , وفى عديد من الإتجاهات الفنية المعاصرة , وبصفة خاصة السريالية . إن العقل ارتبط دائما عبر التاريخ بالمنطق والنور والوضوح والفهم والنهار والطمأنينة , بينما ارتبط الجنون وكذلك الأحلام بالفوضى والظلام والغموض والليل وعدم القابلية للفهم والخوف " .

وقد استفاد نجيب محفوظ بالحلم والإبداع الأدبى لكى يحصل على أكبر مساحة ممكنة لحريةالتعبير خاصة أنه عاش فى ظروف تكثر فيها المحاذير والخطوط الحمراء , فقام بعملية توليف بين القديم والحديث وبين الشخصى والعام وبين شقاوة الصغار ووقار الكبار وبين ذات الطفل وذات الراشد وذات الناضج ( طبقا لرؤية إريك برن ) , وبين الذات الإجتماعية والذات المثالية والذات الحقيقية ( طبقا لرؤية كارين هورنى ) , وبين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة والنفس المطمئنة ( طبقا للرؤية الدينية ) , وبين شقاوة الصغار ووقار الحكماء .

 

علاقة محفوظ برموز السلطة ورموز الدين :

تبدو علاقة محفوظ برموز السلطة والدين فى أحلامه علاقة غير مريحة دائما فهى تتسم بالريبة , وهو دائما يرى هذه الرموز فى غير موضعها الإفتراضى , فالسلطة غاشمة وغير أمينة ومتحالفة مع الفساد وتمارس اللصوصية تحت قناع حماية الناس وحماية ممتلاكاتهم ومصالحهم , والأشخاص ذوى المظاهر الدينية فى الأحلام خادعين ومشوهين ومتقلبين ويؤكدون فكرة التدين الكاذب أو الكذب المتدين . وربما يرجع هذا لخبرته الحياتية ببعض رموز السلطة السياسية والدينية , أو يرجع لنشاط ذات الطفل لديه كمبدع والتى تريد مزيدا من الحرية والإنطلاق ولكنها تخشى دائما ذات الوالد ( صاحب قانون الصواب والخطأ والحلال والحرام والأمر والنهى ) . وهو يرى دائما أن السلطة ( سياسية أو أمنية أو دينية أو اجتماعية أو أبوية ) تظهر غير ما تبطن , وأنها ليست بالوقار والإحترام والأمانة الظاهرين . ويتضح هذا فى أكثر من حلم من أحلامه , ولا تتوقف هذه الصورة على الأحلام بل قد تبدت بصورة واضحة فى نظرته للذات الوالدية فى شخصيته الشهيرة " سيد أحمد عبدالجواد " تلك الشخصية التى تظهر الوقار والحزم والقوة فى الظاهر فى حين أنها فى الباطن شخصية نزوية هزلية . وربما تمثل هذه النظرة تقييما حقيقيا موضوعيا للسلطة لديه فى كل صورها , وربما يكون ذلك نوع من العدوان عليها رغبة منه فى إزاحتها من طريق إبداعه وحريته .

وفى حكايات الحارات ( فى كثير من رواياته ) كان " الفتوة " يحكم الحارة ويتحكم فيها بمنطق القوة لا بمنطق العدل أو الرحمة , ويستبد بأهلها ويذلهم إلى أن يفيض الكيل وتظهر قيادة جديدة متمثلة فى أحد أبناء الحارة الشجعان والذى يتجاوز حالة الرعب والحذر ويهزم الفتوة ( الذى يظهر ضعفه وخواؤه أثناء المواجهة الحقيقية رغم ظن الجميع أنه لايهزم أبدا ) , ثم ينصب نفسه ( أو ينصبه الناس ) " فتوة جديدا " , يبدأ عادلا متواضعا  مثاليا ومحبا للناس وعطوفا عليهم , ثم يأخذه بريق السلطة بشكل تدريجى إلى أن يصبح أكثر ظلما من سابقه , ويساهم أهل الحارة ( بوعى أو بغير وعى ) فى إحداث هذا التغيير  فى نفس الفتوة الجديد من خلال نفاقهم ومداهناتهم وسكوتهم وخوفهم إلى أن يدفعوا الثمن كما دفعوه من قبل وكما يظلون يدفعونه دائما , وكأنهم فى حاجة دائمة لصنع طاغية يعيش معهم دورة طغيان تنتهى نهاية درامية لتبدأ دورة طغيان جديدة بسيناريو مختلف ونهاية واحدة . وهكذا كان يرى محفوظ السلطة السياسية والأمنية معا فى صورة " فتوة الحارة " ويسقط عليها كل معانى الظلم والإستبداد والقهر . أما موقفه من السلطة الدينية والذى اتضح فى بعض أحلامه واتضح أكثر فى رواية " أولاد حارتنا" فقد رآها سلطة بشرية غالبا مستترة بشعارات دينية ولكنها تبحث عن مصالحها الذاتية فى النهاية , وقد تنبأبسقوطها لحساب العلم " عرفة " فى الرواية .  باختصار هو لايشعر بالإرتياح تجاه أى سلطة سواء كانت سياسية أو أمنية أو دينية , وهذا لايمنعه من قبولها كأمر واقع على مضض وإبداء الخضوع التكتيكى حيالها ربما اتقاءا لشرها . وربما يزداد فهمنا لذلك إذا عرفنا الواقع الموازى لكتابة مثل هذه الأعمال حيث كانت مصر تحت الإحتلال الإنجليزى ثم بعد ذلك تحت القبضة السلطوية القاهرة والمستبدة لرجال الثورة , ولم تكن هناك - فى معظم

 الأحوال- فرصة للتعبير الحر عن أفكار الناس ومشاعرهم تجاه هذه السلطة خاصة فى مرحلتها الثورية المستبدة والمتشككة وغير المنطقية . هذا عن السلطة السياسية التى كتب فى ظلها الكثير من أعماله وأسقط على أبطال رواياته كل مايريد أن يقوله دون أن ينتبه رجال السلطة , أما من ناحية السلطة الدينية فقد كانت هناك موجة المد الإشتراكى واليسارى القادمة من الثورة الشيوعية فى روسيا , والتى تأثر بها عدد من المثقفين المصريين والعرب , وكانت هذه الموجة تلوح بانتشار العدل وسقوط الرأسمالية المستغلة وعلو شأن الطبقات العاملة المطحونة , وانهيار التركيبات السياسية والدينية القائمة ليحل محلها تركيبات وتنظيمات عمالية وشعبية جديدة تنشر المساواة والعدل . هذه الصورة كانت تداعب خيال كثير من الكتّاب والفنانين فى هذه الفترة ( خاصة ذوى الميول المثالية ) وتدفعهم للثورة ضد كل السلطات القائمة ( السياسية والدينية على وجه الخصوص ) أملا فى تطبيق النظرية الجديدة التى صاغها كارل ماركس وحاول لينين وستالين تطبيقها وتصديرها خاصة إلى دول العالم الثالث التى ترزح تحت نير القهر والإستبداد باسم الحاكم أو باسم رجال الدين . على هذه الخلفية نستطيع أن نفهم رواية " أولاد حارتنا " وبعض أحلام فترة النقاهة بما فيها من تكثيف ورمزية وإزاحة  

وإسقاط . وحين انهارت هذه الفلسفة الإشتراكية ( أو الشيوعية )  , أو على الأقل انهارت تطبيقاتها , لم يكن من السهل على من صدقوها أواعتنقوها أو أيدوها أو أعجبوا بمثالياتها , لم يكن من السهل عليهم التراجع عن كل مبادئها , فقد كانت بالنسبة لهم أحلام مرحلة من مراحل عمرهم لايستطيعون التنكر لها , وكانت أعمالهم التى أنجزوها فى ظل هذه الفلسفة بمثابة أبناء لهم , ربما لايعجبهم بعض سلوكهم الآن ولكنهم لايملكون التبرؤ منهم فهم رغم عيوبهم - يعتبروا أبناءهم . وهذا ربما يساعدنا على فهم موقف نجيب محفوظ من رواية " أولاد حارتنا " فهو لايتبرأ منها ( كما كان يحلم البعض أو يتمنى ) , وفى نفس الوقت لايفخر بها ( على الأقل علنا ) ولا يعيد نشرها . لقد كان استطرادنا حول هذه الرواية بالذات مقصودا لسبيين ,أحدهما ما صار حولها من لغط ( وهذا لايهمنا فى دراستنا الحالية ) , وثانيهما ( وهو الأهم لدينا الآن ) هو أن هذه الرواية بمفهوم الأحلام توازى أحد أحلام القلق والتى لم يستطع الجهاز النفسى للحالم استخدام أساليب الترميز والتكثيف والإزاحة والإسقاط بالقدر الكاف لتمرير فكرته أو مشاعره تجاه شئ ما فخرجت هذه الأفكار أو المشاعر صريحة نسبيا وقريبة من الواقع لذلك أثارت قلقا دينيا واجتماعيا عانى منه محفوظ كثيرا , وهى كما قلنا توازى " حلم القلق "

( الكابوس ) الذى يفشل فى التخفى والتنكر فيقتحم الوعى صريحا متحديا فجّا فيحدث حالة من القلق تزعج النائم وتجعله يستيقظ فى حالة هلع واضطراب . ومن هنا تبدو رواية " أولاد حارتنا " ينقصها الحبكة الفنية التى تسمح بتوصيل فكرة معينة دون أن تستثير عنفا واضطرابا , لأنها لو استثارت عنفا واضطرابا ومقاومة ودما مسفوحا كانت أقرب للمقال أو المنشور السياسى ( هذا من منظور الحلم والذى قد يختلف عن المنظور الأدبى والذى منح بسببه محفوظ جائزة نوبل ) .    

 

العلاج بالأحلام :

وأحلام فترة النقاهة هى بمثابة محاولة علاجية للكثير من السلبيات والأفكار والتصورات السائدة إضافة إلى كونها رؤية فلسفية للإنسان والحياة متعددة الجوانب والمستويات , وهذا الموقف الإيجابى من الأحلام ( كوسيلة للرؤية ووسيلة للتغيير ) يعيد إلينا موقف المصريين القدماء من هذا الموضوع حيث كانوا يحتفون بالحلم ويحترمونه لدرجة أنهم أقاموا معابد للنوم 

فى جزر فيلة وكان يشرف عليها الطبيب " أمحوتب " ( أول طبيب معروف تاريخيا ) وكان كاهنا وطبيبا للملك زوسر الذى بنى أهرامات سقارة 2900 سنة قبل الميلاد , وكان الناس

يحضرون إلى معابد النوم ليناموا فى هذا الجو المفعم بالقداسة فيحلمون ثم يقوم الكهان بتفسير هذه الأحلام  بطريقة بنائية تبعث الأمل والحياة فى نفوسهم , وبالتالى كان الحلم عند قدماء المصريين ظاهرة إيجابية بنائية شفائية تؤدى إلى تحسين حياة الإنسان فى يقظته . ثم جاء علماء العرب والمسلمين فكان لبعضهم ( مثل المازرى والقرطبى والحافظ ابن حجر العسقلانى راجع كتاب الأخير " الرؤى والأحلام " )  رؤية شاملة ومتعددة المستويات للأحلام حيث عزوها إلى ثلاثة مصادر :

 

1- الأخلاط : وهى تقابل بلغة العصر الحديث التركيبات الكيميائية فى المخ والجسد وما يتصل بها من مؤثرات فسيولوجية

2 -  حديث النفس : وهذا ما أفاض فيه علماء النفس المحدثين وفى مقدمتهم فر ويد

3- الإدراكات : ويعنون بها الرسائل الغيبية القادمة من العوالم الأخرى التى لا ندركها فى حالة يقظتنا

وكانت هذه الرؤية الشاملة والمتعددة المستويات للأحلام قفزة علمية هائلة لو كنا قد تتبعناها وبحثنا على ضوئها , فهى نظرة أشمل من تلك النظرة الفسيولوجية التى رأت الأحلام مجرد ظاهرة فسيولوجية , وأعمق وأشمل من تلك النظرة الفرويدية التى قصرت الأحلام على حديث النفس ورغباتها واحتياجاتها. .

وهذا الموقف الإيجابى كان يقابله موقفا سلبيا ساد فى أوروبا إبان العصور الوسطى حيث كانوا ينسبون الأحلام إلى الشياطين وإلى الأرواح الشريرة مما حدا بهم فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى اللجوء لطريقة إيقاظ النائم حين يشعرون أنه يحلم حتى ينقذونه من الحلم . وهذه النظرة السلبية للأحلام تعود لتطل علينا من جديد فى مجتمعاتنا العربية حيث نجد كتابات مختزلة عن الأحلام تعيدها إلى الفكر الخرافى مرة أخرى ولكن مع إضافى بعض المصطلحات الدينية يتستر خلفها هذا الفكر لكى يقبله العامة .

 

 

العمر والإبداع .. نجيب محفوظ كنموذج :

نجيب محفوظ قد تجاوز الرابعة والتسعين من عمره ومازال يبدع , وإبداعه فى هذه المرحلة غاية فى التجريد والمرونة والعمق وسرعة الإيقاع , وهذه ظاهرة تستحق الدراسة والتأمل على المستوى العلمى والأدبى والإنسانى , فعلى المستوى العلمى كيف نتصور هذا الإبداع بتلك المواصفات فى وجود مرض السكرى المزمن وتصلب شرايين المخ بسبب السن وبسبب السكرى وضعف البصر وضعف السمع وغيرها من المشاكل التى نتوقع علميا أن تؤثر على كفاءة المخ خاصة فى وظائفه العليا التى تقوم على التجريد والإستنباط والتفكير الرمزى متعدد ا لمستويات والإخراج الجمالى الأدبى للفكرة فى أزهى صورها وبإيقاع سريع يكاد لايبلغه شاب فى العشرين وبروح مرحة وساخرة وموجهة وموقظة . وماهو سر الدافعية التى لا تهدأ , بل تدفع دائما نحو الإبداع فى وقت كلّ فيه الجسد وضعفت كل الحواس حتى أنه كان يكتب ويديه مضطربة الحركة بسبب إصابة عصب اليد فى الحادث الذى تعرض له , وهو الآن ما زال يكتب على الرغم من أنه لا يرى ما يكتبه بسبب ضعف حاسة البصر . وعلى المستوى الأدبى ننظر ونتعجب : كيف يستطيع شخص قد تجاوز التسعين أن ينشئ فنا أدبيا جديدا وهو الأحلام يسقط عليه كل هذا الجمال الأد بى وكل تلك المعانى العميقة ؟ . وعلى المستوى الإنسانى لو استخدمنا حسابات البشر العادية لتساءلنا ببلاهة : وماذا يريد الرجل أن يقول بعد الذى قاله  وماذا يريد أن يبلغ بعد كل مابلغه وماذا يريد أن يأخذ بعد كل ما  أخذ ؟.........

كل هذه التساؤلات وغيرها تأخذنا إلى مسألة علاقة الإبداع بالعمر وعلاقة العمل عموما بالمرحلة العمرية خاصة وأن  لدى ا لكثيرين منا تصورات بأن الإنسان إذا تجاوز الأربعين فعليه بالراحة والإستكانة والجلوس انتظارا للموت , وهذا التصور ربما يؤدى إلى حالة من الإكتئاب المزمن تظهر أعراضه فى صورة بطء فى مسار الحياة والتفكير وحالة من العدمية التى تفقد معها قيمة ومعنى ومذاق الأشياء يصاحبها سكون فى أحد الأركان بدعوى الحكمة والوقار وأحكام السن , وجمود فى الرؤى والأفكار يوقف عجلة الحياة الشخصية أو العائلية أو الإجتماعية أو كلها جميعا

 

 

لقد قام جورج بيرد عا م 1874 م بدراسة شاملة عن ا لإبداع وعلاقته بمراحل العمر فوجد أن 70% من أروع الأعمال العالمية قد أنجزها أشخاص تقل أعمارهم عن الخامسة والأربعين , وأن 80% من تلك الأعمال قد أنجزها أشخاص تقل أعما رهم عن ا لخمسين , ووجد أن فترة الذروة المطلقة فى السيرة المهنية والإبداعية تقع بين الثلاثين والخامسة والأربعين من العمر . وبناءا على هذه النتائج قام جورج بيرد بتقسيم عمر الإنسان  إلى عقود أطلق عليها أوصافا تتناسب مع أهمية قيمة العطاء والإبداع فيها وهى كالتالى :

 من 20-30 العقد البرونزى , ومن 30-40 العقد الذهبى , ومن 40-50 العقد ا لفضى , ومن 50-60 العقد الحديدى , ومن 60-70 العقد القصديرى , ومن 70-80 العقد الخشبى .

ثم قام عالم آخر يدعى "  ليمان " بدراسة عدد كبير من المبدعين فوجد أن ذروة الإبداع تقع بين سن 35 و39 . وفى دراسات أخرى تبين أن ذر وة الإبداع تقع حول سن 45 بزيادة أو نقص 5سنوات .

ومن الأبحاث السابقة نلحظ نقص الإبداع مع تقدم العمر , ولكن " هيفيل " لاحظ عودة القوة الإبداعية للظهور بين سن 80 و85 سنة وقد يرجع ذلك إلى تذكر أيام الشباب فى السنوات الأخيرة من العمر مع استعادة روحها الإبداعية لدى بعض الأشخاص , إضافة إلى استفادة المبدع من خبرته الطويلة وامتلاكه لقدرات تمكنه من التعبير بشكل مؤثر , أو أن تكون الكتابات المتأخرة هى عبارة عن مشروعات بدأت فى عقل المبدع وهو فى سن صغير ولكن انشغاله بمشروعات حياتية أخرى جعله يؤجلها إلى هذه المرحلة من العمر ليصوغها فقط بأسلوبه الذى اكتسب نضجا مع السنين  . وقد أشار نجيب محفوظ إلى هذه العودة فى أحد أحلامه وهو يصف عودة الفتاة إليه فى الفندق .

وقد وجد هيفل أن 6-20% من الإنتاج الكلى للمبدع قد يأتى فى سبعينات العمر . ويؤيد هذا الرأى عدد من الأمثلة الحية نذكر منها : قصة البؤساء التى كتبها فيكتور هوجو فى سن الستين , ورواية الإخوة كرامازوف والتى كتبها ديستويفسكى فى سن 59 , والإلياذة التى يقال أن هوميروس كتبها بعد أن تجاوز المائة سنة . ولا ننسى برناردشو الذى كتب الكثير من أجمل أعماله بعد أن تجاوز الثمانين من عمره .

إذن نستطيع القول بأن " أحلام فترة النقاهة " هى بمثابة دفقة إبداع جديدة بدأت عام 1998 ( بعد محاولة الإعتداء علينجيب محفوظ  وإصابته ب 4 سنوات ) حيث كان فرحا بعودته للكتابة بيده , فنشطت لديه ذات الطفل مرة أخرى حية متدفقة فرحة بالملكة المستعادة بعد الإصابة وكأنها حديثة عهد بها فطوعتها لإخراج ما تبقى من تراث إبداعى يعتمد على قراءة الداخل ( الأحلام ) أو استقرائه بعد أن تعذرت قراءة الخارج ( الواقع ) بسبب ضعف الحواس وتعذر الحركة.

  وهناك عاملين مهمين لعبا دورا فى استمرار التفق الإبداعى لنجيب محفوظ حتى هذه السن

( إضافة لكل ما سبق ) , العامل الأول هو انتظامه فى لقاء أصدقائه من القدامى والمحدثين وانتظامه فى التجوال فى الأحياء المصرية القديمة والحديثة ( لوقت قريب قبل أن يفقد القدرة على ذلك ) , وكان ذلك يعطيه الفرصة للربط بين الماضى والحاضر فضلا عن إبقاء الذاكرة ملأى بالأحداث والذكر يات , والحفاظ على النفس فى حالة تكامل وتواصل ونشاط و واستعادة الطفولة والصبا والشباب فى أثواب جديدة فى كل مرحلة من مراحل العمر العقلى والإبداعى . أما العامل الثانى فهو الوجه الآخر لشخصية نجيب محفوظ وهو كونه موظفا عاش حياته الوظيفية الحكومية الروتينية ملتزما بالحضور والإنصراف والعمل منذ لحظة الدخول وإلى لحظة الإنصراف , وهو يسلك نفس السلوك فى رحلة حياته فهو موظف فى هذه الحياة وعليه أن يعطى من لحظة وعيه بحضوره فى الحياة إلى لحظة انطفاء هذا الوعى , وهذا يجعلنا نتوقع استمرار عطائه الأدبى حتى آخر قطرة فى وعيه , فالوعى بالنسبة له مناط المسئولية وانتهاء الواجبات الحياتية يحدده خالق النفس وخالق الوعى فى اللحظة التى يختارها ولا يحددها الموظف الملتزم المطيع لقوانين الحياة والموت .   

 

***************************

 

 

 

الباب الثانى

تداعيات أحلام فترة النقاهة

( فتح الرسائل السرية لنجيب محفوظ )

 

 

نود أن ننبه القارئ الكريم إلى أننا لن نقوم بتفسير أحلام فترة النقاهة للأستاذ الكبير نجيب محفوظ ، وإنما نقوم بقراءة الحلم ثم نترك الأفكار تتداعى بحرية ( وأحياناً بدون ترابط ) حول رموز الحلم ، وبما أنها تداعياتنا الشخصية فيمكن أن تتعدد حول الحلم الواحد ، ويبقى الحلم نفسه قابلاً للمزيد من الرؤى ، وهذه هي عظمة الأدب الرمزي وعظمة ما كتبه نجيب محفوظ .

 

 

 

 

 

 

حلم 1

 

أسوق دراجتي من ناحية إلى أخرى مدفوعا بالجوع باحثا عن مطعم مناسب لذوي الدخل المحدود ودائما أجدها مغلقة الأبواب , وحانت مني التفاتة إلى ساعة الميدان فرأيت أسفلها صديقي فدعاني بإشارة من يده فملت بدراجتي نحوه وإذا به على علم بحالي فاقترح علي أن أترك دراجتي معه ليسهل علي البحث فنفذت اقتراحه وواصلت البحث وجوعي يشتد وصادفني في طريقي مطعم العائلات فبدافع من الجوع واليأس اتجهت نحوه على الرغم من علمي بارتفاع أسعاره ورآني صاحبه وهو يقف في مدخله أمام ستارة مسدلة فما كان منه إلا أن أزاح الستارة فبدت خرابة ملأى بالنفايات في وضع البهو الفخم المعد للطعام فقلت بانزعاج .

ماذا جرى ؟

فقال الرجل :

أسرع إلى كبابجي الشباب لعلك تدركه قبل أن يشطب ، ولم أضيع وقتا فرجعت إلى ساعة الميدان ولكنني لم أجد الدراجة والصديق .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الجري وراء السراب )

 

نتعجل الخطى في حياتنا ونلهث باحثين عن إشباع احتياجاتنا الأساسية الملحة ، ولكن الظروف والأحوال المحيطة بنا لا تعطينا هذا الإشباع ، وعقارب الزمن تطاردنا والعمر يمضي ولدينا الكثير نريد تحقيقه قبل أن نترك هذه الحياة ولدينا أطماعاً ورغبات وآمالاً وطموحات ، قد تكون مشروعة ، ولكن الحياة ليست دائماً عند توقعاتنا .

قد ينصحنا البعض بتغيير طريقة التفكير وطريقة البحث وقد ينصحنا الأصدقاء بالتمهل في البحث وترك العجلة ( الدراجة ) ، فنستجيب لنصائحهم علنا نجد ما نريد.

ويحدونا الأمل في أن نبحث عن أسرة ونكون عائلة ( مطعم العائلات ) ننعم فيها بالطعام الدافئ والعيش الوثير ، ولكننا نكتشف في لحظة أن هذا أيضاً سراب

( الخرابة خلف الستار ).

تعود إلينا النصيحة من آخرين بأن نحاول العودة إلى الشباب ( كبابجى الشباب ) علنا ندرك بعض ملذاته قبل أن يفوتنا القطار ، ولكننا نكتشف أن القدرة تخوننا ( فقد ضاعت الدراجة ) وأننا نعاني الوحدة ( بعد اختفاء الصديق ) .


  

حلم 2

دخلنا الشقة .. الفتاة في المقدمة وأنا في أثرها والبواب يتبعنا حاملا الحقيبة . الفتاة على صلة بي مؤكدة وكأنها غير محددة . تركنا ترتيب الأشياء ودلفت إلى الشرفة المطلة على البحر سابحا في آفاقه غير المحدودة منتعشا بهوائه الرطيب منتشيا بهديره المتقطع . وإذا بصرخة تنطلق من الداخل فهرعت نحوها فرأيت الفتاة منكمشة مذعورة والنار تشتعل في أعلى الباب . وقبل أن أفيق من الصدمة دخل رجل صلب الملامح كأنما قدت من صخر وبإشارة من يده انطفأت النار وتحول ذاهبا وهو يقول :

ربما انقطعت المياه بعض الوقت . وغمرني الارتياح فلم أبال بشيء ، غادرت الحجرة قاصدا السوبر ماركت لأبتاع بعض التموين المناسب ، ولما رجعت وجدت باب الشقة مفتوحا والبواب واقفا فدخلت أنا الحجرة قلقا فوجدتها عارية إلا من بقجة منتفخة بالملابس ملقاة على الأرض وذراع بيجامتي يتدلى من فتحة رابطتها ولا أثر للفتاة فسألت :

ماذا جرى؟

فأجابني البواب :

حضرتك أخطأت الطريق وهذه ليست شقتك . فأشرت إلى ذراع البيجاما وقلت :

هذه بيجامتي .

فقال الرجل بهدوء :

يوجد من نوعها آلاف في السوق

وملت إلى الاعتقاد بالخطأ متذكرا أنه توجد ثلاث عمارات متشابهة في صف واحد وهبطت السلم بسرعة وفي الطريق رأيت الفتاة تسير في طرفه المفضي إلى ميدان مكتظ بالسيارات والبشر فجريت نحوها حتى أدركها قبل أن تذوب في الزحام .

 

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الدنيا .. أحلامها ..ملذاتها .. حرمانها )

 

ندخل الحياة ونحن نحلم أحلاماً رومانسية جميلة وننتظر اللحظة التي تتحقق فيها ، وبينما نحن في انتظار رشف الرحيق وقطف الثمرة والوصول إلى قمة اللذة والاستمتاع بحرارتها ودفئها ، فجأة نجد من يطفئ كل هذا ويوقف سريان تيار الحياة ويهددنا بالحرمان ( انقطاع المياه ) ، ثم ننصرف إلى شئوننا اليومية العادية

( السوبرماركت )، ونعاود الحلم مرة أخرى ، فنرجع باحثين عن الحب الأول ولكننا نجد الدنيا قد تغيرت والناس تغيرت ولم يبق منا ولا منهم إلا الأطلال ، ومع هذا لا نكل ولا نمل ونظل نلهث في الحياة باحثين عن حبنا وأحلامنا قبل أن يضيعا في الزحام ، والأمل يحدونا دائماً في أننا سنستعيد ما فات .

 

 


 

 

حلم 3

 

هذا سطح سفينة يتوسطه عامود مقيد به رجل يلتف حوله حبل من أعلى صدره حتى أسفل ساقيه وهو يحرك رأسه بعنف يمنة ويسرة ويهتف من أعماقه الجريحة .

متى ينتهي هذا العذاب

وكان ثلاثتنا ينظرون إليه بإشفاق ويتبادلون النظر في ذهول

وتسائل صوت

من فعل بك ذلك ؟

فأجاب الرجل المعذب ورأسه لا يكف عن الحركة

أنا الفاعل

لماذا؟

هو العقاب الذي أستحقه

عن أي ذنب؟

فصاح بغضب

الجهل

فقلت له

عهدنا بك ذو حلم وخبرة

جهلنا أن الغضب استعداد في كل فرد

وارتفع صوته وهو يقول :

وجهلت أن أي إنسان لا يمكن أن يخلو من كرامة مهما يهن شأنه

وغلبنا الحزن والصمت .

 

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( تناقضات البشر )

 

يختلف البشر كثيراً حين تراهم في لقطات  مختلفة ومن زوايا متعددة .

حاول أن تفعل هذا مع نفسك .. لكن ذلك سيتطلب شجاعة خاصة ويتطلب رؤية متعددة الأبعاد ( وكأن هناك ثلاث أشخاص لهم ستة عيون ينظرون إليك من زوايا مختلفة ) .. إذا نجحت في وضع هذه الكاميرات ( العيون ) في مواضع مختلفة وبدأت العمل فستذهلك النتائج .. سترى في لقطات أنك عالم راسخ .. وسترى في أخرى أنك جاهل غرير .. وفي لقطات ستبدو عزيزاً كريماً .. وفي لقطات أخرى ستظهر مهيناً ذليلاً .

أراك الآن تتألم من هول هذه اللقطة ولسعها .. زلزالاً يهز ثوابتك وقناعاتك .. أقنعة تتساقط .. تهوي الذات الاجتماعية وتتبادل الظهور مع الذات المثالية ثم تظهر أحياناً الذات الحقيقية فجة متحدية ومهددة .

يتوارى القناع الطيب المسالم ليظهر من خلفه الظل المليء بالأفاعي والعقارب .. تتبادل الغزلان الظهور مع السباع .. يظهر لقمان الحكيم أحياناً .. وأحياناً أخرى يتصدر الصورة أبو جهل وأبو لهب ..

لم تكن تتصور كل هذا الزخم من الجوانب والمستويات المتراكمة والمتناقضة .. رحت تصرخ ألماً وندماً وحيرة .. لم تعد تحتمل ذاتك في صورتها الفجة الغريبة على وعيك .

والآن لكي تستطيع أن تكمل مشوار حياتك وأن تتقبل ذاتك وحياتك قم بإطفاء أنوار هذا التصوير الخارق الحارق النفاذ وأسدل الستار على الكثير مما لا يعجبك رؤياه ، واستدع دفاعاتك المعتادة وانصب المتاريس أمام أي اختراق رؤية لا تحتملها .. وافتح دولابك مرة أخرى لتختار منه الأقنعة التي تعجبك .

لا يخلو عاقل من لحظات طيش .. ولا يخلو ساذج أو جاهل من ومضات حكمة .. ولا ينجو حليم من لحظات غضب وطيش .. ولا يحرم طائش من مواقف رزينة .. لم يحرم الله امرأة دميمة من مواطن جمال .. ولا تخلو امرأة رائعة الجمال من علامات قبح .. ولا تكتمل لحظة صفاء من بعض مكدرات المزاج .. ولا تخلو لحظة ألم وضيق من مشاعر انفراج .. في الاشياء ، وفي الإنسان سوف ترى الشيء ونقيضه .. فلا تعجب .

 

 


 

حلم 4

 

بهو مترامي الأركان متعدد الأبواب خال من كل شيء فوقف ثلاثتنا في ركن مكنون ، صاحباي يرفلان في كامل حليتهما حتى رباط العنق على حين اكتفيت أنا بالجلباب المغربي ودون شعور بأي حرج لشدة الألفة التي تجمعنا ، سمعت حركة ، نظرت فرأيت رجلا لا أدري من أين جاء في ملابس رسمية توحي بأنه ممن يشرفون على الحفلات تلففت في جلبابي وقلت لصاحبي

أخاف أن يقام حفل !

فقالا بالتتابع

لا أظن

لا أهمية لذلك

وجدت حركة أخرى فنظرت فرأيت رجلين ماثلين للأول قد انضما إليه فزال كل شك وهربت إلى أقرب باب وفتحته وكأني وجدت وراءه سداً من جدار البهو ، فكررت المحاولة مع الأبواب جميعاً وخاب مسعاي كالمرة الأولى رجعت إلى صاحبي واندسست بينهما كأنما استتر بهما .

وطمأنني بعض الشيء أن الرجال الثلاثة لم يعيرونا أي التفات

وتتابعت الحركات وانهمر سيل من المدعوين من كافة النواحي

وأخذوا يملأون المكان دون أن ينظر نحونا أحد مركزين أبصارهم في ناحية واحدة فلم نملك إلا أن نفعل فعلهم وبدا فجأة شخص جليل في هيئة الزعامة فتعالت قعقعات الهتاف . وكلما تقدم الرجل خطوة اشتد الهتاف ولكنهم حذروه في الوقت نفسه من السير نحو الباب الذي بدا أنه يقصده وقلت لصاحبي :

سيفتح الباب عن سد لا منفذ فيه

وتقدم الزعيم وسط هتاف متصاعد وتحذير مستمر حتى فتح الباب ودخل مختفيا عن الأنظار .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

لا يجدي حذر من قدر

 

 

تختلف توجهاتنا وتختلف ثقافاتنا وتختلف مظاهرنا ويختلف جوهرنا .. وتختلف حتى ذواتنا في داخلنا ، فهذه تلقائية بسيطة وتلك ذات اجتماعية رسمية ( أو مرسومة ) .. وتكون لنا توقعاتنا المتباينة في هذه الحياة .. بعضها يتحقق وبعضها الآخر تخيب آمالنا فيه .

أحياناً نخاف من شيء فنتوهم القدرة على الهرب من المقدر والمكتوب ، ولكننا نكتشف أن هناك مالا يمكن الهروب منه في هذه الحياة .. وربما نظن بأنفسنا ضعفا أو استكانة أو سلبية أو اعتمادية ، ولكننا نكتشف أننا لسنا وحدنا المسيرين في هذه الحياة ، بل هناك رجال لهم أدوار مرسومة لا يحيدون عنها .. بل إن من نعتبرهم زعماء يغيرون ويبدلون ويحركون عجلة التاريخ ، هم أيضاً لا يخرجون عن إطار مرسوم ووجهة يسعون إليها ببصيرة أو بغير بصيرة .. ولا يجدي حذر من قدر

 

 

 


 

 

حلم 5

 

أسير على غير هدى وبلا هدف ولكن صادفتني مفاجأة لم تخطر لي في خاطري فصرت كلما وضعت قدمي في شارع انقلب الشارع سيركا .

اختفت جدرانه وأبنيته وسياراته والمارة وحل محل ذلك قبة هائلة بمقاعدها المتدرجة وحبالها الممدودة والمدلاة وأراجيحها وأقفاص حيواناتها والممثلون والمبتكرون  والرياضيون حتى البلياتشو ، وشد ما دهشت وسررت وكدت أطير من الفرح . ولكن بالانتقال من شارع إلى شارع وبتكرار المعجزة مضى السرور يفتر والضجر يزحف حتى ضقت بالمشي والرؤية وتاقت نفسي للرجوع إلى مسكني ، ولكم فرحت حين لاح لي وجه الدنيا وآمنت بمجئ الفرح . وفتحت الباب فإذا بالبلياتشو يستقبلني مقهقها .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الحياة سرك كبير )

 

حين تسير على  غير هدى وبلا هدف ( أي بلا توجيه مسبق أو دفاعات جاهزة ) فإنك ربما تنفذ إلى جوهر الأشياء فتكتشف فجأة أن الحياة التي يتكالب الناس عليها ما هي إلا لهو ولعب ، فهي سيرك كبير مليء بالممثلين والمخادعين والمخدوعين ومليئة بوسائل الإبهار والخداع والتنكر .

وقد تفرح وتنبهر بكل هذه الأشياء في البداية ( كأي شيء جديد ) ولكنك ما تلبث أن تملها .... وقد يساورك الغرور فتعتقد أنك وأهل بيتك وخاصتك مبرءون من كل ما سبق فتطمئن إلى أنك شيء مختلف وأن الناس كلهم مخادعون إلا أنت ، وكاذبون إلا أنت ، وممثلون إلا أنت ، ويلبسون أقنعة إلا أنت ، ولكنك حين تفتح باب الحقيقة وتتخطى دفاعاتك النفسية التي تزين لك الأمور ، وحين تتخلى عن إسقاطاتك وإنكارك ، فإنك تكتشف أنك جزء من هذا السيرك الكبير للأسف الشديد .

 

 


 

حلم 6

 

رن جرس التليفون وقال المتكلم :

الشيخ محرم أستاذك يتكلم

فقلت بأدب وإجلال :

أهلا أستاذي وسهلا ..

إني قادم لزيارتك .

على الرحب والسعة

لم تمسني أية دهشة على الرغم من أنني شاركت في تشييع جنازته منذ حوالي ستين عاما وتتابعت علي ذكريات لا تنسى عن أستاذي القديم في اللغة والدين وما عرف عنه من وسامة الوجه وأناقة الملبس إضافة إلى شدته المتناهية في معاملة التلاميذ وجاء الشيخ بجبته وقفطانه الزاهيين وعمته المقلوظة وقال دون مقدمات :

هناك عايشت العديد من الرواة والعلماء ومن حواري معهم عرفت أن بعض الدروس التي كنت ألقيها عليكم يحتاج إلى تصحيحات فدونت التصحيحات في الورقة وجئتك بها .

قال ذلك ثم وضع لفافة من الورق على الخوان وذهب .

 

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( دعاة التحريم )

 

دعاة التحريم .. الذين يغلقون كل الأبواب المفتوحة أمام الناس .. يحرمون ما أحل الله .. يكتفون بالترهيب بدلاً عن الترغيب .. يعتقدون أن البعد عن كل شيء هو وسيلة الأمان الوحيدة من النار .. ويظنون ( بل هم متأكدون ) أن الناس لا يهذبهم ويربيهم إلا قدر هائل من الخوف والرعب .. فالخوف لديهم مقدم على الرجاء .. وصفتي القهّار الجبار تسبق صفتي الرحيم الغفار .

هم يجلدوننا ليل نهار بسياط التحذير والتخويف ويعذبون ذواتنا بمشاعر الذنب التي لا نشفى منها أبداً ، ويحجبون عنا صفات الجمال في الذات الإلهية لحساب صفات الجلال ، مع أن الله اتصف سبحانه بالجلال والجمال " معا " .. فكأنهم اختزلوا صفات الإله وأسماءه وأظهروا لنا نصف الصورة فحرمونا من روعة الكل .

ودعاة التحريم والترهيب والتعذيب والتأنيب والتبكيت والتوبيخ والتقريع يستغلون احترامنا لرموز الدعوة ، وتبجيلنا لمشايخنا فيملأون عقولنا وقلوبنا بمشاهد الهول

( وحدها ) ويغلقون في وجوهنا كل أبواب الرحمة .. وربما يسعدهم أننا كلما زدنا خوفاً ارتمينا في أحضانهم بحثاً عن الخلاص والنجاة .. وكلما ازددنا رعباً هرعنا إلى ساحتهم .. سامحهم الله لقد حرمونا من نعمة الفرار إلى الله لأنهم خوفونا منه فصرنا نفر إليهم هم ، وهم أبعد ما يكونون عن الرحمة بنا .

ودعاة التحريم لا يخلو منهم عصر ، فقد رأيناهم قديما ، ونراهم الآن في ثياب أخرى ولكن الوجوه نفس الوجوه ، واللغة نفس اللغة ، والتأثير نفس التأثير .

وهم بلا شك بعيدين عن صحيح العلم .. بعيدين عن تكامل المعرفة .. لا يعرفون الله كما وصف هو سبحانه ذاته .. وقد تعاملوا معنا كما تعامل الأب القاسي مع طفله الصغير حين أراده أن يكف عن الحركة والكلام وأن يذهب إلى النوم فحكى له حكايات " الوحش " و " أبو رجل مسلوخه " و " أمنا الغوله " .. وقد سعد هذا الأب القاسي المتجهم حين وجد أن الطفل قد هدأ وانكمش وارتمى في حضنه وتعلق برقبته . تذكرت كل هذا وأنا أسير في الطرقات في المدن والقرى وأستمع لتسجيلات صاخبة تهدد وتتوعد وتنذر بالويل والثبور وأهوال المصير .. والناس يتساقطون تحت وابل وعيدهم . ويفقدون القدرة على الحياة ، بل يفقدون القدرة حتى على العبادة والاستغفار ويصابون بوساوس لا يستطيعون الإفصاح عنها لأنها مليئة بعبارات تخرجهم من الملة , ومن أسف فإن أشرطة تسجيلاتهم تباع بالملايين ويتخاطفها العامة والبسطاء ( وهم سواد قومى ) فى  حين لانجد للعلماء الراسخين المتزنين الوسطيين التكامليين وجودا ظاهرا ومؤثرا .

ودعاة التحريم حين يعلمون الحقيقة في عالم الحق قد يحتاجون للاعتذار لكل من فتنوهم ويحتاجون لتصحيح ما أفسدوه في عقول الناس وقلوبهم .. فهم من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .

فلا يرهبنك مظهرهم وعلو صوتهم ولا كثرة أشرطتهم .. ولا تفر إليهم خوفاً من الله ، بل فر إلى الله مستعيذاً به منهم .

 

 


حلم 7

 

يا له من ميدان مترامي الاتساع مكتظ بالخلق والسيارات .. وقفت على طوار المحطة أنتظر مقدم الترام رقم 3 والوقت قارب المغيب . أريد العودة إلى بيتي على الرغم من أنه لا ينتظرني أحد . ويهبط المساء وتغلب الظلام على أضواء المصابيح المتباعدة وشعرت بوحشة وتساءلت عن آخر الترام رقم 3 جميع الترامات جاءت وحملت من المنتظرين ما حملت ولكن لا أدري ماذا حصل للترام 3 . وخفت حركة الميدان وقل مرور السبلة حتى كدت أتركه وحيدا في المحطة في ميدان خال أنتظر تراما لا يجيء وسمعت صوتا خفيضا فنظرت فرأيت على مبعدة يسيرة فتاة ينطق مظهرها بأنها من بنات الليل فازداد شعوري بالوحشة واليأس وسألتني :

- أليست محطة الترام رقم 3؟

فأجبت بالإيجاب وفكرت في مغادرة المحطة وإذا بالترام رقم 3 يقترب في هدوء ولا أحد فيه سوى السائق وقاطع التذاكر ، وشيء من داخلي دعاني إلى عدم الركوب فوليت الترام ظهري ولبثت على حالي حتى غادر الترام المحطة . ونظرت فرأيت الفتاة بموقفها ، ولما شعرت بعيني ابتسمت وسارت نحو أقرب منعطف فتبعتها على الأثر .

-----------------------------------------------------------------------------

 

 

تداعيات الحلم

( الغواية حتى آخر العمر )

 

نعيش في تلك الحياة المليئة بالناس والصراعات ووسط كل هذا نسعى نحو هدف معين نريد تحقيقه .. وقد يتأخر هذا الهدف أو نستبطئ تحققه فتشاغل أعيننا وقلوبنا بعض الملذات والغوايات فتنتابنا مشاعر متناقضة حيالها ولكننا ربما ننصرف عنها حتى لا تشغلنا عن الوصول إلى هدفنا المعلوم والمحدد .

ومع هذا حين يصبح تحقق الهدف أمراً مؤكداً ربما نشك في جدواه في مرحلة بعينها من العمر ثم نرى أن الملذات والغوايات ربما تشدنا أكثر إليها .

ويبدو أننا كلما تقدمنا في العمر وتحققت أهدافنا المشروعة أو كادت أن تتحقق نصبح أكثر ضعفاً أمام ما فاتنا من شهوات وملذات ، وربما نتشكك في جدوى ما سعينا إليه في شبابنا .. وربما نلبي نداءات ضعفنا ونزقنا .. فاحذر أيها العاقل من أزمة منتصف العمر .. بل ربما من أزمة نهاية العمر ، ولا تأمن للمشيب فالغواية رابضة .... والمناعة غير مضمونة .....  والخطر قائم حتى آخر العمر ..... والدنيا مغرية ومغوية وكذلك النس

 


 

حلم 8

 

عندما أقبلت على مسكني وجدت الباب مفتوحا على ضلفتيه على غير عادة ، وجاءتني من الداخل ضوضاء وأصداء كلام .

دق قلبي متوقعا شرا ، ورأيت من أحبابي ابتسامات مشفقة ، وسرعان ما عرفت كل شيء ، خلت الشقة من الأثاث الذي كوم في ناحية داخل المكان .. عمال من متفاوتي الأعمار ، منهم من دهن الجدران ومنهم من يعجن المونة ومنهم من يحمل المياه .. وهكذا نفذت المكيدة في أثناء غيابي وذهبت توسلاتي في الهواء .

وهل أطيق هذا الانقلاب وأنا على تلك الحال من الإرهاق ؟

وصحت بالعمال من أذن لكم ذلك ، ولكنهم استمروا في عملهم دون أن يعيروني أي اهتمام ، وقهرني الغضب فغادرت الشقة وأنا أشعر بأنني لن أرجع إليها مدى عمري وعند مدخل العمارة رأيت أمي مقبلة بعد رحيلها الطويل وبدت مستاءة وغاضبة وقالت لي :

أنت السبب فيما حصل !

فثار غضبي وصحت :

بل أنت السبب فيما حصل وما سوف يحصل ..

وسرعان ما اختفت وأمضت في الهرب .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الاختراق ... التغيير ...الاغتراب )

 

حين يتم فتح أبواب الوطن على مصراعيها بدعوى التجديد والتغيير القادم من الخارج بلا نظام أو تخطيط أو تناغم .. وحين يتم " تكويم " و " تخزين " ثقافتنا وتراثنا لحساب الجديد القادم من خارجنا .. حين يحدث كل هذا دون إرادة منا .. وحين يحدث كل هذا ونحن في حالة استنزاف وإعياء لا حول لنا ولا قوة ..

هنا نشعر بالعجز وقلة الحيلة والاغتراب على الرغم من مظاهر التجديد ومغريات الحداثة . وحين نشعر بالغربة في الوطن والغربة في الذات تبدأ رحلة اللوم وتبادل الاتهامات .. هل نلوم أنفسنا ؟ .. أم نلوم الوطن " الأم " ؟  .. ومع هذا نظل في حالة هرب من أنفسنا ويظل الوطن في حالة هرب منا .. ونعاني آلام الغربة والاغتراب .. ولا عزاء لمسلوبي الإرادة .

 

 


حلم 9

 

على أريكة في حديقة المنزل الصغيرة جلست أختي تتأمل ضفدعا يسبح في القناة التي تروي الحديقة . وانتشيت بالنسيم الرقيق وعناقيد العنب المدلاة من التكعيبة .

وسألت أختي ماذا تنتظرين ؟

وقبل أن تجيبني قلت :

- من الأفضل أن نجلس في الحجرة لنسمع الفونوغراف وتبادلنا نظرة اختيار ثم انتقلنا إلى الحجرة وازداد الجو صمتا وحتى النسيم لم يعد معنا .

ونظرت إلى أختي فإذا بها قد تحولت إلى الممثلة السينمائية جريتا جاربو وهي ممثلتي المفضلة وطرت من السعادة بغير أجنحة .

وملأ السرور جوانحي غير أن ذلك السحر لم يدم طويلا . وأردت أن أستعيد المعجزة السحرية مرة أخرى ، ولكن أختي رفضت الذهاب معي . فسألتها عن سبب الرفض فقالت :

- أمي

فقاطعتها قبل أن تتم عبارتها

- إنها لا تدري

فقالت بيقين

- إنها تدري كل شيء .

وشعرت بأن الحزن غشى كل شيء كأنه شابورة مفاجئة .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( المشاعر المحرمة )

 

عجيب أمر تلك الذوات التي تتحرك في أحشاء نفوسنا والتي تتبادل الأدوار بشكل لا يحتمله وعينا أحياناً .. فتلك ذات هادئة متأملة لخلق الله .. وذاك ذات منتشية فرحاً وطرباً بالنسيم والخضرة والجمال .. وهذه ذات رومانسية حالمة رقيقة .. ثم تظهر وسط هؤلاء ذات شهوانية متحدية طاغية عابرة للحواجز الأخلاقية ولأسوار التحريم ، مهددة الثوابت العائلية والاجتماعية ، لذلك نضطر لقمعها خوفاً ورهبة وحياءاً وخجلاً ، ومع هذا القمع أو هذا الضبط ( سمه ما شئت حسب درجة ورعك أو صدقك أو خوفك أو خجلك ) نشعر بالفقد والحرمان .. وربما نشعر بالحزن .

تلك هي النفس المليئة بالمشاعر والرغبات والنزوات والتي نعرف بعضها ونجهل أكثرها وما نجهله يتحرك بداخلنا بقوة ويهدد استقرار سطح أنفسنا .

 

 


 

 

حلم 10

 

جمعتنا الصداقة والنشأة وتواعدنا في تلك الحارة وذيول الليل تهبط .

ولا هدف لنا إلا الانشراح باللقاء والاستسلام للمزاح والضحك على طريقة القافية .

وتبادلنا النكات وأخذنا نتحول إلى أشباح في الظلام وتعارفنا بأصواتنا ولم نكف عن المزاح والقافية وانطلقت قهقهاتنا ترج الجدران وتوقظ النيام . الحارة متعرجة ونحن نتقارب حتى لا نذوب في الظلمة وكلما تمادينا في الحيرة غالينا في الضحك وبدأنا نتساءل حتى نجد خلاصنا في ميدان أو شارع كبير .

وذكرنا أحدنا بأن الملكة الفرعونية التي أرادت الانتقام من الكهنة الذين قتلوا زوجها دعتهم إلى مكان يشبه هذا الذي يغبطون فيها وسلطت عليهم المياه وما كاد يفرغ من حكايته حتى هطلت السماء علينا بقوة غير معهودة وأسكتنا الرعد ومضت المياه ترتفع حتى غطت أقدامنا وزحفت على سيقاننا وشعرنا بأننا نغرق تحت المطر في ظلم الليل ونسينا نكاتنا وضحكاتنا ولم يعد لنا من أمل في الخلاص إلا أن نطير في الفضاء .

-----------------------------------------------------------------------------

 

 

تداعيات الحلم

إنما الحياة الدنيا لهو ولعب

( رحلة الحياة والموت والبعث والنشور )

 

نأتي إلى الحياة الدنيا فنلهو ونمرح ونمزح ونضحك ونصادق ونحب ونصخب ونقول ونظن أننا ملأنا الدنيا طربا وبهجة .

وربما يكون اندفاعنا نحو تلك المشاعر المرحة دفاعاً ضد صعوبات الحياة وظلمتها أو دفاعاً ضد الخوف والضياع أو نوعاً من الأنس والائتناس يحمينا من تهديد الوحدة أو الذوبان في اللاشيء أو يكون ذلك هرباً من الحيرة ومن التساؤلات الأعمق التي تهدد استقرارنا .

فنحن حين نضحك لا نفعل ذلك فقط لأننا سعداء وإنما نفعله أحياناً خوفاً أو هرباً أو بحثاً عن خلاص أو دفاعاً ضد قهر أو ألم .

ويظل الناس غارقون في لهوهم ومرحهم ودفاعاتهم النفسية حتى تفاجئهم الحقيقة التي عاشوا يهربون منها وتأتي القيامة بمشاهدها التي تكشف هذه الأقنعة وتهز ذلك الأمان الزائف وتضع الجميع في اختبار حقيقي حين تهطل السماء ويأتي طوفان الماء يزحف ليغطي السيقان ثم يصعد نحو الصدور ويهدد بالغرق ، وينسى الإنسان لهوه وضحكاته وانكاراته وبقية دفاعاته ويصبح في حالة اختيار حقيقي ويتبين أن لا ملجأ من الله إلا إليه ويعلم أنه لا خلاص إلا بالتوجه نحو السماء .

 

 

 


حلم 11

 

في ظل نخلة على شاطئ النيل استلقت على ظهرها امرأة فارعة الطول ريانة الجسد . وكشفت عن صدرها ونادت يزحف نحوها أطفال لا يحصرهم العد . وتزاحموا على ثدييها و رضعوا بشراهة غير معهودة وكلما انتهت جماعة أقبلت أخرى وبدا أن الأمر أفلت زمامه وتمرد على كل تنظيم . وخيل إلي أن الحال تقتضي التنبيه أو الاستغاثة ولكن الناس يغطون في النوم على شاطئ النيل . وحاولت النداء ولكن الصوت لم يخرج من فمي وأطبق على صدري ضيق شديد . أما الأطفال والمرأة فقد تركوها جلدة على عظم . ولما يئسوا من مزيد من اللبن راحوا ينهشون اللحم حتى تحولت بينهم إلى هيكل عظمي . وشعرت بأنه كان يجب علي أن أفعل شيئا أكثر من النداء الذي لم يخرج من فمي وأذهلني أن الأطفال بعد يأس من اللبن واللحم التحموا في معركة وحشية فسالت دماؤهم وتخرقت لحومهم . ولمحني بعض منهم فأقبلوا نحوي أنا لعمل المستحيل في رحاب الرعب الشامل .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( نهش مصر )

 

كنت أتصور -  سذاجة - أن مصر تعرضت وتتعرض للنهب ، ولكن هذا الحلم

( الكابوس ) أفزعني على حقيقة أن الأمر تجاوز مرحلة النهب ووصل إلى مرحلة النهش ، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل إن " النهّاشين " حين فرغوا من النهش راحوا ينهشون بعضهم البعض .

فمصر العظيمة التي تتمدد - ريانة الجسد - على شاطئ النيل تكشف عن صدرها المليء بالخيرات لأبنائها ، يتزاحم عليها أطفالها الكثيرون ببراءة ( في البداية ) يرضعون من هذا الصدر العذب ، ولكن ما لبثت براءتهم أن تحولت لشراهة ، وتحول الأمر إلى نهب شديد وفوضى مهددة . وبدا للعقلاء من أهلها أن الأمر يحتاج لتنبيه أو استغاثة ولكن أهل مصر - كعادتهم - يغطون في نوم عميق ويتغيبون في حالة من السلبية واللامبالاة ، ويغرقون في بحر من الأمان الكاذب ، ويتصورون خداعاً وزيفاً أن بلدهم المعطاء لا ينفذ خيره . وحاول العقلاء إيقاظ النيام وتنبيه الغافلين إلى خطورة ما يحدث ، ولكن الخوف كتم أصواتهم داخل أفواههم ، وكتم حسرتهم في صدورهم . وفي هذا الجو الفاسد والمضطرب الخالي من صوت عاقل أو تنبيه رشيد واصل الناهبون والناهشون عملهم في امتصاص خيرات البلد حتى جفت منابعها وأصبحت جلداً على عظم بعد أن نهشوا لحمها ( حين جف ضرعها ) .

ومرة أخرى يشعر العقلاء والصالحون من أهل مصر بالندم والحسرة والخجل ، فقد تأخروا كثيراً في التنبيه والتحذير ، ووقفوا مكتوفي الأيدي حتى حلت الكارثة واشتد الصراع وعمت الفوضى ، ولجأ إليهم بنو وطنهم لينقذوا الوطن من الخراب والفوضى ولكن الوقت كان قد فات ولم يبق إلا الرعب الشامل الذي يلفح الناهشون والساكتون على السواء .

 

 

 


حلم 12

 

في الجو شيء مثير للأعصاب ، فهو من عدة نواح تبرز رءوس وتختفي بسرعة . وجرت شائعة مثل الشهاب تنذر بوقوع الحرب . وترددت كلمة " الحرب " على الألسنة ، وعمت الحيرة والانزعاج ورأيت من يحمل تموينا لتخزينه . وجعلت أتذكر تلك الأيام المكدرة ، هل نبقى أم نهاجر ؟ ولكن إلى أين؟

ولذت بمقر المكان الآمن من الخطر وجاء رجل من الأمن وقال صراحة : إن الدولة تريد أن تعرف طاقة الأسر على إيواء من يحتاجون إلى إيواء لا سمح الله . وتضاعف الاضطرابات وأعلنت أمي وهي تعيش وحدها في بيت كبير أنها على استعداد لإيواء أسرة كاملة . أما أنا فوجدت أننا يمكن الاستغناء عن حجرة واحدة تسع لشخصين وأصبحت حذرا عند سماع أي صوت أو الإجابة على أي سؤال وطرق ببابي مخبر ودعاني إلى القسم ولما سألته عن سبب الاستدعاء أجاب بخشونة أنه لا يعرف وقطع حديثنا انطلاق سفارة الإنذار .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( مصر وقضايا العرب )

 

جدل قائم دائماً بين رؤى مختلفة ، هل تقوم مصر - الدولة الأم - في العالم العربي بدور الأم الحامية الراعية لجيرانها في أوقات الحروب والأزمات فتحتضنهم وتتبنى مشاكلهم وتحمل همومهم ، أم تفعل ذلك في حدود إمكاناتها البسيطة المتاحة ، والتي تحفظ علاقات الود في حدها المعقول ، أم تغلق على نفسها الباب في حدود مصريتها ومشاكلها وهمومها .

عموماً الجو بالخارج ( حول مصر ) وبالداخل ( في مصر ) لا يدعو للاطمئنان ، فحولنا نذر الحرب والخطر والتقلبات والانقلابات ، وداخل الوطن حالة الطوارئ وحوادث الإرهاب والإرهاب المضاد , والاستنفار الأمني  , وتوسيع دائرة الاشتباه , والضعف السياسى , والجمود , و..... , و.......... . والمواطن المسكين لا يشعر بالأمان لأنه فى ظل هذا الجو المضطرب وفى ظل قوانين الطوارئ يمكن أن يستدعى أو يسجن أو يعتقل فى أى وقت .

 

 


 

حلم 13

 

هذا هو المطار. جوه يموج بشتى الأصوات واللغات . وكن قد فرغن من جميع الاجراءات ووقفن ينتظرن . اقتربت منهم وقدمت إلى كل منهن وردة في قرطاس فضي وقلت :

- مع السلامة والدعاء بالتوفيق

فشكرنني باسمات وقالت إحداهن :

- إنها بعثة شاقة ونجاحنا يحتاج إلى أعوام وأعوام .

فأدركت ما تعني وغمر الألم قلبي وتبادلنا نظرات وداع صامتة ولاحت لأعيننا مرات الزمان الأول .

وتحركت الطائرة وجعلت أتابعها بعيني حتى غيبها الأفق . وحال عودتي إلى بهو المطار لم أعد أذكر إلا رغبتي في الاهتداء إلى مكتب البريد .

وكأنني ما جئت إلا لهذا الغرض وحده . وسمعت صوتا يهمس : أنت تريد مكتب البريد؟ فنظرت نحوه ذاهلاً فرأيت فتاة لم أرها من قبل فسألتها عن هويتها فقالت بجرأة :

أنا بنت ريا . لعلك مازلت تذكر ريا وسكينة ؟

فقلت وذهولي يشتد :

- إنها ذكرى مرعبة

فرفعت منكبيها وسارت وهي تقول :

- إن كنت تريد مكتب البريد فاتبعني . فتبعتها بعد تردد غاية في العنف .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الاختراق الناعم )

 

يبدو أن هناك حالة من الاختراق تثير المخاوف ، خاصة وأنها آتية من الخارج ومن الداخل وفي صور ناعمة هادئة .

فالاختراق القادم من الخارج يأتي في صور بعثات بحثية يقوم بها أحياناً فريق من الفتيات الجميلات الرقيقات الساحرات اللائي نستقبلهن ونودعهن بالورود ,بالمشاعر المتناقضة بين الإنبهار والألم والتوجس .

وحين نستشعر خطر هذا الاختراق " الناعم " المتخفي في قفازات حريرية ، ونحاول إبلاغ من يهمهم الأمر ( فعلا ) عن طريق رسائل البريد المعتادة ، حينئذ نكتشف أن نوايانا مخترقة وأن هناك من يعرفون أو يعرفن ما نفكر فيه وننوي عمله ، وهذا الاختراق الوطني أو الداخلي يتم بصورة معروفة نسبياً ( ريا وسكينة ) ولكننا مع هذا لا نملك الفرار منها ، فنحن إذن بين مطرقة أعداء الخارج وسندان مجرمي الداخل .

 

 

 


حلم 14

 

تريضت على الشاطئ الأخضر للنيل ، الليلة ندية والمناجاة بين القمر ومياه النهر مستمرة تشع منها الأضواء هامت روحي حول أركان العباسية المفعمة بالياسمين والحب ووجدت نفسي تردد السؤال الذي يراودها بين حين وآخر لماذا لم تزرني في المنام ولو مرة واحدة منذ رحلت  على الأقل لأتأكد من أنها كانت حقيقة وليست وهما من أوهام المراهقة . وهل الصورة التي طبعت في خيالي هي الصورة الحقيقية للأصل . وإذا بصوت موسيقى يترامى إلي من ناحية الشارع المظلم صارت أشباحا ثم تجلت مع ضوء أول مصباح صادفها في طريقها ، أدهشني أنها لم تكن غريبة علي في الموسيقى النحاسية التي كثيراً ما استمعت إليها في صباي ورأيتها تتقدم بعض الجنازات وهذا اللحن أكاد أحفظه حفظا ، أما المصادفة السعيدة غير المتوقعة فهي أن حبيبتي الراحلة تسير وراء الفرقة هي هي بطلعتها البهية ومشيتها السنية وملامحها الأنيقة ، أخيراً تكرمت بزيارتي وتركت الفرقة الجنائزية تسير ووقفت قبالتي لتؤكد لي أن العمر لم يضع هدراً . وقمت واقفاً منبهراً وتطلعت إليها بكل قوة روحي وقلت لنفسي إن هذه فرصة لا تتكرر . لألمس حبيبة القلب .

وتقدمت خطوة وأحطتها بذراعي ولكني سمعت طقطقة شيء يتكسر وأيقنت أن الفستان ينسدل على فراغ وسرعان ما هوى الرأس البديع إلى الأرض وتدحرج إلى النهر وحملته الأمواج مثل ورد النيل تاركة إياي في حسرة أبدية !

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الماضي لا يعود )

 

في  لحظات الصفاء والرومانسية تستيقظ بداخلنا ذكريات المراهقة والشباب فنحاول استعادتها في ذاكرتنا بأشكالها وأصواتها وروائحها ونعيش لحظات من السعادة والشجن في آن واحد ونستدعي تفاصيل تلك اللحظات الجميلة التي عشناها في هذه السنين الرائعة من العمر حين كانت حواسنا تلتقط الجمال في كل صوره وكانت أرواحنا تتواصل بلا حدود .

ونحن لا نكتفي باجترار تلك الذكريات ، بل نحاول الإمساك بها وإحاطتها حتى لا تفلت منا مرة أخرى ، ولكننا نفاجأ بالحقيقة المؤكدة ، أن الماضي قد مضى ولن يعود ، وأننا لا نستطيع إيقاف حركة الزمان أو تثبيت الصورة أو الإمساك بلحظات أو أحبة قد مضوا وجرفتهم أمواج الحياة .

 

 

 


 

حلم 15

 

بهو رصت على جوانبه المكاتب .. إنه مصلحة حكومية أو مؤسسة تجارية والموظفون بين السكون وراء مكاتبهم أو الحركة بين المكاتب .

وهم خليط من الجنسين والتعاون في العمل واضح والغزل الخفيف غير خاف وأنا فيما بدا من الموظفين الجدد ومرتبي على قد حاله وشعوري بذلك عميق ولكنه لم يمنعني من طلب يد فتاة جميلة وهي كموظفة أقدم وأعلى والحق أنها شكرتني ولكنها اعتذرت عن عدم الاستجابة لطلبي قائلة :

لا نملك ما يهيء لنا حياة سعيدة

وتلقيت بذلك طعنة نفذت إلى صميم وجداني .

ومن يومها تحسبت مفاتحة أي زميلة في هذا الشأن على الرغم من إعجابي بأكثر من واحدة وعانيت مر المعاناة من العزلة والكآبة .. وألحقت بالخدمة فتاة جديدة فوجدت نفسي في مكانة أعلى لأول مرة فأنا مراجع وهي كاتبة على الآلة الكاتبة ومرتبي ضعف مرتبها إلا أنها لم تكن جميلة بل والأدهى من ذلك أني سمعت همسا يدور حول سلوكها وبدافع  من اليأس قررت الخروج من عزلتي فداعبتها فإذا بها تداعبني ، ومن شدة فرحي فقدت وعيي وطلبت يدها وقالت لي :

آسفة !

فلم أصدق أذني وقلت وأنا أتهادى

مرتبي لا بأس به بالإضافة إلى مرتبك .

فقالت بجدية :

المال لا يهمني

وهممت أن أسألها عما يهمها ولكنها ذهبت قبل أن أنطق ..

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( اختلاف الاحتياجات والإهتمامات )

 

 لكل منا احتياجات يسعى لإشباعها ، ومن أهم هذه الاحتياجات الاحتياج لأخرى ( أو آخر ) ولكي نقترب من هذه الأخرى نحتاج لأن نلبي احتياجاتها كما تراها هي وليس كما يعن لنا ، فالزواج علاقة بين اثنين لدى  كل منهما فائض يحتاجه الآخر وبالتالي هو علاقة تكاملية تشبع احتياجات كلا الطرفين .  وعلى الرغم من أهمية الخبرات السابقة في الحياة إلا أننا حين نعمم هذه الخبرات في علاقتنا بالبشر وبالمرأة على وجه الخصوص فإننا نواجه بعض المشكلات حيث نكتشف أن كل إنسان له احتياجاته المختلفة وله متطلباته التي تختلف عما رأيناه فيمن تعاملنا معهم أو معهن من قبل ، ومن هنا يبدو أن كل إنسانه ( أو إنسان ) حالة خاصة تستوجب الانتباه لها هي شخصياً ولاحتياجاتها " هي "  بعيداً عن أي تعميمات سابقة , فلكل إنسان موجته الخاصة به ولكى نقترب منه ونتفهمه ونحبه ويحبنا يستلزم هذا توافقا موجيا بيننا وبينه لكى نتواصل .

 

 

 


 

حلم 16

 

هنأني الطبيب المساعد على نجاح العملية .. عقب إفاقتي من التخدير أشعر بارتياح عميق وبسعادة النجاة الصافية . دخلت الحجرة فجاءت الممرضة بكرسي وجلست مقتربة برأسها من رأسي تأملتني مليا ثم قالت لي بهدوء شديد :

طالما كانت أمنيتي أن أراك راقدا بلا حول ولا قوة :

فنظرت إليها بدوري وقلت لها في ذهول : ولكني أراك لأول مرة في حياتي فلماذا تتمنين لي السوء؟

فقالت باحتقار وحقد : جاء وقت الانتقام

وقامت وغادرت الحجرة تاركة إياي في دوامة من الحيرة والقلق والخوف ، كيف تتصور تلك المرأة أنني أسأت إليها على حين أنني أراها لأول مرة في حياتي وجاء الطبيب الجراح ليلقى علي نظرة فتشبثت به قائلا:

أدركني يا دكتور فإن حياتي في خطر

فأصغى إلي وأنا أقص عليه ما جرى وأمر بعرض الممرضات المكلفات بالخدمة في العنبر علي ولكني لم أعثر على الممرضة بينهن

وغادرني الدكتور وهو يقول :

أنت هنا في كامل الرعاية

ولكن صورة الممرضة لم تفارقني

ولم تغب عني الوساوس وكل من دخل الحجرة نظر إلي بغرابة كأنني أصبحت موضع تساؤل وشك وتراءى أمام عيني طريق طويل مليء بالمتاعب .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الخوف بداخلنا )

 

يبدو أن الخوف شيء أصيل في تكويننا ، وكلما تجاوزنا خطراً يهددنا وتخيلنا أننا أصبحنا في مأمن من الخطر داهمنا خطر آخر ، وليس من الضروري أن يكون ذلك الخطر الذي يهددنا حقيقياً ، المهم أننا نشعر بالتهديد في أي وقت من أي شيء ، ولا يغادرنا هذا الشعور حتى في المواقف أو الأماكن التي يفترض فيها الرعاية والأمان الكاملين ، فكأنه قدرنا أن نعيش خائفين بحق أو بغير حق ، وربما يزيد هذا الخوف فيصبح رهاباً مرضياً ، وربما يتجسد أكثر فأكثر فيصبح هلاوس ( سمعية أو بصرية) أو ضلالات ( وهامات ) مرضية .

ويبدو أن بداخلنا إحساس عميق بأننا فعلنا ما يستوجب العقاب ، لذلك نتوقع الانتقام والقصاص من الناس حولنا ، ويبدو أن بداخلنا إحساس عميق بالدونية يستوجب نظرة الإحتقار من الآخرين , وتزيد هذه الأحاسيس في لحظات ضعفنا وانكسارنا ولحظات صدقنا حين تقل دفاعاتنا النفسية ونقترب أكثر من حقيقتنا وأخطائنا وضعفنا.

 .

----------------------------------------------------------------------

 

 

 

 

حلم 18

 

وتم مجلسنا على الجانبين في القارب البخاري .

بدا كل واحد وحده لا علاقة له بالآخرين وجاء الملاح ودار الموتور . الملاح فتاة جميلة ، ارتعش لمرآها قلبي . أطلت من النافذة وأنا واقف تحت الشجرة وكان الوقت بين الصبا ومطلع الشباب ، وركزت عيني رأسي في رأسها النبيل وهي تمرق بنا في النهر وتتناغم خفقات قلبي مع دفقات النسيم وفكرت أن أسير إليها لأرى كيف يكون استقبالها لي .

لكني وجدت نفسي في شارع شعبي لعله الغورية وهو مكتظ بالخلق في مولد الحسين ولمحتها تشق طريقها بصعوبة عند أحد المنعطفات فصممت على اللحاق بها .

وحيا فريق من المنشدين الحسين الشهيد .

وسرعان ما رجعت إلى مجلسي في القارب وكان قد توغل في النهر شوطا طويلا . ونظرت إلى مكان القيادة فرأيت ملاحا عجوزا متجهم الوجه . ونظرت حولي لأسأل عن الجميلة الغائبة ولكني لم أر إلا مقاعد خالية .

وقمت لأسأل العجوز عن الجميلة الغائبة .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( رحلة الحياة )

 

نأتي إلى الحياة ( القارب البخاري ) فرادى وتدور بنا عجلة الأيام ( الموتور ) . وفي فترة الصبا والشباب تصحو فينا مشاعر الحب والرومانسية ونعيش لحظات عذبة في مواقف مختلفة نناجي فيها الحبيب ونتوحد إلى القرب منه .

ثم يأخذنا زحام الحياة ( شارع الغورية الشعبي ) , وتتعقد الإهتمامات والإحتياجات وتتشابك وتتصارع , ونحاول وسط هذا الزحام اللحاق بالأحبة والحفاظ على مشاعرنا البكر الجميلة التي خبرناها في شبابنا ونحاول التعلق بالحياة ونصمم على ذلك .

وفي مرحلة من المراحل نقترب من الرموز الدينية ونعلي من قيم البذل والعطاء والشهادة ونتعلق بالقيم العليا الخالدة والسامية ( وحيا فريق من المنشدين الحسين الشهيد ) .

وفي أرذل العمر نتوق إلى العودة إلى الشباب وذكرياته الجميلة لعلنا نلطف من حياتنا الجادة المتجهمة ، ولكننا نكتشف أن ما ذهب لا يعود ، ونكتشف أن حياتنا أصبحت خالية ، ولكننا مع هذا لا نكف عن التعلق بأمل عودة الشباب .

 

 


 

 

حلم 19

 

انبهرت بالشقة الجديدة بعد تسلمها ، ففحصت كل موضع بنظراتي ، امتلأت جوانحي بالسعادة وقلت لنفسي من الآن يحق لي أن أشغل وظيفة وعلي أن أسعى إليها دون تأخير .

وذهبت إلى السوق ، المكان واسع المساحة مسور بسور من البناء المتين ، وأظهرت أوراق ملكية الشقة فسمحوا لي بالدخول .

المكان مكتظ بالخلق ، لمحت وجوها أحببتها كثيرا ولكنهن جميعا كن متأبطات أذرع رجالهن ، وذهبت إلى النافذة المقصودة وقدمت أوراقي وفي مقدمتها أوراق ملكية الشقة الجديدة ، وفحصها الرجل وسجلها وقال لي : " لا توجد الآن وظائف خالية ، وسوف نتصل بك ، في الوقت المناسب " .

شعرت بخيبة أمل وشعرت بأنني سأنتظر طويلا ورجعت مخترقا الجموع ومتأملا بعجلة الوجوه الجميلة التي أحببتها في الماضي ، ولبثت في الشقة وحدي ، وفي الطريق سمعت رجلا يقول بصوت جهير " لا معنى لأن يملك شخص شقة دون أن يشغل وظيفة .. الأولى أن يتركها لغيره فيمن يحظون بفرص أكثر لشغل وظيفة " .. وكأنه يعنيني بقوله ، وما دامت الفكرة وجدت فقد تتحول إلى واقع .

وساورني الشك والهم ، وانتظرت ما يخبئه الغد بعين قلقة مؤرقة .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( وطن الحرمان ... والمواطنة المنقوصة  )

 

للإنسان احتياجات متعددة ومشروعة ومن هذه الاحتياجات أن يكون له وطن ينتمي إليه ويصبح مستقراً وسكناً ، ولكن هذه المواطنة تصبح منقوصة إذا فقد الإنسان احتياجات أساسية أخرى وهي الحاجة إلى الحب والحاجة إلى التقدير والحاجة إلى العمل والحاجة إلى الحصول على لقمة العيش . وإن مفهوم المواطنة والانتماء ليهتز ويصبح مهدداً إذا عانى المواطن حرماناً من احتياجاته الأساسية المهمة ، ويصبح الشخص في حالة قلق وخوف وتوجس لأن مجرد العيش على أرض الوطن لا يحقق له الأمان والسعادة , تلك الأشياء التي تحتاج للحب والعمل وتحقيق الذات حتى نشعر بحبنا للوطن واستقرارنا على أرضه . وتزداد حسرتنا ويتضاعف ألمنا حين نجد غيرنا ينعم بكل شئ ويستكثر علينا مجرد الوجود على أرض الوطن ( الشقة ) ويريد أن ينتزعها منا كما انتزع كل شئ من قبل , وهنا يزداد خوفنال وقلقنا وتزداد غربتنا فى وطننا .

 

 

 


 

حلم 20

 

خرجنا باحثين عن مكان طيب نمضي فيه بعض الوقت ، ونظرنا إلى الهلال ثم تبادلنا النظر . ورأيت على ضوء المصباح رجلا عملاقا لم تر العين مثله أرسل عمودا لا مثيل لطوله نحو الهلال حتى بلغ طرفه . وراح بحركة ماهرة يفرد طيات نوره حتى استوى بدرا . وسمعنا أصوات تهليل فهللنا معها وقلت إنه لم يحدث مثل هذا من قبل فصدّقت على قولي ، وانساب النور على الكون رفعني على سطح الماء فهتفت " ليلة قمرية " فقلت " القارب يدعوننا " وركبنا ونحن في غاية السرور ، وغنى الملاح رايداك والنبي رايداك ، وأسكرنا الفرح فاقترحت أن نسبح حول القارب . وخلعنا ملابسنا ووثبنا إلى الماء وسبحنا ونحن في غاية الامتنان ، ولكن القمر تراجع فجأة إلى الهلال واختفى الهلال .. انزعجنا انزعاجا لم نعرف مثله من قبل ، ولكنني شعرت بأنه يجب مراجعة الموقف بما يتطلبه من جدية فقلت ونحن غارقان في الظلام " لنسبح نحو القارب " فقالت " وإذا ضللنا الطريق " فقلت " نستطيع أن نسبح حتى الشاطئ " فقالت " سنكون عاريين على الشاطئ " فقلت : فليؤجل التفكير في ذلك .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الإنكسار بعد الانتصار )

 

رفع الزعيم الراية الشامخة حتى بلغت عنان السماء ( القمر ) ، وواكب ذلك روح الانتصار وارتفعت أصوات التهليل والتكبير وتجاوب معها الجميع وسطع نور الانتصار وغنى الناس فرحاً وطرباً ، فمنذ زمن بعيد لم نحقق انتصاراً مثل ذلك .

وراح الناس يلعبون ويمرحون ويحاولون جني ثمرة ذلك الانتصار التاريخي العظيم ، ولكنهم فوجئوا بأن مكاسب الانتصار قد ذهبت ( ربما يشير ذلك إلى اتفاقيات كامب ديفيد بعد حرب أكتوبر ) فانزعجوا انزعاجاً شديداً وفقدوا القدرة على معرفة الاتجاه الصحيح لحركتهم وظلوا حائرين لا يعرفون الطريق واستمر هذا الوضع إلى إشعار آخر.

 

 

 

 

الشارع الجانبي لا يخلو من مارة وأناس في الشرفات ، والسيدة تسير على مهل وتقف أحيانا أمام معارض الأزياء .

يتعرض لها أربعة شبان دون العشرين ، تتجهم في وجوههم وتبتعد عن طريقهم ، ينقضون عليها ويعبثون بها ، تقاوم والناس تتفرج دون أي مبادرة .. الشبان يمزقون ثوبها ويعرون أجزاء من جسدها ، السيدة تصوت مستغيثة ، راقبت ما حدث فتوقفت عن السير وملكني الارتياع والاشمئزاز وددت أن أفعل شيئاً أو أن يفعله غيري ولكن لم يحدث شيء ، وبعد أن تمت المأساة وفر الجناة .. جاءت الشرطة ، وتغير المكان فوجدت نفسي مع آخرين أمام مكتب الضابط ، واتفقت أقوالنا ، ولما سئلنا عما فعلناه كان الجواب بالسلب وشعرت بخجل وقهر ، وكانت يدي ترتجف وهي توقع بالإمضاء على المحضر .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( السلبية والعار )

 

لم يعد الناس كما كانوا .. تبلدت الأحاسيس ، حتى أشدها حساسية وحرارة وهي أحاسيس الشرف والمروءة والتي كانت تستوجب – قديماً- بذل الروح والدم . والأمر ليس خيالاً ، أو حلماً مغرقاً في المبالغة ، ولكن حدث فعلاً أن اغتصب عدد من الشبان فتاة في أحد ميادين القاهرة دون أن يتحرك أحد ، وكان هذا الحدث ترمومتراً لقياس أحاسيس الشهامة والمروءة والشرف لدى جموع الناس ، وقد ثبت بالدليل أن هذه المشاعر والأحاسيس قد توارت أو كادت أن تتوارى .

ومن يسكت عن جريمة اغتصاب فردية يمكن أن يسكت عن جريمة اغتصاب حق مسلوب أو وطن مغتصب على يد محتل أجنبي أو مستبد محلي .

ولا يكفي هنا الشعور بالاشمئزاز أو الارتياع فالعار سيلاحق من أخذ موقف الشيطان الأخرس , وسيسجل هذا فى محاضر التاريخ .

 

 


 

 

حلم 22

كنا في حجرة المكتب مشغولين ونظر إلى وجهي وقال إنك مشغول البال فقلت له بإيجاز وإعياء : الدواء لا تطيقه فقال أفهم ذلك وأقدره وأحمد الله الذي نجاني من مخالبه فسألته كيف نجا مما لا نجاة منه فقال " لي صديق له أخ صيدلي " فلما عرف شكواي أكد لي أنه يملك الحل .. وعرف مني الأدوية اللازمة لي ولأسرتي شهرياً وعرضها على أخي الصيدلي فجاءنا بمثيل لها بأقل من عشر الثمن .

فسألته عن مدى الخطورة في العملية فطمأنني وحدثني طويلاً عن أساليب شركات الأدوية حتى أذهلني وأزعجني ، ولم أتردد فكتبت له قائمة بالأدوية اللازمة لي شهرياً وأنا أشعر بارتياح عميق .

وإذا به يقول " ولكن أريد منك خدمة في مقابل ذلك " فأبديت استعدادي لأداء ما يطلب .

فقال " أنا يزعجني الهجوم على الروتين الحكومي والبيروقراطية وتأثر الحكومة بما يقال وبما يكتب وأريد منك أن تكرس قلمك للدفاع عن الروتين والبيروقراطية " فدهشت وسألته عن سر حماسه لما أجمع الناس على نقده ورفضه فقال غاضباً : " يا أخي ما قيمة الموظف أمام الجمهور من غير الروتين والبيروقراطية ؟" ودار رأسي حيرة بين الأدوية والروتين .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( بين الداء والدواء )

 

الروتين الحكومي والبيروقراطية أمراض تنهش فينا ليل نهار , نصرخ منها ونئن على الرغم من أن حولنا تجارب كثيرة استطاع فيها الناس التخلص من هذه الأمراض بسهولة ، بل  الأدهى أن لدينا أفكاراً وإمكانات لا تكلفنا كثيراً وهي كفيلة بعلاج هذه الأمراض ، ولكن يبدو أن  بيننا من يحرصون على بقاء المرض ويكرسون حياتهم دفاعاً عنه وتمسكاً به ، بل ويطلبون  من الآخرين تبني هذا الموقف في الدفاع عن المرض واستبقاءه ، ويبدو أن هذه الأصوات عالية بما فيه الكفاية ، وكافية لأن تستبقي الروتين والفساد في حياتنا بدليل بقاء هذه الأشياء تترعرع في حياتنا رغم صراخ المخلصين والأنقياء منها ليل نهار , ورغم صيحات المفكرين والمصلحين ، فللفساد جنوده المدججين ، وهم يسعون إلى نشره كي يصبح واقعاً مقبولاً ويسعون لتزيينه كي يصبح شيئاً مرغوباً .

 

 


 

 

حلم 23

 

أسير في الشارع وأنا على بينة من كل مكان فيه ، فهو عملي ونزهتي ، وأصحابي وأحبائي ، أحيي هذا وأصافح ذاك ، غير أني لاحظت أن رجلاً يتعداني بمسافة غير طويلة وغير قصيرة بين كل حين وآخر يلتفت وراءه كأنما يطمأن إلى أني أتقدم وراءه . لعلي لم أكن أراه لأول مرة ولكن على وجه اليقين لا تربطني به معرفة أو مودة وضايقني أمره فاستفزني إلى التحدي .. أوسعت الخطى فأوسع خطاه ، أدركت أنه يبيت أمراً فازددت تحدياً ولكن دعاني صديق إلى شأن من شئوننا فملت إلى دكانه وانهمكت في الحديث فنسيت الرجل وأنهيت مهمتي بعد الأصيل فودعته ومضيت في طريق سكني وتذكرت الرجل فالتفت خلفي فرأيته يتبعني على نفس طبيعته .. تملكني الانفعال وكان بوسعي أن أقف لأرى ماذا يفعل ولكني بالعكس وجدت نفسي أسرع وكأني أهرب منه وأخذ يساورني القلق وأتساءل عما يريد . ولما لاح لي مسكني شعرت بالارتياح وفتحته ودخلت دون أن أنظر خلفي ووجدت البيت خالياً فاتجهت نحو غرفة نومي ولكني توقفت بإزاء شعور غريب يوحي إلي بأن رجل في داخل الحجرة .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الظل والرقيب )

 

تحدث العالم النفسي يونج عن القناع والظل ، فكل منا يلبس قناعاً اجتماعياً يتعامل به مع الناس ، وهناك على الجانب الآخر الظل الذي يحوي صفات هامة لنا لا ندري بها رغم تأثيرها في سلوكنا ، وهذا يقابل الوعي واللاوعي عند فرويد ، ويقابل أيضاً الذات الاجتماعية والذات الحقيقية عند كارين هورني ، وهذا الظل ( الوجه الآخر لنا) يلاحقنا بتأثيره غير المباشر علينا ، وإذا انتبهنا له انزعجنا منه وكأنه غريب علينا مع أنه يلاحقنا ويعيش معنا . وفي رؤية اريك بيرن تراقب ذات الوالد ( الناقدة) ذات الطفل ( البريئة ) لتحد من تلقائيتها وعفويتها ومرحها وانطلاقها .

كان هذا هو المعنى النفسي للتتبع والملاحقة والتأثير في هذا الحلم ، أما المعنى السياسي والأمني فهو الإحساس بالرقابة والتتبع والذي يسيطر على الناس في المجتمعات الاستبدادية والتي يشعر فيها الإنسان دائماً أن هناك عيناً تراقبه في أي مكان يذهب إليه حتى في غرفة نومه ، وهذا الإحساس الرهيب هو قمة الاغتصاب للحرية والخصوصية .

 

 


 

 

حلم 24

 

قررت إصلاح شقتي بالإسكندرية بعد غياب ليس بالقصير ، وجاء العمال وفي مقدمتهم المعلم وبدأ العمل بنشاط ملحوظ ، وحانت مني التفاتة إلى شاب منهم فشعرت بأنني لا أراه لأول مرة ، وسرت في جسدي قشعريرة عندما تذكرت أنني رأيته يوماً في شارع جانبي يهاجم سيدة ويخطف حقيبتها ويلوذ بالفرار ، ولكني لم أكن على يقين وسألت المعلم عن مدى ثقته بالشاب دون أن أشعر الشاب بذلك فقال لي المعلم : 

- إنه مضمون كالجنيه الذهب فهو ابني وتربية يدي واستقر قلبي إلى حين ، وكلما وقع بصري على الشاب انقبض صدري ، وطلبا للأمان فتحت إحدى النوافذ المطلة على الشارع الذي يعمل فيه كثيرون ممن أعرفهم ويعرفونني ولكني رأيت حارة الجراج التي تطل عليها شقتي بالقاهرة فعجبت لذلك وازداد انقباضي ، وجرى الوقت واقترب المساء فطالبتهم بإنهاء عمل اليوم قبل المساء لعلمي بأن الكهرباء مقطوعة بسبب طول غيابي عن الشقة .

فقال الشاب : " لا تقلق .. معي شمعة " .. فساورني شك بأن الفرصة ستكون متاحة لنهب ما خف وزنه وبحثت عن المعلم فقيل لي إنه دخل الحمام وانتظرت خروجه وقلقي يتزايد ، وتصورت أن غيابه في الحمام مؤامرة وأنني وحيد في وسط عصابة ، وناديت على المعلم ونذر المساء تتسلل إلى الشقة .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( حالة اللصوصية السائدة )

  

حين يعم الفساد وتخرب الذمم وتهوي الأخلاق تسود حالة من انعدام الثقة والأمان فنتوجس خيفة ممن حولنا خاصة حين تستدعي ذاكرتنا ( ولو بشكل مشوش ) خبرات سلب ونهب كثيرة في حياتنا ، وحين يساورنا الشك في الصغار نهرع إلى الكبار ليحمونا من لصوصية الصغار العابثين ، ولكننا نفاجأ بأن حالة اللصوصية قد امتدت إلى الكبار بل الأدهى أن لصوصية الكبار أكثر تخفياً وأكثر دهاءاً ، فإذا كان اللص الصغير يخطف حقيبة فإن اللص الكبير يسرق شقة ( وطنا ) , وأننا أحيانا نذهب لنحتمى من لص فنفاجأ بأننا وقعنا فى قبضة رئيس العصابة .   

 

 

 


 

 

حلم 25

 

رأيتها في الحجرة معي . ولا أحد معنا ، فرقص قلبي طرباً وسعادة ، وكنت أعلم أن سعادتي قصيرة . وأنه لن يلبث أن نفتح الباب ويجيء أحد .. وأردت أن أقول لها إن جميع الشروط التي أبلغت بها على العين والرأس ولكن تلزمني فترة من الزمن ولكني فتنت بوجودها فلم أقل شيئاً ، وناديت رغبتي .

فخطوت نحوها خطوتين لكن الباب فتح ودخل الأستاذ وقال بحدة " إنك لا تفهم معنى الوقت " واقتلعت نفسي وتبعته إلى معهده القائم قبالة عمارتنا وهناك قال لي " أنت في حاجة إلى العمل عشر ساعات يومياً حتى تتقن العزف ".

ودعاني للجلوس أمام البيانو فبدأت التمرين وقلبي يحوم في حجرتي وسرعان ما انهمكت في العمل .

وعندما سمح لي بالذهاب كان المساء يهبط بجلاله وبادرت أعبر الطريق على عجل  ولكن لم يكن ثمة أمل في أن تنتظرني مدة غيابي .

وإذا برجل صيني طويل اللحية بسام الوجه يعترض سبيلي ويقول : " كنت في المعهد وأنت تعزف ، ولا شك عندي أنه ينتظرك مستقبل رائع " وانحنى لي وذهب وواصلت سيري وأنا مشفق مما ينتظرني في مسكني من وحشة .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

ما نحب ونريد

( الصراع بين الرغبة والقيمة )

 

كثيراً ما نحب أشياء ونفتن بها ونتمنى أن نصل إليها أو نحصل عليها ، ولكننا نكتشف أن هناك أشياء – ربما لا نحبها ونشتهيها بنفس القدر – ولكنها ذات قيمة أكثر دواماً وأوسع تأثيراً .

ذلك هو الصراع بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع ( كما قال فرويد ) ، فال " هو " بداخلنا يبحث عن اللذة بأي شكل ولكن ال " أنا " يحترم قوانين الواقع التي ربما تكون جافة وغير ممتعة وخشنة ، ولكنها طبقاً لمعطيات ومتطلبات الواقع أكثر جدوى على المدى الطويل ، وربما - بل  عادة - تحتاج قوانين الواقع بذل الكثير من الجهد والعرق لتحصيل المكاسب التي نرجوها ، وهذا يستلزم منا تأجيل الكثير من رغباتنا أو حتى استبعادها .

وطبقاً لنظرية " إريك برن " في التحليل التفاعلاتي يريد " الطفل " بداخلنا أن يلهو ويمرح ويستمتع بالحياة ولكن " الناضج " أيضاً بداخلنا يحترم قوانين الواقع ويقرر تأجيل الاستمتاع وتفضيل ما يفيدنا على ما نحبه ، وهذا صراع أبدي نعيشه بين ما نحبه وما نريده .

 

 


حلم 26

 

جمعنا مقهى بلدي ، وقص علينا صاحبي قصة بوليسية من تأليفه .. وقبيل الختام دعانا إلى الكشف عن القاتل . ومن دفع ثمن طلبه ، ووفقت إلى الإجابة الصحيحة وحدث بذلك غاية السعادة . وبعد ساعة استأذنت في العودة إلى بيتي . ولانشغالي بنجاحي تهت فسرت في طرق حتى وجدت نفسي أخيرا أمام المقهى مما أثار ضحك الجميع ، وتطوع أحدهم فأوصلني إلى بيتي وودعني وانصرف . وبيتي مكون من طابق واحد وحديقة صغيرة وشرعت في خلع ملابسي ولما صرت بملابسي الداخلية لاحظت أن خطا من التراب يتساقط من أحد أركان الغرفة .. وكان هذا المنظر قد ورد في القصة التي ألفها صاحبنا وكان نذيراً بسقوط البيت على من فيه فبكيت أن بيتي الصغير سينقض فوق رأسي . وملكني الفزع فغادرت البيت بسرعة ولهوجة واستزادة في الأمان انطلقت بعيدا عن البيت بأقصى سرعة في الهواء الطلق  .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( النبوءة )

 

ثمة أشياء تحدث في حياتنا لا نجد لها تفسيراً منطقياً ، ويبدو أنها تخضع لمستوى حدسياً فطرياً في عقلنا لا ندري عنه شيئاً ، بل إن هذه الأشياء أكثر حدوثاً لمن يعيشون حياة بسيطة ( مقهى بلدي - بيت من طابق واحد ) ، وربما تكون قدراتهم العقلية غاية في التواضع مما يثير سخرية الناس من سذاجتهم وبراءتهم .

والنبوءة ( أو الحدس ) تحتاج للتخفف من الدفاعات النفسية ( وشرعت في خلع ملابسي ولما صرت بملابسي الداخلية لاحظت .... ) ، لكي يكون الإنسان في حالة شفافية وصفاء نفسي تسمح له برؤية ثاقبة نافذة تشق ضباب الواقع لترى ما سيحدث .

ويبدو أن جهازنا النفسي مزود بما يشبه أجهزة الإنذار المبكر والتي تلتقط بعض علامات أو إشارات أو إيماءات من كلمات عابرة أو إيماءات أو إيحاءات تبدو غير مقصودة ، ولكن هذه الأجهزة نقرأ منها الكثير .

 

 

 


 

 

حلم 27

 

في سفينة عابرة للمحيط . الناس من كل لون ولغات شتى . وكنا نتوقع هبوب ريح وهبت الريح واختفى الأفق خلف الأمواج الغاضبة ، إني ذعرت ولكن أحداً لم يكن يعني بأحد . وقال لي خاطر إنني وحيد في أعماق المحيط . وأنه لا نجاة من الهول المحيط إلا بأن يكون الأمر كابوساً وينقشع بيقظة دافئة بالسرور . والريح تشتد والسفينة كرة تتقاذفها الأمواج . وظهر أمامي فجأة حمزة أفندي مدرس الحساب بخيرزانته وحدجني بنظرة متسائلة عن الواجب . كان الإهمال الواحد بعشر خيرزانات تكوي الأصابع كياً . وازددت كرها من ذكريات تلك الأيام .

وهممت بدق عنقه ولكني خفت أن يكون أي خطأ سببا في هلاكي فسكت على الذل وتجرعته رغم جفاف ريقي . ورأيت حبيبتي فهرعت نحوها أشق طريقاً بين عشرات المذهولين . ولكنها لم تعرفني وتولت عني وهي تعلن ساخطة وجرت نحو حافة السفينة ورمت بنفسها في العاصفة واعتقدت أنها تبين لي طريق الخلاص فجريت متعثراً نحو حافة السفينة ولكن مدرس الحساب القديم اعترض سبيلي ملوحا بعصاه .

-----------------------------------------------------------------------------

 

 

 

تداعيات الحلم

( دعاة الترهيب )

 

الحياة مليئة بالأحداث والأهوال ( سفينة عابرة للمحيط .. واختفى الأفق خلف الأمواج الغاضبة ) ، وكثيراً ما نشعر فيها بالوحدة والضياع والتهديد بالفناء .. ونحن في هذه الأجواء المرعبة نحتاج من يطمئننا ويعطينا الأمن والسلام ، ولكن للأسف الشديد يظهر علينا نوع من دعاة الترهيب ( حمزة أفندي مدرس الحساب وخيرزانته وحدجني بنظرة متسائلة عن الواجب ) يرعبوننا بما ينتظرنا من عقاب ، ويتوعدوننا بالعذاب الشديد على أي خطأ ( الإهمال الواحد بعشر خيرزانات تكوي الأصابع كيا ) . هؤلاء الدعاة سدوا أمام أعيننا منافذ الرحمة وجعلوا حياتنا شقاءاً ( وازددت كرها من ذكريات تلك الأيام ) بما بثوه في نفوسنا من الرعب ، فقد زادوا جريمة الألم والخوف والرعب في حياتنا التي كانت بحاجة إلى لمسة حنان وهمسة طمأنينة ونسمة رحمة وسماح وغفران .

هؤلاء الناس حجبوا عن وعينا رحمة الله وعفوه ومغفرته فجعلونا لا نراها ولا نتوقعها ولم يكتفوا بزرع الخوف الرهيب في نفوسنا من الله ، ولكنهم زرعوا في نفوسنا الخوف منهم هم وأغلقوا أمامنا كل منافذ الخلاص لكي نظل دائماً تحت تهديدهم ووعيدهم بالعقاب الأبدي .

 

 


 

 

حلم 28

 

تتحلق المستديرة والنقود تذهب وتجيء ، أما الفتاة الجميلة فكانت تقوم بالخدمة وتقديم المشروبات وأحياناً السندوتشات . وابتسم لي الحظ فربحت عددا من الجنيهات يعد كبيرا في مجالنا المحدود وشعرت بدوار خفيف فأعلنت أنني سأنسحب ، وعند ذلك اتهم أحد اللاعبين الفتاة بأنها كانت تكشف لي خفية عن باقي أوراق اللعب فغضبت الفتاة كما غضبت أنا احتجاجاً على التهمة البطالة . وقام الرجل ومعه آخران ونزعوا ثياب الفتاة حتى تبدت عارية وهي تصرخ وتهدد بإبلاغ الشرطة عن الشقة التي تدار للمقامرة وغيرها من المحرمات فسرعان ما عاد كل إلى مجلسه . وساعدت الفتاة على ارتداء ملابسها وغادرت المكان إلى مسكني القريب .

وجلست أستريح فإذا بالفتاة تحضر وأخبرتني أن المجموعة غاضبة وزادها السكر غضباً وتهدد باقتحام مسكني وإشعال الفضيحة في الحي كله ونصحتني أن أرد ما ربحته حلا للمشكلة ، ولكني قلت لها إنهم سيعتبرون ذلك اعترافا بجريمة لم نرتكبها ، فقالت إن ذلك أهون مما يعتزمون ارتكابه وأذعنت لرأيها وسلمتها النقود وذهبت بها .

وعاد الهدوء لليل ولكني لم أزل أتوقع فضيحة أو شراً من ذلك .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( أعداء النجاح )

 

الحياة تدور بين الناس ، وفيها الكثير من المقامرات والمغامرات ، وأحياناً يحالف الحظ بعض الناس ( وربما يستحقون ذلك عن جدارة ) ، وعندئذ تظهر الأحقاد والعداوات تحيط بمن حقق كسباً أو نجاحاً يريدون نزع ذلك الكسب وخطف ذاك النجاح بالقوة أو بالمكيدة أو بكيل الاهتمامات والتشكيك في أصالة النجاح واستحقاقه .

وفي بعض الأحيان ربما يضحي الناجح بنجاحه فيلقيه في وجوههم كي يعيش في راحة بال ، وحتى لو فعل هذا فإنه يظل حياته لا يأمن مكرهم وكيدهم .

ومحفوظ قد عاش شخصيا هذه المحنة حين فاز بجائزة نوبل فاتهمه البعض بموالاة الصهيونية ، واتهموه بمعاداة الأديان في روايته " أولاد حارتنا " ، وبناءا على هذه التهم حاولوا قتله .

 

 


 

حلم 29

 

المكان جديد  لم أره من قبل . لعله بهو في فندق وقد جلس الحرافيش حول مائدة . وكانوا يناقشوني حول اختياري أحسن كاتبة في مسابقة ذات شأن . وبدا واضحاً أن الكاتبة التي رشحتها لم تحز أي قبول . قالوا إن ثقافتها سطحية . وأن سلوكها غاية في السوء . وعبثاً حاولت الدفاع . ولاحظت أنهم ينظرون إلي بتجهم غير معهود وكأنهم نسوا عشرة العمر . وتحركت لمغادرة البهو فلم يتحرك منهم أحد وأعرضوا عني بغضب شديد ،  سرت نحو المصعد ودخلت وأنا أكاد أبكي . وانتبهت إلى أنه توجد معي امرأة في ملابس الرجال ذات وجه صارم . قالت إنها تسخر بما يسمونه صداقة وإن المعاملة بين البشر يجب أن تتغير من أساسها . وقبل أن أفكر فيما تعنيه استخرجت مسدساً من جيبها ووجهته إلي مطالبة إياي بالنقود التي معي . وتم كل شيء بسرعة ولما وقف المصعد وفتح بابه أمرتني بالخروج وهبط المصعد ووجدتني في طرقة مظلمة وقهرني شعور بأنني فقدت أصدقائي وأن حوادث كالتي وقعت لي في المصعد تتربص بي هنا أو هناك .

-----------------------------------------------------------------------------

 

 

 

تداعيات الحلم

( الاغتراب .. الوحدة .. الخوف )

أحياناً يشعر الإنسان أنه غريب حتى وسط خاصته وأصدقائه ، وأنه أصبح معزولاً عنهم فكرياً وعاطفياً ، فلم يعد ثمة تواصل أو توافق في الرؤي والأفكار والخيارات .. وهنا ربما يقرر أن يبتعد عن صحبته ويكفر بالصداقة ويعيش وحيدا ، ويكتشف حينئذ أن الوحدة تحمل الكثير من المخاطر والتهديد ، وأن البقاء  وسط الصحاب - رغم ما يحمل من مشكلات وخلافات - أكثر أمانا وسلاما من الوحدة والانسحاب بعيدا عن الناس .

 

 

 


 

 

حلم 30

 

هذا بيتنا بالعباسية أدخل الصالة أمي تذهب إلى المدخل وأختي تجيء فتقف لحظات ثم تلحق بأمها . لم نتبادل السلام ولكني أعلنت عن جوعي الشديد بصوت مسموع . لم يرد أحد فكررت الطلب . وسمعت أصواتا في الحجرة المطلة على الحقل فذهبت إليها فوجدت أخي الأكبر يجلس صامتا ويتربع أمامه على الكنبة شيخ بالأزهر وقال الشيخ كلاما جميلا ولما انتهى قلت له إني جائع فقال لي إن أحدا لم يقدم له القهوة ولا حتى قدح ماء فغادرت الحجرة وقلت بصوت تسمعه أمي وأختي أن يقدما القهوة لفضيلة الشيخ وأن يحضرا لي طعاما ولو قطعة خبز وجبنة - ولم أتلق إلا الصمت غير أني سمعت حركة في الحجرة المطلة على الفناء فأسرعت إليها وذكرت أنها حجرتي وفيها الفونوغراف والاسطوانات التي أحببتها فوجدت بنت الجيران التي كانت تزورني لتستعير بعض اسطوانات سيد درويش خصوصا اسطوانة أنا عشقت وكانت تبحث عن إبرة لتسمع اسطوانة فقلت لها إني جائع فقالت لي إنها جائعة أيضا . وغلبني الجوع فغادرت الحجرة وصحت طالباً لقمة ولما لم أجد أي شيء غادرت البيت والمساء يظل الطريق والطريق خال وخفت أن تكون المحال قد أغلقت ولكني اتجهت نحو المخبز منهوك القوة من الجوع وثمة أمل يراودني .

-----------------------------------------------------------------------------

تداعيات الحلم

( الحرمان في الوطن )

 

ننتمي للوطن ونعود إليه متوقعين الأمان والسلام والدفء والشبع والحنان والحب ، ولكننا لسبب أو لآخر لا نجد كل هذا ، بل نجد كل إنسان في الوطن - حتى من أحبائنا - مشغولاً بنفسه وباحتياجاته الخاصة ، ولا نجد من يستمع إلينا أو يستجيب لاحتياجاتنا مهما كانت ملحة ومشروعة وأساسية .

ما أصعب أن يصم الوطن أذنيه تجاهنا فلا يسمع صوتنا ، ولا ينتبه لاستغاثاتنا .. ما أقسى أن نعيش في بلدنا حالة من حوار الطرشان .. يتكلم كل إنسان فلا يسمعه أي إنسان .. حينئذ نشعر بالوحدة والغربة والحرمان والغضب .. ويضعف الانتماء ، ونشعر بمرارة تجاه الوطن ، ولكن ثمة أمل يظل يراودنا أن الوطن سيحتوينا ويعطينا  .. ولا نعرف مدى صدق هذا الأمل .

 

 


 

حلم 31

            أمتطى حماراً يسير بى وسط الحقول خطوات رتيبه وأنا خال من المشاعر تحت أشعه شمس الخريف . وترامى إلينا نباح كلب فتوقف الحمار فنخسته بكعبى فعاد إلى السير , وتعود النباح وتنوح فأحدد بصرى لأرى الرجل الذى أقصده . وظهرت أمرأه محاطه بالعديد من الكلاب فهتفت فيها ألا تكف عن النباح فأذعنت لها فسلمت وقلت إنى قادم لمقابلة الشيخ بناء على خطابيين متبادلين . قالت المرأه إنها صاحبة الأمر الأخيرة وأنها تستطيع أن تقدم الخدمات المطلوبه كما تستطيع أن تفنى من تشاء إن حرضت عليه الكلاب .

            فقلت : إننى جئت للسلام لا للحرب وإنى أريد عملاً . وأشارات إلىّ فنزلت عن ظهر الحمار ووقفت أمامها فى خشوع وسارت وتبعتها ومن خلفى الحمار تحيط بنا الكلاب . ووقفت أمام مبنى صغير فتوقف الركب كله . وأمرتنى بالدخول فدخلت وقالت لى أن أنتظر فى الداخل وحذرتنى من الخروج إلى الكلاب التى لا ترحم . فسألتها حتى متى ألبى . وماذا عن العمل ؟ وأن الشيخ وعدنى خيراً ولكنها لم تحفل بكلامى وأمتطيت الحمار وذهبت تاركه الكلاب حول المبنى  وكانت ترسل إلى باحتياجاتى مع رجال أشداء ولكنهم لا ينبسون بكلمه وأفكر أحياناً فى الدخول مع الكلاب فى معركة حياه أو موت . ولكن يتغلب الأمل فأنتظر.

 

تداعيات الحلم 31

العلاقه الشائكة بين المفكر والسلطه

            يعيش المفكر فى بداياته حالة من البساطة والبراءة الفكرية والصفاء العقلى بعيدا عن الصراع ( أمتطى حمارا يسير بى وسط الحقول خطوات رتيبة وأنا خال من المشاعر تحت أشعة شمس الخريف – ركوب الحمار هنا يرمز للحكمة أو الفلسفة , ربما جاءت من اعتياد الفلاسفة ركوب الحمير وتمجيدها , وقد كتب بعضهم الكثير عن الحمار وعلاقته الصامتة بالحكمة والفلسفة كما فعل توفيق الحكيم فى : حمارى الفيلسوف )  . ثم يتعرض لبعض التحذيرات والتهديدات غير المباشرة والتى توشك أن تثنيه عن طريقه , ولكنه يحاول الإستمرار ( وترامى إلينا نباح كلب فتوقف الحمار فنخسته بكعبى فعاد إلى السير) , فيتزايد التحذير

( وتعوّد النباح وتنوع ) , ثم تأتى مرحلة تفرض عليه علاقة غامضة وملتبسة بالسلطة قد تبدو فى أولها علاقة ودية (خطابين متبادلين) وقد يظهر منها أن التعامل يتم مع سلطة رشديدة (الشيخ) ، وأن التعامل قائم على تبادل المنافع , ولكن المفكر وهو فى طريقه للإقتراب من السلطة ( بناءا على طلبها أو طلبه حيث لم يتضح ذلك فى الحلم )  يكتشف أنها مسبوقة ومحاطة بأدوات وأذرع للسلطة تتسم بالغموض والرعب ( وظهرت امرأة محاطة بالعديد من الكلاب .. قالت إنها صاحبة الأمر الأخير وأنها تستطيع أن تقدم الخدمات المطلوبة كما تستطيع أن تفنى من تشاء إن حرضت عليه الكلاب ). ويجد المفكر نفسه وقد أصبح فى مواجهة مع قوى خفية ومرعبة وغامضة وغير منطقية , ولا يعرف إن كانت تننتمى إلى السلطة الشرعية أم غريبة عنها ومدّعية الإنتماء لها , أم أن هناك توزيع أدوار بين السلطة الشرعية وبعض القوى غير الشرعية التى تهدده . وحين يسلم لها طاعة أو خوفا أو طمعا ( وأشارت إلىّ فنزلت عن ظهر الحمار ووقفت أمامها فى خشوع وسارت وتبعتها ومن خلفى الحمار تحيط بنا الكلاب ) تضعه فى الإطار الضيق الذى تراه وتسجنه فيه ( ووقفت أمام مبنى صغير ... وأمرتنى بالدخول فدخلت , وقالت لى أن أنتظر فى الداخل وحذرتنى من الخروج إلى الكلاب التى لاترحم ) . وهنا ربما تبدو السلطة وكأنها تقدم الحماية للمفكر من أخطار تهدده ( الكلاب التى لاترحم ) , ولكن هذه الحماية تتحول إلى قيود ووصاية وإن كانت تأخذ فى ظاهرها شكل الرعاية (ترسل إلى بإحتياجاتى مع رجال أشداء ولكنهم لا ينبسون بكلمة) .

وقد يدور بخلد المفكر أن يدخل مع الرعب والتهديد (الكلاب) فى معركة حياة أو موت ، ولكن الأمل يتغلب عليه فى إنصلاح الأحوال فينتظر .


 

حلم 32

            حدثنى الزميل القديم فقال إنه ذاهب للعمل فى اليمن وقال لى إن ثمة كلاماً يدور حول دعوتى للعمل فى اليمن وحثنى على القبول فوعدت بالتفكير فى الموضوع دون أن أبدى أى حماس له . وفى البيت الذى أعيش فيه وحيداً مع كلبتى فكرت فى الأمر على غير المتوقع. وشجعنى على ذلك نفورى من كلبتى الذى تولد منذ أخذ وجهها يتغير ويتخذ صورة وجه إنسان , كانت وهى كلبة خالصه جذابه ومسليه أما بعد التغيير المذهل فلم تعد كلبة ولا بلغت أن تكون إنساناً وسرعان ما أجد نفسى فى حجرة مكتبى فى اليمن وسكرتيرى الخاص واقف بين يدى وكانت الحرارة شديدة فسألت السكرتير عن حال الجو فى هذا البلد فقال لى إنه دافىء شتاء وشديد الحراره بقية فصول السنة ولكن المبنى مرتفع جداً وكلما ارتفع تحسن الجو وأنه ما علىّ كلما ضقت بالجو أن أكتب التماساً للمدير للنقل إلى طابق أعلى . سررت بعد إكتئاب وقمت إلى النافذة ونظرت إلى أعلى فرأيت المبنى عظيم الإرتفاع حتى خيل إلىّ أنه يلامس السماء .

            ورأيت رءوساً تطل من النوافذ العاليه فارتعش قلبى لرؤيتها إذ رأيت فيها وجوه أحبة الزمان الأول . سررت سروراً لا مزيد عليه وحمدت الله على قبولى الدعوه للعمل فى اليمن السعيد .


 

تداعيات الحلم 32

الغربة والإغتراب

            حين يشعر الإنسان بحاله اغتراب فى وطنه فيشعر أن الوفاء أخذ فى التلاشى (الكلبة التى تغير وجهها وأصبحت مسخا ) وأن الحياه تتشوه , وأن ما كان مألوفاً ومطمئناً له قد تغير ، هنا يهون عليه الوطن ، ويسافر إلى بلاد – ربما كان يعتبرها أقل تطوراً - ولكنه الآن يجد فيها الراحة والرفاهية والسعادة على الرغم من أن الرؤوس التى رآها فيها تعيش فى أفكار الزمن الأول . وربما يشير هذا الحلم إلى حالة الهجرة إلى بلاد النفط حيث الرفاهية والحياة السلسة المريحة ، والمبانى الشاهقة ، ولكن البشر ينتمون فيها إلى أفكار الماضى وينتمون إلى مراحل زمنيه سابقة فى سلم التطور الإنسانى على الرغم من معيشتهم فى أبراج عالية .

            وقد يكون فى هذا الحلم إشارة إلى حاله التحول من اليسار إلى اليمين حيث تغير الفكر اليسارى وتشوه ، فتحول الناس إلى اليمين بحثاً عن حلم الجنة فى أحضان الراحة والرفاهية والعودة إلى الزمن الجميل وإلى اليمن السعيد (بكل ما تشير إليه الكلمة من احتمالات وهمية السعادة فى نظر صاحب الحلم ).


 

حلم 33

            ماذا حل بالشارع بل بالحى كله ؟ .. على ذاك لم أكن أتوقع خيراً فيما أرى.

            الحى كله كأنما هرم به العمر فذهب رونقه وتناثرت القمامة هنا وهناك ، وصادفنى أحد العاملين فسألته :

ماذا جرى ؟

فأجاب وهو يبتسم :

البقاء لله وحده ، وسبحان مغير الأحوال .

            وقصدت مسكن صديقى متوقعاً أن يحيق به ما حاق بالحى كله أو أكثر ، ولا أنكر أنه كان وساطتى للحصول على بعض الأدويه الضروريه من الخارج كما كانت مكالمة تليفونية منه تحل أعصى المشكلات فى المصالح الحكومية , وجدته كاسف البال لا يأمل خيراً فى شىء. فعزيته وقلت له إنه صاحب مهنه على أى حال .

فقال متهكماً :

ستثبت لك الأيام أننا لسنا أسوأ من غيرنا .

            وساءلت نفسى ترى هل يوجد حقاً ما هو أسوأ , وسرعان ما حضر نفر من الشبان والشابات ومع كل حقيبته ملأها بأشيائه المودعة فى الشقه مثل البيجامات والملابس الداخليه والقمصان النسائيه الفاتنة وداهنة وروائح عطرية .

            وحمل كل حقيبته وذهب .. نطق كل شىء بما كانت تؤديه شقته من خدمات كما فطن بتدهوره , وتساءلت فى نفسى ترى هل كان ينعم بالفخر أو أنه تجرّع المذله والقهر .

 

تداعيات الحلم 33

الفساد والإغتراب

            أصاب الفساد كل شىء وتغلغل فيه إلى درجة أصبحت توحى بالضياع وانعدام الأمل فى الإصلاح , والجميع يشعر بأنه لا فائدة حتى أولئك الذين يجد الناس عندهم الحل للمشكلات الصعبة ( كان وساطتى للحصول على بعض الأدوية الضرورية من الخارج كما كانت مكالمة تليفونية منه تحل أعصى المشكلات فى المصالح الحكومية )  أصابهم الإحباط واليأس ولم يعد لديهم القدره على تقديم الحلول أو معالجه الأمور (الأدويه الضروريه) فقد وصل الأمر إلى حاله جعلت الجميع لا يأملون خيراً فى أى شىء ، وإذا حاول أحد أن يتكلم فهو يقول بسخرية وتهكم : "لسنا أسوأ من غيرنا" , ثم تظهر التبريرات المدعمة للفساد قائلة : " إذا كان لدينا فساد فالفساد صفة بشرية توجد فى كل المجتمعات  ، وإذا كان لدينا إرهاب فالإرهاب يملأ العالم , وإذا كان لدينا بطالة فالبطالة موجودة فى كل الدول حتى المتقدمة منها وإذا كان لدينا رشوة فالرشوة موجودة فى كل مكان " , وهكذا يبقى التبرير هو الملاذ الأخير لمجتمع الفساد . أما الشباب فإنهم يشعرون بالإغتراب فى هذا الجو الفاسد ، وقد يظهر اغترابهم فى صورة إنحراف أخلاقى أو انغماس فى أشياء سطحية تافهة ( ومع كل حقيبته ملأها بأشيائه المودعة فى الشقة مثل البيجامات والملابس الداخلية والقمصان النسائية الفاتنة وداهنة وروائح عطرية ) ، أو الهجره من الوطن ( وحمل كل حقيبته وذهب ) ، ويصاحب كل هذا فقدان للهويه ( ترى هل كان ينعم بالفخر أو أنه تجرع المذلة والقهر ) .


 

حلم 34

            عند منعطف من منعطفات الحارة ، رأيت أمامى الصديقين الشقيقين اللذين طال غيابهما وأحزننى غاية الحزن , وبهتنا لحظات ثم فتحت الأذرع وكان العناق الحار . وتذاكرنا الأحزان والأفراح والليالى الملاح وطلبا منى زيارة سكنى فمضيت بهما إليه على بعد أمتار، وتفحصاه حجرة بعد حجرة وضحكا طويلاً كعادتهما ثم أعربا عن أسفهما لبساطة المأوى ثم سخرا منى بلسانيهما اللاذعين الجذابين ، وسألانى عن عملى الذى أعيش منه ، فأجبت بأننى عازف رباب وأتغنى بعذابات الحياة وغدر الدهر ، وعزفت لهما وغنيت فقالا إنها حياه أشبه بالتسول ولذلك فهما لا يدهشان لما يبدو فى وجهى من أثار الضعف والبؤس وقالا لى إنهما بحثاً عنى طويلاً حتى عثرا على ، وتبين لهما أن قلقهما كان فى محله وأنهما يبشرانه بالفرج .  حمدت الله على ذلك ولكن ما الذى يبشراننى به ، قالا ستهاجر معنا إلى المكان الجميل والرزق الوفير ، فسألت كيف يتيسر لى ذلك فقالا إنهما - كما أعلم - يمتان بصله لأصحاب النفوذ ولا خير يجىء إلا عن طريق أصحاب النفوذ .

            وتأبطاً ذراعى وسارا بى إلى الخارج ، حتى بلغنا أحد الرجال العظام شكلاً وموضوعاً، وإستمع للحكايه بوجه محايد ، وقال لى إن الهجرة تحتاج لهجة عالية وصبراً طويلاً , فوعدنى خيراً وقال الصديقان , إنهما يطمئناننى فقال :

- انتظرونى عند الجامع على طلوع الفجر .

 

تداعيات حلم 34

بين مثاليات اليسار وأحلام اليمين

            فى هذا المنعطف التاريخى من حياة الوطن يتحول الناس فيهجرون  المثاليات المتعلقة بالفن والأدب ( أتغنى بعذابات الحياة وغدر الدهر ) ، تلك المثاليات التى لا تحقق لصاحبها غير الفقر والإحتياج والبؤس ، ويتحولون إلى حيث النفوذ والثروة والرفاهية وأحلام السعادة ، ويكتشف الحالم أنه يتحول من إهتماماته الفنيه إلى أحلام أخرويه تأتيه بعد مشوار طويل من العبادة الشاقة .

            وقد يكون فى ذلك إشاره إلى إفلاس اليسار بأفكاره المثالية والتى أدت إلى مزيد من البؤس والشقاء ثم صعود اليمين وما يعد به من جنات ونعيم فى العالم الآخر ، دون وجود خيار ثالث يجمع بين الدنيا والأخره .

وقد تكون ثورة على الإستقطاب الحاصل بين الوجود الفنى العدمى والوجود الدينى فى شكله النفعى أو الإغترابى .


حلم 35

فى بيت العباسيه ونحن نأوى إلى أسرتنا للنوم أيقظنى صوت أبن أخى وهو يصيح حريق فى السقف ، ونهضت فزعاً وجاء إبن أخى بالسلم الخشبى وأقمناه فى الصاله وصعد كل واحد منا على جانب حاملاً ما استطاع حمله من الماء وأخذ يرشه على النار الساريه بين الأركان ، واقتحمت حجرة أختى . وأيقظتها من نومها العميق ومن عجب أنها قامت متكاسلة ومتشاكية من أننا لا نتركها أبداً تنعم بالنوم . وعلى أى حال ساعدتنا بملء الأوعية بالماء حتى سيطرنا على النار وأخمدناها وبدأنا نحقق فى الأمر ولكن رجال المطافىء حضروا على أثر إستدعاء الجيران لهم وتأكدوا من خمول النار وفتحوا الشرفات وتفقدوا الأثاث الموجود بها وانتهى الحريق بعد أن أفحمنا فزعاً , وعندما جلسنا نستعيد بعض هدوئنا دق جرس التليفون ، ويلاحظ هنا تداخل الزمان والمكان إذ أن بيت العباسيه لم يكن به تليفون ، وهكذا أصبحنا فى مسكن آخر مع أناس آخرين دق جرس التليفون وكان المتحدث صاحب العمارة التى استأجرنا بها شقة فى الأسكندريه ودعانا الرجل إلى الإسكندرية دون إبطاء وأنه شبت النار داخل الشقة وطمأننا أنه استدعى المطافىء فأخمدوا النار ولكن حضورنا ضرورى بطبيعة الحال . وفى الحال ارتدينا ملابسنا أنا وزوجتى وأسرعنا إلى محطة الباص الصحراوى وكنا فى غاية الكدر والإنزعاج حتى أننى أقترحت على زوجتى إخلاء الشقه وتسليمها لصاحبها خاصة وأنها تعرضت إلى محاولة سرقه قبل ذلك ولكنها قالت لى إنتظر حتى نرى ماذا ضاع منا وماذا بقى.

 


 

تداعيات حلم 35

الخطر فى كل مكان على أرض الوطن

            فالحوادث المؤسفه تتكرر فى كل مكان والإرهاب يتنقل من مكان لآخر , وكلما ساد الشعور بالسيطرة على خطر ظهر خطر فى مكان آخر ، للدرجة التى انعدم فيها الإحساس بالإستقرار أو الإحساس بالأمان .

            وهذا الإحساس بالخطر وعدم الأمان يورث إحساساً بفقد الإنتماء ، ويجعل الناس تفكر فى الهجرة بعيداً عن الوطن , ومما يعضد من هذه المشاعر السلبية وجود الفساد بجانب الإرهاب أو قبله , وهذا مما يجعل بعض الناس يفكرون فى هجر أوطانهم ولكن البعض الآخر ربما يفضلون الإنتظار لما تسفر عنه الأيام وما تكشف عنه من أسرار كلا من الفساد والإرهاب والأخطار المحدقة بالوطن فى كل مكان .

 


 

حلم 36

            جمعنا بهو ما . ثمة وجوه أراها لأول مرة ووجوه أعرفها جيداً من الزملاء. وكنا ننتظر إعلان نتيجة يانصيب . وأعلنت النتيجة وكنت الرابح وكانت الجائزة فيلا حديثة . وحصل زياط وتعليقات وتوهان . ولم تستطع وجوه كثيرة أن تخفى كمدها وقال لى كثيرون إنه فوز ولكنه خازوق من أين لك المال لتأثيثها وتوفير الخدم اللازمين لها وإستهلاكات الماء والكهرباء وخدمة حوض السباحة والتكييف إلخ ؟

            الحق أن الحلم مازال حلما وها أنا أتفقد الفيلا كل يوم تقريباً وأرجع بالخيبة والحسرات . واستغل أناس قله خبرتى وأقنعونى ببيعها وإشتروها بثمن فرحت به ساعات حتى تبين لى أننى خدعت وسرقت .

            وحدث فى ذلك الوقت أن خلت وظيفة مدير عام وكثر التزاحم حولها والمرشحون وبطاقات ذوى النفوذ وقابلت الوزير وقلت له إننى لا وسيط لى سواه ولكنه قال لى إنك لم تستطع أن تحافظ على مالك الخاص فكيف أأتمنك على المال العام .

            وصرت نادرة ومثالاً فطلبت ضم المدة الباقية لى فى الخدمة إلى خدمتى وإحالتى إلى المعاش وأخيراً وجدت الطمأنينه فى موضع لا يتطلع إليه طماع ولا ينظر إليه ذوو الطموح .

 

تداعيات حلم 36

الهرب من النجاح

            حين تنجح فأنت تواجه أثاراً هائلة لذلك النجاح فهناك الحاقدون عليك والمتربصون بك وهناك المشفقون عليك ، وهناك من يحاولون سرقة هذا النجاح منك .

والنجاح فى حد ذاته يحتاج لمزيد من الجهد والخبرة للمحافظة عليه ، فهو يحتاج لأن تخدمه حتى يستمر وربما مع كل هذا يشعر الشخص الناجح أنه حصل بنجاحه على سراب وأنه نجاح وهمى لا يستحق كل هذا العناء وربما وسط هذه الأجواء يأتى من يسرق ثمرة هذا النجاح منه ويخدعه . وحين يعجز من نجح عن الإستمرار فى درجته الأعلى التى هيأها له نجاحه فقد يرغب فى الرجوع لدرجة أقل يستطيع التكيف مع متطلباتها , وقد يفشل حتى فى العودة إلى هذا المستوى الأدنى الذى يسمح له بالتكيف ( أو يضن عليه الناس به عقابا على تفريطه فى نجاحه السابق ) ، وعندئذ يقرر البعد تماماً عن دائرة الصراع وينسحب بعيداً عن الحلبة ويؤثر الحياة البدائية البسيطة التى تبتعد تماماً عن المطامع والطموح ، ذلك الحل السلبى والمريح فى آن واحد .

            وهذا الحلم يمثل إحدى صور أزمة النمو حين يكون النجاح غير أصيل (يانصيب) فيصبح نجاحاً هشاً وهمياً لا يستفيد منه صاحبه ولا يفيد به غيره وحين يسرق منه هذا النجاح الوهمى يجد نفسه وقد عاد مضطراً إلى المستوى الأدنى للوجود حيث لا مطامع  ولا صراعات وبالتالى جمود وتوقف عن العمل والنجاح.

 


حلم 37

            المحمل يتمايل فوق الجمل المزين بالألوان والورود . أمامه رجل يغرس فى فيه عاموداً ذا رأس تدلى منه شراشيب ورأس الجمل فى مستوى أول طابق من بيت أطل أنا من نافذته وتلاقت عينى مع عين الجمل فقرأت فيها إبتسامة وغمره وحلت لى البركه فطرت من موقعى وراء النافذة ودرت حول رأس الجمل بجلبابى وشعرى المنفوش وكبّر الناس وهللوا وذهلوا لوقوع المعجزة وتماديت أنا فارتفعت فى الجو وتراجعت نحو سطح بيتى وهبطت وبعد مرور المحمل تجمع الناس أمام البيت يريدون مشاهدة الإنسان الطائر وإذا بهم يتحولون فجأة من الإعجاب إلى الخوف والحذر وقالوا إن روحاً شريرة حلت بالشخص الطائر وأن طيرانه حول رأس الجمل نذير شؤم للناس جميعاً وأنه يجب أن يبرأ من الشيطان ذلك بجلده حتى يتطهر تماماً فإذا رفض الدواء عرض نفسه للعقاب المناسب وهو القتل , وركب الرعب الشاب وأسرته واستنجدت الأسرة بالشرطة واشترط المأمور أن يرى المعجزة وهى تحدث أمام عينيه وذهب إلى البيت ورأى المعجزة وبهر بها حقاً ولكنه وجد نفسه بين رأيين الأسره تقول إنها كرامات الأولياء والناس تؤكد أنه عبث من الشيطان ونذير شر . وأخيراً قرر المأمور أن يضع الشاب فى السجن حتى ينسى الموضوع برمته .

 

تداعيات الحلم 37

أزمة أولاد حارتنا وجائزة نوبل

            حين حاول قراءة المشهد الدينى (المحمل) بشكل غير مألوف للناس ، ونتج عن ذلك رؤية ورواية "أولاد حارتنا" تلك الرواية التى طارت به إلى العالمية وهيأته لجائزة نوبل ، وبهرت الناس به ولكن هذا لم يستمر طويلاً فقد جاء وقت الإتهام بالمروق (روحاً شريرة حلت بالشخص الطائر) وطلب منه أن يتبرأ من هذه الرؤية والرواية (أن يبرأ من الشيطان) والا فسيتعرض للخطر . واشتد النزاع والخلاف حول هذا الأمر ، وأحاط الخطر بصاحب الرؤية ولم يكن هناك حل إلا أن توضع حوله الحراسة لحمايته وتحديد حركته بدعوى عدم تعرضه للخطر وهكذا أصبح مسجوناً بحراسته ، على الرغم مما تحقق له من نجاح أدبى عالمى مبهر ومعجز .

            وهذا الحلم يوضح إلى أى مدى يمكن أن يتعرض من يخالف ثوابت الناس ومعتقداتهم ورؤاهم للخطر خاصة لو حقق نجاحاً مبهراً ، فإن نجاحه لن يكون شفيعاً له عندهم ، بل إن ذلك يمكن أن يزيد المسائل تعقيداً حيث تصبح حمايته نوعاً من القيد عليه يخنقه .

والناس من ناحية أخرى لديها احتياج للإعتقاد فى ثوابت معينة , فإذا جاء من يحرك هذه الثوابت بأى شكل وفى أى اتجاه , أو يراها من زوايا أخرى , أو يتجاوزها ( بالطيران فوقها ) , أو يعيد إدراكها من مستويات متعددة ( وتلاقت عينى مع عين الجمل ..... ودرت حول رأس الجمل ..... وتماديت أنا فارتفعت فى الجو .... وتراجعت نحو سطح بيتى وهبطت ) .

وهذا الحلم يمثل إشكالية المبدع مع المقدس , فالناس تدرك الأشياء من مستوى معين للوعى , ولكن المبدع يحاول الإدراك من مستويات متعددة ومن زوايا مختلفة للرؤية , وربما نفذ ( أو ظن أنه نفذ ) إلى جوهر الأشياء , ذلك الجوهر الذى لايراه الناس من مستوى إدراكهم ( وتلاقت عينى مع عين الجمل فقرأت فيها ابتسامة وغمزة ) . والمبدع يحاول أن يخترق حاجز المجهول من خلال رؤية خارقة ( ورأس الجمل فى مستوى أول طابق من بيت أطل أنا من نافذته ) .

والرؤية الفنية الإبداعية الخارقة لحدود المألوف لدى عموم الناس فى مستويات وعيهم الحياتية , وغير المفهومة على مستوى السلطة ( واشترط المأمور أن يرى المعجزة تحدث أمام عينيه ) تعرض صاحبها للإتهام بالجنون أو مس الجن أو المروق , وربما تعرضه للقتل ( كما حدث للحلاج و وكاد أن يحدث لابن عربى ونجيب محفوظ ) . فاختلاف مستويات الإدراك يجعل الرؤى متباينة واللغة مختلفة , ومحاكمة رؤية فنية أو أدبية أو فلسفية أو صوفية بمنهج عقلى أو نقلى أو دينى أو سلطوى يؤدى بالضرورة إلى اختلاف واختلال فى الرؤى ( الأسرة تقول إنها كرامة من كرامات الأولياء والناس تؤكد أنه عبث من الشيطان ونذير شر ) 

 

 


حلم 38

            فى حجرتى جالس أستمع إلى أغنيه يذيعها الفونوغراف . دخلت من الباب المفتوح فتاة فى العشرين جميلة ورشيقة ومثيرة . اكتسحتنى دهشة ورغبة فقمت من مجلسى واتجهت نحوها حتى وقفت قبالتها . وبهدوء مدت يدها بخطاب فتناولته ونظرت فيه ثم رددته إليها وأنا أقول لها إننى لا أستطيع القراءة لضعف بصرى وطلبت منها أن تقرأه هى ولكنها اعتذرت بأنها لا تقرأ ولا تكتب وأن والدها كتبه للأمير المسطر أسمه على الظرف ووصاها والدها قبل وفاته بأن تجيئنى بالخطاب لأحمله إلى الأمير . وقلت لها ودهشتى تتزايد إننى لا أعرف الأمير ولا أى أمير غيره وساورنى الإرتياب من ناحيتها وحاولت تغيير الموضوع ولكنها ذهبت .

            وعندما كنت أعبر جسر قصر النيل فى طريقى إلى عملى ظهرت لى عند نهايته فتجاهلتها ولكنها تبعتنى مسافة غير قصيرة .

            وعندما عدت إلى مسكنى وجدتها مستقرة . حذرتها من أن تعود إلى موضوع الخطاب والأمير . ومر وقت طيب ولكنى لم أخل من الوساوس. والظاهر أنها لم تخل كذلك من مخاوف . وكان واضحاً أننا نريد الهرب بطريقة أو بأخرى .

 

تداعيات حلم 38

المفكر والناس والسلطه

            المفكر يريد أن يخلو إلى نفسه وإلى تأملاته وحياته الخاصة العذبة بعيداً عن مشكلات الحياه اليوميه ومطالبها ومتطلباتها ( فى حجرتى جالس أستمع إلى أغنية يذيعها الفونوغراف ) . ولكن الحياة بما فيها من مغريات وتتطلعات وتعلقات تشده إليها ( اكتسحتنى دهشة ورغبة فقمت من مجلسى واتجهت إليها ) , وربما تضغط عليه للتطلع إلى أصحاب السلطة وهو لا يرغب فى ذلك . يضاف إلى ذلك المعنى أن الناس ربما تظن أن المفكر بما له من مكانة فكرية وإجتماعية مرموقة يستطيع قراءة أمانيهم وأحلامهم وتوصيلها إلى صاحب السلطة ( الأمير ) ولذلك يلحون عليه ويطاردونه ويضغطون عليه للقيام بهذا الدور ولكنه لا يستطيع ذلك

( أو لايريده ) , ومن هنا تنشأ علاقة مملوءة بالإشكالات والإلتباسات بين المفكر والناس من جهة وبين المفكر والسلطة من جهة أخرى .

ومن مستوى آخر للرؤية نرى تلك العلاقة المقطوعة بين الأجيال من ناحية , والعلاقة المقطوعة بين المفكر والسلطة من ناحية أخرى , ووجود حواجز متعددة للتواصل والفهم ( ثم رددته إليها وأنا أقول لها إننى لا أستطيع القراءة لضعف بصرى ... ولكنها اعتذرت بأنها لا تقرأ ولا تكتب .... وقلت لها ودهشتى تتزايد إننى لا أعرف الأمير ولا أى أمير غيره ) .

ولا يخفى هنا حالة الإعتمادية المتبادلة فالأب أجّل توصيل الرسالة إلا ما بعد موته , وابنته تريد أن تلقى بالتبعة على جيل سابق , والجيل السابق يتهرب , والخوف والشك يساور الجميع , والتعلق بتحقيق الأحلام عن طريق السلطة يراود الجميع ويعوقهم ويحول دون نموهم وحركتهم .


 

حلم 39

            دخلت حجرة الوزير ومعى بيان مكتوب على الآلة الكاتبة بأسماء الموظفين المرشحين للترقية . إسمى بينهم وواضح أن الوزير يخصنى بالرعاية .

            وقع الوزير البيان فى أعلاه وذهبت به إلى إدارة المستخدمين لتنفيذه . اتجهت إلى الموظف المختص وكانت فتاة شابة وجميلة , نظرت فى البيان ولاحظت أن الوزير وضع إمضاءه فى أعلاه وأنه يجب أن يضعه فى أسفله . وإلا فإنها لن تستطيع تنفيذ أمر الترقية أو على الموظفين المسجلين فى أعلاه . إغتظت وشكوت ما نلاقى من الروتين ولكنها أصرت على موقفها فحملت البيان من جديد إلى الوزير فوقع اسمه فى الموضع الصحيح وهو يضحك ورجعت إلى الفتاة وسلمتها البيان وكانت تجلس على يمين مكتبها موظفة صديقة معروفة بالمرح فدافعت عن تصرف زميلتها قائلة إنها تضن بالترقية على الموظفين العزّاب وترى أن المتزوجين أولى بها . وتظاهرت الموظفة بأنها تضايقت من إذاعة هذا السر , ولما قابلتنى الموظفة المرحة بعد ذلك سألتنى عن رأيى فى موظفة المستخدمين فصارحتها بأنها أعجبتنى فاقترحت أن تبلغها بإعجابى كمقدمة لجمع رأسين فى الحلال . فطلبت مهلة للتفكير فقالت إننى لم أعد شاباً وإن عمرى يضيع فى التفكير وأصرت على إبلاغها واستسلمت فلم أرفض .

 

تداعيات حلم 39

ما نريده وما يريده القدر

            أحياناً نمشى فى طريق ونسعى نحو هدف معين نشتاق جداً للوصول إليه ولكن أثناء هذا السعى تستوقفنا أشياء لم تكن فى الحسبان فنعتقد أنها عقبات فى الطريق لأنها تعطلنا عن الوصول للهدف المقصود ولكن ربما نكتشف أن ما تعطلنا عنده يكشف لنا احتياجات وأهداف أكثر أهمية .

            فالموظف المشتاق للترقية الوظيفية قد نسى أنه تقدم فى العمر ، وحين تعقد موضوع الترقية ( لسبب غير مفهوم وهوتوقيع الوزير فى أعلى البيان وليس فى أسفله كما هو معتاد ومعروف حتى لصغار الموظفين , وكأنما القدر يحرك الأحداث بشكل غامض لا نفهمه ولا نجد له تبريرا منطقيا ) , وإصطدم بعقبة الموظفة الجميلة المصرة على الروتين واللوائح ( والتى تحمل فى داخلها غضبا على العزّاب من الرجال , أو ربما غيظا منهم لتركها وإهمالها ) ، اكتشف هو أن بداخله شىء ما نحوها أسماه إعجاباً ولكنه لم يكن لينتبه إليه لولا هذا الموقف المتعنت والمتعصب منها , ولولا تسهيل من طرف ثالث ( الموظفة المرحة ) وهنا يتوقف التردد ويتحول القصد والهدف لما هو أجدى وأنفع وأولى .

            وهذه الفكرة وردت فى قصه "الكيميائى" (ساحر الصحراء) لباولو كويلهو الكاتب البرازيلى ، حين صور شاباً أسبانياً يترك بلدته قاصداً أرض مصر ليبحث عن كنز مدفون فى الصحراء المحيطة بالأهرامات ، وفى الطريق تقابله مصاعب ومتاعب يشعر بالضجر حيالها ولكنه بعد فترة يكتشف أن الكنز ليس بالضرورة فى نهاية الطريق بل قد يكون فى الطريق نفسه وما حدث فيه من أشياء لم تكن له فى الحسبان .

ويبدو أن دوافعنا الداخلية الأعمق تحركنا فى اتجاهات غير مفهومة لنا على مستوى رؤانا العادية فتوجهنا إلى حيث نريد حقيقة وفعلا .

ومن زاوية أخرى قد تنشأ المشاعر من ضدها فموظفة المستخدمين الجميلة تبدى تعنتا وتحيزا ضد العزاب من الرجال فى حين هى تحمل فى أعماقها رغبة فى الإقتراب وعتابا على الإهمال والبعاد , والموظف ( طالب الترقية ) يشعر بالغضب منها وفى ذات الوقت يحمل فى مستوياته الأعمق حالة من الإعجاب بها , وربما يفسر هذا المثل الشعبى " ما محبة إلا بعد عداوة " , فالمحبة تحمل فى رحمها العداوة والعكس .   


حلم 40

            قبيل المساء وأنا عائد إلى بيتى متدثراً بالمعطف والكوفيه اعترض سبيلى صبى وصبية غاية فى الجمال والتعاسة وطلبا منى ما أجود به لوجه الله وبحثت فى جيبى عن فكة فلم أجد فأخرجت ورقة من ذات الجنيهات الخمسة وطلبت من الصبى أن يذهب إلى أقرب كشك ويشترى لى قطعة شيكولاته ويجيئنى بالباقى . وما غاب الصبى عن عينى حتى بكت الصبية واعترفت لى بان أخاها يعاملها بغضب شديد ويدفعها لارتكاب الأخطاء فهى تزداد كل يوم انحرافاً وشراً وتدعو الله أن ينقذها مما تعانى ، تأثرت وتحيزت ثم عرفت أن الصبى لن يعود وأدركت مدى حماقتى لما أوليته من ثقة وتذكرت كيف يتهمنى أهلى بالطيبة والغفلة . ولكنى لم أترك له أخته وأخذتها إلى بيتى لتبدأ حياة جديدة مع أهلى . وتحسنت أحوالها وبدت وكأنها من الأسرة لا شغالة لها .

وذات يوم جاء لى شرطى ومعه الصبى الأخ ولما رأى أخته أمسك بها وعلمت أنى مطلوب فى القسم . وهناك وجّهت إلى تهمة اغتصاب البنت والإحتفاظ بها فى بيتى بالقوة . وذهلت أمام ما يوجه إلى وطلبت من البنت أن تتكلم فبكت ووجهت إلى من الكبائر ما لم يخطر لى على بال . وكان المحضر يسجل كل كلمة والدنيا تسود فى عينى وعلى الرغم من إيمانى الراسخ فلم تغب عنى خطورة الموقف .

 

تداعيات الحلم 40

النوايا والمصير

            قد نولى مسألة النوايا الحسنة (أو التى تبدو حسنة فى الظاهر ) أهمية كبيرة ونرتب عليها قرارات مصيرية معتقدين بأن حسن النية يشفع لنا عند أنفسنا أولاً وعند الناس ثانياً , وقد تكون النية حسنة فعلاً وحقيقة وقد تكون خداعاً نفسياً يبرر لنا ما نريد فعله تحت ستار يبدو خيّراً ولكنه يخفى احتياجات ذاتية , فليس من المستبعد أن فاعل الخير ( فى الحلم ) أعجبه جمال الصبية ( اعترض سبيلى صبى وصبية غاية فى الجمال والتعاسة ) فأعطى لأخيها الجنيهات الخمسة لكى يثير طمعه ويتخلص من وجوده ومن تعاسته , وحين أصبحت الصبية (الجميلة) وحدها كان ذلك مبرراً له ليأخذها لبيته بحجه رعايتها (يحدث هذا بحسن نية فى الظاهر وبنية أخرى فى طبقات خفية من الوعى) . وحين تحتدم الأمور يأتى أصحاب النوايا السيئة ظاهرا وباطنا (الصبى) ليتهموا أصحاب النوايا الطيبة

( ظاهريا ) وقد يبدو ذلك إبتزازاً ولكنه من ناحية أخرى قد يكون إسقاطاً من أصحاب النوايا السيئة أو يكون بصيرة منهم بما دار فى طبقات وعى من يبدون أصحاب نوايا حسنة . وعلى أية حال فالقانون البشرى لا يحاسب على النوايا وإنما يحاسب على الأفعال الظاهرة ثم تترك النوايا المخبأة فى طبقات الوعى الغائرة لتقدير من يعلم بها .

فسلوكنا الظاهر لا تحركه – فقط – حساباتنا العقلية المنطقية فى مستواها السطحى أو العرضى , وإنما تحركها ميول غير واعية رابضة فى طبقات الوعى الأعمق , وهذا ما يجعل العدل المطلق فى الحياة أمرا بعيد المنال .

 

 


 

حلم 41

            قال لى السمسار : لا تضجر ولا تيأس يلزمك الصبر الجميل . وكنت أعرف أنه على علم بسر قلقى وأننى مهدد بأن أفقد المأوى وأجد نفسى فى الطريق. قلت له بأننى رأيت من المساكن عدد شعر رأسى ولكن الأسعار دائماً فوق قدرتى . وما هذه المساكن الخياليه التى يقدر ثمن الشقه فيها بالمليون . والعجيب أنه أكد لى أربع زميلات لى يملكن شققاً فى هذه المساكن الخيالية. وغبطهن على قدراتهن الخارقة وقال لى الرجل إن الأمل الأخير فى عمارة الحاج على بحى الحسين وأن علينا أن ننتظر عودته من الحج وقلت له إننى أذكره من أيام إقامتنا فى الحى العتيق وإننى كنت أشترى منه الفول أحياناً بنفسى فضحك الرجل وقال إن هذا ما يقوله الكثيرون ممن يرجون إمتلاك شقة فى عمارته الجديدة .

قلت بخوف : إنه الأمل الأخير

فقال بلهجة مشجعة "عليك بالصبر الجميل"

 

تداعيات حلم 41

الصبر الجميل

            أحياناً نرفع شعار " الصبر الجميل " لتبرير توقفنا عن النمو وعجزنا عن الحركة وتحقيق الأهداف المشروعة وتوفير الإحتياجات الأساسية , ونحن نرى الدنيا تتحرك حولنا بسرعة والناس تنمو وتتغير (زميلاته فى العمل تملكن شققا فى مساكن خيالية ) , والحاج علىّ بائع الفول فى حى الحسين قد علا ونما وبنى عمارة وتحرك وذهب للحج ) ونحن واقفين مكاننا نستشعر الخوف والقلق فنلجأ إلى "الصبر الجميل" لكى يطفىء هذه المشاعر ويطفىء معها دوافع النمو والحركة والصعود تحت وهم أننا صابرون ولسنا عاجزون أو مستسلمون .

            ويبدو أن السمسار قد اكتشف القانون الذى يسير عليه ذلك الباحث عن شقة متواضعة (مكانة متواضعة فى الحياة) فذكره له فى بدايه الحلم وفى نهايته "عليك بالصبر الجميل" وقد يبدو هذا سخرية أو يبدو تأكيداً منه لقانون ذلك الشخص أو قانوناً يسود مفاهيم الناس حين تعجز ليبرر العجز والسلبية ويجعلهما محتملين نفسياً ومتجملين اجتماعياً ودينياً , ولكن الحلم يضرب كل هذه التبريرات فيكشف أن زميلاته فى نفس العمل (وهن إناث) قد استطعن الحصول على شقق فاخرة (مكانة مميزة فى الحياة) , وأن الحاج على بائع الفول فى حى الحسين قد تطور هو الآخر وبنى عمارة ,  ومع ذلك فهو يحج بيت الله الحرام . وحين بدأت تتكشف هذه الأمور وتزال الستائر والتبريرات ويظهر الشعور المحفز بالخوف عاود السمسار (من يزين الأمور ويبررها ويسهلها) تخديره بالنصيحة المنومة أو المخدرة اللذيذة : "عليك بالصبر لجميل" .

 


حلم 42

            السفينه تشق طريقها بين أمواج النيل الرزينه نحن جلوس على صورة دائرة يقف فى مركزها الأستاذ . وضح أننا نؤدى الإمتحان النهائى وكان مستوى الإجابات ممتازاً وتفرقنا نشرب الشاى ونأكل الجاتوه وتسلمنا شهادات النجاح وعند المرسى وقفت السفينة وغادرناها وكل يحمل شهادته فى مظروف كبير . ووجدت نفسى أسير فى شارع عريض خال من المبانى ومن المارة . ولاح لى مسجد يقوم وحيداً فاتجهت نحوه لأصلى وأرتاح قليلاً ولكن تبين لى حال دخولى أنه بيت قديم هممت بالرجوع ولكن جماعة من قطاع الطريق أحاطوا بى وأخذو الشهادة والساعة والمحفظة وانهالوا على ضرباً ثم اختفوا فى أرجاء البيت .

            خرجت إلى الطريق وأنا لا أصدق بالنجاة . وبعد مسيرة يسيرة صادفتنى دورية من الشرطة فهرعت إليهم وحكيت لقائدهم ما وقع لى .

            وسرنا جميعاً نحو بيت اللصوص واندفعوا داخلين شاهرى أسلحتهم ولكننا وجدنا أنفسنا فى مسجد والناس يصلون وراء الإمام وحصل ذهول وتراجعنا مسرعين وأمر قائد الدورية بإلقاء القبض علىّ . وجعلت أؤكد ما وقع لى وأقسم بأغلظ الإيمان ولكن وضح لى أنهم أخذوا يشكون فى عقلى على أنى لم أكن دونهم حيرة وذهولاً .

 

تداعيات حلم 42

التدين الكاذب والكذب المتدين

            عاشت مصر فى أحضان النيل حياة هادئة ( السفينة تشق طريقها بين أمواج النيل الرزينة ) , وعاش أهلها ملتفين حول رموز العلم ( جلوس على صورة دائرة يقف فى مركزها الأستاذ ) . وقد نجح المصريون فى بناء حضارة ممتازة ومتميزة ( كان مستوى الإجابات ممتازا ) , وسعدوا بذلك على مستوياتهم الإجتماعية المختلفة ( وتفرقنا نشرب الشاى ونأكل الجاتوه ) , وشهد لهم التاريخ بالتفوق الحضارى ( وتسلمنا شهادات النجاح ) .

            ثم حدث أن اختلط الحابل بالنابل وظهرت توجهات دينية مختلطة ومشوشة وأحياناً نفعية وكاذبة , والمسجد الذى تحول إلى بيت قديم ربما إشارة إلى التوجهات الدينية العائدة دوماً إلى الماضى , ثم قطاع الطريق الذين استغلوا المسجد (أو شكل المسجد) للإيقاع بالضحايا وسلبهم ما يملكون إشارة إلى ذلك النوع من التدين النفعى الذى انتشر بين الناس حيث يتوشحون بالمظاهر الدينية بحثاً عن مصداقية لدى الناس تمكنهم من تحقيق أهدافهم الذاتية والخفية والنفعية ، وهم يريدون تجريد مصر من التميز والحضارى ( أخذوا الشهادة ) , وأن يسقطوا البعد الزمنى ( الساعة ) , وأن يسلبوا التاريخ ويسرقوا المال والتراث الحضارى ( المحفظة ) , وهم يمارسون فى سبيل ذلك العنف والترويع ( وانهالوا علىّ ضربا ) , ويتسترون بالدين ( اختفوا فى أرجاء البيت )  .

            وعند محاصرة بيت اللصوص (أو ما يظن أنه بيت اللصوص) بواسطة السلطة يتضح أنه مسجد والناس يصلون فيه ، وهنا تحدث الحيرة والإرتباك , فربما تخفى اللصوص مرة أخرى تحت ستار دينى أو ربما يتم فى هذا الجو المتشابك مهاجمة رموز دينية حقيقية وأصيلة تحت دعوى محاربة الإرهاب , وهذه هى الأزمة (والفتنة) التى خلقها التدين الكاذب والكذب المتظاهر بالتدين حيث جعل الأمور تختلط ويدخل الحابل فى النابل ويصبح من العسير أحياناً التفرقة بين هذا وذاك , وتلك أزمه يعيشها الشعب المصرى فى تعامله مع موضوع شديد الحيوية لديه وهو الدين .


حلم 43

            ليلة زفاف ابن عمى تقام فى بيتنا بالعباسية بين الطبل والأغانى يتقدم ابن عمى تتأبط ذراعه عروسه فى حلة العرس . وقبل أن يصعدا السلم إلى الداخل يعترضها مفتش الشرطه. ذهلنا وتساءلنا عما وراء ذلك . انقض المفتش على العروس فتفحص وجهها وأخذ بصمتها على لوح صغير وفحصه بمنظار مكبر وألقى القبض عليها وسار بها إلى سيارة الشرطه وأدرك الجميع ما يعنيه ذلك وأقبلوا على ابن عمى يواسونه ويحمدون الله الذى نجاه من شر أوشك أن يطوقه , ورغم ذلك فقد مضى الشاب وهو يبكى . وقررت أن أمضى الليله فى بيت العباسية مع أهلى ولكنى اكتشفت أن جميع مصابيحه الكهربائية معطلة . فسألت أختى كيف يعيشون فى الظلام . واكتشفت أيضاً أن جدرانه تحتاج إلى ترميم ودهان وضقت بالمكان ونويت أن أصلحه وأعيده إلى رونقه القديم .

 

تداعيات حلم 43

الحل الأمنى المفرط ... والحاجة للإصلاح

            على الرغم من الوظيفة المهمة التى يقوم بها الأمن ورجاله فى أى مجتمع إلا أن التدخل المفرط للأمن فى حياة الناس ( والإكتفاء بالحلول الأمنية ) قد يفسدها ويحول الأفراح إلى أحزان ويطفىء الأنوار فى المجتمع بأكمله ويدعه يعيش فى ظلمة وظلم ( وقررت أن أمضى الليلة فى بيت العباسية  ولكنى اكتشفت أن جميع مصابيحه الكهربائية معطلة ) , ويخطف السعادة من القلوب .

            يبدو أن هذا الأمر قد ساد فى المجتمع المصرى (يعبر عنه بـ : بيتنا بالعباسيه) فالأمن يلاحق الناس بشكل مفرط حتى فى لحظات فرحهم وهو فى اندفاعه لتحقيق أهدافه ( المشروعة أو غير المشروعة ) لا يحسن اختيار التوقيت أو الظروف المناسبه لأداء مهامه , وهذا التدخل الأمنى المفرط قد ترك آثاراً حزينة فى نفوس الناس ( مضى الشاب وهو يبكى ) , وجعلهم يشعرون بالضيق فى وطنهم ويضعف إنتماؤهم نحوه , وهذا ما يدفع بعض المصلحين إلى البحث عن وسيلة لإصلاح هذا الخلل الذى يشوه الحياة ويجعل مذاقها مراً ( واكتشفت أن جدرانه تحتاج إلى ترميم ودهان .. وضقت بالمكان ونويت أن أصلحه , وأعيده إلى رونقه القديم ) .

            والتدخل الأمنى السافر وغير الحكيم هنا لا يعنى حفظ الأمن والنظام واتخاذ التدابير العاقلة الرشيدة لتحقيق ذلك وإنما يعنى الإندفاع غير المبرر وأخذ الناس بالشبهات , وعدم تقدير العواقب والظروف والأحوال الإجتماعيه والنفسيه للناس والأثار العامه التى تنشأ عن هذا البطش البوليسى من ضعف الإنتماء والإحساس بالغربة والإغتراب , والظلمة والظلم داخل الوطن .

 


حلم 44

وجدت نفسى جالساً أمام مكتب وزير الداخلية . منذ أيام قلائل كان زميلى فى الجريدة وكان إختياره وزيراً للداخليه مفاجأه وإنتهزت الفرصة وطلبت مقابلته فاستقبلنى بمودة وترحاب وعرضت عليه مطلبى وهو توصية لرجل أعمال معروف بصداقته له فاختاره فى وظيفة معينة فى شركة من شركاته وكتب بخط يده التوصية المطلوبة وإنتهت المقابلة على أحسن حال . وفى مساء اليوم نفسه وأنا أمشى على شاطىء النيل اعترضنى رجل ممن نسمع عنهم فى الصحف وأشهر على سلاحاً وسلب منى نقودى . كانت فى حدود خمسين جنيهاً .

            رجعت إلى منزلى مضطرباً ولكنى لم أتخذ أى إجراء يؤثر فى الميعاد الذى حدده لى رجل الأعمال . وعند الضحى كنت فى مكتبه وبعد دقائق سمح لى بالدخول فى مكتبه وقدمت التوصية , تجمدت فى موقفى وكانت لحظة غاية فى الحرج قلت فى نفسى "رباه إنه اللص الذى سرقنى أو أخوه التوأم " ودارت بى الأرض .

 

تداعيات حلم 44

العلاقة الملتبسة بين السلطة والصحافة ورأس المال

            يلاحظ فى هذا الحلم تلميح رقيق إلى كيفية إختيار المسئول حتى فى أخطر المواقع وأشدها حساسية فها هو وزير الداخليه يتم اختياره فجأة من بين الصحفيين فهل كان رجل أمن متخفياً فى صورة صحفى ، أم أنه صحفى أدى خدمات أمنية سرية يستحق عليها المكافأة بهذا المنصب الحسّاس , أم أن إختياره جاء عشوائياً كيفما تفق ؟!!!!!!! ، كل هذه الإحتمالات واردة , ولا يوجد فيها أى احتمال إيجابى . يضاف إلى ذلك تلك العلاقة القائمة بين جال الأعمال والسلطة , فها هو وزير الداخلية المختار والذى كان يعمل بالصحافة نجد له أدواراً أخرى متعددة , فقد عينه رجل أعمال فى وظيفة معينة ( تركت مجهولة لتثير الريبة والتساؤل )  فى شركة من شركاته قبل ذلك ومازالت تربطهما علاقات صداقة ومصالح وتوصيات متبادلة .  ثم تحدث نقلة نوعية ومفاجئة فى الحلم ( كعادة الحلم ) لتلقى مزيداً من الضوء الساطع ولكن بشكل رقيق ( كما هى عادة نجيب محفوظ ) حين يتضح أن اللص الذى سرق نقوده على شاطىء النيل هو نفسه رجل الأعمال الذى ذهب إليه لقضاء حاجة منه , وهو نفسه صديق وزير الداخلية ورئيسه السابق حين كان يعمل فى إحدى شركاته .

            وحين تجتمع جزئيات الحلم المتناثره تشير إلى حالة من اللصوصية الخفية تشمل مستويات مهمة وحساسة ( حاميها حراميها ) , وتجعل الشعور بالأمان أمراً محالاً وفى هذا الحلم ( وفى غيره ) تتبدى عظمة نجيب محفوظ فى قدرته على النقد فى أقصى درجاته ولكن فى أسلوب رمزى هادىء ورقيق ونافذ فى ذات الوقت . ونود أن نلفت نظر القارىء الكريم إلى أن هذا المعنى (تفشى حالة اللصوصية والفساد ووصولهما إلى من بيدهم حفظ الأمن وحفظ الحقوق ) قد ورد قبل ذلك فى حلم رقم 24 فليرجع إليه من يريد .

 


حلم 45

            على سطح البحيرة ينطلق قاربى البخارى وذاك قارب آخر يتبعنى أو هكذا خيل إلىّ . وأسرع فيسرع وساورنى القلق . ولكن لماذا يتبعنى ؟

            ووجدتنى أقترب من مرسى فخم فرسوت وصعدت سلماً إلى شرفة واسعة وعرفت أنها تتبع السفارة الروسية وكانت الشرفة مليئة بالمعزين الذين جاءوا يعزون فى وفاة فقيدة عزيزة .

            وسلمت على السفير وجلست أسمع ما يقال عن الفقيدة وأنظر إلى البحيرة فلا أرى أثراً للقارب الآخر فإطمأن قلبى .

            وقمت فى الوقت المناسب إلى قاربى وانطلق بى فى اتجاه الشاطىء الآخر ونظرت خلفى فرأيت القارب الغريب وهو ينطلق ورائى وكنت بلغت وسط البحيرة فرأيت من الأفضل أن أسير إلى الشاطىء عن الرجوع إلى السفارة وقلت إنه عند الشاطىء تتضح حقيقة الموقف للمواجهة بكل قوة .

 


 

تداعيات حلم 45

الرقابة المستفزة على التوجهات والأفكار

            فى دول العالم الثالث شغف واهتمام بالرقابة على توجهات الناس ومعتقداتهم وأفكارهم أيا كانت هذه التوجهات أو المعقدات أو الأفكار وها هو صاحب الحلم حين كانت توجهاته نحو اليسار (السفارة السوفيتيه كرمز) وجد من يتتبعه ويراقبه على الرغم من أن هذا الإتجاه قد مات فى بلده الأصلى (وكانت الشرفة مليئة بالمعزين الذين جاءوا يعزون فى وفاة فقيدة عزيزة ) , وحين اطمأن الرقيب إلى أن هذا الإتجاه قد مات اختفى مؤقتاً ولكنه عاود الظهور مرة أخرى حين وجد صاحب الحلم يتجه نحو الشاطىء الآخر (ربما إشارة إلى الإتجاه اليمينى) وعادت الرقابة من جديد وعاد التتبع وكأن هناك خوف دائم من أن يكون للناس اتجاه أيا كان هذا الإتجاه , وأن الرقابة (والمراقبة والتتبع والتجسس ) لا تتوقف إلا فى حالة الموت والعدم . وهنا يقرر الحالم الوصول إلى الشاطىء لكى تتم المواجهة بقوة على غير ما اعتدنا من دبلوماسية الحالم ورقته ومسالمته (على الأقل ظاهرياً ) ، وربما فى هذا إشارة إلى أن الأفكار والمعتقدات والإتجاهات لا تحتمل المساومة ولا تحتمل التفريط فيها , فهى حق إنسانى يجب الدفاع عنه ضد أى إنتهاك أو وصاية , وكأن هذا هو الحد الأدنى للحقوق الإنسانية الذى لا يقبل المساومة أو التفريط أو الحلول الوسط .

 

حلم 46

            جمعتنا حديقة . درج صاحبنا يغنى ونحن نسمع ونطرب ويعلو منا هتاف الوجد والإستحسان . وأزعجنا العباد فشكونا إلى الشرطة . ورأينا الشرطة قادمه فتفرقنا لائذين بالفرار . جريت فى الإتجاه الذى اتفق وكلما نظرت خلفى رأيت الشرطى يجرى فى أثرى بكل قوة وإصرار وظهر لى شخص يجرى أمامى وكأنه يفر منى . من يكون ذلك الشخص ؟

            ذكرتنى رشاقته وجميل قوامه بالحبيبة الغائبة . أطّرد الجرى . الشرطى يريد اللحاق بى وأنا أرى أن أهرب منه وألحق بالحبيبة . وهكذا صعدنا البرج وفوق سطحه منتنى النفس باحتضان حبيبتى ولكنها تخطت السور وهوت من ذلك العلو الشاهق إلى الأرض . فقدت عقلى وزاد من تعاستى اقتراب الشرطى فوثبت من فوق السور وراء حبيبتى وتوقعت أفظع ألم وكان لارتطامى بالأرض دوى مثل قنبلة لكنى لم أشعر بأى ألم . وقمت واقفاً فى تمام الصحه تلفت فلم أجد لحبيبتي أثراً ونظرت إلى أعلى البرج فرأيت الشرطى يطل علينا وهو يغرق فى الضحك.

 

تداعيات حلم 46

بين الخوف والرجاء

            هذا الحلم يعكس العلاقه بين رغبات الإنسان (الغناء والطرب واحتضان الحبيب) وبين الرقابة النفسية الداخلية (الضمير - الأنا الأعلى) والرقابة الإجتماعية (الناس الآخرين والشرطه) , وهذه العلاقة تتبدى فى حركة الإنسان الدائمة نحو رغباته (جريه وراء الحبيبة يحاول اللحاق بها) فى ذات الوقت الذى تلاحقه عين الرقيب (الشرطى الذى يجرى خلفه) , ولكى تستمر الحياة فإننا لا نلحق برغباتنا فنمسكها وفى ذات الوقت لا يلحق بنا الرقيب فيمسكنا ونظل نمارس هذه اللعبة (عسكر وحراميه) داخل أنفسنا وداخل المجتمع وداخل الحياه .

والإنسان يتحرك فى الحياة هربا وخوفا من شئ وسعيا وحبا تجاه شئ آخر , ويكتشف الإنسان فى لحظة ما أن ما يخاف منه لايلحقه ولا يضره , وأن ما كان يسعى إليه لا يناله , ولكن مع هذا فإن الخوف والرجاء يحركان الإنسان بعيدا عما يخاف وسعيا نحو ما يرجو.   

 

حلم 47

            فى الطريق لعب أمامى مجموعة من الصبية فشعرت أنهم يضمرون لى السوء . وعجبت لأنه لم يحصل بينى وبينهم ما يدعو إلى ذلك . وسرت فى حذر وأنا أتذكر بدهشة حالى عندما كنت فى سنهم .

            ووجدت أمامى محلاً كبيراً يعد ليكون محلاً لبيع الحلوى كما فهمت من لافتته الكبيره وكان العمل على أشده فى إعداده فاقتربت منهم وسألتهم "هل ستقدمون ضمن الحلوى بقلاوة وكنافة " وكف العمال عن العمل واتجهوا بأنظارهم نحوى وعلى حين قهقه الصبية وصفروا . وجاء من أقصى المحل رجل بدا أنه صاحبه وسأل " هل حقاً ما زال يوجد أناس يحبون البقلاوة والكنافة ؟ " وسرت بين العمال همهمة وراح الصبية يرقصون ويصفرون ويكورون قبضات أيديهم فى وجهى .

 

تداعيات الحلم 47

بين الأصالة والمجهول

            لدينا خوف مجهول من الجديد ( مجموعة من الصبية ... فشعرت أنهم يضمرون لى السوء ) وحذر فى التعامل معه ( وسرت فى حذر ) , على الرغم من أن كل قديم فى حياتنا كان جديدا فى وقت من الأوقات ( وأنا أتذكر بدهشة حالى عندما كنت فى سنهم ) .

            ثم ينتقل الحالم إلى لقطة أخرى تعمق المعنى حين يتجه إلى محل بيع الحلوى ويسألهم عن الحلوى الشرقيه التقليديه التى تعودها (البقلاوة والكنافة ) ولكنهم يستغربون ذلك السؤال منه ويظهر صاحب المحل ليسأله هل حقاً ما زال يوجد أناس يحبون البقلاوة والكنافة , وفى هذا السؤال استغراب ممن يتمسكون بالأصاله وتقرير بأن الناس هى التى سئمت تلك الأصالة وفرضت على مقدمى الأفكار ذوقاً أخر . ومن براعة الحلم أنه لم يحدد البديل الذى يقدمه محل الحلوى وتركه مجهولاً وكأنما حين عزف الناس عن الأصالة لم يعرفوا بالتحديد إلى أين يذهبون , المهم أن يكون ثمة جديد , أما الشباب منهم فقد اتجهوا للعبث والتفاهة والسخرية من المتمسكين بالأصالة .

            إذن فهذا الحلم يصحح مفهوماً سائداً وخادعاً وهو أننا حائرون بين الأصالة والمعاصرة , فى حين أننا حائرون بين الأصالة والعبث , أو فى أحسن الأحول بين الأصالة والمجهول .

 

حلم 48

            أقبلت فوجدت فى الحجرة الحرافيش وسألت عن الغائب الوحيد فقالوا إنهم أرسلوا إلى الموسيقار سيد درويش فى طلب فرقة الباليه الجديدة ولا أدرى كيف فسد الجو بينى وبينهم وتجهمت وجوههم جميعاً وهممت بمغادرة المكان ولكن فرقة الباليه وصلت وفى الحال عزفت الموسيقى ودار الرقص وخف التوتر بيننا واندمجنا فى الرقص والنغم بل وصفت القلوب وانهالت علينا النشوات وغمرنا الحب والمودة .

            وإذا بنا ننضم إلى فريق الراقصين والراقصات ونشارك فى الأناشيد والأغانى وتعاهدنا دون كلام على أن نؤرخ تلك الليلة .

 

تداعيات الحلم 48

الجديد قادم لا محاله

            نألف الفن القديم , والعادات القديمة , والصحبة القديمة , والذكريات القديمة , ونشعر بالأنس والمحبة والطرب لكل ذلك (سيد درويش كعلامة رمزية على كل أصيل وقديم وجميل ومألوف ) , ويتشكل وجداننا طبقاً لذلك , فإذا حدث تغيير ودخل علينا شىء جديد ( فرقة الباليه الجديدة ) شعرنا بالقلق والتجهم , وفسد الجو بيننا لفترة ، ثم ما نلبث أن نألف الجديد ونندمج معه شيئاً فشيئاً (ودار الرقص وخف التوتر بيننا واندمجنا فى الرقص والنغم بل وصفت القلوب وإنهالت علينا النشوات وغمرنا الحب والمودة ) .

            ولا يتوقف الأمر على القبول بالجديد رغم المقاومة المبدئية الشديدة له بل نجد أولئك الرافضين مشاركين بعد فترة فى صنع هذا الجديد وتدعيمه ( وإذا بنا ننضم إلى فريق الراقصين والراقصات ونشارك فى الأناشيد والأغانى) , ليس هذا فقط بل يصبح الجديد جزءاً من التاريخ يفخر به الناس (وتعاهدنا دون كلام على أن نؤرخ تلك الليله) .

            وهذا الموقف يبدو أنه يتكرر مع كل فكر جديد أو حدث جديد أو اسلوب جديد فى العمل أو فى الحياة , حيث يظهر القلق ويحدث الرفض تجاه الجديد ثم يحدث القبول على مضض , ثم يصبح قبولا بغير مضض , يليه القبول والرضى , ثم يحدث الإندماج فى الجديد وفى النهاية نصل إلى الفخر بهذا الجديد لكى ننتقل إلى جديد أخر نبدأ معه الرحلة من البداية لكى تتطور الحياة وتنمو .

حلم 49

            قصدت المبنى الأبيض الأنيق فى صدر البهو جلست السيدة الجميلة واجتمعنا إليها فراحت تتحدث عن شركة الإنتاج الفنى التى قررت إنشاءها . ورحبنا بالشركة وصاحبتها ومضى كل منا يدلى برأيه فى الإنتاج والعمل ولم نختلف إلا حول الأجور . فقد كان رأيها أن يحدد الأجر تبعاً لاتفاق معها وكان رأيى الذى أيده البعض أن يحدد الأجر بنسبة ثابتة من تكاليف الفيلم أو المسرحية وأجلت المناقشة إلى جلسة أخرى وقلت لزملائى إن الأخذ برأيها يجعلنا تحت رحمتها وإن النسبة توضح الأمر وتغلق الباب أمام الإنتهازية .

            ودعتنا السيدة مع آخرين للعشاء وبعد العشاء أقيمت حفلة موسيقية وما ندرى إلا والسيدة تتجرد من ثيابها وترقص عارية وبصورة غاية فى الإثارة . واستقر رأيى بصفة نهائية . قررت أن أبتعد عن الشركة وصاحبتها .

 

تداعيات حلم 49

 الأخلاق لا تتجزأ

            يثور جدال عصرى حول موضع الأخلاق وحجمها ومكانتها فى العمل والإنتاج والتعاملات التجارية , فبعض الناس يرى أن هذه الأنشطة تخضع لقانون المكسب والخسارة , وتخضع للعرض والطلب , وتخضع لمبدأ المنفعة والمصالح المتبادلة , وبالتالى تصبح القواعد الأخلاقية فى هذا السياق شيئا غريبا أو دخيلا , فنحن هنا أمام شركة إنتاج فنى وهناك اتفاق على كل شىء إلا فى نقطة واحدة وهى الأجور وهذه النقطة يمكن حسمها بالتفاوض والمساومة دون مشاكل كثيرة .

            ولكن هنا يظهر الرأى الآخر ومفاده أن الأخلاق جزء هام فى علاقات العمل أيا كانت طبيعتها وأن الأخلاق لا تتجزأ , فالمرأة التى ترقص عارية وبصورة غاية فى الإثارة (كما ورد فى الحلم) لا يمكن أن يوثق بكلمتها فى أى اتفاق , وبالتالى لا يمكن التعامل معها حتى ولو كان هذا التعامل قريب الصلة بالرقص (إنتاج فنى) وهكذا يقرر صاحب الحلم هذه الحقيقة أو هذا القانون الأخلاقى ( واستقرر رأيى بصفة نهائية . قررت أن أبتعد عن الشركة وصاحبتها).

 

حلم 50

            كنت أتطلع إلى إمرأة فاتنة تسير فى الطريق فاقترب منى بجرأة وهمس فى أذنى أنها تحت أمرى إذا أمرت . كان برّاق العينين منفراً ولكنى لم أصده واتفقنا على مبلغ وأصر على أن يأخذ نصفه مقدماً فأعطيته النصف وضرب لى موعداً ولكن عند اللقاء كان بمفرده واعتذر بتوعك المرأة وكان على أتم استعداد لرد المقدم ولكنى صدقته وأبقيته معه وكان يقابلنى فى حلى وترحالى ويطالبنى بالصبر. وخشيت أن تسىء هذه المقابلات سمعتى فأخبرته أننى عدلت عن رغبتى ولن أسترد المقدم ولكن عليه ألا يقابلنى . ولم يعد يقابلنى ولكنه كان يلوّح بها فى أكثر الأماكن التى أذهب إليها .

            وضقت به كما كرهته وقررت الإنتقال إلى الأسكندريه . وفى محطة سيدى جابر رأيته واقفاً وكأنه ينتظر .

 

تداعيات الحلم 50

نداء الرغبة حتى النهاية

            يبدو أن نداء الرغبة فى الإنسان لا ينتهى فهو يبدأ معه منذ الصبا والشباب ويظل متعلقاً بذلك النداء وآملاً فى التحقيق والوصول , وقد لا يحدث ذلك بناءً على اعتبارات كثيرة , ولكن الشخص نفسه لا يريد أن يقطع الصلة بهذه الرغبة بل يريد لهذه الصلة أن تظل قائمة بشكل ما (استبقاء المقدم فى يد القواد أملاً فى تحقيق اللقاء يوماً ما) , حتى حين تواتيه الشجاعة أو يخيفه سوء السمعة لدى الناس فيقرر الإبتعاد بقرار ظاهرى , إلا أنه من الداخل يستبقى حبلاً موصولاً بهذه الرغبة ( يستبقى المقدم فى يد القواد وكأنه لا يريد أن يقطع الود تماماً - فيفهم القواد ذلك ويستمر فى التلويح بالرغبة فى كل مكان) .

            وقد يضيق الإنسان بضعفه الحقيقى الذى يطارده فيقرر الإبتعاد عن مثيرات الرغبة والإنتقال إلى مكان أخر بعيد ينسى فيه رغبته وضعفه أمامها , ولكنه يكتشف أنها سبقته إلى هناك (وضقت به – أى القواد – كما كرهته وقررت الإنتقال إلى الإسكندرية وفى محطة سيدى جابر رأيته واقفاً وكأنه ينتظر)

            وهكذا يبدو - فى رأى صاحب الحلم - أن رغبات الإنسان (أيا كان نوعها : نساء – مال – مخدرات) شىء يصاحبه طوال حياته وقد تشتد حدتها  أو تضعف ولكنها تبقى مثيرة ومهددة له حتى النهاية .

 

تقييم الموضوع:
 ممتاز
 جيد جداً
 جيد
 مقبول
 ضعيف
العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)
 
إضافة تعليق:
 

 
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى ابو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الادمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

الرد على اسئلة القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية