الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

امراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى

 

 



 

مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
تحويل العملات
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام




مجلة النفس المطمئنة

 

شخصية الرئيس

( بين الزعامة والوظيفة )

دكتور/ محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

 

لاتستقيم حياة البشر دون أن يكون هناك رئيسا ومرؤسا , حاكما ومحكوما , جنديا وقائدا , وعلى أساس شخصية كل من هؤلاء وديناميات العلاقات القائمة بينهما تكون نوعية الحياة وعلامات التحضر والرقى .

إشكالية العلاقة بين الحاكم والمحكوم :

ذكر العلامة ابن خلدون فى مقدمته العظيمة ( والتى هى أصل علم الإجتماع الحديث ) أن "العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك" وأن "آفتهم الرئاسة" , ويصف سلوك الملك أو الأمير أو الرئيس بقوله : " وإذا تعين له ذلك ومن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة , فيأنف حينئذ من المساهمة والمشاركة فى استتباعهم والتحكم فيهم , ويجئ خلق التأله الذى فى طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم لفساد الكل باختلاف الحكام " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ( الأنبياء 22 ) , فيجدع حينئذ أنوف العصبيات ( الأحزاب والجماعات بلغة العصر ) ويكبح شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته فى التحكم , يفرع عصيهم عن ذلك , وينفرد به ما استطاع حتى لا يترك لأحد منهم فى الأمر ناقة ولا جملا فينفرد بذلك المجد بكليته ويدفعهم عن مساهمته فيه . وقد يتم ذلك للأول من ملوك الدولة و وقد لايتم للثانى أو الثالث على قدر ممانعة العصبيات وقوتها ,إلا أنه أمر لابد منه فى الدول " ( مقدمة ابن خلدون ص 196 وص 216 – دار الفجر للتراث ) . ورغم مرور السنين على هذا القول ( ابن خلدون 1332-1406 م ) إلا أن مشكلة الرئاسة لدى العرب تشكل عقبة فى طريق نموهم وتطورهم  , والأمر يرجع إلى ماقبل ذلك بكثير ربما إلى وقت الصراع الذى دار بين على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما حول الخلافة واستعر الصراع فى عصر يزيد , وهذا ربما يدلنا – كما نقول فى علم النفس – على أن هناك صراعا لم يحسم أو عقدة لم تحل فى هذا الموضوع تجعل المجتمعات العربية فى حالة تأزم فى معظم فترات تاريخها على الرغم مما امتلكته من عوامل قوة حضارية إلا أن مأساته كانت فى أمر الملك والرئاسة والإدارة . وقد آثر الكثيرون من فقهاء الأمة وعلمائها الإنصراف عن هذا الأمر الملئ بالعقبات والمشكلات والمهالك إلى التأليف فى علوم اللغة والتفسير والفقه , ومن تصدى منهم وكتب فى أمور السياسة والحكم كتبها تحت ضغوط عصره وظروف بلده فجاءت بعيدة عما يجب أن يكون . وفى مصر قد تعود الأزمة إلى زمن الفراعنة نظرا لطبيعة المجتمع النهرى الذى استدعت وجود سلطة مركزية تدير النهر وما يترتب عليه من أحوال الزراعة فى الفيضان والجفاف , فكانت هذه السلطة المركزية تميل كثيرا إلى الإستبداد وتميل الجماهير إلى الخضوع والمداهنة ومحاولات تفادى بطش السلطة .    

وفى القرن السادس عشر جاء السياسى البراجماتى نيقولا ميكيافيللى وكتب كتاب " الأمير " والذى كان صدمة لكل دعاة العدل والحرية فى المجتمعات البشرية حيث حوى هذا الكتاب نصوصا وتعليمات ونصائح للأمير تشكل دستورا للإستبداد والطغيان تحت دعوى الواقعية والبراجماتية وتحقيق المصلحة واستقرار الحكم . وقد كان ميكيافيللى مدفوعا فى كتابته لهذا الكتاب بكراهية ورفض لتحكمات الكنيسة ورجال الدين فى عصره فأراد أن يفصل تماما بين الدين والسياسة , وتمادى فى ذلك بأن فصل بين الأخلاق والسياسة فكان كتابه بعيدا عن الإلتزام بأى أخلاق متعارف عليها بحجة أن الأخلاق تفسد السياسة وتحد من فاعلية السياسى وقراراته . وفى نهاية القرن التاسع عشر كتب " جوستاف لوبون " كتابه الشهير " سيكولوجية الجماهير " ليصف فيه الطرف الآخر المقابل للسلطة وهو الجماهير فقال عنها : " إن الجماهير أبعد ما تكون عن التفكير العقلانى المنطقى , وكما أن روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسى فإن روح الجماهير تخضع لتحريضات وإيعازات أحد المحركين أو القادة الذى يعرف كيف يفرض إرادته عليها , وفى مثل هذه الحالة من الإرتعاد والذعر فإن كل شخص منخرط فى الجمهور يبتدئ فى تنفيذ الأعمال الإستثنائية التى ماكان مستعدا إطلاقا لتنفيذها لوكان فى حالته الفردية الواعية والمتعقلة . فالقائد أو الزعيم إذ يستخدم الصور الموحية والشعارات البهيجة بدلا من الأفكار المنطقية والواقعية يستملك روح الجماهير " ( سيكولوجية الجماهير – ترجمة هاشم صالح , دار الساقى , بيروت ) .

وإذا أضفنا صورة الأمير لمكيافيللى كرمزللسلطة إلى صورة الجماهير لدى جوستاف لوبون فإننا نحصل على منظومة كاملة للعلاقة السلبية بين الحاكم والمحكوم .

