الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية


 

مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

 

امراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى

 

 



 

مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام




مجلة النفس المطمئنة

 

الجنة الآن

( سيكولوجية العمليات الإستشهادية فى فلسطين )

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

 

لأول مرة – حسب علمى – يقوم فيلم سينمائى عربى بمناقشة موضوع العمليات الإستشهادية مسلطا الضوء بشكل خاص على الجوانب النفسية والإجتماعية العميقة فى المجتمع الفلسطينى من خلال شابين يحاولان القيام بعملية استشهادية فى إسرائيل . وربما يتوقع المشاهد منذ البداية أن يرى أحداث عنف وتفجيرات كثيرة , ولكن هذا لم يحدث باستثناء مرة واحدة أو مرتين على الأكثر سمع فيها إطلاق رصاص من مكان مجهول , حيث اختار المؤلف هانى أبوأسعد ( وهو نفسه المخرج ) التركيز على الجوانب الإنسانية , وهذا مما أعطى للفيلم قيمة كبيرة أهلته لعدة جوائز وقد كان مرشحا – حسب ما علمت – لجائزة الأوسكار لولا خلاف نشأ حول هوية الفيلم وإلى أى دولة ينسب .

 يبدأ الفيلم بمشهد فتاة فلسطينية أمام أحد المعابر تقف أمام جنديا إسرائيليا يلبس ملابس ميدان حرب ينظر إليها فى صمت نظرة حملت رسائل مركبة ففيها التفرس والتفحص والتشكك والإحتقار والكراهية وربما الرغبة فى ذات الوقت , وقد ردت عليه الفتاة برسائل صامتة أيضا حملتها معانى التحدى والصلابة والخوف والترقب والتوعد . وهذه إحدى السمات المميزة للفيلم فقد هرب المخرج من استخدام اللغة اللفظية التى ربما تكون قد استهلكت وفقدت تأثيراتها ومدلولاتها من كثرة تداولها , وقد كان متمكنا من اللغة غير اللفظية فى أغلب مشاهد الفيلم خاصة فى بطل الفيلم " سعيد " كما سنرى فيما بعد , واستطاع توظيفها بشكل بارع , وقد أعفاه ذلك من الوقوع فى شرك الشعارات والكلمات الساخنة التى يستدعيها سياق وطنى مثل هذا . والفتاة الفلسطينية حين ركبت مع سائق التاكسى ( الفلسطينى ) لم تسلم من محاولات استدراجه حيث سألها بشكل غير مناسب إن كانت متزوجة أم لا , وردت هى بصمت حمل رسائل الغضب والملل والإحتقار والإشمئزاز .

 ننتقل بعد ذلك إلى مشهد ورشة لإصلاح السيارات حيث يتجادل صاحب السيارة مع الشاب

" سعيد " الذى يعمل فى الورشة حول مدى اتزان الصدّاد الأمامى للسيارة ينتهى هذا الجدال بأن يقول له الرجل : " إنه مائل مثل أبيك " , وهنا نرى فى خلفية المشهد إناءا للشاى على النار وقد غلى فيه الماء وطفح على الجوانب , وقد توقعنا ما جرى فى نفس " سعيد " رغم أنه لم يبد أى غضب خارجى ولكن جاء زميله " خالد " وواجه صاحب السيارة بكلمات خشنة وانتهى الجدال بأن كسّر خالد صدّاد السيارة . ثم تأتى الفتاة التى رأيناها فى أول الفيلم لكى تسأل عن سيارتها القديمة فى الورشة , وخلال تسليمها إياها بواسطة "سعيد"  يتضح إن ثمة علاقة عاطفية كامنة بينهما وأن الفتاة " سها " أكثر جرأة فى محاولات تعبيرها مقارنة ب " سعيد " الذى يبدو وكأن هناك شيئ ما يمنعه , ربما خجله أو حزنه الظاهر أو شئ غامض آخر لا نعرفه حتى الآن .

 وفى لقطات متفرقة نعرف الخلفية الأسرية لكل من سعيد وخالد وسها , فسعيد يسأل أمه مستفهما ومستنكرا : لماذا فعل أبى هذا ؟؟؟!!! .... فترد فى اقتضاب وعلى وجهها علامات مشاعر عديدة ومركبة  من الكبرياء المجروحة والإحساس بالعار والحزن والتحدى والأسف والإعذار والنهى عن الإسترسال : " اللى عملوا أبوك عملوا عشاننا " , ثم نفهم من سياقات أخرى أن أبو سعيد كان قد تم استغلال احتاجه المادى فجندوه ليكون عميلا للإسرائيليين , وقد قتل على أيدى الفلسطينيين على اعتبار أنه خائن , وهذا يفسر لنا حالة سعيد الوجدانية والتى كانت تتجسد على وجهه وفى سلوكياته بشكل شديد البراعة دون استخدام أى كلمات فقد نجح المخرج أن يرسم على وجه سعيد مشاعر الحزن والإنكسار والإحساس بالخزى والعار والضياع والحيرة والرغبة فى الإنتقام ممن جندوا أبيه ولوثوا شرفه الوطنى وسمعته , فسعيد هنا ينطلق فى مواقفه بعد ذلك من أزمة شخصية وأزمة عامة , أما أزمته الشخصية فهو إحساسه بالعار والإنكسار تجاه عمالة أبيه للإسرائيليين إضافة إلى إحباطاته فى عمله فى الورشه وتعرضه لمعايرة الناس له بأبه وفشله العاطفى وفشله المهنى , أما أزمته العامة فتظهر فى إحساسه باليأس تجاه التفوق العسكرى الإسرائيلى وانعدام الوسائل المتاحة للمواجهة . أما خالد فيحكى أن الجنود الصهاينة اقتحموا بيتهم إبان الإنتفاضة الأولى وخيروا والده - إمعانا فى إذلاله – أى الساقين يختار أن يتركوها له , فاختار الساق اليسرى , ويعبر خالد عن إحساسه بالمهانة تجاه هذا الموقف من أبيه ويقول : " لو كنت مكانه ما تنازلت حتى لو بتروا ساقىّ الإثنتين " . إذن يتضح من السياق أن هناك خيطا يجمع الصديقين الشابين وهو إحساسهما بالعار الأسرى نتيجة سلوك الصهاينة مع أبويهما واستغلال ضعفهما وحاجتهما , ووجود رغبة داخل كل منهما لكى يغسل عار أبيه ويسترد كرامته واحترامه لنفسه وجدارته الوطنية , ولهذا فقد سجلا اسميهما فى قائمة انتظار العمليات الإستشهادية . أما الفتاة " سها " فأبوها الشهيد " أبو عزام " المعروف فى المجتمع الفلسطينى بأنه دوّخ الإسرائيليين ومات شهيدا وبطلا , ويبدو أن ابنته اكتفت بهذه الفاتورة العائلية فى الشهادة وأصبحت تحبذ الحلول السلمية للصراع وترفض إراقة المزيد من الدماء وترفض خلق المزيد من أجواء العداوة والإنتقام , ولهذا ترفض منطق المقاومة المسلحة والعمليات الإستشهادية. وهنا أصبحنا نفهم ذلك الحاجز النفسى الذى يمنع سعيد من التعبير عن مشاعره تجاه سها , فهى فى نظره ونظر مجتمعه ابنة البطل والشهيد " أبو عزام " , أما هو فأبيه قتل بسبب عمالته للصهاينة , وهو يحمل مشاعر متناقضة تجاه أبيه فمن ناحية يشعر بالعار تجاه عمالته ومن ناحية أخرى يتذكر كلمات أمه بأن أبيه فعل ذلم من أجل أن يعول أسرته .

 وعكس ما كنا نتصور فإن تجنيد شخص للقيام بعملية استشهادية فى فلسطين ليس أمرا أسطوريا , فالبنية النفسية والإجتماعية والسياسية والعسكرية تفرز تلقائيا وكل يوم شبابا يصل فى لحظات كثيرة إلى هذا الخيار ولا يحتاج إلى كثير من التفكير لكى يفعل ذلك , وقد ظهر هذا فى الفيلم حيث رأينا " جمال " المسئول عن العملية  يصحب " سعيد " فى شوارع أحد المخيمات الفلسطينية حيث تبدو مظاهر الخراب والتدمير على الجدران الفقيرة المحطمة ( مع وجود شعارات حائطية تدعو للمقاومة والصمود ) , ويبدأ فى الحديث معه عن العدالة والحرية , ويذكره بالآية الكريمة : " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس" , واتضح من الحوار أن جمال يعرف الكثير عن ظروف سعيد وصراعاته وما يدور بداخله لذلك يدعم بداخله الشعور بالظلم ويفتح أمامه طريقا للخلاص والبحث عن العدالة المفقودة وغسل عاره الشخصى الذى يلاحقه , كل هذا قد جعل سعيد مهيئا وبسرعة لقبول القيام بالعملية فقد ذكر له جمال أن العملية ستكون " غدا " , ولم يتردد سعيد فى القبول فحياته النفسية والأسرية والإجتماعية تجعله تواقا للخلاص خاصة حين فتح أمامه جمال طريقا إلى نعيم مقيم فى الجنة بمجرد أن يموت . ولا يتركه "جمال"  وحيدا فى هذه الليلة التى تسبق العملية بل قام بالمبيت معه استكمالا لشحنه وتجهيزه نفسيا .

 وفى حوارات بين سعيد وبين جمال وبين سعيد وصديقه خالد كانت تصل رسائل مفادها أن المطلوب هو كسر الجبروت السياسى والعسكرى للإسرائيليين , وأنه لا توجد وسيلة لدى الفلسطينيين غير القتال بأجسادهم فهم لا يملكون جيشا , وقد سدت أمامهم كل الطرق , والعالم الخارجى لا يتفهم قضيتهم , بل إن إسرائيل قد نجحت سياسيا فى أن تقنع العالم الخارجى بأنها هى الضحية , ومن هنا تظهر حالة اليأس من كل المسارات النضالية الأخرى لاسترداد الحق الفلسطينى .

وبالتوازى يتم الإتفاق مع "خالد" صديق سعيد على الإشتراك فى المهمة , وكان خالد يبدو أكثر حماسا واستعدادا بالمقارنة بسعيد الذى كان يبدو واجما حائرا متسائلا فى صمت . وتم تجهيز الشابين معنويا فى أحد الأبنية السرية فى وجود مجموعة من الأشخاص لدعمهم نفسيا ودينيا , وبدأت طقوس الإستعداد الأخيرة بأن تم عمل " غسل " لكل شاب منهم مثل غسل الميت , ثم ارتديا الحزام الناسف بواسطة أحد خبراء المفرقعات , وتلا ذلك صلاة جامعة مع دعاء جماعى , كل ذلك يدعم الشابين تحت التأثير النفسى للوجود الجماعى .  وجاءت لحظة تصوير فيلم فيديو وثائقى للعملية , ووقف خالد ممسكا بمدفع رشاش ليقول وصيته الأخيرة لأسرته وللعالم , وهى كلمة معدة مسبقا  عبارة عن رسالة سياسية ودينية وإنسانية تحاول أن تشرح ظروف القضية الفلسطينية وما وصلت إليه . وما أن انتهى خالد من تسجيل هذه الكلمة المؤثرة حتى سأل المصور : " هل تم التسجيل بشكل جيد ؟؟ " فأجابه المصور معتذرا بأن الكاميرا لم تصور , وطلب منه إعادة التصوير , وقال له بأنها فرصة لأن يعيد  وصيته مرة ثانية بشكل أفضل , وأثناء الإعادة لاحظ خالد أن مجموعة التصوير والإخراج قد قاموا بتوزيع سندوتشات على بعضم وبدأو يأكلون أثناء التصوير , فخرج عن وقار الوصية وراح يردد رسائل ساخرة , ثم عاد مرة أخرى إلى الوصية والتى قال فى آخرها : " لم يبق لنا غير أجسادنا انحارب بها ذلك الإحتلال الغاشم " . وهنا بدأت تظهر السمات الإستعراضية فى شخصية خالد وتأكدت من خلال طلبه من جمال بأن توضع صورته فى ميدان عام وأن يسجل كبطل فلسطينى هام . ثم يتبع ذلك وصول أبوكارم ( وهو قيادة أكبر فى التنظيم ) ليقوم بالخطوات النهائية فى التدعيم المعنوى , ويصفه أحد الشابين فى انبهار وإعجاب " إنه الأسطورة بذاتها " , وقد ذكر لهم أبوكارم كلمات بسيطة تحمل رسائل فخر وكبرياء ومنها : " لو ما عندك خوف من الموت يبقى عندك سيطره على الحياه " ... " ما تخافوا من الجنود الصهاينه وبصوا فى عيونهم بقوة وثقة لأن السيطره بأيديكم وحياتهم بأيديكم "  , وهذه الكلمات تعطى بعدا آخر للعلاقة بالمعتدى فلأول مرة يشعر الشاب الفلسطينى أن السيطرة بيده , وأن حاجز الخوف ينكسر فى لحظة التضحية بالحياه , وأنه فى هذه اللحظة بالذات يتحول إلى مربع الأقوى والأقدر والأفضل , وهذا تغيير نفسى كامل لمعادلة القوة السائدة .  

وفى الطريق إلى التنفيذ يسأل سعيد الأستاذ جمال : " وايش بعد العملية ؟؟ " , فرد جمال بلا تردد : " رايح ييجى ملايكه اتنين ياخدوكم " , فعاود سعيد السؤال : " أأنت متأكد ؟؟ " , فرد جمال على الفور : " مائة بالمائة " . وحين اختلى سعيد بصديقه خالد وهما فى الطريق للتنفيذ سأله : " فكرك بنعمل الشئ الصح ؟؟؟ " , فرد عليه خالد : " بعد ساعه راح نكون أبطال ونجوم ونكون عند ربنا سبحانه وتعالى " ... " وما تنساش ان الصهاينة ما تركوش لينا خيار تانى " .... " مفيش طريقه تانيه " ... " نكون متساويين معهم بالموت " ... " أفضل يكون عندى جنه فى راسى من إنى أعيش الحياه اللى احنا عايشينها " , وكان يبدو أن سعيد قد اهتز بعض الشئ , ويحاول خالد أن يثبته , وأوصاه جمال بقوله : " لما تضعفوا اقرأوا قرآن وصلوا " .

 وتفشل العملية بسبب عدم وصول الشخص الإسرائيلى المكلف بإدخال الشابين إلى إسرائيل مقابل رشوة يتقاضاها , ويجرى جمال وخالد من ناحية ويجرى سعيد من ناحية أخرى , ويجد سعيد نفسه فى ورطة فهو يحمل حزاما ناسفا على ظهره ولا يعرف كيف يتصرف فيه , ويقترب من محطة حافلات إسرائيلية وتأتى حافلة يركبها مدنيين من بينهم نساء وأطفال وينتظره صاحب الحافلة أن يركب ( على اعتبار أنه مستوطن ) ويبدو أن صراعا داخليا دار فى تلك اللحظات قرر بعده سعيد أن لا يفجر هذه الحافلة المليئة بالمدنيين , وهذا يعكس الجانب الأخلاقى والإنتقائى لدى سعيد .

 ثم يعود سعيد إلى المخيم الذى يعيش فيه ويحاول الوصول إلى المجموعة التى ألبسته الحزام الناسف ولكنهم كانوا قد غادروا المكان بعد فشل العملية ظنا منهم بأن سعيد قد تم القبض عليه وأنه ربما يخبر عنهم الإسرائيليين , ووجد سعيد نفسه فى ورطة لأنه لا يستطيع خلع الحزام الناسف بنفسه ويخشى أن ينفجر فى  المحيطين به . ويبحث عنه صديقه خالد فى كل مكان وأخيرا يجده وقد تمدد عند قبر أبيه يحاول أن يفجر نفسه فى قبر أبيه ليخلص نفسه من العار الذى لحقه بسبب خيانة أبيه وفى نفس الوقت يدمر صورة أبيه فى داخله وقبره على الحقيقة , وكأن ثمة صلة تربط أبيه بالإسرائيليين فى وجدانه , ولكن صديقه خالد يثنيه عن هذا الفعل فى اللحظات الأخيرة . 

ثم تأتى الفرصة مرة أخرى لتنفيذ العملية , ويحاول أبو كارم أن يتأكد من مدى الإستعداد النفسى لسعيد قبل تكليفه مرة أخرى , فترد على لسان سعيد كلمات قصيرة تعبر عن قناعاته فى تلك المرحلة ومنها : " الحياه هنا كالسجن المؤبد " .... " الإحتلال جرايمه كتيره , لكن أبشع جرايمه استغلال الناس واستخدامهم كعملا " ... " الذنب فى فقدان أبويا يقع على الإحتلال " ... "يذكرونك يوم ورا يوم بالذل والقهر والإهانة .. والعالم كله يشاهد ولا يتحرك بل ينحاز لهم " ... " إذا لم نكن نحس بالأمان فلا يجب أن ندعهم يحسوا بالأمان " ... " باحاول أوصل لهم هذه الرساله " .. " ليس أمامى خيار غير إنى أكون المقتول والقاتل كرد فعل " .... " احنا دايما مستهدفين بننتظر ساعة الدفن " , وكانت هذه العبارات القصيرة تشكل التركيبة المعرفية والوجدانية لسعيد قبل قيامه بالعملية .

وقد تجمعت على سعيد عوامل كثيرة كانت تهيئه للقيام بالعملية الإستشهادية نذكر منها : إحباطه وإذلاله فى العمل بواسطة الزبون المتغطرس طويل اللسان , معايرة الناس له بعمالة أبيه وخيانته , فشله العاطفى بسبب إحساسه بالدونية تجاه فتاته ( هى ابنة بطل معروف وهو ابن خائن معروف ) , بؤس الحياه الذى يعيشه , وقد بدا هذا واضحا فى اللقطة التى ذهب فيها إلى المصور لعمل صور عادية ربما كان يحتاجها للتقديم لوظيفه , فطلب منه المصور – كالعادة – أن يبتسم ولكنه لم يستطع أن يبتسم ( أو ربما رفض أن يبتسم ) , وهذا يعكس كم الحزن الكامن فى داخله , فحياته كانت خالية من أى مصدر للذة أو السعادة أو الإستمتاع , أو ربما يكون هو قد حرم ذلك على نفسه , فهو لا يدخن على الرغم من أن صديقه خالد يدخن بجواره , وهو محروم عاطفيا على الرغم من وجود فتاة تحاول الإقتراب منه , وهو ليس متدينا بدرجة واضحة وهذا يبدو من تساؤلاته التى تنم عن ثقافة دينية بسيطة أو مسطحة , ولكنه فى ذات الوقت يتقبل الرسائل الدينية التى يبثها له جمال الذى يقوم بإعداده للعملية .

 وليس بالضرورة أن تنطبق هذه الظروف على الذين قاموا بعمليات استشهادية , ولكن يبدو أن المؤلف والمخرج ( وهما شخص واحد كما ذكرنا ) أراد أن يركز على الجانب الإنسانى والعوامل النفسية لدى منفذى هذه العمليات , ولم يشأ لسبب أو لآخر أن يضفى عليها جانب البطولة الوطنية أو الشهادة بمعناها الدينى , وهو بهذا يكسب تعاطف المشاهد العالمى ( الغربى على وجه الخصوص ) ولكنه ربما يغضب المشاهد العربى المسلم الذى يرى أن المؤلف قد عزى العملية إلى ظروف نفسية إنسانية ونزعها من سياقها البطولى الوطنى والإستشهادى الدينى , ولكن يبدو أن المخرج لم يكن ليستطيع أن يرضى جميع الأطراف فى هذه القضية فاختار الرسالة العالمية وضحى بقطاع من المشاهدين المحليين . وربما كانت محاولة إبعاد الصبغة الدينية الخالصة عن تلك العمليات محاولة من المخرج لئلا يورط الدين فى مجادلات حول شرعية تلك العمليات واتهام الدين بالمسئولية عن الإرهاب ( كما يردد الغربيون ) , فاكتفى بأن جمال (المنظم للعملية ) يقوم فقط بالصلاة ويطلق لحيته ولكنه فى نفس الوقت يدخن ( على غير عادة المتدينين الحقيقيين ) , وحين جاء القائد " أبو كارم " ليبارك العملية ويضع لمساتها الأخيرة , كان شخصا عاديا لاتبدو عليه أى ملامح دينية , ومع هذا يبقى عنوان الفيلم وبعض عبارات الحوار ذو دلالات دينية واضحة . 

وحين انتقل الشابان من المخيم الفلسطينى إلى المجتمع الإسرائيلى بمساعدة أحد الإسرائيليين كان واضحا الفرق الهائل بين المجتمعين فعلى الجانب الفلسطينى فقر وبؤس وخراب , وعلى الجانب الإسرائيلى شوارع واسعة ومبان فخمة ومظاهر رفاهية فى كل مكان . وفى طريقهم مروا على أحد الشواطئ الإسرائيلية وكانت النساء يمشين شبه عاريات , وظهرت على وجه سعيد علامات ربما تشير إلى إحساسه بالغربة الأخلاقية تجاه هذا المجتمع المختلف فى كل شئ , كل هذا كان يضيف إلى عوامل الشحن النفسى لدى سعيد , وربما هذا ما جعله يكمل الطريق على الرغم من خوف صديقه خالد وتردده وعودته .

 وقد كان المخرج شديد الذكاء حيث لم يضمن الفيلم تلك اللقطة الهامة التى ينتظرها المتفرج وهى عملية التفجير , واكتفى بركوب سعيد فى حافلة الجنود , ولم يكمل المشهد لنهايته على الرغم من إغراء هذا المشهد لأى مخرج من الناحية الفنية بحيث يكون خاتمة ساخنة للفيلم , وربما يكون السبب فى ذلك هو أن لا يستعدى المشاهد الأجنبى ( ونسبة من المشاهدين العرب الذين يرفضون هذه العمليات لسبب أو لآخر ) ضد الشاب الفلسطينى وضد الشعب الفلسطينى , وربما كان يتهمه البعض بالترويج لتلك العمليات , لذلك اكتفى بنظرات سعيد إلى الجنود الإسرائيليين فى الحافلة وخاصة ذلك الجندى الذى كان يقف أمامه مصدرا رشاشه تجاهه فى وضع مستفز , وترك المخرج النهاية مفتوحة يصنعها المتفرج كيف يشاء . 

وأخيرا ربما يقربنا هذا النموذج المطروح فى الفيلم من الظروف النفسية والإجتماعية التى تدفع بشاب إلى خيار الموت بدلا من الحياة ويقبل راضيا بأن يسحب سلكا أو يضغط زرا فيتحول فى لحظة إلى بخار وأشلاء متناثرة فى مقابل أن يوصل رسالة إلى عدوه وإلى العالم وهو يأمل أن تكون هذه هى اللحظة الفاصلة بين جحيم حياته ونعيم الجنة التى يصبو إليها فى السماء .

 دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى             

 

تقييم الموضوع:
 ممتاز
 جيد جداً
 جيد
 مقبول
 ضعيف
العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)
 
إضافة تعليق:
 

 
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى ابو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الادمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

الرد على اسئلة القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية