الجمعية العالمية الاسلامية للصحة النفسية ***   مستشفى ابو العزائم للطب النفسى   ***    الموسوعة النفسية   ***  مجلة النفس المطمئنة   ***   العيادة النفسية   ***   والمزيد  ـ ـ ـ

الامراض النفسية



مرض القلق
الوسواس القهرى
مرض الاكتئاب
مرض الفصام
الاضطراب الوجدانى
مرض الصرع
التخلف العقلى
اضطراب التعلم
اضطراب الذاتوية

المشاكل الجنسية

أمراض الطفولة

الغيرة
السرقة
الكذب
نوبات الغضب

مشاكل النوم

 

مشاكل المرأة

سيكلوجية الحمل

سيكلوجية النفاس

سيكلوجية الامومة
ذهان ما بعد الولادة

كدر ما قبل الدورة

المرأة والاكتئاب

المرأةوالطب النفسى



مواقع مفيدة



احسب زكاتك
احوال الطقس
تحويل العملات
اعرف موقعك بالقاهرة
 اذكار اليوم والليلة
وكالة الانباء الاسلامية
موقع ا. عمرو خالد
اسلام اون لاين
دليل المواقع الاسلامية
جريدة الاهرام



مجلة النفس المطمئنة

 

سيكولوجية الشيعة

)وإمكانات التعايش والصراع )

 دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

 

يتفق علماء النفس أن للإنسان جانب ظاهر من السلوك يحكمه عقله الواعى , وهذا الجانب قد يبدو غريبا أو متناقضا أو غير مفهوم إذا نظرنا إليه وحده مقطوع الصلة عن جذوره الكامنة فى ما يسمى بالعقل الباطن (اللاشعور ) ذلك العقل الباطن الذى اختزنت فيه الذكريات والأمانى والرغبات والمخاوف والدوافع والحاجات فشكلت قوة مستترة ولكنها هائلة التأثير على السلوك الظاهر للفرد . ولم يقتصر الأمر على الفرد بل امتد ليشمل الجماعة فثمة ما يطلق عليه العقل الباطن الجمعى ( اللاشعور الجمعى ) والذى وصفه العالم النفسى كارل جوستاف يونج , وهو يحوى أرشيفا لتاريخ الأمم والجماعات يؤثر بوعى أو بدون وعى فى طرق تفكيرها ووجداناتها وسلوكياتها . وبدون هذه المنطقة الكامنة فى أعماق النفس ( وغير المتاحة لنا فى الأحوال العادية ) يصعب فهم الكثير من سلوكيات البشر أفرادا وجماعات , لأن سلوكياتهم حينئذ ستبدو كقطاعات عرضية فى فروع شجرة مدفونة فى الرمال لا نرى جذرها لذلك تبدو لنا أجزاء هذه الفروع فى تعدديتها وتناثرها وكأنه لا يوجد بينها رابط , أما إذا أزلنا الرمال ووصلنا لجذر الشجرة فإننا نرى تسلسل الفروع منها بشكل منطقى ومنظم ومفهوم .

 

نسوق هذه المقدمة لندعو لما يمكن أن نطلق عليه " التفسير النفسى للتاريخ " وهو تفسير لا يأبه له أحد على الرغم من أهميته القصوى وارتفاع درجة صدقه وثباته فى قراءة وتفسير سلوك البشر أفرادا وجماعات , وليس فقط القراءة الراجعة وإنما أيضا القراءة التنبؤية بناءا على التركيبة النفسية والديناميات النفسية التى تساعدنا على توقع سلوك معين من شخص معين أو جماعة معينة , وهذا الأمر ربما يصبح فى المستقبل القريب أو البعيد علما له أصوله وفروعه يهدف إلى القراءة السابقة واللاحقة للسلوك البشرى ليس رجما بالغيب أو قراءة للكف أو استطلاعا للنجوم أو تفسيرا للأحلام ( كما يفعل الكهّان والعرّافون الجدد على شاشات الفضائيات العربية هذه الأيام ) وإنما بناءا على معطيات تربط المقدمات بالنتائج وترجع الفروع إلى الأصول .

 

إذن لكى نفهم سلوك الشيعة أو أى طائفة دينية أو سياسية أو اجتماعية علينا أن نعود إلى الجذور النفسية المبكرة لها لتفسر لنا جزئيات السلوك الظاهرة والمتناثرة والتى يبدو أنها متفرقة أو غير مبررة أو غير مفهومة , أو غير مترابطة وهى فى الحقيقة ليست كذلك

 

لحظة قتل الحسين رضي الله عنه تشكل التركيبة النفسية للشيعة:

لا يمكن فهم الجوانب النفسية لأتباع المذهب الشيعي دون الرجوع إلى حادثة كربلاء التي استشهد فيها الحسين رضي الله عنه وعدد كبير من آل بيت النبي ( على الرغم من أن بدايات الشيعة تعود إلى أيام الإمام على كرم الله وجهه ) , حيث تعتبر هذه الحادثة من اللحظات شديدة التكثيف والترميز والإيحاء والتأثير ، فالحسين رضي الله عنه خرج من مكة إلى العراق رغم إشفاق الكثير من الصحابة عليه حيث لم يكن يملك العدة أو العدد اللازمين لملاقاة جيش يزيد ، وهو كان يعلم ذلك جيداً ، ولكنه كان حريصاً على إحياء معنى الحق في النفوس وضرب المثل بنفسه وبعشيرته في الوقوف ضد الظلم حتى ولو وقف وحيداً ، وجعل حياته في كفه وإرساء هذه المعاني في نفوس المسلمين في كفة ( خاصة وأن تنازل الحسن رضى الله عنه عن الخلافة لمعاوية قد قوبل لدى قطاع من المسلمين وقتها بأنه مهادنة لبنى أمية ) ، فهذه لحظة فاصلة تتحدد من خلالها قيماً ومعان هائلة تؤثر في التاريخ الإسلامي بل والتاريخ الإنساني كله. ومما يزيد من كثافة هذا الحدث وعمقه غدر أهل الكوفة الذين وعدوا الحسين رضي الله عنه بالنصرة ثم خذلوه وتركوه هو وعدد من خيرة آل بيت النبي يواجهون الموت في الصحراء عطشى وجوعى على أيدي جنود يزيد الذين لم يراعوا حرمة آل بيت النبي ولم يراعوا – شأنهم شأن أي حاكم مغتر بقوته وسطوته – أي قيم إنسانية فذبحوا الحسين وفصلوا رأسه عن جسده ولم يراعوا حرمته حياً أو ميتاً . هذا الحدث رسخ في الوجدان الشيعي الأشياء التالية :

 

1-   الشعور الشديد بالذنب تجاه الحسين رضي الله عنه فهم يشعرون أنه قتل وحيداً ولم يهبوا أو يهب أحد غيرهم لنصرته ، وأنهم تركوه يلاقي هذا المصير المؤلم وحده بيد عدو لدود لم يرع فيه إلاً ولا ذمة وهو من هو من شرف النسب ونبل المقصد .

2-   الإحساس الدائم بالحزن ، ذلك الحزن الذي لا تخطئه العين في وجوه أتباع المذهب الشيعي  ، وقد عبر الإمام على بن الحسين ( زين العابدين ) عن ذلك حين سأله الناس عن سر ذلك الحزن فقال: " إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف ولم يعلم أنه مات ، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة يوم واحد أفترون حزنهم يذهب من قلبي " ( البداية والنهاية لابن كثير ج 9 ، ص 107)

3-   الإحساس العميق بالظلم والغدر والشعور بالمرارة تجاه ما حدث والرغبة في الثأر ممن فعلوا ذلك أو تواطئوا فيه أو سكتوا عنه

4-   الخوف من الآخر والتشكك فيه واعتباره قابلاً للغدر في أي لحظة , وأخذ الحيطة والحذر إلى أقصى حد ممكن ليس فقط في الأفعال ولكن حتى في الكلام ، وهذا ما نشأ عنه مبدأ " التقيّة " الشهير في السلوك الشيعي .

5-   الانعزال عن سائر جماعة المسلمين ، فعلى الرغم من اشتراك الشيعة في كثير من شعائر الإسلام مع السنة إلا أنهم معزولون عقائدياً ووجدانياً عنهم ، وهناك الكثير من جدران الشك والتوجس لدى الجانبين بعضها تاريخي وبعضها عقائدي وبعضها سياسي . وقد فشلت محاولات متكررة في مراحل تاريخية مختلفة لكسر هذه العزلة وإيجاد صيغة للتقارب أو التفاهم أو حتى التعايش بين السنة والشيعة وكان وراء هذا الفشل عوامل نفسية ( ممثلة في حالة التشكك والتوجس بين الطرفين ، إضافة إلى مبدأ التقيّة الذي يهز ثقة السنة في أي وعود شيعية ) ، وعوامل عقائدية ( ممثلة في خلافات تبدو أساسية في العقيدة ومنها الإمامية كركن سادس للإسلام لدى الشيعة ، وموقف الشيعة من الصحابة وخاصة أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة رضوان الله عليهم ، تلك الخلافات التي يبدو صعوبة تجاوزها لدى الطرفين شأن أي أمر عقيدي ) ، وعوامل سياسية ( متمثلة في اختلاف توجهات أهل الحكم ومصالحهم بصرف النظر عن مصالح الشعوب ، إضافة إلى لعب القوى الخارجية خاصة أمريكا على وتر إثارة الصراع الطائفي بين السنة والشيعة بغية السيطرة الكاملة على منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط ) .

6-   محاولة امتلاك ناصية القوة بناءاً على مشاعر الظلم والاضطهاد والعزلة وذلك لحماية الذات من العدو البعيد ممثلاً في قوى الغرب غير المسلم ( تمثله أمريكا حالياً ) والعدو القريب ( تمثله الكتلة الإسلامية السنية وبوجه خاص التيار السلفي الوهابي ) . وربما نفهم في هذا السياق النفسي محاولات إيران المستميتة لامتلاك السلاح النووي ومحاولات التمدد الشيعي المنظم في لبنان والعراق ودول الخليج .

7-   التعظيم الذي يصل إلى التقديس : فمن شدة شعورهم بالذنب تجاه الحسين من ناحية ، ومن ناحية أخرى إعجابهم بشجاعته وصموده وتضحيته ، بالغوا كثيراً في التعامل معه ومع ذكراه ، وهذا الأمر له شبيه في تاريخ السيد المسيح عليه السلام حين حاول اليهود الغدر به وقتله وصلبه ، وهنا ظهرت مشاعر الذنب الشديدة لدى أتباعه من النصارى فعظموه لدرجة التأليه . فالشيعة تحت تأثير الشعور بالذنب يعطون لسيدنا الحسين رضي الله عنه مساحة في وعيهم تطغى على كل ما عداه وتنتقص في ذات الوقت من مساحة ومكانة الكثير من الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً ، والسبب وراء ذلك هو الشعور الشديد بالذنب والانطلاق من لحظة مقتله ، تلك اللحظة المليئة بمشاعر الألم والحسرة من ناحية والبطولة والصمود من ناحية أخرى . وهذا التعظيم والتقديس للحسين وعلى رضى الله عنهما وصل لدى الشيعة إلى حالة من الإستقطاب الوجدانى الشديد , بمعنى أن حبهم الهائل هذا جاء على حساب حب بقية الصحابة رضوان الله عليهم جميعا , بل كثيرا ما قابله مشاعر سلبية تجاه نفر من خيرة الصحابة بظن أنهم انتزعوا الخلافة من آل بيت النبى .

8-   المجتمع الأبوي : وفي أعماق وعي الشيعة إحساس بالتخلي عن الحسين وعن نصرته ، لذلك يظهر رد فعل عكسي فيما بعد في صورة الاحترام الشديد للأئمة من بعده واعتبارهم معصومين لا يسألون عما يفعلون ، ويصل الأمر إلى تقديسهم والانضواء تحت لوائهم بلا أي تحفظ , وحين انتهت سلسلة الأئمة المعصومين بالسيد الحسن العسكري واختفاء ابنه المهدي ( المشكوك فى وجوده من الأصل لدى علماء السنة ) ظهرت لديهم عقيدة انتظار الإمام الغائب والذي سيخرج من السرداب يوماً ما ليكون إمامهم ، وحتى في غيابه هم يأتمون به ، ويتخذون أحد أئمتهم نائباً عنه ويمتثلون له بالطاعة المطلقة ويسلمون له أنفسهم . ونجد أيضاً في العقيدة المسيحية مقابلاً لذلك يتمثل في  رجل الدين والذي يدعى بالأب ( أبونا ) الذي هو جدير بالطاعة والقداسة , ولديه صلاحيات من الرب بأن يستمع لاعترافات المذنبين ويمنحهم صكوك غفران .

   وهذه العقيدة الأبوية الإمامية لدى الشيعة تنبع من إحساسهم بأنهم أقلية وأن الأغلبية ربما تجور عليهم أو تغدر بهم أو تبيدهم ( كما حدث للحسين رضي الله عنه ) ، لذلك أعطاهم ذلك نوع من التماسك والإحساس بالأمان تحت راية الإمام المعصوم الذي يضفون عليه كل معاني القداسة والعصمة والاحترام ويطيعونه طاعة لا حدود لها وينسبونه إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويعتبرونه نائباً عن الإمام المهدي الغائب  . والعقيدة الإمامية لدى الشيعة تحمل سماتا ماسوشية ( طبقا لرأى الدكتور عبد المنعم الحفنى فى كتابه : الموسوعة النفسية الجنسية ) حيث أن قولهم بالإمام المعصوم يعلن عن حاجتهم الطفولية المستمرة لوجود إمام راشد يتولاهم عن أنفسهم ويسلمون له قيادهم . وعلى الرغم من طاعة الشيعة للإمام وانصياعهم الماسوشى الكامل له كمنصب إلهى ذكورى إلا أنهم يأخذون موقفا ساديا مع المرأة وأخصها السيدة عائشة , ولم يحدث فى تاريخ الأديان – حسب قول الدكتور الحفنى – أن نالت زوجة رسول من الذم والتحقير والتشويه ما نالته السيدة عائشة على لسان الشيعة .

وقد أدت العقيدة الإمامية فعلاً إلى حالة من التماسك حول سلطة (مرجعية ) دينية يتعدى تأثيرها المجال الديني في أوقات كثيرة إلى المجال السياسي والاجتماعي ، وإن كانوا في بعض الأحيان يحرصون على الفصل بين المرجعية الدينية والعمل السياسي المباشر إلا أن التأثير الروحي للمرجعية يتغلغل بشكل تلقائي في كل جوانب حياة الشيعة ، وأكبر دليل على ذلك مساهمة كل شيعي طواعية ب 5% من دخله يضعه تحت تصرف المرجعية الدينية ، وهذا عمل اقتصادي واجتماعي وسياسي وديني في ذات الوقت ، إضافة إلى ما نشهده من علو السلطة الدينية ( ممثلة في الإمام والملالي والمرجعيات والحوزات ) على أي سلطة سياسية أو اجتماعية أخرى .

 

9-   التكفير : يميل الشيعة في كثير من سلوكياتهم وطقوسهم إلى التكفير عما يشعرون به من ذنب داخلي تجاه مقتل الحسين ، وهذا يبدو في أوضح صوره في طقوس الاحتفال بعاشوراء وبذكرى مقتل الحسين حيث يمارسون ما يسمى بالطق ( أو الطج )  فيضربون وجوههم وصدورهم باليد أو العصى أو السياط كشعيرة تعبدية فيها تذلل لله سبحانه وتعالى حتى تدمى وجوههم وأجسادهم , وعلى الرغم من عنف هذه الشعيرة إلا أنهم يشعرون بعدها بحالة من الرضا والراحة والوله وأحيانا النشوة . والطق وسيلة بدائية للتكفير عن الذنب وهو بطبيعة الحال لن يعيد الحسين إلى الحياة , ولكنه من الناحية النفسية نكوص إلى مرحلة الطفولة حيث يعاقب الطفل المخطئ أو المذنب بالضرب .

10-التقيّة : وهي أن يخفي الإنسان الحقيقة كلها أو بعضها في مواقف يتوقع فيها الخطر أو الغدر من الآخرين وقد يبالغ البعض فيها فيعتبرونها جزءاً من عقيدة الشيعة ( كما قال أحد أئمتهم : التقية عقيدتي وعقيدة آبائي وأجدادي ) , وقد يعممها البعض فى كل المواقف فتصبح هى الأصل فى التعامل مع الآخر . والتقية هي أحد الإشكاليات الكبيرة في تعامل الآخرين مع الشيعة حيث تضع الثقة فيما يقولونه محل شك كبير ، فلا يدري أحد أهم يقصدون ما يقولون أم يقصدون عكسه . والتقية قد نشأت فى ظروف خاف الشيعة على أنفسهم من غدر يزيد بن معاوية ولكنها استمرت وصارت حولها الأقاويل لدرجة جعلت البعض يعتبرها واجبا دينيا أساسيا أن يخفى الشيعى حقيقة أفكاره وتوجهاته عن بقية الناس وأن يعلن غير ما يبطن .

 

من هنا نستطيع القول أن دماء الحسين التي سالت على أرض كربلاء كان لها أبعد الأثر في تشكيل الوجدان الشيعي ، وهذا يفسر لنا احتلال الحسين رضي الله عنه مساحة هائلة في ذلك الوجدان وقد تتجاوز هذه المساحة الحدود الآمنة لدى بعض طوائف الشيعة ، فردود الأفعال لهذا الحدث الجلل سيطرت على الكثير من السلوكيات الشيعية فيما بعد ، فمثلاً التقية , تشكل رد فعل لوقفة الحسين الصريحة والمتحدية في وجه الباطل ، وتقديس آل البيت ورفعهم لمستويات النبوة عند بعض الطوائف هو رد فعل مغالى فيه على التنكيل الشديد بهم في كربلاء ، وطقوس إيذاء الذات هى رد فعل على خذلان الحسين .

 

سيكولوجية الأقلية:

الشيعة على وجه العموم يشعرون أنهم أقلية ، فهم من الناحية العددية (حوالى  200 مليون على مستوى العالم إن صح هذا الرقم ) أقل من السنة ، وكثير منهم ( باستثناء من يعيشون في إيران ) يعتبرون أقلية في بلادهم أو يعاملون معاملة الأقلية , ويعيشون فى ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة نسبيا . والأقليات من الناحية النفسية والاجتماعية لا يشعرون بالأمان وهم يتوقعون القهر والتهميش والاستبعاد من الأغلبية ، لذلك تراهم يتسمون بالحذر والحيطة ويعمدون إلى العمل الجاد وإلى امتلاك نواصي القوة بالعلم أو المال أو الإعلام ، فليست لديهم رفاهية الاسترخاء والراحة وسط أغلبية ربما تتربص بهم أو تظلمهم , وهم يتحينون الفرصة لاسترداد الحقوق الضائعة أو المكانة المنقوصة .

والشيعة في كثير من البلدان ( باستثناء إيران كما ذكرنا) كانوا ينتمون إلى طبقات اجتماعية فقيرة ومحرومة ( فى لبنان أسسوا حزبا فى وقت مبكر أسموه حزب المحرومين نشأت عنه حركة أمل ثم حزب الله بعد ذلك  ) , ولذلك كانت تسعى تلك الطبقات إلى الصعود والترقي رغم الظروف غير المواتية المحيطة بهم سياسياً واجتماعياً ودينياً فعلى المستوى السياسي ينظر إليهم بشك على أنهم ينتظرون الفرصة للوثوب إلى السلطة أو على الأقل تكوين قوة سياسية أو عسكرية مؤثرة ، وعلى المستوى الاجتماعي ينظر إليهم كأقلية مغلقة لها تقاليدها وأعرافها الخاصة ، وعلى المستوى الديني توجه لهم انتقادات نحو بعض معتقداتهم تختلف حدتها من طائفة دينية لأخرى ولكنها تبلغ حدتها من ناحية التيار السلفي والذي يرى في عقيدة الشيعة كثير من المثالب ويعزو إليهم ( كلهم بلا استثناء أو تفريق بين طائفة وأخرى ) سب الصحابة ووضع الأحاديث وتغيير أركان الإسلام بوضع ركن سادس هو الاعتقاد في الإمام المعصوم وولاية الفقيه والاعتقاد في الإمام الغائب والتشكيك فى المصحف المتداول لدى المسلمين حاليا وادعاء وجود ما يسمى بمصحف فاطمة .

 

المساحات المشتركة والاختلافات العميقة :

لو بحثت عن مساحات مشتركة بين السنة والشيعة فلن تعدم ذلك فهم يشتركون في الإيمان بالله وبرسله وبخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم ويشتركون في غالبية الشعائر التعبدية وتراهم يؤدون مناسك العمرة والحج فى أرض الحجاز جنبا إلى جنب مع السنة ، ولو بحثت في مناطق خلاف واختلاف فلن تعدم ذلك متمثلاً في الموقف من بعض الصحابة والعقيدة الإمامية ومبدأ التقية ويصل الاختلاف لدى بعض الطوائف على الجانبين إلى حد التكفير المتبادل .

والأمر له جانب نفسي هام حيث يتوقف على الطبيعة النفسية لصاحب الرؤية ودوافعه ومصالحه وانتماءاته ، فلو كان متسامحاً واسع الأفق محتملاً للخلاف لرأيته أكثر ميلاً لرؤية مساحات الاتفاق ( وهي كثيرة ) والرغبة في التعايش وتبادل المصالح ، أما لو كان غير ذلك لوجدته ينتقي من بين صفحات الكتب وصفحات التاريخ كل عوامل الشك والبغضاء والكراهية ليؤكد لك أن الصراع والاقتتال بين السنة والشيعة هو الحل ليحيى من حيى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، وهو هنا يعطي أولوية للصراع العقائدي بين السنة والشيعة على الصراع القائم حالياً بين الإسلام من ناحية والمعسكر الصهيوأمريكي من ناحية أخرى .

 

رهاب الشيعة :

كانت الشيعة في الماضي تمثل أقلية عددية ( وما زالت ) لا يؤبه لها كثيراً وسط المحيط السني الهادر ، وكان زمام المبادرات بيد الجانب السني صاحب الأغلبية العددية وصاحب التيار الحضاري الأساسي ، ثم حدثت تحولات في ربع القرن الأخير جعلت الدول الرئيسة فى التيار السنى تتراجع عن دورها القيادى والحضارى فى المنطقة وتقنع بالدوران فى فلك القوى الكبرى مما أفقدها ( على المستوى الرسمى بالذات ) بوصلة توجهها الإسلامى ( أو القومى أو الوطنى ) الأصيل فصدرت فى كثير من قراراتها من منطلق المجاملة أو الإنصياع لضغوط وابتزازات القوى الكبرى التى تسعى لتحقيق مصالحها والتى هى بالضرورة معاكسة لمصالح المسلمين والعرب ومتناقضة معها فى أغلب الأحوال . وقد قام ما يشبه التحالف بين حكام الدول الإسلامية السنية الرئيسة وبين المعسكر الأمريكى وذلك لخدمة المصالح الأمريكية من جانب ولخدمة بقاء كراسى وعروش حكام تلك الدول من ناحية أخرى , وقد أدى هذا إلى انشقاقات وتصدعات شديدة داخل المجتمعات السنية مما أدى إلى حالة انشقاق بين أنظمة الحكم وبين الشعوب وخاصة الجماعات التى تتبنى فكرا إسلاميا بشكل أو بآخر , وأدى هذا إلى تنامى تيارات المعارضة الدينية وإلى ظهور بعض الفرق التى لجأت للعنف بدرجاته المختلفة كسلاح أشهرته فى وجه السلطة التى تراها انحرفت عن المسار الصحيح سعيا نحو مصالحها الذاتية . فى ذات الوقت كانت هناك أحداثا مختلفة تجرى فى المعسكر الشيعى فقد نجح الإمام الخومينى فى قيادة ثورة شعبية ناجحة للإطاحة بشاه إيران الموالى لأمريكا وإنشاء نظام وطنى قائم على المبادئ الدينية الشيعية , ورغم محاربة العالم كله لهذه الثورة إلا أنها ثبتت وشكلت بناءا تنظيميا متماسكا يجمع بين المبادئ الدينية والدنيوية ويحقق استقلالية حقيقية ويكسر التبعية لأمريكا . وقد استطاع النظام الإيرانى أن يكسب المعارك السياسية مع أمريكا والغرب ويحافظ على مصالحه واستقراره بشكل ملفت للنظر , وهاهو الآن يخوض معركة تبدو ناجحة حتى الآن فى سبيل امتلاكه للسلاح النووى ( فى الوقت الذى سلمت واستسلمت فيه حكومات الدول السنية للإرادة الأمريكية والإسرائيلية بالتخلى عن أى سلاح أو موقف ذو أهمية على الرغم من الإذلال الأمريكى والإسرائيلى لهم فى كل لحظة من حياتهم ) , يضاف إلى ذلك ما تحقق من قيام تجربة ديموقراطية حقيقية أدت إلى تداول السلطة ( المشروط والمحكوم بولاية الفقيه ) فى إيران ( فى الوقت الذى تعيش فيه غالبية الدول الإسلامية السنية إن لم تكن كلها فى حالة استبداد سياسى مزمن وبائس ) , وفوق كل ذلك تلك الكاريزما الهائلة التى تمتع بها الإمام الخومينى فى حياته وبعد مماته كرجل دين وكسياسى وكقائد لأكبر ثورة شعبية دينية فى القرن العشرين .

وقد تلا ذلك عمليات تمدد شيعى منظم فى لبنان والعراق وبعض دول الخليج , وهذا التمدد يزداد يوما بعد يوم , ويعضده فى هذه الأيام نشاط حزب الله فى لبنان بقيادة شخصية بارزة ومؤثرة وآثرة هى شخصية حسن نصرالله , ذلك الزعيم الشيعى الذى نجح فى تكوين صورة للبطل الحر الواعى المستنير المتدين , واستطاع بذكائه الحاد أن يخاطب الجماهير العربية والإسلامية خطابا يتجاوز الحدود العرقية والطائفية ( فلا يذكر كلمة توحى بالخلافلات العقائدية أو المذهبية الصادمة ) , ويحيى فى نفوسهم معانى العزة والكرامة والشجاعة والتضحية ( التى يعرف أنهم يشتاقون إليها بعد انكسارات حكوماتهم أمام الطغيان الأمريكى والغطرسة الإسرائيلية ) , وهو قد قاد حزب الله فى معركة تحرير الجنوب واضطر إسرائيل للإنسحاب ثم قاد الحرب السادسة فى يوليو وأغسطس 2006 ضد إسرائيل وخرج منها منتصرا بعدة مئات من المقاتلين على دولة إسرائيل التى تمتلك ( أو تدّعى امتلاك ) أكبر جيش فى المنطقة  , وصمد للغطرسة الإسرائيلية والأمريكية والتواطؤ العالمى فى الوقت الذى ارتعشت فيه أنظمة الحكم العربية واختبأت أو تواطأت أو انحنت .

نصل فى النهاية إلى وضع جعل المعسكر السنى فى وضع سئ على المستوى السياسى والعسكرى والإجتماعى فى الوقت الذى كسب فيه المعسكر الشيعى جولات عديدة على تلك المستويات , وهذا جعل العديد من الشباب والمثقفين ينظرون بإعجاب إلى قيادات الشيعة

( راجع المظاهرات فى كل مكان وهى تحمل صور حسن نصر الله وراجع صفحات الجرائد والمجلات وهى تضع صورا شامخة له على أغلفتها وبجانبه صورا مطأطئة لحكام عرب أو مسلمين ) .

وقد أدى هذا إلى وجود حالة من الهلع على المستويين السياسى والدينى فى الدول السنية , فالسياسيون يخشون تنامى الإنبهار والإعجاب بالقيادات الكاريزمية الشيعية وعلى رأسها حسن نصرالله على حساب شعبيتهم التى تدهورت كثيرا بسبب مواقفهم المترددة المرتعشة وانشغالهم بمصالحهم الذاتية فى التشبث بالحكم والتوريث , ولهذا بادروا بتوجيه اتهامات لحزب الله بالتهور وجر الأمة العربية إلى حرب غير متكافئة وغير مبررة , ولكن هذه الإتهامات انهارت مع صمود المقاومة اللبنانية وانتصارها على الهجمة الصهيوأمريكية . أما على المستوى الدينى فقد خاف الدعاة على الشباب السنى من ذلك الإنبهار بالصعود الشيعى العسكرى والسياسى والإنبهار بشخصية حسن نصر الله الساحرة ( 128 مولودا فى الإسكنرية حملوا اسم حسن نصرالله وصوره تملأ الشوارع والبيوت وشاشات التلفاز ) لذلك همّ التيار السلفى بوجه خاص بإصدار الفتاوى والكتب والأشرطة التى تبين حقيقة العقيدة الشيعية , وموقف الشيعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشكلات التقيّة والإمام الغائب وعصمة الإمام ومصحف فاطمة والمواقف التاريخية التى توضح العداء القديم والمستحكم بين السنة والشيعة . وقد وقف العديد من خطباء المساجد خاصة مساجد أنصار السنة فى مصر ومساجد عديدة فى دول الخليج يحذرون الناس من مناصرة الشيعة ومن الإنبهار بهم وبقادتهم , ولكن هذا كان يقابل برفض شعبى نظرا للظروف والملابسات التى شرحناها من قبل ( وحدثت كثير من المشادات بين الدعاة والمصلين حول هذا الأمر ) , فهم ( أى الناس ) يرون أن علماء السنة اكتفوا بالظهور المدفوع الأجر على شاشات الفضائيات والوقوف على المنابر الفخمة أو الجلوس فى الغرف المكيفة أو الإستمتاع بالزيجات المتعددة فى القصور الفخمة , فى حين يرون حسن نصر الله يقف فى الميدان رافعا رأسه تحت قصف الطائرات الإسرائيلية الأمريكية وقد قدم ابنه هادى نصر الله شهيدا من قبل فى معارك تحرير الجنوب اللبنانى .

إذن فهناك تهديد حقيقى بالإختراق الشيعى ( على المستوى السياسى أو الفكرى أو الوجدانى أو حتى الدينى ) للمجتمعات السنية , ويوازى هذا الإختراق تمددا وتمكننا شيعيا فى العراق ولبنان والبحرين والسعودية والإمارات وعمان وغيرها . وهذا الإختراق وذلك التمدد والتمكين يخلق الآن حالة من الرعب لدى السياسيين ورجال الأمن وعلماء التيار السلفي , وهذا الرعب وهذا الإختراق لن يوقفه كلام أو تحذير وإنما يوقفه مراجعة شاملة لمظاهر الإنكسار والإنحدار فى جوانب حياة المجتمعات السنية , ولن يكفى التخويف الأمنى أو التشكيك السياسى أو التكفير العقيدى لإيقاف هذا الزحف الشيعى .

وأكبر تهديد الآن للرموز السياسية والدينية السنية هو شخصية حسن نصر الله والذى ظهر فى صورة البطل الشعبى الذى يعيد للناس ثقتهم بأنفسهم واعتزازهم بكرامتهم وشرفهم والوقوف فى وجه أعدائهم الذين يذيقونهم كل ألوان العذاب والهوان , كل هذا فى الوقت الذى تدعو فيه قيادات سنية كثيرة إلى التحلى بالموضوعية والواقعية وضبط النفس ( أو خنقها ) وإلى عدم الوقوف أمام إسرائيل التى نعجز عن حربها وعدم الوقوف أمام أمريكا التى تتحكم فى مصير العالم . كل هذا يخلق خللا نفسيا يدفع الشباب إلى التوحد مع البطل الشعبى خاصة إذا أثبتت الأحداث مصداقيته , والإنصراف عن قياداته التى تأكد له مع الزمن حرصها على مصالحها الخاصة , كما أن هذه القيادات دائما ما تدعوه إلى طأطأة الرأس والركوع لكل قوى الأرض الظالمة بدعوى الواقعية وعدم التهور . والشباب ( ومعه حتى الكبار من المقهورين والمكسورين ) إذ يتوحد مع البطل الشعبى سوف ينسى أو يتناسى الإشكالات العقيدية التى ربما تفصله عن هذا البطل .

 

احتمالات التعايش والصراع :

 

جرت محاولات كثيرة فى فترات تاريخية متعددة للتقريب بين السنة والشيعة ( استعرضها الأخ العزيز الدكتور محمد إسماعيل المقدم فى عدد كبير من محاضراته المسجلة والتى أمدنى بها ) , وكانت هذه المحاولات تتمحور حول الجانب الدينى , وكان أصحاب هذه المحاولات يحدوهم الأمل فى التقريب بين رؤى الطرفين ومحاولة تصفية الخلافات العميقة خاصة فى الجانب العقيدى , ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل لسبب بسيط وجوهرى وهو أن أصحاب العقائد ليسوا على استعداد لأن يغيروا عقائدهم ليرضوا أطرافا أخرى أو ليتقاربوا معهم , لذلك فإن محاولات التقريب الدينى تكاد تكون مستحيلة من الناحية النفسية لأن العقائد غير قابلة للنقاش أو التصحيح لدى كثير من البشر.

فننحن أمام مشكلات نفسية وتاريخية ودينية عميقة الجذور ( على الرغم من المساحات المشتركة) تحول دائماً دون التعايش بين السنة والشيعة على الرغم من ضرورة ذلك وإلحاحه الآن ( وعلى الرغم من تعايش الطرفين مع أطراف أخرى غير إسلامية ) , حيث أن البديل لذلك هو حالة من الاستقطاب الشديد بين الشيعة والسنة يتبعها حالة من المواجهة تؤججها قوى خارجية على رأسها أمريكا وإسرائيل وتدعو إليها قوى داخلية لدى الطرفين تشهر سلاح التكفير أو التفسيق أو الخوين أو التآمر ، ولو نجح الاحتمال الثاني فإن ذلك يعني انتحار الأمة الإسلامية بشقيها السني والشيعي لحساب قوى الاستكبار العالمي ولحساب حكام وأمراء دول أو جماعات قصرت رؤاهم عن استشراف آفاق للتعايش بين البشر على اختلاف معتقداتهم وأحوالهم ، فمما لا شك فيه أن المسرح الشرق أوسطي يعد حالياً لمواجهة سنية شيعية بديلاً للمواجهة الإسلامية مع المعسكر الصهيوأمريكي ، ولو لم يعلو صوت العقلاء والمعتدلين في السنة والشيعة للدعوة إلى التعايش ( وليس التقارب العقيدي المستحيل كما ذكرنا ) وتبادل المصالح وقبول الاختلافات فإن الطوفان سيأخذ الجميع ، ونسأل الله السلامة ، الأ هل بلغت اللهم فاشهد .

 

مراجع الدراسة :

1 – أبوحامد الغزالى . الشيعة : عجم ملحدون ؟ أم عرب موحدون ؟ . تقديم وتعليق إيهاب كمال , 2006 , الحرية للنشر والتوزيع , القاهرة

2 – كمال أبو المجد . السنة والشيعة والحاجة إلى حوار جديد ( فى كتاب : حوار لا مواجهة ) , مهرجان القراة للجميع , مكتبة الأسرة 2002 القاهرة

3- محمد إسماعيل المقدم . محاضرات مسجلة عن بطلان وفشل محاولات التقريب بين السنة والشيعة  2006 ( باتصال شخصى )

4 – محمد الحسين آل كاشف الغطاء . عقائد الشيعة . الطبعة الأولى 2006 , مكتبة النافذة , القاهرة

5 – يوليوس فلهوزن . الخوارج والشيعة : المعارضة السياسية الدينية . الطبعة الخامسة 1998 , دار الجليل للكتب والنشر , القاهرة

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى

أعلى الصفحة

تقييم الموضوع:

 ممتاز

 جيد جداً

 جيد

 مقبول

 ضعيف

العنوان الالكترونى (اذا اردت التواصل)

 

إضافة تعليق:

 

 

   
 
الصفحة الرئيسية

مستشفى أبو العزائم

مجلة النفس المطمئنة

الموسوعة النفسية

العيادة النفسية

مشاكل الإدمان

مشاكل الطفولة

مشاكل الشباب

مشاكل المرأة

الموسوعة الطبية

حقيقة المرض النفسى

اللجنة الاستشارية

مشاكل القراء

 

 

 

دليل المواقع النفسية العربية