المجتمع الأبوى والسلطة :

وعلى الرغم من أن المجتمعات البشرية قد استفادت من أزماتها وصراعاتها فى هذا المجال ووضعت آليات  تضمن سلاسة وإيجابية العلاقة بين الحاكم والمحكوم بدرجة معقولة نسبيا تبدت فى نظم ديموقراطية ومؤسساتية حديثة إلا أن العرب مازالوا من بين أمم الأرض يتخبطون فى هذه الدائرة دون بادرة أمل لخروجهم منها فى المستقبل القريب , ففى مصر والعالم العربى على وجه العموم أزمة حقيقية فى الوقت الراهن سببها ذلك الصراع الخفى أحيانا والظاهر أحيانا أخرى بين فكرة المجتمع الأبوى وفكرة المجتمع الناضج , فالمجتمع الأبوى يقوم على أساس أن هناك والدا أو مسئولا أو رئيسا يملك كل شئ ويعرف كل شئ ويوجه كل شئ وله احتراما خاصا قد يصل إلى درجة القداسة التى تستوجب الطاعة العمياء من الأبناء أو التابعين أو الرعية والذين ينحصر دورهم فى الإتباع والإنصياع والتنفيذ , وهذه هى المنظومة التى مازالت قائمة على المستوى الأسرى والوظيفى والعام , أما المجتمع الناضج والذى تنادى به العقلاء والراشدون من البشر فهو الذى يوزع المهام والأدوار بين أفراد ومجموعات يتسمون جميعا بالنضج والمسئولية دونما تضخيم أو تقديس لأحد وذلك ضمن منظومات متطورة ومرنة وفاعلة وقابلة للتغيير الإيجابى . ويبدو أن هذه الأزمة مرشحة للتفاقم حاليا وبقوة بسبب حالة العولمة الثقافية التى أتاحت لفئات كثيرة رؤية واسعة للعالم الأوسع وما يجرى فيه مما فتح الباب أمام مقارنات مؤلمة ومحفزة ومفجرة , فعلى الرغم من سيادة فكرة المجتمع الأبوى على المستوى الرسمى إلا أنه على المستوى الإجتماعى والثقافى قد حدثت تحولات هائلة تجاه فكرة المجتمع الناضج بعضها مازال على مستوى التنظير والأمنيات وبعضها دخل حيز التنفيذ على حذر أحيانا واستحياء فى أحيان أخرى , وفى المقابل يقاتل الآباء ( على المستوى الأسرى والمؤسساتى والحكومى ) من أجل إبقاء الأوضاع القائمة كما هى بما يخدم تربعهم على عرش السلطة والسطوة والأمر والنهى , وهم حين يدركون تغير الزمن والأحوال والظروف ربما يحاولون التظاهر بمسايرة ضرورات التغيير والتحول من حيث الشكل دون المضمون , ولكن من المؤكد أن عجلة التطور تدور ولا يستطيع أحد مهما كان أن يوقفها طول الوقت .

وبما أننا فى الواقع مازلنا نعيش حقبة المجتمع الأبوى لذلك تشكل شخصية الرئيس – كما قلنا – المحور الأساسى فى التخطيط والتوجيه والتحريك والتوقيف حيث أن زمام الأمور دائما بيده فهو يضبط إيقاع حركة المجتمع الذى يقوده وفق رؤاه الشخصية , ونحن نقصد بالرئيس هنا كل صاحب سلطة على المستويات المختلفة بدءا من الوالد فى الأسرة ( وأحيان الوالدة فى بعض الأسر ) مرورا بالمديرين ورؤساء مجالس الإدارات ورؤساء الأقسام والعمداء والوزراء وانتهاءا بأعلى سلطة سياسية ( ونحن نركز على كل المستويات حتى لا تختزل جهود الإصلاح على مستوى دون غيره ) , وما دام الأمر فى الواقع كذلك ( بصرف النظر عن قبولنا أو رفضنا ) فإن شخصية الرئيس ( فى أى موقع أو مستوى ) تصبح جديرة بالدراسة والتأمل لأن من خلال فهمنا لها نستطيع فهم ما يجرى وتوقع ما سوف يحدث فالأمور لا تسير فى الأغلب حسب ما تمليه الدساتير والقوانين واللوائح بقدر ما تسير حسب ما يرى الرئيس أو الملك أو الأمي أو المسئول ولهذا فأنت لا تحتاج أن تتعب نفسك فى قراءة الدستور أو القانون فى كثير من الدول العربية والمؤسسات العربية بقدر ما تحتاج أن تعرف من هو الشخص الذى يترأس هذا المكان وما هى سماته الشخصية , أى أننا أمام حالة شخصنة للتوجهات والرؤى والسياسات , وبمعنى آخر نحن أمام ما يسمى بسلطة الشخص أو سلطة السلطة ( يقابلها فى المجتمعات المتقدمة سلطة القانون )

أنماط من الشخصيات الرئاسية :

 سوف نستعرض نماذج من الشخصيات الرئاسية لنرى كيف أثرت وتؤثر فينا , وقد يكون فى بعضها تشابها فى بعض الملامح مع شخصيات عامة أو خاصة حقيقية فى الماضى أو فى الحاضر , وهذا ليس مقصودا فلسنا بصدد الحديث عن أشخاص بعينهم مهما كانت أهميتهم , وإنما نتحدث عن ملامح نفسية لنماذج فيها جوانب إيجابية وأخرى سلبية بهدف الوصول إلى رؤية موضوعية متوازنة تجاه أمر يؤثر فى حياتنا اليومية جميعا بشكل مباشر أو غير مباشر , وأنبه القارئ أنه سيغلب علينا الحديث عن المستويات الأعلى للسلطة الأبوية بهدف رؤية النموذج فى أوضح صوره ولكن نرجو ألا نغفل عن بقية مستويات السلطة الممثلة فى الأب ( أو الأم ) وفى مدير المدرسة وإمام المسجد وكاهن الكنيسة ومدير المؤسسة ورئيس مجلس إدارة الشركة والوزير .... الخ  , وذلك حتى لا تختزل رؤيتنا للإصلاح فى مستوى دون آخر :- 

* الزعيم الملهم : وهو شخصية تتمتع بكاريزما شخصية عالية وجاذبية جماهيرية طاغية , وقد جاء هذا الزعيم فى ظروف تاريخية أو سياسية أو اجتماعية خاصة جعلته يستقبل على أنه المنقذ والمخلص والبطل الأسطورى , واستطاع هو أن يتجاوب مع الأحلام والأمنيات والطموحات الشعبية وبذلك أصبح بطلا شعبيا تعامل معه الناس على أنه ملهم يتوجه نحو الصواب دائما ولديه بوصلة خفية وسحرية تهديه الرشد , فهو محق فى كل ما يراه ويقرره ويفعله . وهذا الزعيم يخدمه ويهئ لبروزه مجيئه فى لحظات ضعف وانكسار ثم قدرته على تحقيق بعض الإنتصارات المبهرة للعامة , ومن هنا ينشأ الإعتقاد فى تفرده وإلهامه وتنشأ الرغبة لدى الجماهير الساذجة والمستلبة والسلبية والإعتمادية فى اتباعه والإنقياد لكل ما يراه  , وإضفاء كل صفات البطولة والقدرةالخارقة عليه , وهم يفعلون ذلك بدافع خفى واحتياج نفسى لديهم وهو أن يعفو أنفسهم من مسئوليات التفكير وبذل الجهد والحيرة والقلق والفعل ويلقون بكل شئ على أكتاف بطل أسطورى ملهم وقادر يعرف ماذا يفعل ومتى وأين يفعل , وغالبا ما يقع الزعيم الملهم فى الفخ خاصة وأن سماته الشخصية تكون أقرب للنمط البارانوى ( المتعالى – المستبد ) فتتضخم ذاته أكثر وأكثر ويحكم قبضته على عجلة القيادة ويتخلص من كل من يعارض توجهه أو توجه رعيته ( خاصة أنه شكّاك ضمن طبيعته البارانوية ) , ويتواصل تضخم الذات لدى الزعيم الملهم حتى تبتلع الوطن بأكمله ويصبح هو والوطن شيئا واحدا , بل قد تتجاوز الذات حدود الوطن الضيق فتحاول التمدد خارج هذه الحدود فى آفاق أوسع من خلال محاولات ( أو مغامرات ) التوسع تحت أى دعوى و وشيئا فشيئا يصبح الزعيم نموذجا للبطولة لدى كل المقهورين والمظلومين فى العالم ويصبح أبا روحيا لكل الساعين إلى التحرر .

والزعيم الملهم غالبا ما يتصف بالطلعة المهيبة وارتفاع القامة وقوة البنيان ولمعة العينين وعمق النظرة وحسن الملبس , فهو يمثل صورة البطل التى يرى فيها البسطاء أنفسهم . وهوقادر على مخاطبة الجماهير بصوته الجهورى العميق ونبرته الحماسية التى توقظ بداخلهم الإحساس بالكرامة واحترام الذات وتنتشلهم من حالة اليأس والإنبطاح والإستذلال والخوف من الأعداء . والخطاب الجماهيرى الحماسى من ضرورات وجود الزعيم الملهم خاصة وسط جماهير تزيد فيها نسبة الأمية وتعلى من قيمة الكلمة المسموعة وتشكل اللغة أحد أهم دعائم وجودها التاريخى . وصمت الزعيم لا يقل بلاغة وتأثيرا عن كلامه بل  يزيده سحرا وغموضا لذيذا لدى الجماهير . وهو يبدى حبا عاما للجماهير التى رفعته وترفعه على أعناقها ومع ذلك فهو غير قادر على حب أحد من الناس بشكل شخصى وذلك بسبب تشككه فى ولاء من حوله وتوقعه الغدر والخيانة فى أى لحظة ومن أى إنسان , ولذلك تجده كثيرا ما يتخلص من المحيطين به أو يستبعدهم عند أى بادرة شك فى ولائهم ( حتى ولو كانوا من أقرب الناس إليه أو ممن ساعدوه على ارتقاء السلطة ) , وتعرفه حين يتكلم فيأخذ وضع العظمة والكبرياء وتصدر منه الكلمات وكأنها كلمات مأثورة أو حكم خالدة يتناقلها الرواة عبر الأزمان , وربما يوحى هو لتابعيه أو يتطوعون هم دون إيحاء بكتابة أقواله وآراءه على الكتب المدرسية والكراسات وعلى الجدران والصفحات الرئيسية فى الصحف والمجلات , وتبدأ نشرات الأخبار بأقواله وأفعاله وتحركاته  , وتملأ صوره وتماثيله الشوارع والميادين والبيوت والقلوب  .

والزعيم بما له من فعل السحر فى الجماهير وإيقاظ مشاعر الكرامة الوطنية عندهم ورفع صورة الذات لديهم وإنقاذهم من الهزيمة النفسية التى يعيشونها أو عاشوها فى مراحل الإنكسار فإنه ربما يأخذهم بعيدا عن أرض الواقع فتنتابهم نشوة الإنتصار ولا يلتفتون إلى ما يجرى على أرض الواقع , ويزيد من خطورة هذا الموقف شعورهم الطاغى بأن الزعيم أسطورة لا تهزم وأنه قادر على تحقيق كل شئ لهم بقوته الذاتية وبكلمات سحرية منه , وإذا حاول الزعيم فى لحظة صدق تمر به أن يعيد الجماهير إلى رشدها فإن الجماهير ترفض ذلك وربما تعلن غضبها وتؤثر الإستمرار فى الحلم اللذيذ على العودة إلى الواقع المؤلم , ويجد الزعيم نفسه مضطرا لمجاراة الجماهير فى حلمها اللذيذ وهذا يؤكد ما يقال من أن شخصية الزعيم تأسر الجماهير ثم ما تلبث أن تصبح هى أسيرة للجماهير .

ولا بد من توافر سمات خلقية للزعيم مثل الشجاعة والإخلاص والحب الشديد للوطن والإيمان العميق بقدراته الشخصية وقدرات وطنه وقدرات شعبه وحبه الأصيل لكل هؤلاء , وأن يكون نظيف اليد واللسان , متواضعا فى شموخ وكبرياء , حالما يتجاوز حلمه قيود الواقع المعاش , ولديه إحساس مرهف بالجماهير التى تحبه , وهو حريص على الإستجابة لتلك المشاعر والتفاعل معها طول الوقت , وهو إذ يفعل ذلك يفعله بصدق فى الأغلب حيث أنه منتميا إلى أهله وناسه وفخورا بذلك الإنتماء وخاصة للبسطاء منهم , ولذلك نجده متسقا مع معتقداتهم وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم وصورة البطل عندهم , ويسعى لإرساء العدل الإجتماعى لصالح الفئات المعدومة . والزعيم قادر بحكم كاريزميته وصفاته وكلماته على انتشال الجماهير من مشاعر التخاذل والهزيمة واليأس والإنبهار بالعدو والتشكيك فى القدرات الذاتية , ثم تحريك الساكن والكامن من طاقاتهم وشعورهم الإيجابى بذاتهم وكرامتهم واستعلائهم . وفى هذه الظروف تفقد الجماهير قدرتها على التفكير النقدى الموضوعى العقلانى وتسلم نفسها للأمانى والأحلام فتبتعد شيئا فشيئا ( هى والزعيم ) عن الواقع .  

وفى قمة لحظات انتفاخ الذات ( الشخصية للزعيم والوطنية للجماهير ) وتمددها وفى قمة الإنبهار والإستلاب والسحر لدى التابعين النائمين المخدوعين السذج يحدث الإنهيار عند أول اختبار حقيقى على أرض الواقع وهنا تهتز الأرض من تحت أقدام الجميع ( الزعيم الملهم والجماهير الساذجة المخدوعة المستلبة ) وربما يبحثون عن تفسير أو تبرير يعطيهم مزيدا من الوقت والحلم ولكن إن آجلا أو عاجلا يختفى الزعيم الملهم ( بالموت أو بغيره ) فيخرج أبناءه أو رعاياه اليتامى يبكونه ويبكون يتمهم وضياعهم , وما أن يفيقوا حتى يبحثوا عن أب جديد وزعيم جديد يقودهم فى دورة ( أو دورات ) جديدة من القيادة والإنقياد .

* المعجبانى : هذا نمط مختلف فى شكله وفى مضمونه , وإن كان لا يختلف فى نهاياته , فالأب أو المدير أو الرئيس المعجبانى لديه ميول نرجسية عالية فهو شديد الإحساس بذاته وشديد الإعجاب بها وربما يدفعه ذلك للعمل على أن يكون فى موضع الصدارة لتتحقق له فرضية أنه الأقوى والأجمل والأجدر والأقدر. وهو يمشى كالطاووس مهتما جدا بشياكته وأناقته وصحته وصورته لدى الآخرين , ويجرى توحدا بينه وبين زعماء التاريخ ورموزه العظام , وربما يتقمصهم فى مشيته أو طريقة كلامه أو بروفيلات صوره وتماثيله أو فى عصا يحملها فى يده . والمعجبانى لايرى ولا يحب إلا نفسه , ويتحدث كثيرا عن ماضيه وعن طفولته وعن نشأته وتطور شخصيته وكفاحه وبطولاته وتضحياته . والمعجبانى يهتم كثيرا بتسجيل كل مراحل ولحظات حياته الشخصية ( بالصوت والصورة ) فهى فى رأيه جزء من التاريخ الوطنى بل جزء من التاريخ الإنسانى العظيم  , ويهتم اهتماما خاصا بالإحتفال بعيد ميلاده أو عيد توليه وأعياد انتصاراته (وهى كثيرة ) ويعتبرها أياما تاريخية يحبس التاريخ أنفاسه عندها إجلالا وهيبة ورهبة . والمعجبانى لا يحتمل النقد أبدا لأنه يعتبر نفسه كبير العائلة والأب المقدس والرمز والدلالة , ولذلك يهتم جدا بالتزام طقوس الأدب والإحترام من جانب الرعية والرعايا تجاه شخصه العظيم , وإذا تجرأ الناس على نقده سعى فى تأديبهم وربما استصدر قوانين تحرم وتجرم العيب فى ذاته ( مع أن الأنبياء عليهم السلام لم يمنعوا الناس من نقدهم والإختلاف معهم رغم مكانتهم عند الله وعند الناس) . والمعجبانى يبالغ كثيرا فى مظاهر الملك والأبهة والعظمة والسلطنة بدءا من مظهره الشخصى وأناقته وشياكته وطريقة كلامه الدرامية الإستعراضية مرورا بقصوره واستراحاته واحتفالاته ومهرجانات انتصاراته التاريخية .

والمعجبانى يسعى دائما للإبهار فيتخذ من القرارات ما يجعل الجميع فى حالة دهشة وانبهار , وربما يميل إلى المفاجآت والصدمات والتحولات المسرحية , وكل هذا يجعل المتابعين له يحبسون أنفاسهم دهشة أو إعجابا أو خوفا أو انبهارا , وهذا ما يحتاجه المعجبانى . وهو مولع بالشعارات والكلام الكبير فيصدر منها الكثير , ويجعل لكل فترة شعاراتها وعناوينها الضخمة لأن كل فترة هى بمثابة مرحلة تاريخية أو منعطف تاريخى هام وخطير  يقف الخلق جميعا ينظرون إليه وإلى حكمته البالغة . والمعجبانى يسعى لأن يتوحد الوطن بشخصه العظيم ( لا أن يتوحد هو به ) ويطلق على نفسه أوصافا تاريخية أو دينية تلحقه بالخالدين .

وبما أن المعجبانى مشغول بحب نفسه عن حب الآخرين لذلك لاتجد له محبون من رعاياه على الرغم من انبهارهم واستغرابهم وربما تأييدهم , وهم يضيقون به رغم ما يحققه لهم من إنجازات وكأنهم يضيقون بذاته المتمددة التى ضيقت عليهم مساحة وجودهم وضيقت عليهم أنفاسهم , لذلك يغضبون ويتمنون الخلاص منه , وإذا حدث ذلك تنفسوا الصعداء ولم يكلفوا أنفسهم عناء وداعه وكأنهم يعلمون ولعه بالأبهة والمظاهر فيريدون أن يحرمونه من هذه الأشياء فى آخر عهده بالدنيا .

الموظف:  والرئيس الموظف هنا يقوم بدور المدير وهو يكون قد وصل إلى هذه المكانة بغير ترتيب أو سعى وإنما لعبت الظروف دورا هاما فى وصوله , فلم تكن طموحاته تصل إلى ذلك ولم يكن هو معدا لنفسه للقيام بهذا الدور فلم يكن له فى حياته أى اهتمام بالسياسة بل كان يمقتها ويعتبرها من قبيل اللف والدوران والمراوغات , ومع هذا يقبل القيام به كأى موظف يقبل التكليف بعمل فى نطاق وظيفته , ولذلك يبدأ متواضعا بعيدا عن أبهة الرياسة والحكم , ويقبل بالأوضاع القائمة ويسعى لثباتها وترسيخها مستفيدا فى ذلك من اللوائح والقوانين التى وضعها الأسلاف , إذ ليست لديه رؤى أو أهدافا أو استراتيجيات جديدة , ولذلك يحاول طول الوقت التركيز على الهياكل الوظيفية والإجراءات الشكلية , ويهتم اهتماما وسواسيا ملحا بالإجراءات والضوابط واللوائح التى تضمن الإستقرار والثبات والذى يصل إلى حالة الجمود . وبما أنه موظف فهو يحافظ على " أكل عيشه " لذلك لا يميل إلى المغامرات أو المخاطرات أو الهزات , فالمهم عنده أن تمر الأيام دون مشكلات , وكل حركة لديه مشكلة تهدد الإستقرار وتعكر الصفو العام , لذلك لا يطيق المطالبون بالحركة والتغيير ويعتبرهم أعداءا للإستقرار وأعداءا للوطن وأعداءا له هو شخصيا لأنهم يكدرون صفوه واستقراره واستمراره , وشعاره دائما

" استقرار الإستمرار واستمرار الإستقرار " . والموظف لا يملك رؤى استراتيجية أو تاريخية أو ثقافية أو حضارية , بل إن هذه الكلمات تضايقه وتؤرقه ويعتبرها تقعرا وتفلسفا من جانب قلة غير واقعية يتحدثون حديثا عاطفيا غير موضوعى , أما هو فلا يتحدث إلا عن الواقع اليومى الذى يعيشه بين مرؤسيه للحفاظ على لقمة عيشه وعيشهم , فهو يسعى إلى انضباط الأمور بكل الوسائل ويحاول أن يقود السفينة دون أى اهتزازات , ولذلك يفضل القيادة بجانب الشاطئ دائما . وهو على الرغم من ادعاءاته بالثبات وعدم الخوف وعدم التأثر بالأحداث وطمأنينته السطحية لصواب قراراته وارتياحه المبالغ فيه لحالة الإستقرار السائدة واستهانته بكل ما يحيط به من تحركات وأخطار , إلا أن هذا كله يعكس حالة عميقة من الخوف الداخلى وانعدام الأمان ,تلك الحالة التى تدفعه بلا وعى إلى التمسك بالوضع القائم والتمسك بالثبات الجامد والمتجمد  لأن الحركة تحمل تهديدات لا يحتملها والجديد بالنسبة له يحمل رعبا لا يطيقه . والموظف يسلك سلوكا تقليديا عسكريا فيطلب الطاعة المطلقة من مرؤسيه فى حين يخضع هو لمن فوقه . وطوحات الموظف ليست كبيرة فهو يرضى دائما بالأدنى وليست له رؤى بعيدة المدى أو سقفا عاليا يصبو إليه , وليس لديه حلم ولا يملك أصلا القدرة على الحلم بل هو يعيش الواقع اليومى بتفاصيله القريبة , أى أنه يعيش فى مستوى الإحتياجات البيولوجية التى وصفها ماسلو وليس لديه اهتماما بالطبقات الأعلى من الإحتياجات فى هرم ماسلو الشهير مثل الحب والتقدير الإجتماعى وتحقيق الذات وغيرها , وبالتالى ليس لديه اهتمام بالنواحى الثقافية أو الجمالية أو الحضارية , ويشعر بالمقت تجاه المثقفين والمفكرين والفنانين , ويعتبرهم أقرب إلى مهرجى السيرك , وينظر إليهم على أنهم واهمون حالمون غير واقعيين لأنهم لا يرون الحقيقة وتستغرقهم الأوهام والأحلام الفارغة , أما هو فيهتم باللحظة الحاضرة ويسعى لتحسين أحوال الناس المعيشية ويحقق (أو يريد أن يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع ) , وهو يتجنب الدخول فى المخاطرات التى يدعوه معارضوه إليها لأنه يدرك مالا يدركوه من تأثير ذلك على تابعيه , فهو يخطط على المستوى التكتيكى القريب من حياة الناس اليومية واحتياجاتهم القريبة قصيرة الأمد , ويركز على النتائج الملموسة , وهو يسترشد فى قراراته بالأرقام والمعلومات والحسابات ولا يخرج عن التعاليم واللوائح والتعليمات , ويختار تابعيه على أساس الكفاءة فى التنفيذ وثقته فى ولائهم ولا يتوقع منهم تخطيطا أو إبداعا فهو يمقت الإبداع ولا يريد من سكرتاريته إلا الإتباع وتنفيذ الأوامر بدقة , ويستخدم معايير الثواب والعقاب لضبط مرؤوسيه ولتحقيق أهدافه , وهو لا ينظر إليهم باعتبارهم بشرا أكفاءا لهم القدرة على الإبداع والإضافة والحذف والتغيير وأنهم موارد وطاقات بشرية يمكن تنميتها وتطويرها ولكن ينظر إليهم على أنهم مجرد أشياء لتنفيذ برامج أو احتياجات أو إجراءات معينة , ولذلك لا يهتم بأشخاصهم أو تاريخهم أو مشاعرهم أو مشكلاتهم ولا يرتبط بأى منهم بصداقة أو علاقة إنسانية بل ينساهم فور انتهائهم من أداء مهامهم ,فهم فى نظره غير جديرين بالصداقة أو العلاقة الإنسانية , ولذلك تجد علاقاته سطحية ووقتية وفاترة , ولا تجد له تاريخا من البشر , وهو لا يتحدث عن تاريخه الشخصى كحياة إنسانية حافلة بالصداقات والعلاقات والمؤثرات الإنسانية , وإنما إذا تحدث عن تاريخه فإنه يتحدث عنه من خلال المهام التى أتم إنجازها طبقا للأوامر والتعليمات .

والموظف يكره الأحلام والأمنيات ويحتقرها ويحتقر من يتمسك بها ويعتبره ساذجا غريرا غافلا لذلك فهو يسعى لتكريس الأمر الواقع والقبول به , وهو إذ يفعل ذلك يثبط الهمم باسم التعقل ويقيد الحركة باسم التروى ويخنق الأفكار ويقتل الأحلام باسم الموضوعية , ويضحى بالإرادة والكرامة للأقوى باسم الواقعية والحفاظ على الحياة وأكل العيش .

وقد يتسم الموظف ببعض السمات الوسواسية فيصبح مدققا وعنيدا لا يقبل رأيا آخر ولا يتنازل عن شئ مهما صغر ويتمسك بالشكل دون الجوهر , ويعتقد أن الآخرين ليسوا جديرين بالثقة لأنهم لايقومون بالتنفيذ كما يجب لذلك نراه حريصا على عمل كل شئ بنفسه ومتابعة كل شئ بنفسه حتى لو توقفت الأمور وتعطلت مصالح الناس , وعلى الرغم من عدم تعبيره عن مشاعره العدوانية بشكل صريح إلا أن عناده يكشف عن عدوانيته الكامنة بداخله .

وهو لايميل إلى التميز أو التجديد بل يحب أن تسير الأمور فى مسارات عادية , فهو شخصية عادية , بل ومفرط فى عاديته . وأصعب لحظة فى حياة الموظف هى خروجه للمعاش , لذلك يحاول بكل الطرق أن يستمر فى منصبه لأطول فترة ممكنة وربما للأبد لأن حياته بدون الوظيفة لاتساوى شيئا ولا تطاق , فليس لديه أية اهتمامات أو هوايات أو أى شئ له معنى خارج إطار الوظيفة الرسمية .

المبدع المشوه : وفى هذا النموذج نجد أن ذات الطفل نشطة وتتمثل فى حالة من المرح والدعابة مع ميل إلى الإبداع المشوه فنجده يعلن أفكارا تبدو جديدة أو مبتكرة أو صادمة أو غريبة وكأنها صادرة من فنان أو مفكر بوهيمى أو فيلسوف منقطع الصلة بالواقع اليومى , والأخطر من ذلك أن هذه الأفكار والتوجهات الغريبة والشاذة تتحول إلى نظام للحكم وفلسفة للإدارة وإطارا للتفكير ولا يجرؤ أحد على مناقشة هذه الأفكار أو تفنيدها , بل يوجه أصحاب الفكر جهودهم فى تفسير وتحليل وتبرير آراء وأقوال وأفكار الزعيم المفكر المبدع المشوه المتناقض , وهذا النموذج يحير من يراه أويتابع سلوكياته فهو تارة شديد الوطنية والثورية والتقدمية وتارة أخرى مستسلما ومهادنا وخاضعا , وتارة تراه شديد الإهتمام بمظهره فيلبس ثيابا عسكرية مليئة بالنياشين والأوسمة ( كطفل اشترى له أبوه بذلة عسكرية مبالغ فى ترصيعها ) وتارة أخرى تراه يرتدى لباسا بسيطا ويعيش عيشا بسيطا , أو يجمع بين هذا وذاك فى تركيبة غريبة ومتناقضة وأحيانا مضحكة . والمبدع المشوه لا يستطيع أحد توقع قراراته أو ردود أفعاله فكل شئ لديه مفاجئا وغريبا , وهو يشتهر بمغامراته الطفلية الفاشلة والتى ربما يعطيها أبعادا وطنية ويضفى عليها معانى الإنتصار العظيم ( أو يترك تلك المهمة لمريديه وكتابه ومنظريه )  

شيخ القبيلة : وهو يأخذ مشروعيته من عصبية القبيلة أو العائلة , والعلاقة بينه وبين رعيته تقوم على التسليم بقوة العصبية والجذور العائلية , ولقاءاته بهم يغلب عليها تقبيلهم ليده وكتفه ورأسه ثم تناول العشاء والإنصراف مع الدعوات بطول العمر , أو تقديم معروض بهدف الحصول على منحة مالية أو رفع دين أو قطعة أرض صحراوية أو مرعى جبلى . وقد يكون هناك نوع من الشورى لدى الملك أو الأمير ( شيخ القبيلة ) من خلال جلسات مع رؤساء القبائل أو العشائر ولكنها شورى استئناسية غير ملزمة .

العسكرى ( من الشاويش إلى المشير ) : فى العالم العربى ولع بتنصيب العسكريين ( الحاليين أو المتقاعدين ) فى المناصب القيادية والسيادية , فنجد فى كثير من المواقع رتبا عسكرية تبدأ من الشاويش وتنتهى بالمشير مرورا بالعقيد والعميد واللواء والفريق , والسبب فى ذلك هو كثرة القادة العسكريين فى مؤسسات الحكم واعتقادهم بأن الضبط العسكرى هو أهم عوامل النجاح فى إدارة شئون الناس , هذا إضافة إلى عوامل التحيز وضمان الولاء وجوائز نهاية الخدمة . والعقلية العسكرية – رغم احترامنا وتقديرنا الشديد لها فى موضعها – تتميز بالإلتزام الحرفى بتنفيذ التعليمات والمهام دون نقاش , وهى لا ترى الإحتمالات المختلفة والتباينات فى السلوك اليومى المدنى للناس ولا تحتمل الغموض ولا تدرك أهمية الحوار والإختلاف وتوظيف ذلك للمصلحة العامة فالإختلاف لديها خيانة وطنية والمخالفون أو المعارضون خونة مثيرون للقلاقل والإضطرابات لذلك يبالغون فى الضبط والربط والقهر , ويميلون للرؤية الأحادية , وهذا يؤدى إلى مشكلات كثيرة فى الحياة المدنية التى تحتاج لرؤى متعددة واحتمال الغموض والخلاف واحترام أصحاب الآراء المعارضة . والمشكلة تكبر وتعظم إذا كان العسكرى على رأس السلطة فهنا تحدث إشكاليات كثيرة سببها أن هذا الشخص قد تربى خلال سنوات طويلة من حياته على أحادية الرأى وأحادية الرؤية وعلى الإلتزام بتنفيذ التعليمات , وهاهو الآن يحكم فئات متباينة ويعيش الحياة السياسية ( التى لم يتعود عليها ولم يتربى فى أحضانها ) بغموضها وتناقضاتها وتعددية مستوياتها واحتاجاتها للمرونة والمواءمة , ففرق كبير بين عقلية السياسى وعقلية العسكرى وكل منهم ميسر لما خلق له وهو موفق ومطلوب فى مكانه ولكن المشكلة تأتى من اختلاط الأدوار وتداخلها .

المستقطب : وهو الأب المنحاز إلى بعض أولاده دون الآخرين أو المدير المنحاز إلى مجموعة من الموظفين يصطفيهم ويميزهم عن باقى زملائهم وربما يسخرهم للتجسس عليهم ومضايقتهم , أو الرئيس الذى ينتمى إلى طائفة أو جماعة أو حزب فينسى أنه رئيس للجميع ويعمل طول الوقت لخدمة جماعته أو طائفته أو حزبه على حساب مصالح بقية الفئات . وهذا الشخص المستقطب يحدث شرخا فى الأسرة أو المؤسسة أو الدولة وينشئ عداوات شديدة فى الوسط الذى يعيش فيه . وإذا كان الإستقطاب على أساس سياسى يصبح المعارضون خونة أما إذا كان على أساس دينى فإن المعارضون فى هذه الحالة يصبحون كفارا .

المستغرب : وهو شديد الإعجاب بالنموذج الغربى لذلك يعيش عليه ويربى أولاده عليه ويصبغ كل من حوله بهذه الصبغة ويراها الأنسب للحياة العصرية , ونجده يحول كل مظاهر الحياة فى نطاق حكمه بالصبغة الغربية لغة وسلوكا ومعمارا وتخطيطا ,  ومع هذا ربما يحتفظ بقشرة بسيطة يعلن بها هويته العربية كالزى الوطنى ( المستورد من الخارج ) .    

الفيلسوف الحالم : وهو لا يستطيع بهذه المواصفات أن يصل بنفسه إلى أى موقع قيادى ولكن الظروف قد تحمله إلى هذا الموقع بحكم القرابة أو الظروف , وهذا الشخص نجده يتحدث طويلا عن مثاليات ومبادئ ومطلقات منقطعة الصلة عن الواقع , وهو معزول غالبا عن حركة الحياة الطبيعية حيث تعود أن يعيش فى برج عادى يرى العالم منه كما يحب أن يراه , ويوافقه المحيطون به على ما يراه خوفا أو طمعا . وضعف الفيلسوف الحالم يستغله بعض المحيطون به فيحركونه كما يريدون مع إيهامه بملكية زمام الحكمة والحكم.

الوريث : وهو قد ورث الملك أو الرئاسة بفعل القرابة أو العصبية أو الظروف السياسية وليس عن كفاءة وكفاح وتاريخ طبيعى فى العمل السياسى , ولذلك يلاحظ تدنيا فى أدائه خاصة عند مواجهة الأزمات الكبرى , وهذا ما أكده ابن خلدون من ضعف الجيل الثانى والثالث من الملوك , وربما يكون هذا أحد أسباب التحول فى المجتمعات البشرية مع رقيها من النظام الملكى إلى النظام الرئاسى واعتبار النظام الملكى أو التوريث نكوصا بالمجتمع إلى مراحل أكثر بدائية وتخلفا . والوريث بما أنه ورث السلطة دون جهد فإنه يميل لأن يكون مستهلكا للثروة لا صانعا لها فيميل إلى حياة الترف والدعة خاصة وأنه قد تربى عليها منذ صغره , ولا يحتمل رأيا آخر لأنه عاش طول حياته يعامل كأمير فى جو يتسم بالطاعة المطلقة من خادميه والمحيطين به مع تلبية لكل رغباته , ويضاف إلى ذلك غربته واغترابه عن المحكومين الذين لا يعرفهم إلا من صورهم فى وسائل الإعلام , ومن باب أولى لم يخالطهم ولم يعش حياتهم , بل هو محاط طول الوقت بطبقة سميكة من الحراس والخدم يعزلونه عن الشعب  . والوريث غالبا ما يحكم بالوكالة بمعنى أنه يعتمد على أفراد آخرين من أصدقائه أو المقربين له ممن يعتقد فى قدرتهم على فهم الشعب وإدارة الأمور , وهؤلاء يقومون بمعظم المهام بالنيابة عنه ويملون عليه ما يحقق مصالحهم هم , وبما أنه لا يدرى عن حقيقة القاعدة الشعبية شيئا بحكم ظروف نشأته فهو يسلم لهم إما استسهالا أو عدم معرفة بحقيقة الأمور , وفى كل الأحوال هو يشعر أنه يريد أن يستمتع بما ورثه من عظيم ثروة وأبهة سلطان .   

ونظرا لكثرة احتمالات المشكلات الشخصية لدى القادة والحكام الذين يمارسون حكما فرديا وأثر ذلك على شعوبهم بل وعلى العالم كله أحيانا لذلك ظهر اقتراح فى الجمعية العالمية للطب النفسى بمتابعة الحالة النفسية للرؤساء والزعماء على مستوى العالم ( خاصة المعمرون والمستبدون منهم ) حتى لا تحدث كوارث إنسانية بسبب تحكم شخص مضطرب أو مشوه أو مستبد فى مصير ملايين البشر . 

 

السمات القياسية للرئيس :

بعد هذا الإستعراض لبعض نماذج الآباء أو المديرين أو الرؤساء فى العالم العربي يبرز سؤال هام وهو : هل توجد مواصفات قياسية لشخصية الرئيس بحيث نقيم الشخص ونحدد مدى صلاحيته على أساسها , وحين نذهب إلى صناديق الإنتخابات نختار على ضوئها ,  والحقيقة أنه لا يوجد شخص يمكن أن تجتمع فيه كل الصفات القياسية اللازمة لمنصب الرئيس ولذلك ذهب العقلاء من البشر ( ومن قبلهم الأديان ) إلى فكرة الشورى والديموقراطية وهى آليات تحد من انفراد أى شخص بالسلطة المطلقة وذهبواإلى أفضلية حكم المؤسسات التى تستفيد من أكثر من عقل وأكثر من رأى وتحمى الشعوب من النزوات والتشوهات الشخصية لحكامه وتحمى الرعية من احتمالات التهميش والقهر والإستذلال , لذلك أصبح حكم الفرد جريمة إنسانية وجريمة سياسية لأنها تعرض شعبا كاملا لأن يكون تحت رحمة نقائص شخصية ومشكلات نفسية لفرد ينفرد بكل شئ دونما رادع حقيقى وموضوعى . وفى النظم الديموقراطية تكون للرئيس صلاحيات محددة تتكامل وتتناغم مع مؤسسات قوية أخرى تمنع الإنفراد بالقرار وتسمح بتصحيح الأخطاء وتعطى آليات مناسبة للوصول إلى أفضل القرارات بطريقة جماعية موضوعية ومنهجية , ومع هذا تبقى لشخصية الرئيس آثار مهمة على توجيه الرأى العام وعلى الوسائط الإعلامية , ولهذا يجدر بنا أن نذكر السمات القياسية العامة للرئيس :

1 – هو شخص ينتمى لبيئته ولناسه عقيدة وثقافة وحبا وإخلاصا ولديه مشاعر إيجابية نحو ذاته ونحو شعبه ونحو ثقافته , ولديه شعور بالكرامة الوطنية النابعة من احترام الذات والثقة فى قدرة الشعب على النمو والنجاح والإنتصار .

2 – مهيب الطلعة حسن السمت ممتلئا صحة وحيوية ورجولة , حسن الصوت , حى المشاعر

3 – لديه منظومة أخلاقية تتسم بالصدق والأمانة والشجاعة والعدل ونظافة اليد وطهارة الضمير وتقبل الآخر والمرونة والقدرة على الصمود .

1 -  تدرج فى ميادين العمل السياسى واكتسب خبرة ميدانية فى التعامل مع البشر على مختلف توجهاتهم ومستوياتهم , وعاش الحياة اليومية بكل صعوباتها وتفاصيلها , ولديه خبرة كافية بمشكلات الناس ومعاناتهم

2 – لديه القدرة على سياسة البشر وشحذ هممهم وإطلاق الطاقات الكامنة لديهم بدافع من حبه وتقديره واحترامه لهم مع القدرة على تحمل أخطائهم والتسامح معهم كلما أمكن ذلك , ولديه الكفاءة لانتشالهم من مشاعر الهزيمة إلى آفاق النصر ومن هوة اليأس إلى ذروة الأمل , ومن حالة البلادة والسلبية واللامبالاة إلى حالة الدافعية العالية والفاعلية والحماس والإنجاز 

3- لديه رؤية استراتيجية وآفاق واسعة للتفكير والتخطيط والعمل على المدى الطويل مع معرفة عميقة بالأولويات والمسارات الرئيسية للعمل   

4 – يملك القدرة على التفكير الإبتكارى ويسعى نحو التغيير الإيجابى دون خوف وينتقل من مرحلة لأخرى بسلاسة ولا يتثبت أو يتشبث عند مرحلة خوفا أو ترددا أو طلبا للراحة والسلامة .

5 – يملك شخصية مستقلة قادرة على التفكير النقدى ورؤية كافة الإحتمالات المطروحة ولذلك لا يخضع خضوعا أعمى لمن فوقه ولا يطلب الطاعة العمياء من التابعين له    

6 – لديه الشجاعة للإعتراف بأخطائه والتراجع عنها وتصحيحها وتحمل مسئولية نتائجها

7 – لا يستنكف عن التساؤل والإستفسار عما لايعرفه مع الإستعانة الصادقة والحقيقية بكل صاحب خبرة بصرف النظر عن انتماءاته أو توجهاته

8 – صاحب شخصية واسعة الأفق تحتمل الخلاف والإختلاف وتتقبل كافة أطياف المجتمع وتتعامل معهم بمرونة واحترام وتعتبر أن الجميع مواطنون شرفاء يشاركون فى المنظومة السياسية والإجتماعية بصرف النظر عن الإختلافات الشخصية بينه وبينهم .

9 – يستوعب كافة الأبعاد والمستويات الحضارية والثقافية لشعبه ويدرك قيمة التاريخ والعلم والثقافة وقيمة العلماء والمفكرين وأثرهم فى رقى الأمم .

10 – لديه القدرة على المخاطرة المحسوبة من أجل النمو فالتغيير والنمو دائما يحتاجان  المخاطرة المبنية على معطيات موضوعية .

11 – لديه ذكاءا وجدانيا يجعله قادرا على الوعى بمشاعره دون إنكار ودون ادعاء ثبات كاذب , ويجعله قادرا على الإحساس بمشاعر الآخرين والإستجابة المناسبة لها , ويجعله قادرا على أن يحب ويحب , فالتابعين لا يتحركون بالبلادة الإنفعالية للقائد وإنما يتحركون ويحفزون بالمشاعر الإيجابية الحية , فكلما كان مزاج القائد حيا ونشطا وإيجابيا كلما قلت الصراعات وارتفع مستوى الإنجاز .

12 – صاحب خبرة روحية تمنحه صفاءا نفسيا وسلاما داخليا وحدسا صادقا وتطلعا نحو الخلود

13 – يختار مرؤسيه على أساس صفاتهم الشخصية وقدراتهم ورؤاهم المستقبلية وميزانهم الأخلاقى وإمكاناتهم وقدراتهم , ويتعامل معهم على أنهم بشر , ولذلك يهتم بهم على المستوى الإنسانى ويسعى إلى تطويرهم والتغير معهم وبهم للأفضل , فهم بالنسبة له موارد بشرية تصنع الأفكار والرؤى وبالتالى تصنع المستقبل

13 – يؤمن بأن التغيير هو أحد أهم القوانين فى الحياة , ولذلك يصبح من مهامه الأساسية ويوجهه دائما فى الإتجاه الإيجابى , فهو لا يتشبث بالسلطة لنفسه ولا يمكن أحدا من التشبث بها دون مبرر ويسمح للأجيال الجديدة أن تأخذ فرصتها بناءا على كفاءتها , ويساعد على النمو المرن والمتطور لمنظومات العمل بعيدا عن الجمود , وهو يشعر بالملل فى حالة رتابة الأحوال وسكونها ويسعى نحو التغيير المبدع الخلاق

14 – لديه قدرة هائلة على الإنصات النشط لكل من حوله والتواصل المرن معهم دون تحيز أو استقطاب أو أفكار مسبقة .

15 – نظرته للتابعين ملؤها الإحترام والتقدير فهم ليسوا أطفالا قاصرين أو رعايا يستحقون الحجر والوصاية , وإنما كبارا ناضجين وجديرين بالثقة والإحترام وتبادل الأفكار

16 – لديه حساسية دقيقة لقبول التابعين له فإذا وجد أنه أصبح ثقيلا عليهم أو أن وجوده أصبح غير مرغوب أو فى غير صالحهم كانت لديه الشجاعة والقدرة على أن ينسحب بشرف من ساحة القيادة وأن يعود مواطنا عاديا يستمتع بحياته الشخصية والعائلية تاركا المسئولية لآخر يضطلع بها

17 – يتميز بأعلى درجات الصدق والأمانة والشفافية فى تعاملاته , وسلوكه الشخصى والعائلى والعام وجدير بالإحترام والتقدير من تابعيه .

18 – لا يمكث فى السلطة العليا سنوات طويلة ( تقدر فى الديموقراطيات الحديثة بست سنوات ) لأن ذلك يجعله بعيدا عن الحياة الطبيعية للناس نظرا لإحاطة تحركاته بقيود أمنية ونظامية صارمة , إضافة إلى ما تحدثه السلطة من تضخم فى ذاته يجعله غير قادر على تحمل النقد أو المشاركة أو التفاعل , والذات المتضخمة تحمل الكثير من المخاطر لصاحبها ولتابعيه على السواء فهى مفسدة للجميع .

 

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى     

 أعلى الصفحة

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

   
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية