الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى



مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
تحويل العملات
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



مجلةالنفس             المطمئنة               

 

عمارة يعقوبيان .. بصقة على الذات

دكتور محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

رغم ولعى المبكر بقضاء أوقات طويلة فى قراءة الروايات والتى شكلت وجدانى لحد كبير إلا أننى لم أعد أتمكن ( أو أحتمل ) قراءة رواية طويلة منذ سنوات بسبب مشاغل العمل والحياة وقضاء الوقت بين العيادة والمستشفى والعمل الأكاديمى فى الجامعة أو ربما بسبب السن الذى حين يبلغ حدا معينا يصبح الوقت عزيزا بحيث يصعب التضحية به فى أشياء تستغرق وقتا طويلا , وأذكر أن آخر رواية قرأتها كانت " ساحر الصحراء " لباولوا كويلهو ( ترجمة عن روايته الكيمياء ) وأعتبرها من أجمل الأعمال الروائية التى قرأتها . وبناءا على ذلك كنت أتمنى قراءة " عمارة يعقوبيان " ولكن يشغلنى عنها ألف شاغل , ولكن سرعة انتشار الرواية وكثرة ماكتب عنها أغرانى بالمحاولة فقرأتها ولم أجد أى صعوبة فى استكمالها للنهاية , ربما لجودة فن القص فيها أو لأن المؤلف رسم الشخصيات بشكل صادق ومؤكد فداعب بذلك تخصصى فى الطب النفسى وجعلنى أشعر بتفوق الأدب والفن فى معرفة أغوار النفس بشكل فطرى دون الحاجة للتعمق فى النظريات النفسية , أو لأسباب أخرى ربما تبدو فى ثنايا الحديث الآن .

واختيار اسم العمارة منسوبا إلى " خواجه " هو المليونير " هاجوب يعقوبيان " عميد الجالية الأرمينية فى مصر آنذاك والذى أسس تلك العمارة عام 1934 م على الطراز الأوروبى الراقى بواسطة مكتب هندسى إيطالى شهير مع ما تتسم به العمارة من جمال معمارى أوروبى , لكل هذا دلالة على رغبة واضحة لدى المؤلف لبيان ما سيتم تشويهه بعد ذلك داخل وحول وفوق هذه العمارة وما سيتم من غزوللعشوائيات والقاذورات المادية والبشرية من مفردات الحياة المصرية المعاصرة .

أما الغرف الحديدية الخمسين التى بنيت على سطح العمارة ( حين تأسيسها ) بعدد الشقق لتكون مكانا لتخزين المواد الغذائية أو مبيتا للكلاب الكبيرة الشرسة أو مكانا لغسل الملابس , ولم يكن سكان العمارة آنذاك يقبلون مبيت الخدم فيها لاعتبارهم بأنها لاتصلح بأى حال لسكنى آدميين ( حيث كان للآدميين عندهم آنذاك وزن وكرامة ) , ولكن بعد الثورة تغيرت الأمور واستخدمتها زوجات الضباط ( الأحرار وغير الأحرار ) الذين استولوا على شقق العمارة لمبيت السفرجية والخدم وتربية الدواجن , ثم استخدمت بعد ذلك لسكنى 50 أسرة مصرية ليتحول سطح العمارة الأوروبية الأنيقة إلى حى مصرى عشوائى ملئ بالمتناقضات والتشوهات .

وقد وضع المؤلف جام غضبه فى وصفه لكمال الفولى السياسى والبرلمانى الإنتهازى الذى قضى سنوات طويلة فى العمل النيابى ويتمتع بقدرات هائلة طوعها وشوهها طبقا لتغير اتجاهات المصالح وتغير الأنظمة والأيديولوجيات فى مصر بعد الثورة حتى لقد أصبح اسمه يستدعى إلى ذهن المصريين معنى الفساد والنفاق وتزوير الإنتخابات واستغلال نقاط الضعف لدى النواب والوزراء من خلال ملفات يحتفظ بها لكل واحد منهم ويخرجها عندما يحاول أحدهم أن يرفع رأسه أو يخرج عن الخط المرسوم , وهو يتقاضى رشاوى كبيرة من المرشحين حتى يضمن نجاحهم فى الإنتخابات بالتزوير والبلطجة , كل هذا معروف للناس , ولكن المبهر فى الأمر ( على الأقل بالنسبة لى ) هو هذا الوصف العبقرى لشخصية أحد أهم رموز الفساد كما جاء فى الرواية على النحو التالى : " وكان كمال الفولى يترك فى نفس من يراه انطباعا متضاربا : ذكاؤه وسرعة بديهته وحضوره الطاغى من ناحية , ومن ناحية أخرى جسده البدين وكرشه المتدلى ورابطة عنقه المفكوكة دائما قليلا وألوان ثيابه البذيئة غير المتناسقة وشعره المصبوغ بطريقة فجة ووجهه المكتنز الغليظ ونظراته الوقحة الشرسة الكاذبة وطريقته السوقية فى الحديث حين يمد ذراعيه أمامه ويحرك أصابع يديه ويهز كتفيه وبطنه وهو يتكلم وكأنه امرأة سوقية , كل ذلك يجعل منظره فكاهيا على نحو ما ( وكأنه يؤدى فقرة لتسلية المشاهدين ) , ويترك أيضا فى النفس إحساسا مبتذلا كريها " .

ويبدو استغلال المرأة وانتهاكها جليا فى المجتمع المصرى الذى تصوره الرواية فى شراء الحاج عزام لسعاد جابر تحت اسم الزواج وهو لايريد منها إلا المتعة فى الفراش مقابل ما يغدقه عليها من مال فهو يشترى شبابها بثروته وهى تبيع له سعادتها مقابل المال الذى تدخره لابنها من زوجها السابق الذى مات أو فقد فى العراق , وتتبدى معاناة سعاد جابر وامتهانها فى وصف المؤلف لرؤيتها للحاج عزام فى الفراش على النحو التالى : " إنها الآن فى الفراش مع الحاج عزام تؤدى مشهدا تمثيليا وهى لا تشعر بشئ سوى الإحتكاك , مجرد احتكاك جسدين عاريين بارد ومزعج وفى وعيها الحاد القابع فى الخلفية الذى لا يغفل لحظة , تتأمل جسد الحاج المنهك الذى ذهبت فورته وبان ضعفه بعد شهر واحد من الزواج , تتحاشى النظر إلى بياض جلده العجوز المجعد وشعيرات صدره القليلة المتناثرة , وحلمتيه الصغيرتين الغامقتين , تتقزز عندما تلمس جسده وكأنها تمسك بيديها سحلية أو ضفدعة لزجة مقرفة " . وهو قد حرمها من طفلها الوحيد أن يعيش معها وأصر على أن تعيش وحدها فى شقة تنتظره ليقضى معها لحظات متعته لمدة ساعتين كل يوم ثم يتركها تعانى الوحدة وتجتر الذكريات وتتحرق شوقا لطفلها الذى تركته عند خاله لتوفر له المال الذى يعيش به بعد أن ضاقت بها السبل وفقدت كل الفرص للعيش الشريف فى مجتمع لم يرحمها أو يرحم ابنها ووسط رجال يختلفون فى ألوانهم وأشكالهم ولكن يتفقون جميعا على رغبتهم فى انتهاك جسدها وكرامتها تحت ضغط الفقر والإحتياج . والحاج عزام نموذج للمتدين البراجماتى الذى يسخر المظهر الدينى لخدمة أغراضه الشخصية ويسرف فى استخدام اللغة الدينية لتغطية جشعه واستغلاله للآخرين ويعلن بمناسبة أو غير مناسبة أن كل ما يفعله حسب شرع الله أو على سنة الله ورسوله , ويقوم ببعض أعمال الخير الظاهرة كذبح العجول وتوزيعها على الفقراء أمام محلاته بشكل معلن وصارخ ليغسل فى داخله وخارجه ما علق به من أدران يعرفها هو قبل غيره , فهو يعيش حالة اذدواجية ظاهرها الصلاح والتقوى والتجارة والعمل الشريف وباطنها – كما اتضح بعد ذلك – تجارة البودرة واستغلال الناس وانتهاك حقوقهم والتحالف مع السلطة بهدف الإحتماء وتحقيق مزيد من الربح , وهو نموذج شاع فى المجتمع المصرى بشكل متوحش فى العقود الأخيرة . أما النموذج الآخر لانتهاك المرأة فيتبدى فى شخصية الفتاة بثينة السيد الحاصلة على دبلوم التجارة والتى توفى أبوها وترك الأسرة بلا عائل فخرجت لكى تعمل وتعرضت لمضايقات تطورت بعد ذلك لتحرشات لتصل بعد ذلك إلى كثير من محاولات الإستغلال الجنسى من أصحاب المحلات التى كانت تعمل بها , وهى قد تعلمت من صديقتها ( وبشكل غير معلن من أمها ) أن تكون مرنة وأن تحافظ على نفسها وتحافظ فى نفس الوقت على أكل عيشها , وقد أعطاها ذلك صيغة للتعايش فى هذا المجتمع مؤداها أن تهب جسدها لمن يدفع بشرط أن تحافظ فقط على غشاء بكارتها وكأن هذا هو الخط الأحمر الوحيد لعفتها فى مجتمع يطمع فى جسدها ويضطرها للتنازل حتى لا تجوع أو تتشرد , ولذلك عبرت فى الرواية عن كراهيتها للبلد ورغبتها فى السفر إلى أى مكان بعيدا عنها , تلك الحالة من عدم الإنتماء أو ضعفه والتى أصابت الكثير من الشباب المصرى تحت وطأة الإحباطات والتنازلات والفشل فى تحقيق الحلم بوسائل مشروعة تحفظ على الشاب كرامته . وحين فقدت بثينة شعورها بطهارتها ونقائها وبراءتها ابتعدت عن حبيبها طه الشاذلى وتحطم حلمها وحلمه وترتب على ذلك حالة من الكراهية والسخط لديهما تجاه المجتمع عبرت هى عنها بالإنغماس فى الرذيلة وعبر هو عنها بالتطرف والعنف المدمر .

وطه الشاذلى ابن البواب الذى كان يحلم بالإلتحاق بكلية الشرطة ولكنه رسب فى كشف الهيئة بشكل مهين بسبب مهنة أبيه ثم اتجه بعد ذلك محبطا ومرغما إلى الجامعة وهو يحمل فى نفسه ضغينة على المجتمع الذى ظلمه وحطم أحلامه وحرمه أيضا من تحقيق حلمه العاطفى بالزواج من حبيبته بثينة تلك الفتاة البريئةالتى ضاعت فى سراديب المجتمع المتوحش ونهشها الذئاب فى كل مكان ذهبت إليه , كل هذا جعل طه الشاذلى قابلا للإنتماء لمجموعات دينية تعلن مطالبتها بعزة الأمة الإسلامية ورفض الذل والهوان أمام القهر الأمريكى والتبجح الإسرائيلى , وكأن طه الشاذلى قد نقل معركته الشخصية التى أذله فيها المجتمع ( ممثلا فى لواءات كشف الهيئة فى كلية الشرطة ) إلى معركة أكبر وأوسع بين الأمة الإسلامية المقهورة والمضطهدة والمهانة وبين العدو الأمريكى الصهيونى المتغطرس , ولكنه يفاجأ بالقبض عليه وإذلاله على أيدى الأمن المصرى وانتهاك شرفه أكثر من مرة بواسطة الجنود تحت إشراف ضابط كبير , وهنا يتحول العدوان من الخارج إلى الداخل ويصبح الصراع بينه وبين من انتهكوا كرامته وشرفه وأذلوه فيدخل فى حالة ثأر مع النظام ورموزه باعتبارهم كفارا يتحالفون مع رموز الكفر فى الخارج للقضاء على الإسلام , وهنا يجد من يوظف هذه الرغبة الإنتقامية الجبارة لديه فى صورة عمل عنيف يتم إعداده لتنفيذه من خلال تنظيم دينى مسلح . وتكاد تكون قصة طه الشاذلى نموذجا واقعيا لتفريخ حالات العنف والإرهاب لدى عدد غير قليل من الشباب المصرى الذى دفعه الفشل والإحباط والظلم والقهر والإذلال وفقدان الأمل وفقدان الحلم إلى صفوف التجمعات المنادية بالعنف كوسيلة للتغيير خاصة بعد إغلاق منافذ التغيير السلمى أمامهم .

وتظهر شخصية الشاذ حاتم رشيد والتى أجاد المؤلف رسمها وتوصيفها من الناحية النفسية والإجتماعية , وحاتم رشيد نموذج حقيقى وواقعى للشذوذ ( نراه فى العيادات النفسية وفى الحياة ) فليس كل الشواذ ينطبق عليهم الصورة النمطية من الميوعة الأنثوية الظاهرة أو التهتك فى السلوك مع كل الناس أو الوقوف على النواصى لاصطياد الفريسة , ولكن هناك هذا النمط الذى يمثله حاتم رشيد والذى يقبع فى أعماقه فقد للصورة الوالدية ( نظرا لانشغال والده أو غيابه أو غموض دوره أو بهاتة حضوره ) وفى مرحلة ما يظهر من يعطيه الحنان الأبوى (على يد خادم أو قريب أو صديق أكبر سنا ) ثم تتخطى المشاعر حاجز الأمان ويختلط الحنان بالجنس بحيث يصبح الإحتياج للإثنين إدمانا مزمنا يضع هذا الشاذ فى مأزق الجوع العاطفى والجنسى بشراهة تفوق أى احتياج آخر , وربما ترجع هذه الشراهة إلى الإحتياج المركب لمشاعر ضرورية وأساسية للإنسان مثل الحب والشعور بالأمان والشعور بالتقدير والحميمية والقرب , تلك المشاعر التى لم يجدها الشخص فى مصادرها الطبيعية المأمونة والموزونة ولكنه وجدها فى ظروف غريبة دفعته لقبولها والإرتماء فى بحرها بغير تعقل ( وهذا تفسير وليس تبرير للشذوذ الجنسى فى نسبة كبيرة من الحالات ) . ولقد بالغ المؤلف فى رسم عالم الشواذ ومفرداتهم وأنماط حياتهم وعلاقاتهم بشكل تفصيلى ربما يزعج كثيرا من قرائه ويشكل تهديدا لبراءة من لم يعرفوا هذا العالم أو يقتربوا منه . وقد يبدو تعاطف المؤلف مع شخصية حاتم رشيد وإبرازه فى صورة الشاذ المحترم الموهوب والمثقف والمهذب والودود , وربما يريد أن يبرزه أكثر صدقا ونبلا من شخصية تدّعى التدين كذبا مثل الحاج عزام ( الذى استغل المجتمع كله وخدعه واستغل جسد زوجته لتحقيق متعته ثم ألقاها فى الشارع بعد ذلك وانتقم منها ) ومن شخصية سياسى انتهازى كريه المظهر والمخبر مثل كمال الفولى , وكأن المؤلف يلقى فى وجه المجتمع كله بصقة إدانة ويسخر من قشرة الفضيلة الخادعة التى يكتسى بها كثير من الناس ويفعلون من خلفها كل الموبقات , فهى صرخة إدانة أو بصقة إهانة يطلقها المؤلف أو يبصقها فى وجه الذات المصرية المشوهة الكاذبة , وهو يفعل ذلك بأكبر قدر من القسوة والفجاجة يقدر عليه مؤلف , وكأنى به ( أى المؤلف الدكتور علاء الأسوانى ) وقد امتلأت نفسه غضبا وغيظا مما يراه من مظاهر العشوائية والفهلوة والكذب المتدين أو التدين الكاذب والسياسة الفاسدة الكريهة المتحالفة مع رأس المال الإنتهازى وشعبا رضى بالحياة على الهامش أو على سطح العمارة فى غرف حديدية تحد من حريته ومن إرادته يتعاطى الحشيش ويلقى النكات الفاحشة ويغرق فى متع رخيصة مهترئة ويرضى بحياة لا تليق بالحيوانات أو العبيد , فيجمع كل هؤلاء فى سلة واحدة لكى يبصق عليهم جميعا بلا رحمة ويحتقرهم أكثر مما يحتقر شاذا مثل حاتم رشيد أو سكيرا نزويا مثل زكى بك الدسوقى .       

وإذا كان المؤلف قد أظهر احتراما وتقديرا لحاتم رشيد الشاذ فإنه لم يخف فى كثير من المواقف تقديره لشخصية زكى بك الدسوقى ابن الباشا القديم المنتمى للثقافة الأوروبية والذوق الأوروبى والأخلاقيات الأوروبية , ويعتبره ضحية لثورة مصرية هوجاء عشوائية وبدائية كرست للجهل والتخلف وقلة الذوق والإنتهازية والكذب والقذارة والفحش وأطلقت نزعة دينية مضادة تتسم بالعنف والكراهية للآخر الخارجى والداخلى . وعلى الرغم من ظهور زكى بك الدسوقى فى صورة السكير النزوى الذى يتتبع النساء الساقطات إلا أنه يبرزه صاحب قلب طيب وقيم نبيلة يترفع بها عن الظلم والإنتقام واستغلال البشر , وقد نجح المؤلف فى رسم هذه الشخصية بكل تناقضاتها إلى حد كبير كما نجح فى رسم كل البشخصيات التى أوردها فى الرواية بدقة شديدة بحيث تجد فى الحياة الواقعية شخصيات مقابلة بنفس السهولة وتجد فيها نفس التناقضات والتقلبات والتشوهات .

ونلاحظ أن المؤلف كلما اقترب من شخصية غربية أو من بار أو مطعم ينتمى إلى الطراز الغربى نجده يفيض رقة وعذوبة فى وصف النظافة والنظام والرقة والهدوء والدماثة , وعلى العكس كلما اقترب من رمز أو شخصية أو مكان مصرى أو إسلامى نجد أوصاف القبح والعشوائية والإدعاء والكذب والنفاق والتلوث والقذارة , وقد يفهم  سطحيا من هذا إعجاب المؤلف بالنموذج الغربى وخاصة أنه يورد مفرداته الدقيقة التى لا يعرفها إلا من عاش فعلا هذا النموذج أو اقترب منه وأعجب به , ولكن من ناحية أخرى يمكن فهم ذلك من خلال رغبة قوية لدى المؤلف لوخز وإيلام الضمير الوطنى المصرى أو الضمير الإسلامى بتلك المقارنة المؤلمة بينه وبين النموذج الغربى الذى نرمى أصحابه بالكفر سواء بشكل مباشر أو غير مباشر .

وثمة حدث له دلالة وهو أن الرواية حين تحولت فيلما سينمائيا تم حشد ميزانية ضخمة لهذا الفيلم وتم تجميع عدد كبير من نجوم الصف الأول للقيام بالتمثيل فيه , وحين اكتمل الفيلم وجاء موعد العرض الإفتتاحى تم دعوة الكثيرين من رموز المجتمع على المستويات السياسية والإقتصادية والإجتماعية لمشاهدة العرض الإفتتاحى وسط حشد إعلامى غير مسبوق , وفى هذا احتفاءا بالفيلم القائم على الرواية بكل ما فيها من نقد غاضب , ومع هذا لم يدع المؤلف (الدكتور علاء الأسوانى ) لحضور هذا العرس , وهذا شئ غريب , وربما يكون مدلوله أن المجتمع ( الرسمى غالبا ) يقول للمؤلف : " نحن نعلم أن ما قلته يستحق الإهتمام ولكننا غاضبين منك من فرط صراحتك ومن فرط غضبك منا وعلينا ورافضين أن تفرغ الصديد من جسدنا باستخدام فأس غليظة بدلا من مشرط رقيق ومهذب " . وعلى الجانب الآخر نجد المؤلف مصرا على موقفه فى وخز الضمير المصرى وجلد الذات المصرية بل والبصق عليها من خلال أحداث الرواية , وإفراغ الصديد بفأس غليظة .

وفى النهاية يلتقط المؤلف حدثا معبرا وهو توقيع عقد توكيل السيارات  بين الجانب المصرى والجانب اليابانى  ليلتقط مغزى هاما نقرأه فى وصف هذا المشهد كما ورد فى الرواية : : "وكانت الصورة المنشورة لتوقيع عقد التوكيل فريدة ومعبرة , يظهر فيها الحاج عزام بقامته الضخمة ووجهه السوقى ونظرته الثعلبية المراوغة وبجواره يجلس المستر ين كى رئيس مجلس إدارة شركة تاسو بقامته اليابانية الضئيلة ونظراته المستقيمة ووجهه المهذب الجاد .. وكأن المفارقة بين مظهر الرجلين تلخص المسافة الشاسعة بين ما يحدث فى مصر وما يحدث فى اليابان " .

ولما كان المؤلف يحوى بداخله طاقة من الغضب والرفض تجاه السلبيات والتشوهات والعشوائيات والتناقضات فى المجتمع المصرى فإنه ركز طول الوقت على نماذج مريضة ومشوهة ولم تستطع عدسته التقاط صورة إيجابية أو صورة صادقة واحدة فكل النماذج كاذبة أو مدّعية أو فاشلة أو ناقمة أو محبطة أو شاذة أو منحرفة أو متواطئة , ولا يستطيع أحد يعيش الواقع المصرى أن يلومه فى ذلك فهذه النماذج تكاد تشكل جزءا هاما من الحياة المصرية فى السنوات الأخيرة , ولكن هذا لا يمنع من وجود نماذج صادقة وشريفة لا يخلو منها مجتمع وهى جديرة أيضا بالرؤية والتسجيل لأنها تمثل حالة صعود ضد تيار عام يميل نحو الهبوط , ومن المعروف أدبيا وفنيا وديناميكيا أن الصعود جدير بالإحترام والتسجيل والتقدير أكثر من الهبوط فهو أكثر سموا وشرفا , ولكن مع هذا نجد أن الأدب غالبا يميل إلى تسجيل نماذج الهبوط والسقوط ربما لكونها أكثر درامية وأكثر تنبيها وإزعاجا ووخزا للضمير العام خاصة حين يتبين أن هذا الضمير أصبح مريضا أو نائما ويحتاج لزلزال يهزه , وهنا يأتى الزلزال فى صورة رواية مثل عمارة يعقوبيان يحشد فيها المؤلف كل ما يهين الضمير المصرى العام ويؤلمه من صور جنسية فاضحة وأنماط شذوذ جارحة وغريبة ومحرجة وصور فساد عفنة الرائحة ومظاهر قذارة فى الشوارع وأعلى السطوح وفى النفوس . فالمؤلف هنا يشعر أن المجتمع المصرى الذى يخاطبه غير جدير بالرحمة أو الشفقة أو احترام المشاعر لذلك فهو يعمد لأن يبصق عليه بلا رحمة وأن يجرح مشاعره بلا أدنى تحفظ وأن يهينه بلا أى حرج أو اعتذار , وأن يخفى إيجابياته وحسناته ويتنكر لها إمعانا فى التنكيل به , وكأن المؤلف تعمد أن يأخذ القارئ إلى مقالب الزبالة ومحطات الصرف الصحى فى المجتمع المصرى وأبعد عينه عامدا أو غاضبا عن الحدائق والمنتزهات وبقايا النبل والشرف فى نفوس بعض المصريين الذين ما يزالون يحلمون ويحاولون إنقاذ هذا الوطن الغالى مما لحق به من تلوث وتشوه بالكلمة الصادقة الناصحة والنصوحة وبالفعل الإيجابى الصابر والمثابر والمحب  .

 دكتور محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

 أعلى الصفحة

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

   
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية